الأحد، 17 يناير 2016

لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ
روى وكيع في تفسيره عن شريك, عن أبي إسحاق, عن عمرو بن ميمون {لن تنالوا البر} قال: الجنة, وقال الإمام أحمد: حدثنا روح, حدثنا مالك, عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة, سمع أنس بن مالك, يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً, وكان أحب أمواله إليه بيرحاء, وكانت مستقبلة المسجد, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب, قال أنس: فلما نزلت {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال أبو طلحة: يا رسول الله, إن الله يقول {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}, وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء, وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى, فضعها يا رسول الله حيث أراك الله, فقال النبي صلى الله عليه وسلم, «بخ بخ ذاك مال رابح, ذاك مال رابح, وقد سمعت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين», فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله, فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه, أخرجاه, وفي الصحيحين أن عمر قال يا رسول الله لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر, فما تأمرني به ؟ قال: حبس الأصل وسبل الثمرة» وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني, حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا محمد بن عمرو, عن أبي عمرو بن حماس, عن حمزة بن عبد الله بن عمر, قال: قال عبد الله: حضرتني هذه الاَية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا ممما تحبون} فذكرت ما أعطاني الله, فلم أجد شيئاً أحب إليّ من جارية لي رومية , فقلت: هي حرة لوجه الله, فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها, يعني تزوجتها.

** كُلّ الطّعَامِ كَانَ حِـلاّ لّبَنِيَ إِسْرَائِيلَ إِلاّ مَا حَرّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىَ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزّلَ التّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتّبِعُواْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
قال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم, حدثنا عبد الحميد, حدثنا شهر, قال: قال ابن عباس حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي, قال: «سلوني عما شئتم, ولكن اجعلوا لي ذمة الله, وما أخذ يعقوب على بنيه, لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني على الإسلام» قالوا: فذلك لك, قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: اخبرنا عن أربع خلال: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه ؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل ؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى ؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم, ومن وليه من الملائكة ؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه, فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً وطال سقمه, فنذر لله نذراً لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه, وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل, وأحب الشراب إليه ألبانها» ؟ فقالوا: اللهم نعم: قال: «اللهم اشهد عليهم». وقال «أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو, الذي أنزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ, وماء المرأة أصفر رقيق, فأيهما علا كان له الولد, والشبه بإذن الله إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكراً بإذن الله, وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله» ؟ قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد عليهم». وقال: «أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه, ولا ينام قلبه» ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: «اللهم اشهد» قالوا: وأنت الاَن فحدثنا من وليك من الملائكة ؟ فعندها نجامعك و نفارقك قال: «إن وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه, قالوا: فعندها نفارقك, لو كان وليك غيره لتابعناك, فعند ذلك قال الله تعالى: {قل من كان عدواً لجبريل} الاَية, ورواه أحمد أيضاً عن حسين بن محمد عن عبد الحميد به,
(طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري, حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي, عن بكير بن شهاب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا يا أبا القاسم, إنا نسألك عن خمسة أشياء, فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك, فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال {والله على ما نقول وكيل} قال« هاتوا» قالوا: أخبرنا عن علامة النبي قال: «تنام عيناه ولا ينام قلبه», قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة, وكيف تذكر ؟ قال: «يلتقي الماءان, فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة, أذكرت, وإذا علا ماء المرأة أنثت» قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه ؟ قال: كان يشتكي عرق النسا, فلم يجد شيئاً يلائمه إلا ألبان كذا وكذا ـ قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل ـ فحرم لحومها» قالوا: صدقت, قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد ؟ قال: «ملك من ملائكة الله عز وجل موكل بالسحاب بيده ـ أو في يديه ـ مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله عز وجل» قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع ؟ قال «صوته». قالوا صدقت, إنما بقيت واحدة, وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها, إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك ؟ قال: «جبريل عليه السلام», قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا, لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر, لكان, فأنزل الله تعالى: {قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين} والاَية بعدها, وقد رواه الترمذي والنسائي, من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه, وقال الترمذي : حس غريب, وقال ابن جريج والعوفي عن ابن عباس: كان إسرائيل عليه السلام ـ وهو يعقوب ـ يعتريه عرق النسا بالليل, وكان يقلقه ويزعجه عن النوم, ويقلع الوجع عنه بالنهار, فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقاً ولا يأكل ولد ما له عرق, وهكذا قال الضحاك والسدي, كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره, قال: فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استناناً به واقتداء بطريقه, قال: وقوله {من قبل أن تنزل التوراة} أي حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة, قلت: ولهذا السياق بعدما تقدم مناسبتان {إحداهما} أن إسرائيل عليه السلام حرم أحب الأشياء إليه وتركها لله, وكان هذا سائغاً في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فهذا هو المشروع عندنا,وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه, كما قال تعالى: {وآتى المال على حبه} وقال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه} الاَية.
(المناسبة الثانية) لما تقدم بيان الرد على النصارى, واعتقادهم الباطل في المسيح وتبيين زيف ما ذهبوا إليه وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأمه, كيف خلقه الله بقدرته ومشيئته وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه تبارك وتعالى, شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع, فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحاً عليه السلام لما خرج من السفينة, أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها, ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحمان الإبل وألبانها فاتبعه بنوه في ذلك, وجاءت التوراة بتحريم ذلك, وأشياء أخرى زيادة على ذلك, وكان الله عز وجل قد أذن لاَدم في تزويج بناته من بنيه, وقد حرم ذلك بعد ذلك , وكان التسري على الزوجة مباحاً في شريعة إبراهيم عليه السلام, وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة, وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم, وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغاً, وقد فعله يعقوب عليه السلام جمع بين الأختين, ثم حرم عليهم ذلك في التوراة, وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم, وهذا هو النسخ بعينه, فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح عليه السلام, في إحلاله بعض ما حرم في التوراة, فما بالهم لم يتبعوه ؟ بل كذبوه وخالفوه ؟ وكذلك ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من الدين القويم, والصراط المستقيم, وملة أبيه إبراهيم, فما بالهم لا يؤمنون ؟ ولهذا قال تعالى: {كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} أي كان حلاً لهم, جميع الأطعمة قبل نزول التوراة إلا ما حرمه إسرائيل, ثم قال تعالى: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} فإنها ناطقة بما قلناه {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون} أي فمن كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائماً, وأنه لم يبعث نبياً آخر يدعو إلى الله بالبراهين والحجج بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه {فأولئك هم الظالمون} ثم قال تعالى: {قل صدق الله} أي قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن, {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} أي اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية, وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم, كما قال تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم * ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} وقال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}.

** إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنّ الله غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ
يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم, يطوفون به, ويصلون إليه, ويعتكفون عنده {للذي ببكة} يعني الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه, ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه, ولهذا قال تعالى: {مباركاً} أي وضع مباركاً {وهدى للعالمين} وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الأعمش, عن إبراهيم التيمي, عن أبيه, عن أبي ذر رضي الله عنه, قال: قلت يا رسول الله, أي مسجد وضع في الأرض أول ؟ قال «المسجد الحرام». قلت: ثم أي ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما ؟ قال: «أربعون سنة». قلت: ثم أي ؟ قال: «ثم حيث أدركتَ الصلاة فصل فكلها مسجد» وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح, حدثنا سعيد بن سليمان, عن شريك, عن مجالد, عن الشعبي, عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً} قال: كانت البيوت قبله, ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله. وحدثنا أبي, حدثنا الحسن بن الربيع, حدثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن خالد بن عرعرة, قال: قام رجل إلى علي رضي الله عنه, فقال: ألا تحدثني عن البيت, أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ قال: لا, ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم, ومن دخله كان آمناً, وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت, وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول سورة البقرة فأغنى عن إعادته هنا, وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقاً, والصحيح قول علي رضي الله عنه. فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة, عن يزيد بن أبي حبيب, عن أبي الخير, عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً «بعث الله جبريل إلى آدم وحواء, فأمرهما ببناء الكعبة, فبناه آدم, ثم أمر بالطواف به, وقيل له: أنت أول الناس, وهذا أول بيت وضع للناس» فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف. والأشبه. والله أعلم, أن يكون هذا موقوفاً على عبد الله بن عمرو, ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب.
وقوله تعالى: {للذي ببكة} بكة من أسماء مكة على المشهور, قيل: سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها وقيل: لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون. قال قتادة: إن الله بك به الناس جميعاً, فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها, وكذا روى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب ومقاتل بن حيان. وذكر حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: مكة من الفج إلى التنعيم, وبكة من البيت إلى البطحاء, وقال شعبة, عن المغيرة, عن إبراهيم: بكة البيت والمسجد, وكذا قال الزهري. وقال عكرمة, في رواية, وميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة, وما وراء ذلك مكة. وقال أبو صالح وإبراهيم النخعي وعطية العوفي ومقاتل بن حيان: بكة موضع البيت وما سوى ذلك مكة, وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة, وبكة, والبيت العتيق, والبيت الحرام, والبلد الأمين, والمأمون, وأم رحم, وأم القرى, وصلاح, والعرش على وزن بدر, والقادس لأنها تطهر من الذنوب, والمقدسة, والناسة بالنون, وبالباء أيضاً والحاطمة, والنسّاسة, والرأس, وكوثاء والبلدة, والبنية, والكعبة.
وقوله تعالى: {فيه آيات بينات} أي دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم, وأن الله عظمه وشرفه, ثم قال تعالى: {مقام إبراهيم} يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران, حيث كان يقف عليه ويناوله إسماعيل, وقد كان ملتصقاً بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف منه, ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف, لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وقد قدمنا الأحاديث في ذلك فأغنى عن إعادتها ههنا, و لله الحمد والمنة. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} أي فمنهنّ مقام إبراهيم والمشْعَر. وقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة, وكذا روى عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم, وقال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة:
وموطىء إبراهيم في الصخر رطبةعلى قدميه حافياً غير ناعل

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد وعمرو الأودي, قالا: حدثنا وكيع, حدثنا سفيان عن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس, في قوله تعالى: {مقام إبراهيم} قال: الحرم كله مقام إبراهيم, ولفظ عمرو: الحجر كله مقام إبراهيم, وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: الحج مقام إبراهيم هكذا رأيته في النسخة, ولعله الحجر كله مقام إبراهيم, وقد صرح بذلك مجاهد. وقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء, وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية, كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم, فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو يحيى التّيْمي, عن عطاء, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله تعالى {ومن دخله كان آمنا} قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت, ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى, فإذا خرج أخذ بذنبه, وقال الله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم} الاَية, وقال تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره, وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها, كما ثبتت الأحاديث والاَثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعاً وموقوفاً. ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فتح مكة «لا هجرة ولكن جهاد ونية, وإذا استنفرتم فانفروا» وقال يوم الفتح فتح مكة «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض, فهو حرام بحرمة الله, إلى يوم القيامة, وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي, ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار, فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه, ولا ينفر صيده, ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها, ولا يختلى خلاها» فقال العباس: يا رسول الله, إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم, فقال «إلا الإذخر», ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه, ولهما واللفظ لمسلم أيضاً عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي, وأبصرته عيناي حين تكلم به, إنه حمد الله وأثنى عليه, ثم قال «إن مكة حرمها الله, ولم يحرمها الناس, فلا يحل لامريء يؤمن با لله واليوم الاَخر أن يسفك بها دماً, ولا يعضد بها شجرة, فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم, وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار, وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب». فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو ؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح, إن الحرم لا يعيذ عاصياً, ولا فاراً بدم, ولا فاراً بخَزْية, وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا يحل لأحد كم أن يحمل بمكة السلاح» رواه مسلم. وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحَزْوَرَة بسوق مكة, يقول «والله إنك لخير أرض الله, وأحب أرض الله إلى الله, ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». رواه الإمام أحمد, وهذا لفظه, والترمذي والنسائي وابن ماجه, وقال الترمذي: حسن صحيح, وكذا صَحّح من حديث ابن عباس نحوه وروى أحمد عن أبي هريرة نحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان, حدثنا أبو عاصم, عن زريق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم, حدثني زياد ابن أبي عياش, عن يحيى بن جعدة بن هبيرة في قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} قال: آمناً من النار. وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان, حدثنا أحمد بن عبيد, حدثنا محمد بن سليمان الواسطي, حدثنا سعيد بن سليمان, حدثنا ابن المؤمل عن ابن محيصن, عن عطاء, عن عبد الله بن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من دخل البيت دخل في حسنة, وخرج من سيئة, وخرج مغفوراً له» ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل, وليس بالقوي. وقوله {و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله {وأتموا الحج والعمرة لله}, والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده, وأجمع المسلمون على ذلك إجماعاً ضرورياً, وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا الربيع بن مسلم القرشي, عن محمد بن زياد, عن أبي هريرة, قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال «أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا» فقال رجل: أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» ثم قال «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم, وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم, وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه», ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون به نحوه. وقد روى سفيان بن حسين وسليمان بن كثير وعبد الجليل بن حميد ومحمد بن أبي حفصة عن الزهري, عن أبي سنان الدؤلي واسمه يزيد بن أمية, عن ابن عباس رضي الله عنه, قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج» فقام الأقرع بن حابس, فقال: يا رسول الله أفي كل عام ؟ فقال «لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها, الحج مرة فمن زاد فهو تطوع» رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه, والحاكم من حديث الزهري به, ورواه شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه. وروي من حديث أسامة بن يزيد.
قال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان عن علي بن عبد الأعلى, عن أبيه, عن أبي البَخْتَري, عن علي رضي الله عنه, قال: لما نزلت {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قالوا: يا رسول الله في كل عام ؟ فسكت, قالوا: يا رسول الله في كل عام ؟ قال «لا, ولو قلت نعم لوجبت», فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} وكذا رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث منصور بن وردان به, ثم قال الترمذي, حسن غريب, وفيما قال نظر, لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي. وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير, حدثنا محمد بن أبي عبيدة عن أبيه, عن الأعمش, عن أبي سفيان, عن أنس بن مالك, قال: قالوا: يا رسول الله, الحج في كل عام ؟ قال«لو قلت نعم لوجبت, ولو وجبت لم تقوموا بها, ولو لم تقوموا بها, لعذبتم». وفي الصحيحين من حديث ابن جريج عن عطاء, عن جابر, عن سراقة بن مالك, قال يا رسول الله, متعتنا هذه لعامنا هذا, أم للأبد ؟ قال «لا, بل للأبد». وفي رواية «بل لأبد أبد».
وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال لنسائه في حجته «هذه ثم ظهور الحصر ـ يعني ثم الزمن ظهور الحصر ـ ولا تخرجن من البيوت» وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعاً بنفسه, وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام, قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا إبراهيم بن يزيد, قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما, قال قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من الحاج يا رسول الله ؟ قال: «الشعث التفل», فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله ؟ قال: «العج والثج», فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله ؟ قال: «الزاد والراحلة», وهكذا رواه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي, قال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديثه, وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه, كذا قال ههنا وقال في كتاب الحج: هذا حديث حس. لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الخوزي هذا, وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث, لكن قد تابعه غيره, فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري, حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي, عن محمد بن عباد بن جعفر, قال: جلست إلى عبد الله بن عمر, قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما السبيل ؟ قال «الزاد والراحلة» وهكذا رواه ابن مردويه من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير به ثم قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك, وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى من حديث أنس وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعائشة كلها مرفوعة, ولكن في أسانيدها مقال كما هو مقرر في كتاب الأحكام, والله أعلم. وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث, ورواه الحاكم من حديث قتادة عن حماد بن سلمة, عن قتادة, عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله عز وجل {من استطاع إليه سبيلاً} فقيل: ما السبيل ؟ قال «الزاد والراحلة», ثم قال: صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب, حدثنا ابن علية عن يونس, عن الحسن, قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} فقالوا: يا رسول الله ما السبيل ؟ قال «الزاد والراحلة», ورواه وكيع في تفسيره عن سفيان, عن يونس به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أنبأنا الثوري, عن إسماعيل وهو أبو إسرائيل الملائي, عن فضيل, يعني ابن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تعجلوا إلى الحج ـ يعني الفريضة ـ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي, عن مهران بن أبي صفوان, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أراد الحج فليتعجل» ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي معاوية الضرير به. وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله {من استطاع إليه سبيلاً} قال: من ملك ثلثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلاً, وعن عكرمة مولاه أنه قال: السبيل الصحة وروى وكيع بن الجراح عن أبي جناب يعني الكلبي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس, قال {من استطاع إليه سبيلاً} قال «الزاد والبعير» وقوله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه. وقال سعيد بن منصور عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن عكرمة, قال: لما نزلت {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} قالت اليهود: فنحن مسلمون, قال الله عز وجل: فاخْصِمهم فحجهم, يعني فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلاً» فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا, قال الله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر, حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود, حدثنا مسلم بن إبراهيم, وشاذ بن فياض, قالا: حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني, حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن الحارث, عن علي رضي الله عنه,قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ملك زاداً وراحلة ولم يحج بيت الله, فلا يضره مات يهودياً أو نصرانياً, ذلك بأن الله قال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً * ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} ورواه ابن جرير من حديث مسلم بن إبراهيم به, وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي: حدثنا هلال بن فياض, حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني, فذكره بإسناده مثله, ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي عن مسلم بن إبراهيم, عن هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي به, وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه, وفي إسناده مقال, وهلال مجهول, والحارث يضعف في الحديث. وقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس بمحفوظ. وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر, حدثني عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: من أطاق الحج فلم يحج, فسواء عليه يهودياً مات أو نصرانياً, وهذا إسناد صحيح إلى عمر رضي الله عنه. وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري, قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة فلم يحج, فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين, ما هم بمسلمين.

** قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ
هذا تعنيف من الله تعالى للكفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق, وكفرهم بآيات الله, وصدهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم, مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله, بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين والسادة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن, وما بشروا به ونوهوا به من ذكر النبي الأمي الهاشمي العربي المكي سيد ولد آدم, وخاتم الأنبياء, ورسول رب الأرض والسماء, وقد توعدهم الله على ذلك, وأخبر بأنه شهيد على صنيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء ومعاملتهم الرسول المبشر به بالتكذيب والجحود والعناد, فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون, أي وسيجزيهم على ذلك {يوم لا ينفع مال ولا بنون}.                                                                            ===يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىَ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ
يحذر تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وما منحهم به من إرسال رسوله, كما قال تعالى: {ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم} الاَية, وهكذا قال ههنا {إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين} ثم قال تعالى: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} يعني أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه, فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلاً ونهاراً, وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم, وهذا كقوله تعالى: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين} الاَية بعدها. وكما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال لأصحابه يوماً «أي المؤمنين أعجب إليكم إيماناً ؟» قالوا: الملائكة. قال: «وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم» ؟ وذكروا الأنبياء, قال «وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟» قالوا: فنحن. قال «وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟» قالوا: فأي الناس أعجب إيماناً ؟ قال «قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها» وقد ذكرت سند هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري, ولله الحمد, ثم قال تعالى: {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} أي ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية, والعدّة في مباعدة الغواية, والوسيلة إلى الرشاد, وطريق السداد وحصول المراد.

** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النّارِ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن عن سفيان وشعبة عن زبيد اليامي, عن مرة, عن عبد الله هو ابن مسعود {اتقوا الله حق تقاته} قال: أن يطاع فلا يعصى, وأن يذكر فلا ينسى, وأن يشكر فلا يكفر, وهذا إسناد صحيح موقوف, وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود, وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب, عن سفيان الثوري, عن زبيد, عن مرة, عن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اتقوا الله حق تقاته}: أن يطاع فلا يعصى, ويشكر فلا يكفر, ويذكر فلا ينسى», وكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث مسعر عن زبيد, عن مرة, عن ابن مسعود مرفوعاً, فذكره, ثم قال: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه, كذا قال, والأظهر أنه موقوف, والله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خُثيم وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي وطاوس والحسن وقتادة وأبي سنان والسدي, نحو ذلك. وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتى يخزن لسانه. وقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية, والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم إلى أن هذه الاَية منسوخة بقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} قال: لم تنسخ, ولكن {حق تقاته} أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم, ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وقوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} أي حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه, فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه, ومن مات على شيء بعث عليه, فعياذاً با لله من خلاف ذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا روح, حدثنا شعبة, قال: سمعت سليمان عن مجاهد: أن الناس كانوا يطوفون بالبيت وابن عباس جالس معه محجن, فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}, ولو أن قطرة من الزقوم قُطِرت لأَمَرّتْ على أهل الأرض عيشتهم, فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم ؟» وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من طرق عن شعبة به وقال الترمذي: حسن صحيح, وقال الحاكم: على شرط الشيخين, ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب, عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة, عن عبد الله بن عمرو, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن با لله واليوم الاَخر, ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه».
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن أبي سفيان, عن جابر, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن با لله عز وجل» ورواه مسلم من طريق الأعمش به. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال«إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي, فإن ظن بي خيراً فله, وإن ظن شراً فله», وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي».
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي, حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت وأحسبه عن أنس, قال: كان رجل من الأنصار مريضاً, فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده, فوافقه في السوق فسلم عليه, فقال له «كيف أنت يا فلان» ؟ قال: بخير يا رسول الله, أرجو الله وأخاف ذنوبي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف», ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان, وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديثه, ثم قال الترمذي: غريب, وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلاً, فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن أبي بشر, عن يوسف بن ماهك, عن حكيم بن حزام, قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أخر إلا قائماً, ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة به, وترجم عليه فقال (باب كيف يخر للسجود), ثم ساقه مثله فقيل: معناه أن لا أموت إلا مسلماً, وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مقبلاً غير مدبر وهو يرجع إلى الأول.
وقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} قيل {بحبل الله} أي بعهد الله, كما قال في الاَية بعدها {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي بعهد وذمة, وقيل {بحبل من الله} يعني القرآن كما في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعاً في صفة القرآن «هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم».
وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى, فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي, حدثنا أسباط بن محمد عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي عن عطية, عن أبي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض».
وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص, عن عبد الله رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين, وهو النور المبين, وهو الشفاء النافع, عصمة لمن تمسك به, ونجاة لمن اتبعه», وروى من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك. وقال وكيع: حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله: إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين. يا عبد الله هذا الطريق, هلم إلى الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن.
وقوله: {ولاتفرقوا} أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة, وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق, والأمر بالاجتماع والائتلاف, كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح, عن أبيه, عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله يرضى لكم ثلاثاً, ويسخط لكم ثلاثاً, يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا, وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا, وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم, ويسخط لكم ثلاثا: قيل وقال, وكثرة السؤال, وإضاعة المال» وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ, كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً, وخيف عليهم الافتراق والاختلاف, وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة, منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار, وهم الذين على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} إلى آخر الاَية, وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج, فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية, وعدواة شديدة وضغائن وإحن وذحول, طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم, فلما جاء الله بالإسلام, فدخل فيه من دخل منهم, صاروا إخواناً متحابين بجلال الله, متواصلين في ذات الله, متعاونين على البر والتقوى, قال الله تعالى: {هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم, ولكن الله ألف بينهم} إلى آخر الاَية, وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم, فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان, وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم غنائم حنين, فعتب من عتب منهم, بما فضل عليهم في القسم, بما أراه الله فخطبهم فقال «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي. وكنتم متفرقين فألفكم الله بي, وعالة فأغناكم الله بي ؟» فكلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الاَية نزلت في شأن الأوس والخزرج, وذلك أن رجلاً من اليهود مَرّ بملأ من الأوس والخزرج, فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة, فبعث رجلاً معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب, ففعل, فلم يزل ذلك دأبه, حتى حميت نفوس القوم, وغضب بعضهم على بعض, وتثاوروا ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم وتوعدوا إلى الحرة, فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول « أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟» وتلا عليهم هذه الاَية, فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم. وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك, والله أعلم.

** وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ تَفَرّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَأُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدّ وُجُوهٌ فَأَمّا الّذِينَ اسْوَدّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمّا الّذِينَ ابْيَضّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَالَمِينَ * وَللّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِلَىَ اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ
يقول تعالى: {ولتكن منكم أمة} منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, {وأولئك هم المفلحون}, قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة, يعني المجاهدين والعلماء. وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} ثم قال «الخير اتباع القرآن وسنتي» رواه ابن مردويه. والمقصود من هذه الاَية, أن تكون فرقة من هذه الأمةمتصدية لهذا الشأن, وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه, كما ثبت في صحيح مسلم, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكرأً فيلغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» وفي رواية: وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي, أنبأنا إسماعيل بن جعفر, أخبرني عمرو بن أبي عمرو, عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي, عن حذيفة بن اليمان, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده, لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده, ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن أبي عمرو به, وقال الترمذي: حسن, والأحاديث في هذا الباب كثيرة, مع الاَيات الكريمة, كما سيأتي تفسيرها في أماكنها, ثم قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} الاَية, ينهى تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, مع قيام الحجة عليهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة, حدثنا صفوان, حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني, عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ, قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة, قام حين صلى الظهر, فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة, وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة ـ يعني الأهواء ـ كلها في النار إلا واحدة ـ وهي الجماعة ـ وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجَارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه, لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» والله يا معشر العرب, لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به, وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى, كلاهما عن أبي المغيرة واسمه عبد القدوس بن الحجاج الشامي به, وقد ورد هذا الحديث من طرق.
وقوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} يعني يوم القيامة, حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة, وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة قاله ابن عباس رضي الله عنهما, {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} قال الحسن البصري: وهم المنافقون {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} وهذا الوصف يعم كل كافر {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} يعني الجنة ماكثون فيها أبداً لا يبغون عنها حولاً, وقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الاَية: حدثنا أبو كريب, حدثنا وكيع عن ربيع بن صبيح وحماد بن سلمة, عن أبي غالب, قال: رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق, فقال أبو أمامة, كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه, ثم قرأ { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} إلى آخر الأية, قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟: قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعاً ـ حتى عد سبعاً ـ ما حدثتكموه, ثم قال: هذا حديث حسن, وقد رواه ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن أبي غالب وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق, عن معمر, عن أبي غالب بنحوه.
وقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الاَية عن أبي ذر حديثاً مطولاً غريباً عجيباً جداً, ثم قال تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك} أي هذه آيات الله وحججه وبيناته نتلوها عليك يا محمد {بالحق} أي نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والاَخرة {وما الله يريد ظلماً للعالمين} أي ليس بظالم لهم بل هو الحكم, العدل الذي لا يجور, لأنه القادر على كل شيء, العالم بكل شيء, فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحداً من خلقه, ولهذا قال تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض} أي الجميع ملك له وعبيد له {وإلى الله ترجع الأمور} أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والاَخرة. ==============كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَن يَضُرّوكُمْ إِلاّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلّوكُمُ الأدُبَارَ ثُمّ لاَ يُنصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوَاْ إِلاّ بِحَبْلٍ مّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مّنَ النّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم, فقال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف, عن سفيان عن ميسرة, عن أبي حازم, عن أبي هريرة رضي الله عنه {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام, وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس {كنتم خير أمة أخرجت للناس} يعني خير الناس للناس, والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس, ولهذا قال {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك, حدثنا شريك, عن سماك, عن عبد الله بن عميرة, عن زوج دُرّة بنت أبي لهب, عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر, فقال: يا رسول الله أي الناس خير ؟ قال «خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله, وآمرهم بالمعروف, وأنهاهم عن المنكر, وأوصلهم للرحم» ورواه أحمد في مسنده, والنسائي في سننه, والحاكم في مستدركه, من حديث سماك, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. والصحيح أن هذه الاَية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه, وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم, كما قال في الاَية الأخرى {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} أي خياراً {لتكونوا شهداء على الناس} الاَية.
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة, عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنتم توفون سبعين أمة, أنتم خيرها وأنتم أكرم على الله عز وجل» وهو حديث مشهور, وقد حسنه الترمذي, ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه, وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه, فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله, وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل, فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه, كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن, حدثنا ابن زهير, عن عبد الله يعني ابن محمد بن عقيل, عن محمد بن علي وهو ابن الحنفية: أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء, فقلنا يا رسول الله ما هو ؟ قال «نصرت بالرعب, وأعطيت مفاتيح الأرض, وسميت أحمد وجعل التراب لي طهوراً, وجعلت أمتي خير الأمم» تفرد به أحمد من هذا الوجه, وإسناده حسن.
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار, حدثنا ليث عن معاوية عن أبي حَلْبَس يزيد بن ميسرة, قال سمعت أم الدرداء رضي الله عنها تقول: سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول «إن الله تعالى يقول: يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا, وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا, ولا حلم ولا علم قال: يا رب كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم ؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي».
وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها ههنا, قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم, حدثنا المسعودي حدثنا بكير بن الأخنس, عن رجل, عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعطيت سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب, وجوههم كالقمر ليلة البدر, قلوبهم على قلب رجل واحد, فاستزدت ربي عز وجل فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً» قال أبو بكر رضي الله عنه: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ومصيب من حافات البوادي.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي, حدثنا هشام بن حسان, عن القاسم بن مهران, عن موسى بن عبيد, عن ميمون بن مهران, عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن ربي أعطاني سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب» فقال عمر, يا رسول الله فهلا استزدته فقال استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفاً». قال عمر: فهلا استزدته ؟ قال قد استزدته فأعطاني هكذا», وفرج عبد الله بن بكر بين يديه, وقال عبد الله: وبسط باعيه, وحثا عبد الله, وقال هشام: وهذا من الله لا يدرى ما عدده.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان, حدثنا إسماعيل بن عياش, عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح بن عبيد: مرض ثوبان بحمص, وعليها عبد الله بن قرط الأزدي, فلم يعده, فدخل على ثوبان رجل من الكلاعين عائداً, فقال له ثوبان: أتكتب ؟ قال: نعم, قال: اكتب, فكتب للأمير عبد الله بن قرط «من ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, أما بعد فإنه لو كان لموسى وعيسى عليهما السلام بحضرتك خادم لعدته», ثم طوى الكتاب وقال له: أتبلغه إياه ؟ قال: نعم, فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط, فلما رآه, قام فزعاً, فقال الناس: ما شأنه أحدث أمر ؟ فأتى ثوبان حتى دخل عليه فعاده وجلس عنده ساعة, ثم قام فأخذ ثوبان بردائه, وقال: اجلس حتى أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول «ليدخلن الجنة من أمتّي سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب, مع كل ألف سبعون ألفاً» تفرد به أحمد من هذا الوجه وإسناد رجاله كلهم ثقات شاميون حمصيون, فهو حديث صحيح, ولله الحمد والمنة.
(طريق آخر): قال الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن زِبْريق الحمصي, حدثنا محمد بن إسماعيل يعني ابن عياش, حدثني أبي, عن ضمضم بن زرعة, عن شريح بن عبيد عن أبي أسماء الرحبي, عن ثوبان رضي الله عنه, قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ربي عز وجل وعدني من أمتي سبعين ألفاً لا يحاسبون,مع كل ألف سبعون ألفاً» هذا لعله هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرحبي بين شريح وبين ثوبان, والله أعلم.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن قتادة, عن الحسن, عن عمران بن حصين, عن ابن مسعود رضي الله عنه, قال أكثرنا الحديث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ثم غدونا إليه, فقال «عرضت علي الأنبياء الليلة بأممها, فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة, والنبي ومعه العصابة, والنبي ومعه النفر, والنبي وليس معه أحد, حتى مر علي موسى عليه السلام ومعه كَبْكَبَة من بني إسرائيل, فأعجبوني فقلت: من هؤلاء ؟ فقيل: هذا أخوك موسىَ معه بنو إسرائيل. قال: فقلت: فأين أمتي ؟ فقيل: انظر عن يمينك, فنظرت فإذا الظراب قد سد بوجوه الرجال ثم قيل لي: انظر عن يسارك. فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال, فقيل لي: أرضيت ؟ فقلت, رضيت يا رب ـ قال ـ فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فداكم أبي وأمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفاً فافعلوا, فإن قصرتم فكونوا من أهل الظراب, فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق, فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون» فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله, ادع الله أن يجعلني منهم, أي من السبعين, فدعا له, فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم, فقال «قد سبقك بها عكاشة» قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف, قوم ولدوا في الإسلام لم يشركوا بالله شيئاً حتى ماتوا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هم الذين لا يسترقون, ولا يكتوون ولا يتطيرون, وعلى ربهم يتوكلون» هكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق, ورواه أيضاً عن عبد الصمد عن هشام عن قتادة بإسناده مثله, وزاد بعد قوله «رضيت يا رب, رضيت يا رب, قال: رضيت, قلت: نعم. قال انظر عن يسارك ـ قال ـ فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال, فقال: رضيت ؟ قلت: رضيت» وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه تفرد به أحمد, ولم يخرجوه.
(حديث آخر) قال أحمد بن منيع: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز, حدثنا حماد عن عاصم عن زر, عن ابن مسعود رضي الله عنه, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عرضت عليّ الأمم بالمواسم فراثت عليّ أمتي, ثم رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم, قد ملؤوا السهل والجبل, فقال: أرضيت يا محمد ؟ فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون» فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم, فقال: «أنت منهم». فقام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم, فقال: «سبقك بها عكاشة» رواه الحافظ الضياء المقدسي, وقال: هذا عندي على شرط مسلم.
(حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا محمد بن الجذوعي القاضي, حدثنا عقبة بن مكرم, حدثنا محمد بن أبي عدي عن هشام بن حسان, عن محمد بن سيرين, عن عمران بن حصين, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب» قيل: من هم ؟ قال «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون, ولا يتطيرون, وعلى ربهم يتوكلون» ورواه مسلم من طريق هشام بن حسان, وعنده ذكر عكاشة.
(حديث آخر) ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفاً, تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر» فقال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه, فقال: يا رسول الله, ادع الله أن يجعلني منهم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم اجعله منهم» ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله, فقال «سبقك بها عكاشة».
(حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان حدثنا سعيد بن أبي مريم, حدثنا أبو غسان عن أبي حازم, عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً ـ أو سبعمائة ألف ـ آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة, ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر» أخرجه البخاري ومسلم جميعاً عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابيه عن سهل به.
(حديث آخر) قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا سعيد بن منصور, حدثنا هشيم, أنبأنا حصين بن عبد الرحمن, قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال, أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قلت: أنا, ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة, ولكني لدغت, قال: فما صنعت ؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك ؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم الشعبي ؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال «لا رقية إلا من عين أو حمة», قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع, ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط, والنبي ومعه الرجل والرجلان, والنبي وليس معه أحد, إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي, فقيل لي: هذا موسى وقومه, ولكن انظر إلى الأفق, فنظرت فإذا سواد عظيم, فقيل لي: انظر إلى الأفق الاَخر, فإذا سواد عظيم, فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب, ثم نهض فدخل منزله, فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب, فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً, وذكروا أشياء, فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال «ما الذي تخوضون فيه ؟» فأخبروه, فقال «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون, ولا يتطيرون, وعلى ربهم يتوكلون» فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. «قال: أنت منهم», ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم, قال «سبقك بها عكاشة» وأخرجه البخاري عن أسيد بن زيد عن هشيم, وليس عنده: لا يرقون.
(حديث آخر) قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة, حدثنا ابن جريج, أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكر حديثاً, وفيه فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفاً لا يحاسبون, ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء» ثم كذلك, وذكر بقيته, رواه مسلم من حديث روح, غير أنه لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنن له: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد, سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً, مع كل ألف سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب, وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل» وكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش به, وهذا إسناد جيد.
(طريق أخرى) عن أبي أمامة. قال ابن أبي عاصم, حدثنا دحيم, حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو, عن سليم بن عامر, عن أبي اليمان الهَوْزني واسمه عامر بن عبد الله بن لُحَيّ, عن أبي أمامة عن رسول الله, قال: «إن اللهوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب» فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإن الله وعدني سبعين ألفاً, مع كل ألف سبعون ألفاً وزادني ثلاث حثيات», وهذا أيضاً إسناد حسن,
(حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد, حدثنا أبو توبة, حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن ربي عز وجل وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب, ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفاً, ثم يحثي ربي عز وجل بكفيه ثلاث حثيات» فكبر عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم, وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر, قال الحافظ الضياء أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة: لا أعلم لهذا الإسناد علة, والله أعلم.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثني يحيى بن سعيد, حدثنا هشام يعني الدستوائي, حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة, حدثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه, قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالكديد أو قال: بقديد فذكر حديثاً وفيه ثم قال «وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب, وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوؤوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة» قال الضياء: وهذا عندي على شرط مسلم.
(حديث آخر) قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة, عن النضر بن أنس, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف». قال أبو بكر رضي الله عنه: زدنا يا رسول الله. قال: «والله هكذا». فقال عمر: حسبك يا أبا بكر, فقال أبو بكر: دعني وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا, فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحد, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «صدق عمر» هذا الحديث بهذا الإسناد تفرد به عبد الرزاق. قاله الضياء وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني, قال: حدثنا محمد بن أحمد بن مخلد, حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي, حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا أبو هلال عن قتادة, عن أنس, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف» فقال أبو بكر: يا رسول الله, زدنا. قال: «وهكذا وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك, قلت: يا رسول الله, زدنا فقال عمر: إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صدق عمر», هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأبو هلال اسمه محمد بن سليم الراسبي بصري.
(طريق آخر) عن أنس. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر, حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي, حدثنا حميد عن أنس, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً» قالوا: زدنا يا رسول الله. قال: «لكل رجل سبعون ألفاً». قالوا: زدنا, وكان على كثيب, فقال «هكذا» وحثا بيده, قالوا: يا رسول الله أبعد الله من دخل النار بعد هذا, وهذا إسناد جيد, ورجاله كلهم ثقات, ما عدا عبد القاهر بن السري, وقد سئل عنه ابن معين فقال: صالح.
(حديث آخر) روى الطبراني من حديث قتادة عن أبي بكر بن أنس, عن أبي بكر بن عمير, عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلثمائة ألف الجنة» فقال عمير: يا رسول الله, زدنا, فقال: هكذا, بيده, فقال عمير: يا رسول الله, زدنا فقال عمر: حسبك إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة, فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم «صدق عمر».
(حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا أحمد بن خليد, حدثنا أبو توبة, حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن عامر أن قيساً الكندي حدثه أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب, ويشفع كل ألف لسبعين ألفاً, ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه». كذا قال قيس, فقلت لأبي سعيد: آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم بأذني, ووعاه قلبي, قال أبو سعيد: فقال يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وذلك إن شاء الله عز وجل يستوعب مهاجري أمتي ويوفي الله بقيته من أعرابنا» وقد روى هذا الحديث محمد بن سهل بن عسكر عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده مثله, وزاد: قال أبو سعيد: فحسب ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألف ألف.
(حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني, حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش, حدثني أبي, حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد, عن أبي مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يَخْبِطون الأرض, تقول الملائكة: لم جاء مع محمد أكثر مما جاء مع الأنبياء ؟» وهذا إسناد حسن.
(نوع آخر) ـ من الأحاديث الدلة على فضيلة هذه الأمة وشرفها وكرامتها على الله عز وجل, وأنها خير الأمم في الدينا والاَخرة, قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا ابن جريج, أخبرني أبو الزبير عن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي يوم القيامة ربع الجنة» قال: فكبرنا, ثم قال: «أرجو أن يكونوا ثلث الناس» قال: فكبرنا, ثم قال: «أرجو أن تكونوا الشطر», وهكذا رواه عن روح عن ابن جريج به, وهو على شرط مسلم. وثبت في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون, عن عبد الله بن مسعود, قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ؟» فكبرنا, ثم قال «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة ؟» فكبرنا, ثم قال «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة».
(طريق أخرى) عن ابن مسعود. قال الطبراني: حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور, حدثنا عفان بن مسلم, حدثنا عبد الواحد بن زياد, حدثني الحارث بن حَصِيرة, حدثني القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه, عن عبد الله بن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «كيف أنتم وثلثها ؟» قالوا: ذاك أكثر, قال: «كيف أنتم والشطر لكم ؟» قالوا: ذاك أكثر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة عشرون ومائة صف, لكم منها ثمانون صفاً» قال الطبراني: تفرد به الحارث بن حَصِيرة.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا عبد العزيز بن مسلم, حدثنا ضرار بن مرة أبو سنان الشيباني عن محارب بن دِثار, عن ابن بريدة, عن أبيه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أهل الجنة عشرون ومائة صف, هذه الأمة من ذلك ثمانون صفاً» وكذا رواه عن عفان عن عبد العزيز به, وأخرجه الترمذي من حديث أبي سنان به, وقال: هذا حديث حسن, ورواه ابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد, عن سليمان بن بريدة, عن أبيه به.
(حديث آخر) ـ روى الطبراني من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: حدثنا خالد بن يزيد البجلي, حدثنا سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه, عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف, ثمانون منها من أمتي» تفرد به خالد بن يزيد البجلي, وقد تكلم فيه ابن عدي.
(حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدثنا موسى بن غيلان, حدثنا هاشم بن مخلد, حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان, عن أبي عمرو, عن أبيه عن أبي هريرة, قال: لما نزلت {ثلة من الأولين وثلة من الاَخرين} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنتم ربع أهل الجنة, أنتم ثلث أهل الجنة, أنتم نصف أهل الجنة, أنتم ثلثا أهل الجنة».
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس, عن أبيه, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «نحن الاَخرون الأولون يوم القيامة, نحن أول الناس دخولاً الجنة, بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم, فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق, فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه, الناسُ لنا فيه تبع, غداً لليهود للنصارى بعد غد» رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم, مرفوعاً بنحوه, ورواه مسلم أيضاً من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نحن الاَخروة الأولون يوم القيامة, ونحن أول من يدخل الجنة» وذكر تمام الحديث.
(حديث آخر) ـ روى الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري, عن سعيد بن المسيب, عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها, وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي», ثم قال: انفرد به ابن عقيل عن الزهري, ولم يرو عنه سواه, وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل, وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير. وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ, فقال: حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق, حدثنا أبو بكر الأعين محمد بن أبي عَتّاب, حدثنا أبو حفص التنيسي ـ يعني عمرو بن أبي سلمة ـ حدثنا صدقة الدمشقي عن زهير بن محمد, عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري. ورواه الثعلبي: حدثنا أبو العباس المخلدي أنبانا أبو نعيم عبد الملك بن محمد, أنبانا أحمد بن عيسى التنيسي, حدثنا عمرو بن أبي سلمة, حدثنا صدقة بن عبد الله عن زهير بن محمد عن ابن عقيل به.
فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح, كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها, رأى من الناس سرعة, فقرأ هذه الاَية {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة, فليؤد شرط الله فيها, رواه ابن جرير, ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} الاَية, ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات, شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم, فقال تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب} أي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {لكان خيراً لهم, منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} أي قليل منهم من يؤمن با لله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم, وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان.
ثم قال تعالى مخبراً عباده المؤمنين ومبشراً لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين, فقال تعالى: {لن يضروكم إلا أذى وإِن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} وهكذا وقع, فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم, وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة كلهم أذلهم الله, وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن, وسلبوهم ملك الشام أبد الاَبدين ودهر الداهرين, ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم كذلك, ويحكم بملة الإسلام وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام, فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية, ولا يقبل إلا الإسلام. ثم قال تعالى: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون {إلا بحبل من الله} أي بذمة من الله, وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم وإلزامهم أحكام الملة {وحبل من الناس} أي أمان منهم لهم, كما في المهادن والمعاهَد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين, ولو امرأة, وكذا عبد على أحد قولي العلماء, قال ابن عباس {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي بعهد من الله وعهد من الناس وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي والربيع بن أنس. وقوله {وباؤوا بغضب من الله} أي ألزموا فالتزموا بغضب من الله وهم يستحقونه {وضربت عليهم المسكنة} أي ألزموها قدراً وشرعاً. ولهذا قال {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق} أي وإنما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد فأعقبهم ذلك الذلة والصغار والمسكنة أبداً متصلاً بذل الاَخرة, ثم قال تعالى: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} أي إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله, وقيضوا لذلك ـ أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله عز وجل والغشيان لمعاصي الله, والاعتداء في شرع الله, فعياذاً بالله من ذلك, والله عز وجل المستعان. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب, حدثنا أبو داود الطيالسي, حدثنا شعبة, عن سليمان الأعمش, عن إبراهيم, عن أبي معمر الأزدي, عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلثمائة نبي, ثم يقوم سوق بقلهم آخر النهار.)

** لَيْسُواْ سَوَآءً مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَآءَ اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتّقِينَ * إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هِـَذِهِ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
قال ابن أبي نجيح: زعم الحسن بن يزيد العجلي, عن ابن مسعود في قوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم, وهكذا قال السدي. ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو النضر وحسن بن موسى, قالا: حدثنا شيبان عن عاصم, عن زر, عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء, ثم خرج إلى المسجد, فإذا الناس ينتظرون الصلاة, فقال «أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم» قال: فنزلت هذه الاَيات {ليسوا سواء من أهل الكتاب ـ إلى قوله ـ والله عليم بالمتقين} والمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره, ورواه العوفي عن ابن عباس ـ أن هذه الاَيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب, كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سَعْيَة وأسيد بن سَعْيَة وغيرهم, أي لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب, وهؤلاء الذين أسلموا, ولهذا قال تعالى: {ليسوا سواء} أي ليسوا كلهم على حد سواء, بل منهم المؤمن ومنهم المجرم, ولهذا قال تعالى: {من أهل الكتاب أمة قائمة} أي قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه, متبعة نبي الله , فهي قائمة, يعني مستقيمة {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} أي يقومون الليل ويكثرون التهجد, ويتلون القرآن في صلواتهم {يؤمنون بالله واليوم الاَخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} الاَية, ولهذا قال تعالى ههنا {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} اي لا يضيع عند الله, بل يجزيهم به أوفر الجزاء {والله عليم بالمتقين} أي لا يخفى عليه عمل عامل, ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملاً. ثم قال تعالى مخبراً عن الكفرة المشركين بأنه {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً} أي لا يرد عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ثم ضرب مثلاً لما ينفقه الكفار في هذه الدار, قاله مجاهد والحسن والسدي, فقال تعالى: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر} أي برد شديد, قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم. وقال عطاء: برد وجليد, وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد {فيها صر} أي نار وهو يرجع إلى الأول, فإن البرد الشديد ولا سيما الجليد يحرق الزروع والثمار, كما يحرق الشيء بالنار {أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} أي فأحرقته, يعني بذلك السفعة إذا نزلت على حرث قد آن جذاذه أو حصاده, فدمرته وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع, فذهبت به وأفسدته, فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها, كما أذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه. وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون}. ==============                             يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدّواْ مَا عَنِتّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الاَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَآأَنْتُمْ أُوْلآءِ تُحِبّونَهُمْ وَلاَ يُحِبّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضّواْ عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتّقُواْ لاَ يَضُرّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
يقول تبارك وتعالى ناهياً عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة, أي يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم, والمنافقون بجهدهم وطاقتهم, لا يألون المؤمنين خبالاً, أي يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن, وبما يستطيعون من المكر والخديعة, ويودّون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم, وقوله تعالى: {لا تتخذوا بطانة من دونكم} أي من غيركم من أهل الأديان, وبطانة الرجل هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخلة أمره. وقد روى البخاري والنسائي وغيرهما, من حديث جماعة منهم يونس ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وابن أبي عتيق عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه, وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه, والمعصوم من عصم الله», وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة مرفوعاً بنحوه, فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة عنهما وأخرجه النسائي عن الزهري أيضاً, وعلقه البخاري في صحيحه فقال: وقال عبيد الله بن أبي جعفر عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن أبي أيوب الأنصاري فذكره فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة, والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان, حدثنا عيسى بن يونس عن أبي حيان التيمي, عن أبي الزنباع, عن ابن أبي الدهقانة, قال: قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن ههنا غلاماً من أهل الحيرة حافظ كاتب, فلو اتخذته كاتباً, فقال: قد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين. ففي هذا الأثر مع هذه الاَية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين وإطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب, ولهذا قال تعالى: {لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتم}, وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل, حدثنا هشيم, حدثنا العوام عن الأزهر بن راشد, قال: كانوا يأتون أنساً فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو, أتوا الحسن يعني البصري, فيفسره لهم, قال: فحدث ذات يوم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا تستضيئوا بنار المشركين, ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً» فلم يدروا ما هو, فأتوا الحسن فقالوا له: إن أنساً حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تستضيئوا بنار المشركين, ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً» فقال الحسن: أما قوله «لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً»: محمد صلى الله عليه وسلم, وأما قوله «لا تستضيئوا بنار المشركين» يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} هكذا رواه الحافظ أبو يعلى رحمه الله تعالى, وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى, عن هشيم, ورواه الإمام أحمد عن هشيم بإسناده مثله في غير ذكر تفسير الحسن البصري, وهذا التفسير فيه نظر ومعناه ظاهر «لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً» أي بخط عربي, لئلا يشابه نقس خاتم النبي صلى الله عليه وسلم, فإنه كان نقشه محمد رسول الله, ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه. وأما الاستضاءة بنار المشركين, فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم, بل تباعدوا منهم, وهاجروا من بلادهم, ولهذا روى أبو داود «لا تتراءى ناراهما» وفي الحديث الاَخر «من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله» فحمل الحديث على ما قاله الحسن رحمه الله, والاستشهاد عليه بالاَية فيه نظر, والله أعلم.
ثم قال تعالى: {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} أي قد لاح على صفحات وجوههم, وفلتات ألسنتهم من العداوة, مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله, ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل, ولهذا قال تعالى: {قد بينا لكم الاَيات إن كنتم تعقلون} وقوله تعالى: {هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} أي أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرونه لكم من الإيمان فتحبونهم على ذلك, وهم لا يحبونكم لا باطناً ولا ظاهراً, {وتؤمنون بالكتاب كله} أي ليس عندكم في شيء منه شك ولا ريب, وهم عندهم الشك والريب والحيرة. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة أو سعيد بن جبير, عن ابن عباس {وتؤمنون بالكتاب كله} أي بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك, وهم يكفرون بكتابكم, فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم, رواه ابن جرير, {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} والأنامل أطراف الأصابع, قاله قتادة. وقال الشاعر:
أَوَدّ كما ما بَلّ حلقي ريقتيوما حملت كفاي أنملي العشرا

وقال ابن مسعود والسدي والربيع بن أنس: الأنامل الأصابع, وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة, وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه, كما قال تعالى: {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} وذلك أشد الغيظ والحنق. قال الله تعالى: {قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} أي مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم, فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه, ومعل كلمته ومظهر دينه, فموتوا أنتم بغيظكم {إن الله عليم بذات الصدور} أي هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين, وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون, وفي الاَخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها لا محيد لكم عنها, ولا خروج لكم منها. ثم قال تعالى: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين, وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم, ساء ذلك المنافقين, وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء, لما لله تعالى في ذلك من الحكمة ـ كما جرى يوم أُحد ـ فرح المنافقون بذلك, قال الله تعالى مخاطباً للمؤمنين {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} الاَية, يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم, فلا حول ولا قوة لهم إلا به. وهو الذي ما شاء كان, وما لم يشأ لم يكن, ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته, ومن توكل عليه كفاه.
ثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين. والتمييز بين المؤمنين والمنافقين وبيان صبر الصابرين فقال تعالى:)

** وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمّتْ طّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ فَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ
المراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور, قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغير واحد. وعن الحسن البصري: المراد بذلك يوم الأحزاب. رواه ابن جرير, وهو غريب لا يعول عليه. وكانت وقعة أحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة. قال قتادة: لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال. وقال عكرمة: يوم السبت للنصف من شوال, فالله أعلم, وكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان فلما رجع قَفَلُهُم إلى مكة قال أبناء من قتل, ورؤساء من بقي لأبي سفيان: أرصد هذه الأموال لقتال محمد فأنفقوها في ذلك, فجمعوا الجموع والأحابيش, وأقبلوا في نحو من ثلاثة آلاف حتى نزلوا قريباً من أحد تلقاء المدينة, فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة, فلما فرغ منها صلى على رجل من بني النجار يقال له مالك بن عمرو, واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس «أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة»¹ فأشار عبد الله بن أبي بالمقام بالمدينة, فإن أقاموا أقاموا بشر محبس, وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم, ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم, وإن رجعوا رجعوا خائبين وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدراً بالخروج إليهم, فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته وخرج عليهم, وقد ندم بعضهم وقالوا: لعلنا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: يا رسول الله إن شئت أن نمكث, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يرجع حتى يحكم الله له» فسار صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه, فلما كانوا بالشوط, رجع عبد الله بن أبي في ثلث الجيش مغضباً لكونه لم يرجع إلى قوله, وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالاً لاتبعناكم, ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم. واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أحد, وقال «لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال». وتهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه. وأمر على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف. والرماة يومئذ خمسون رجلاً, فقال لهم «انضحوا الخيل عنا ولا نؤتين من قبلكم والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا, وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم» وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين, وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الغلمان يومئذ وأرجأ آخرين حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين, وتعبّأت قريش وهم ثلاثة آلاف, ومعهم مائتا فرس قد جنبوها, فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد, وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل, ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار, ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الاَيات, إن شاء الله تعالى, ولهذا قال تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال} أي تنزلهم منازلهم, وتجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم {والله سميع عليم} أي سميع لما تقولون, عليم بضمائركم.
وقد أورد ابن جرير ههنا سؤالاً حاصله: كيف تقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم سار إلى أحد يوم الجمعة بعد الصلاة وقد قال الله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال} الاَية ؟ ثم كان جوابه عنه: أن غدوه ليبوأهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار. وقوله تعالى: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} الاَية, قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا سفيان, قال: قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} الاَية, قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة. وما نحب ـ وقال سفيان مرة ـ وما يسرني أنها لم تنزل لقوله تعالى: {والله وليهما} وكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به. وكذا قال غير واحد من السلف: إنهم بنو حارثة وبنو سلمة. وقوله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر} أي يوم بدر, وكان يوم الجمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله, ودمغ فيه الشرك, وخرب محله وحزبه هذا مع قلة عدد المسليمن يومئذ, فإنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً, فيهم فرسان وسبعون بعيراً, والباقون مشاة ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه. وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد, فأعز الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله, وبيض وجه النبي وقبيله, وأخزى الشيطان وجيله, ولهذا قال تعالى ممتناً على عباده المؤمنين وحزبه المتقين {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} أي قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعُدد, ولهذا قال تعالى في الاَية الأخرى {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً ـ إلى ـ غفور رحيم}. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن سماك, قال: سمعت عياضاً الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة, ويزيد بن أبي سفيان, وابن حسنة, وخالد بن الوليد, وعياض وليس عياض هذا الذي حدث سماكاً قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة, قال فكتبنا إليه إنه قد جاش إلينا الموت, واستمددناه, فكتب إلينا إنه قد جاءني كتابكم تستمدونني, وإني أدلكم على من هو أعز نصراً, وأحصن جنداً: الله عز وجل فاستنصروه, فإن محمداً صلى الله عليه وسلم قد نصر يوم بدر في أقل من عدتكم, فإذا جاءكم كتابي هذا, فقاتلوهم ولا تراجعوني, قال: فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ, قال: وأصبنا أموالاً فتشاورنا, فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة, قال: وقال أبو عبيدة: من يراهنني ؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب قال: فسبقه فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تَنْفُزَان وهو خلفه على فرس عُرْي, وهذا إسناد صحيح, وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث بندار عن غندر بنحوه, واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه, وبدر: محلة بين مكة والمدينة تعرف ببئرها, منسوبة إلى رجل حفرها, يقال له: بدر بن النارين, قال الشعبي: بدر بئر لرجل يسمى بدراً, وقوله {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} أي تقومون بطاعته                                                                     إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىَ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَةِ آلآفٍ مّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاّ بُشْرَىَ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النّصْرُ إِلاّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنّهُمْ ظَالِمُونَ * وَللّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ
اختلف المفسرون في هذا الوعد, هل كان يوم بدر أو يوم أحد ؟ على قولين (أحدهما) أن قوله: {إذ تقول للمؤمنين} متعلق بقوله: {ولقد نصركم الله ببدر} ورُوي هذا عن الحسن البصري وعامر الشعبي والربيع بن أنس وغيرهم, واختاره ابن جرير قال عباد بن منصور عن الحسن في قوله: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة} قال: هذا يوم بدر, رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: حدثنا أبي, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا وهيب, حدثنا داود عن عامر يعني الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين, فشق ذلك عليهم, فأنزل الله تعالى: {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ـ إلى قوله ـ مسومين} قال: فبلغت كُرْزاً الهزيمة, فلم يمد المشركين, ولم يمد الله المسلمين بالخمسة, وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسليمن بألف, ثم صاروا ثلاثة آلاف, ثم صاروا خمسة آلاف, فإن قيل: فما الجمع بين هذه الاَية على هذا القول, وبين قوله تعالى في قصة بدر: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ـ إلى قوله ـ إن الله عزيز حكيم} ؟ فالجواب أن التنصيص على الألف ـ ههنا ـ لا ينافي الثلاثة الاَلاف فما فوقها, لقوله: {مردَفين} بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران. فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر, والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة: أمد الله المسلمين يوم بدر بخمسة آلاف. (القول الثاني) ـ إن هذا الوعد متعلق بقوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال} وذلك يوم أُحد وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الاَلاف لأن المسلمين فروا يومئذ, زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الاَلاف لقوله تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا} فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا بملك واحد وقوله: {بلى إن تصبروا وتتقوا} يعني: تصبروا على عدوكم, وتتقوني وتطيعوا أمري. وقوله تعالى: {ويأتوكم من فورهم هذا} قال الحسن وقتادة والربيع والسدي: أي من وجههم هذا, وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح: أي من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم. وقال العوفي عن ابن عباس: من سفرهم هذا, ويقال: من غضبهم هذا. وقوله تعالى: {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} أي معلمين بالسيما, وقال أبو إسحاق السبيعي عن حارثة بن مضرب, عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض, وكان سيماهم أيضاً في نواصي خيولهم, رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: حدثنا أبو زرعة, حدثنا هدبة بن خالد, حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن علقمة, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الاَية {مسومين} قال: بالعهن الأحمر, وقال مجاهد: {مسومين} أي محذفة أعرافها, معلمة نواصيها بالصوف الأبيض في أذناب الخيل. وقال العوفي, عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: أتت الملائكة محمداً صلى الله عليه وسلم, مسومين بالصوف, فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف. وقال قتادة وعكرمة {مسومين} أي بسيما القتال, وقال مكحول: مسومين بالعمائم. وروى ابن مردويه من حديث عبد القدوس بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {مسومين} قال «معلمين». وكان سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود, ويوم حنين عمائم حمر. وروى من حديث حصين بن مخارق عن سعيد, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس, قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم, عن ابن عباس, قال: كان سيما الملائكة يوم بدر, عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم, ويوم حنين عمائم حمر. ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر, وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون, ثم رواه عن الحسن بن عمارة, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس فذكر نحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأحمسي, حدثنا وكيع, حدثنا هشام بن عروة عن يحيى بن عباد أن الزبير رضي الله عنه, كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجراً بها, فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر, رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة عن أبيه, عن عبد الله بن الزبير, فذكره. وقوله تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به} أي وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييباً لقلوبكم وتطميناً, وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم, ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم, كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرّفها لهم} ولهذا قال ههنا {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} أي هو ذو العزة التي لا ترام, والحكمة في قدره والأحكام, ثم قال تعالى: {ليقطع طرفاً من الذين كفروا} أي أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير, ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين, فقال: {ليقطع طرفاً} أي ليهلك أمة {من الذين كفروا أو يكبتهم} أي يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا. ولهذا قال: {أو يكبتهم فينقلبوا} أي يرجعوا {خائبين} أي لم يحصلوا على ما أملوا. ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والاَخرة له وحده لا شريك له, فقال تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} أي بل الأمر كله إليّ, كما قال تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} وقال { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} وقال {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} قال محمد بن إسحاق في قوله: {ليس لك من الأمر شيء} أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم, ثم ذكر تعالى بقية الأقسام, فقال {أو يتوب عليهم} أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة {أو يعذبهم} أي في الدنيا والاَخرة على كفرهم وذنوبهم, ولهذا قال {فإنهم ظالمون} أي يستحقون ذلك. وقال البخاري: حدثنا حبان بن موسى, أنبأنا عبد الله, أنبأنا معمر عن الزهري, حدثني سالم عن أبيه, أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر «اللهم العن فلاناً وفلاناً» بعدما يقول سمع الله لمن حمده, ربنا ولك الحمد» فأنزل الله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} الاَية وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق, كلاهما عن معمر به. وقال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا أبو عقيل ـ قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل صالح الحديث ثقة ـ حدثنا عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اللهم العن فلاناً, اللهم العن الحارث بن هشام, اللهم العن سهيل بن عمرو, اللهم العن صفوان بن أمية» فنزلت هذه الاَية {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} فتيب عليهم كلهم وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية الغَلابي, حدثنا خالد بن الحارث, حدثنا محمد بن عجلان عن نافع, عن عبد الله, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة, قال: فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} إلى آخر الاَية, قال: وهداهم الله للإسلام. وقال محمد بن عجلان عن نافع, عن ابن عمر رضي الله عنهما, قال, كان رسول الله يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم, حتى أنزل الله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} الاَية, وقال البخاري أيضاً: حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب, وأبي سلمة بن عبد الرحمن, عن أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد, أو يدعو لأحد, قنت بعد الركوع وربما قال: إذا قال «سمع الله لمن حمده, ربنا لك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد, وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة, والمستضعفين من المؤمنين, اللهم اشدد وطأتك على مضر, واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر «اللهم العن فلاناً وفلاناً» لأحياء من أحياء العرب, حتى أنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الاَية.
وقال البخاري: قال حميد وثابت, عن أنس بن مالك: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد, فقال «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟» فنزلت {ليس لك من الأمر شيء} وقد أسند هذا الحديث الذي علقه البخاري في صحيحه, فقال البخاري في غزوة أحد: حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي, أخبرنا عبد الله, أخبرنا معمر عن الزهري, حدثني سالم بن عبد الله بن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر «اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً» بعدما يقول «سمع الله لمن حمده, ربنا ولك الحمد», فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الاَية. وعن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام, فنزلت {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة, وقد تقدمت مسندة متصلة في مسند أحمد آنفاً.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم, حدثنا حميد عن أنس رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم, كسرت رباعيته يوم أحد, وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه, فقال «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم, وهو يدعوهم إلى ربهم عز وجل ؟» فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} انفرد به مسلم, فرواه عن القعنبي, عن حماد بن سلمة, عن ثابت, عن أنس, فذكره.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا يحيى بن واضح: حدثنا الحسين بن واقد عن مطر, عن قتادة, قال: أصيب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد, وكسرت رباعيته, وفرق حاجبه, فوقع وعليه درعان والدم يسيل, فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح عن وجهه, فأفاق وهو يقول «كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم, وهو يدعوهم إلى الله عز وجل ؟» فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الاَية, وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بنحوه, ولم يقل: فأفاق.
ثم قال تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض} أي الجميع ملك له, وأهلها عبيد بين يديه {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} أي هو المتصرف فلا معقب لحكمه, ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون {والله غفور رحيم}.                                                          يَآ أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرّبَا أَضْعَافاً مّضَاعَفَةً وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتّقُواْ النّارَ الّتِيَ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرّسُولَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ * الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآءِ وَالضّرّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ * وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرّواْ عَلَىَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَـَئِكَ جَزَآؤُهُمْ مّغْفِرَةٌ مّن رّبّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ
يقول تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة كما كانوا في الجاهلية يقولون: إذا حل أجل الدين, إما أن تقضي وإما أن تربي, فإن قضاه, وإلا زاده في المدة, وزاده الاَخر في القدر, وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً, وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى, ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها, فقال تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله الرسول لعلكم ترحمون}ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات, فقال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} أي كما أعدت النار للكافرين, وقد قيل إن معنى قوله {عرضها السموات والأرض} تنبيهاً على اتساع طولها, كما قال في صفة فرش الجنة {بطائنها من إستبرق} أي فما ظنك بالظهائر ؟, وقيل: بل عرضها كطولها لأنها قبة تحت العرش, والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله, وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وسقفها عرش الرحمن» وهذه الاَية كقوله تعالى في سورة الحديد {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} الاَية, وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض, فأين النار ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار ؟» وقد رواه ابن جرير فقال: حدثني يونس, أنبأنا ابن وهب, أخبرني مسلم بن خالد عن أبي خُثيم, عن سعيد بن أبي راشد, عن يعلى بن مرة, قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص شيخاً كبيراً قد فسد, فقال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل فناول الصحيفة رجلاً عن يساره, قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ ؟ قالوا: معاوية, فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين, فأين النار ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبحان الله, فأين الليل إذا جاء النهار ؟» وقال الأعمش وسفيان الثوري وشعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب: إن ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض, فأين النار ؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل ؟ وإذا جاء الليل أين النهار ؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة, رواه ابن جرير من ثلاثة طرق, ثم قال: حدثنا أحمد بن حازم, حدثنا أبو نعيم, حدثنا جعفر بن برقان, أنبأنا يزيد بن الأصم: أن رجلاً من أهل الكتاب قال: يقولون {جنة عرضها السموات والأرض} فأين النار ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنه: أين يكون الليل إذا جاء النهار, وأين يكون النهار إذا جاء الليل ؟ وقد روي هذا مرفوعاً, فقال البزار: حدثنا محمد بن معمر, حدثنا المغيرة بن سلمة أبو هشام, حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم, عن عمه يزيد بن الأصم, عن أبي هريرة, قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: أرأيت قوله تعالى: {جنة عرضها السموات والأرض} فأين النار ؟ قال: «أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء, فأين النهار ؟» قال: حيث شاء الله, قال «وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل» وهذا يحتمل معنيين (أحدهما) أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان, وإن كنا لا نعلمه, وكذلك النار تكون حيث يشاء الله عز وجل, وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة عن البزار. (الثاني) أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب, فإن الليل يكون من الجانب الاَخر, فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها, كما قال الله عز وجل {كعرض السماء والأرض} والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار, والله أعلم.
ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال {الذين ينفقون في السراء والضراء} أي في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال, كما قال {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه. والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر. وقوله تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه, وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم. وقد ورد في بعض الاَثار «يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت, أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك», رواه ابن أبي حاتم, وقد قال أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الزمن, حدثنا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل, حدثني الربيع بن سليمان الجيزي عن أبي عمرو بن أنس بن مالك, عن أبيه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كف غضبه, كف الله عنه عذابه, ومن خزن لسانه, ستر الله عورته, ومن اعتذر إلى الله, قبل الله عذره» وهذا حديث غريب, وفي إسناده نظر, وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن, حدثنا مالك عن الزهري, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ليس الشديد بالصرعة, ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» وقد رواه الشيخان من حديث مالك. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي, عن الحارث بن سويد, عن عبد الله وهو ابن مسعود رضي الله عنه, قال: قال رسول الله «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله» قال: قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه, قال «اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله, مالك من مالك إلا ما قدمت, ومالُ وارثك ما أخرْتَ» قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تعدون الصرعة فيكم ؟» قلنا: الذي لا تصرعه الرجال. قال «لا ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب». قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تعدون فيكم الرقوب ؟» قلنا: الذي لا ولد له. قال «لا, ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئاً» أخرج البخاري الفصل الأول منه, وأخرج مسلم أصل هذا الحديث, من رواية الأعمش به.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة سمعت عروة بن عبد الله الجعفي يحدث عن حصبة أو ابن أبي حصين, عن رجل شهد النبي صلى الله عليه وسلم يخطب, فقال «تدرون ما الرقوب ؟» قلنا: الذي لا ولد له, قال «الرقوب كل الرقوب الذي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئاً» قال «تدرون ما الصعلوك ؟» قالوا: الذي ليس له مال, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «الصعلوك كل الصعلوك الذي له مال فمات ولم يقدم منه شيئاً» قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما الصرعة ؟» قالوا: الصريع قال فقال صلى الله عليه وسلم «الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر شعره فيصرع غضبه».
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير, حدثنا هشام بن عروة عن أبيه, عن الأحنف بن قيس, عن عم له يقال له جارية بن قدامة السعدي, أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله, قل لي قولاً ينفعني وأقلل عليّ لعلي أعيه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب» فأعاد عليه حتى أعاد عليه مراراً كل ذلك يقول «لا تغضب», وهكذا رواه عن أبي معاوية عن هشام به, ورواه أيضاً عن يحيى بن سعيد القطان عن هشام به, أن رجلاً قال: يا رسول الله, قل لي قولاً وأقلل عليّ لعلي أعقله, فقال «لا تغضب» الحديث, انفرد به أحمد.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أنبأنا معمر عن الزهري, عن حميد بن عبد الرحمن, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني, قال: «لا تغضب». قال الرجل: ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال, فإذا الغضب يجمع الشر كله, انفرد به أحمد.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا داود بن أبي هند, عن أبي ابن حرب بن أبي الأسود, عن أبي الأسود, عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كان يسقي على حوض له فجاء قوم فقالوا: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه ؟ فقال رجل: أنا, فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقه, وكان أبو ذر قائماً فجلس ثم اضطجع فقيل له: يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت, فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس, فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع», ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بإسناده إلا أنه وقع في روايته عن أبي حرب عن أبي ذر, والصحيح ابن أبي حرب عن أبيه عن أبي ذر, كما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد, حدثنا أبو وائل الصنعاني, قال: كنا جلوساً عند عروة بن محمد إذ دخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه, فلما أن أغضبه قام ثم عاد إلينا وقد توضأ, فقال: حدثني أبي عن جدي عطية هو ابن سعد السعدي ـ وقد كانت له صحبة ـ قال: قال رسول الله «إن الغضب من الشيطان, وإن الشيطان خلق من النار, وإنما تطفأ النار بالماء فإذا أغضب أحدكم فليتوضأ». وهكذا رواه أبو داود من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني عن أبي وائل القاص المرادي الصنعاني, قال أبو داود: أراه عبد الله بن بحير.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد, حدثنا نوح بن جَعْونة السلمي, عن مقاتل بن حيان, عن عطاء, عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أنظر معسراً أو وضع له, وقاه الله من فيح جهنم, ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ـ ثلاثاً ـ ألا إن عمل النار سهل بسهوة. والسعيد من وقي الفتن, وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد لله إلا ملأ جوفه إيماناً», انفرد به أحمد, وإسناده حسن ليس فيه مجروح, ومتنه حسن.
(حديث آخر في معناه) ـ قال أبو داود: حدثنا عقبة بن مكرم, حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي عن بشر يعني ابن منصور, عن محمد بن عجلان, عن سويد بن وهب, عن رجل من أبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, عن أبيه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه, ملأه الله أمناً وإيماناً, ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه ـ قال بشر: أحسبه قال: تواضعاً ـ كساه الله حلة الكرامة ومن زوّج لله كساه الله تاج الملك».
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد قال: حدثنا سعيد, حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس, عن أبيه أن رسول الله قال «من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء» ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سعيد بن أبي أيوب به, وقال الترمذي: حسن غريب.
(حديث آخر) ـ قال عبد الرزاق: أنبأنا داود بن قيس عن زيد بن أسلم, عن رجل من أهل الشام يقال له عبد الجليل, عن عم له, عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: {والكاظمين الغيظ} أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمناً وإيماناً» رواه ابن جرير.
(حديث آخر) ـ قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد, أنبأنا يحيى بن أبي طالب, أنبأنا علي بن عاصم, أخبرني يونس بن عبيد عن الحسن, عن ابن عمر رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله» وكذا رواه ابن ماجه عن بشر بن عمر, عن حماد بن سلمة, عن يونس بن عبيد به, فقوله تعالى: {والكاظمين الغيظ} أي لا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم, ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل. ثم قال تعالى: {والعافين عن الناس} أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد, وهذا أكمل الأحوال, ولهذا قال {والله يحب المحسنين} فهذا من مقامات الإحسان, وفي الحديث «ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة, وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً, ومن تواضع لله رفعه الله», وروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القرشي, عن عبادة بن الصامت, عن أبي بن كعب أن رسول الله, قال: «من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات, فليعف عمن ظلمه, ويعط من حرمه, ويصل من قطعه» ثم قال: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه وقد أورده ابن مردويه من حديث علي وكعب بن عجرة وأبي هريرة وأم سلمة رضي الله عنهم بنحو ذلك. وروي عن طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس ؟ هلموا إلى ربكم وخذوا أجوركم, وحق على كل امريء مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة» وقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} أي إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة, عن عبد الرحمن بن أبي عمرة, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفره, فقال الله عز وجل: عبدي عمل ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به, قد غفرت لعبدي, ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره, فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به, قد غفرت لعبدي, ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره لي, فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب, إني عملت ذنباً فاغفره, فقال عز وجل: عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به, أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ماشاء». أخرجه في الصحيح من حديث إسحاق بن أبي طلحة بنحوه.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر وأبو عامر, قالا: حدثنا زهير, حدثنا سعد الطائي, حدثنا أبو المدله مولى أم المؤمنين, سمع أبا هريرة, قلنا: يا رسول الله, إذا رأيناك رقت قلوبنا, وكنا من أهل الاَخرة, وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا, وشممنا النساء والأولاد, فقال «لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم, ولزارتكم في بيوتكم. ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم». قلنا: يا رسول الله, حدثنا عن الجنة ما بناؤها ؟ قال «لبنة ذهب ولبنة فضة, وملاطها المسك الأذفر, وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت, وترابها الزعفران, من يدخلها ينعم ولا يبأس, ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابه, ولا يفنى شبابه, ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل, والصائم حتى يفطر, ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء, ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين», ورواه الترمذي وابن ماجه من وجه آخر من حديث سعد به, ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة لما رواه الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع, حدثنا مسعر وسفيان الثوري عن عثمان بن المغبرة الثقفي, عن علي بن ربيعة, عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي رضي الله عنه, قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً, نفعني الله بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته, فإذا حلف لي صدقته, وإن أبا بكر رضي الله عنه حدثني ـ وصدق أبو بكر ـ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «ما من رجل يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الوضوء ـ قال مسعر ـ فيصلي ـ وقال سفيان ـ ثم يصلي ركعتين, فيستغفر الله عز وجل إلا غفر له» وهكذا رواه علي بن المديني والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والبزار والدارقطني من طرق عن عثمان بن المغيرة به, وقال الترمذي: هو حديث حسن, وقد ذكرنا طرقه, والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه, وبالجملة فهو حديث حسن, وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النبي أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. ومما يشهد بصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ ـ أو فيسبغ ـ الوضوء, ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية, يدخل من أيها شاء» وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه توضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم, ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه, غفر له ما تقدم من ذنبه» فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين, عن سيد الأولين والاَخرين, ورسول رب العالمين, كما دل عليه الكتاب المبين, من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين, وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان عن ثابت, عن أنس بن مالك رضي الله عنه, قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الاَية {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} الاَية, بكى. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محرز بن عون, حدثنا عثمان بن مطر, حدثنا عبد الغفور عن أبي نُصَيرة, عن أبي رجاء, عن أبي بكر رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «عليكم بلا إله إلا الله, والاستغفار, فأكثروا منهما, فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار, فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء, فهم يحسبون أنهم مهتدون» عثمان بن مطر وشيخه ضعيفان. وروى الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري عن أبي سعيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم, فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني». وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا عمر بن أبي خليفة, سمعت أبا بدر يحدث عن ثابت, عن أنس, قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله, أذنبت ذنباً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أذنبت فاستغفر ربك. قال: فإني أستغفر ثم أعود فأذنب قال: فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك, فقالها في الرابعة استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور» وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقوله تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} أي لا يغفرها أحد سواه, كما قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب, حدثنا سلام بن مسكين والمبارك عن الحسن عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بأسير, فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد¹ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «عرف الحق لأهله» وقوله {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب, ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها, ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه, كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره, قالوا: حدثنا أبو يحيى عبد الحميد الحماني عن عثمان بن واقد, عن أبي نُصَيرة, عن مولى لأبي بكر, عن أبي بكر رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» ورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد ـ وقد وثقه يحيى بن معين به ـ وشيخه أبو نُصَيرة الواسطي واسمه مسلم بن عبيد, وثقه الإمام أحمد وابن حبان, وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك, فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر, ولكن جهالة مثله لا تضر لأنه تابعي كبير, ويكفيه نسبته إلى أبي بكر, فهو حديث حسن, والله أعلم. وقوله {وهم يعلمون} قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير {وهم يعلمون} أن من تاب تاب الله عليه, وهذا كقوله تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} وكقوله {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} ونظائر هذا كثيرة جداً. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, أنبأنا جرير, حدثنا حبان هو ابن زيد الشرعبي عن عبد الله بن عمرو, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو على المنبر «ارحموا ترحموا, واغفروا يغفر لكم, ويل لأقماع القول, ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون» تفرد به أحمد. ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم} أي جزاؤهم على هذه الصفات {مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار} أي من أنواع المشروبات {خالدين فيها} أي ماكثين فيها {ونعم أجر العاملين} يمدح تعالى الجنة.

** قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ * هَـَذَا بَيَانٌ لّلنّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتّقِينَ * وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَيَتّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ * وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
يقول تعالى مخاطباً عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أُحد وقتل منهم سبعون {قد خلت من قبلكم سنن} أي قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء, ثم كانت العاقبة لهم, والدائرة على الكافرين, ولهذا قال تعالى: {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} ثم قال تعالى: {هذا بيان للناس} يعني القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم {وهدى وموعظة} يعني القرآن فيه خبر ما قبلكم. و {هدى} لقلوبكم, و {موعظة للمتقين}أي زاجر عن المحارم والمآثم. ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين {ولا تهنوا} أي لا تضعفوا بسبب ما جرى {ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} أي العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} أي إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة, فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح {وتلك الأيام نداولها بين الناس} أي نديل عليكم الأعداء تارة, وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة, ولهذا قال تعالى: {وليعلم الله الذين آمنوا} قال ابن عباس: في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء {ويتخذ منكم شهداء} يعني يقتلون في سبيله ويبذلون مهجهم في مرضاته {والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا} أي يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب. وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به. وقوله {ويمحق الكافرين} أي فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم, ثم قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد, كما قال تعالى في سورة البقرة {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} الاَية. وقال تعالى: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} الاَية, ولهذا قال ههنا {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله, والصابرين على مقاومة الأعداء. وقوله {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} أي قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم, تتمنون لقاء العدو وتتحرّقون عليهم وتودون مناجزتهم ومصابرتهم, فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه, فدونكم فقاتلوا وصابروا, وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتمنوا لقاء العدو, وسلوا الله العافية, فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» ولهذا قال تعالى: {فقد رأيتموه} يعني الموت شاهدتموه وقت لمعان السيوف وحد الأسنة واشتباك الرماح وصفوف الرجال للقتال والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل. وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تتخيل الشاة صداقة الكبش, وعداوة الذئب.                                                                ))))))) وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مّؤَجّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ * وَكَأَيّن مّن نّبِيّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَن قَالُواْ ربّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيَ أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الاَخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ
لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد وقتل من قتل منهم, نادى الشيطان: ألا إن محمداً قد قتل, ورجع ابن قميئة إلى المشركين, فقال لهم: قتلت محمداً, وإنما كان قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشجه في رأسه, فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل, وجَوّزوا عليه ذلك, كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء عليهم السلام, فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال, ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} أي له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه, قال ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه فقال له: يا فلان أشعرت أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل, فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ, فقاتلوا عن دينكم, فنزل {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة. ثم قال تعالى منكراً على من حصل له ضعف {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} أي رجعتم القهقرى {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين} أي الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه, واتبعوا رسوله حياً وميتاً. وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع, وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أن الصديق رضي الله عنه, تلا هذه الاَية لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير, حدثنا الليث عن عقيل, عن ابن شهاب, أخبرني أبو سلمة أن عائشة رضي الله عنها, أخبرته أن أبا بكر رضي الله عنه, أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد, فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة, فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب حبرة, فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكى, ثم قال: بأبي أنت وأمي والله لا يجمع الله عليك موتتين, أما الموتة التي كتبت عليك فقدمِتّها, وقال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يحدّث الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس فأقبل الناس إليه وتركوا عمر, فقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمداً, فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ـ إلى قوله ـ وسيجزي الله الشاكرين} قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الاَية حتى تلاها عليهم أبو بكر, فتلقاها منه الناس كلهم فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها, وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعَقِرتُ حتى ما تقلني رجلاي, وحتى هويت إلى الأرض. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز, حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد, حدثنا أسباط بن نصر عن سماك بن حرب, عن عكرمة, عن ابن عباس, أن علياً كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله, والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت, والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه, فمن أحق به مني ؟ وقوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً} أي لا يموت أحد إلا بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له, ولهذا قال {كتاباً مؤجلاً} كقوله {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} وكقوله {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده} وهذه الاَية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال, فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه, كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العبدي قال: سمعت أبا معاوية عن الأعمش عن حبيب بن صُهبان, قال: قال رجل من المسلمين وهو حُجْر بن عدي: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو هذه النطفة ـ يعني دجلة ـ {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً} ثم أقحم فرسه دجلة, فلما أقحم, أقحم الناس, فلما رآهم العدو قالوا: ديوان فهربوا. وقوله {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها, ومن يرد ثواب الاَخرة نؤته منها} أي من كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له, ولم يكن له في الاَخرة نصيب, ومن قصد بعمله الدار الاَخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا, كما قال تعالى: {من كان يريد حرث الاَخرة نزد له في حرثه, ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الاَخرة من نصيب} وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الاَخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً} ولهذا قال ههنا {وسنجزي الشاكرين} أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والاَخرة بحسب شكرهم وعملهم, ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد {وكأين من نبيّ قاتل معه ربيون كثير} قيل: معناه كم من نبي قتل وقتل معه ربيون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير فإنه قال: وأما الذين قرأوا {قتل معه ربيون كثير} فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم, وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل, قال: ومن قرأ قاتل فإنه اختار ذلك, لأنه قال: لو قتلوا لم يكن لقول الله {فما وهنوا} وجه معروف لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا, ثم اختار قراءة من قرأ {قتل معه ربيون كثير} لأن الله عاتب بهذه الاَيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمداً قد قتل, فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال, فقال لهم {أفإن مات أو قتل} أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم و{انقلبتم على أعقابكم} وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير, وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولاً آخر, فإنه قال: وكأين من نبي أصابه القتل ومعه ربيون أي جماعات فما وهنوا بعد نبيهم, وما ضعفوا عن عدوهم, وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم, وذلك الصبر {والله يحب الصابرين} فجعل قوله {معه ربيون كثير} حالاً, وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه, وله اتجاه لقوله {فما وهنوا لما أصابهم} الاَية, وكذا حكاه الأموي في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم ولم يحك غيره, وقرأ بعضهم {قاتل معه ربيون كثير} قال سفيان الثوري, عن عاصم, عن زرّ عن ابن مسعود {ربيون كثير} أي ألوف, وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي والربيع وعطاء الخراساني: الربيون الجموع الكثيرة وقال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن {ربيون كثير} أي علماء كثير, وعنه أيضاً: علماء صبر أبرار وأتقياء. وحكى ابن جرير عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب عز وجل, قال: ورد بعضهم عليه فقال: لو كان كذلك لقيل: الربيون بفتح الراء, وقال ابن زيد: الربيون الأتباع والرعية, والربانيون الولاة. {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا}قال قتادة والربيع بن أنس {وما ضعفوا} بقتل نبيهم {وما استكانوا} يقول: فما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله, وقال ابن عباس {وما استكانوا} تخشعوا, وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم, وقال محمد بن إسحاق والسدي وقتادة: أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم {والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} أي لم يكن لهم هجير إلا ذلك {فآتاهم الله ثواب الدنيا} أي النصر والظفر والعاقبة {وحسن ثواب الاَخرة} أي جمع لهم ذلك مع هذا {والله يحب المحسنين}.                                                         ==== ** يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدّوكُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ * بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُواْ الرّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىَ الظّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّىَ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مّا تُحِبّونَ مِنكُم مّن يُرِيدُ الدّنْيَا وَمِنكُم مّن يُرِيدُ الاَخِرَةَ ثُمّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىَ أحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَ أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمّاً بِغَمّ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىَ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين, فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والاَخرة, ولهذا قال تعالى: {إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} ثم أمرهم بطاعته وموالاته والإستعانة به والتوكل عليه, فقال تعالى: {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب كفرهم وشركهم, مع ما ادخره لهم في الدار الاَخرة من العذاب والنكال, فقال {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين} وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً, وأحلت لي الغنائم, وأعطيت الشفاعة, وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان التيمي عن سيار عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «فضلني ربي على الأنبياء ـ أو قال على الأمم ـ بأربع: قال: أرسلت إلى الناس كافة, وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجداً وطهوراً فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره, ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي, وأحلت لي الغنائم». ورواه الترمذي من حديث سليمان التيمي عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي سكن البصرة, عن أبي أمامة صدي بن عجلان رضي الله عنه به, وقال: حسن صحيح. وقال سعيد بن منصور: أنبأنا ابن وهب, أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «نصرت بالرعب على العدو», ورواه مسلم من حديث ابن وهب. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد, حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق, عن أبي بردة, عن أبيه أبي موسى, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمساً: بعثت إلى الأحمر والأسود, وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً, وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي, ونصرت بالرعب شهراً, وأعطيت الشفاعة, وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته وإني اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات لا يشرك بالله شيئاً» تفرد به أحمد. وروى العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً, وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب» رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} قال ابن عباس: وعدهم الله النصر, وقد يستدل بهذه الاَية على أحد القولين المتقدمين في قوله تعالى: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} أن ذلك كان يوم أحد, لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل, فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام, فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة, تأخر الوعد الذي كان مشروطاً بالثبات والطاعة, ولهذا قال {ولقد صدقكم الله وعده} أي أول النهار {إذ تحسونهم} أي تقتلونهم {بإذنه} أي بتسليطه إياكم عليهم {حتى إذا فشلتم} وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن {وتنازعتم في الأمر وعصيتم} كما وقع للرماة {من بعد ما أراكم ما تحبون} وهو الظفر منهم {منكم من يريد الدنيا} وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة {ومنكم من يريد الاَخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم {ولقد عفا عنكم} أي غفر لكم ذلك الصنيع, وذلك, والله أعلم, لكثرة عدد العدو وعددهم وقلة عدد المسلمين وعددهم, قال ابن جريج: قوله {ولقد عفا عنكم} قال: لم يستأصلكم, وكذا قال محمد بن إسحاق: رواهما ابن جرير {والله ذو فضل على المؤمنين} وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود, حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه, عن عُبيد الله عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أحد, قال: فأنكرنا ذلك, فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله, إن الله يقول في يوم أحد {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} يقول ابن عباس والحسن: القتل {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاَخرة} الاَية, وإنما عنى بهذا الرماة, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال: «احموا ظهورنا, فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا, وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا» فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم, وأباحوا عسكر المشركين, أكب الرماة جميعاً دخلوا في العسكر ينهبون, ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم هكذا ـ وشبك بين يديه ـ وانتشبوا, فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها, دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فضرب بعضهم بعضاً, والتبسوا وقتل من المسلمين, ناس كثير, وقد كان النصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة, وجال المسلمون جولة نحو الجبل, ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار, إنما كانوا تحت المهراس, وصاح الشيطان: قتل محمد, فلم يشكوا به أنه حق, فلا زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين نعرفه بتلفته إذا مشى, قال: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا, قال: فرقى نحونا وهو يقول: «اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله» ويقول مرة أخرى: «اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا» حتى انتهى إلينا فمكث ساعة, فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل اعلُ هبل ـ مرتين يعني إلهه ـ أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله ألا أجيبه ؟ قال «بلى». فلما قال: اعل هبل. قال عمر: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: قد أنعمت عينها فعاد. عنها أو فَعَالَ. فقال أين ابن أبي كبشة ؟ أين ابن أبي قحافة ؟ أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر, هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا أبو بكر, وها أنا ذا عمر. قال: فقال أبو سفيان, يوم بيوم بدر, الأيام دول, وإن الحرب سجال, قال: فقال: عمر: لا سواء قتلانا في الجنة, وقتلاكم في النار. قال: إنكم تزعمون ذلك, فقد خبنا وخسرنا إذن, فقال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركته حمية الجاهلية, فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه, هذا حديث غريب وسياق عجيب, وهو من مرسلات ابن عباس, فإنه لم يشهد أحداً ولا أبوه, وقد أخرجها الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه, عن عثمان بن سعيد, عن سلمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس به, وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به. ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا حماد عن عطاء بن السائب, عن الشعبي, عن ابن مسعود, قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين, فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس منا أحد يريد الدنيا, حتى أنزل الله {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاَخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} فلما خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعصوا ما أمروا به, أفرد النبي صلى الله عليه وسلم في تسعة: سبعة من الأنصار, ورجلين من قريش, وهو عاشرهم صلى الله عليه وسلم, فلما رهقوه قال: «رحم الله رجلاً ردهم عنا» قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل, فلما رهقوه أيضاً قال: «رحم الله رجلاً ردهم عنا» فلم يزل يقول ذلك حتى قتل السبعة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: «ما أنصفنا أصحابنا» فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا: الله أعلى وأجل», فقالوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان, لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا: الله مولانا والكافرون لا مولى لهم» فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر. فيوم علينا ويوم لنا, يوم نساء ويوم نسر, حنظلة بحنظلة وفلان بفلان وفلان بفلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا سواء: أما قتلانا فأحياء يرزقون, وأما قتلاكم ففي النار يعذبون» فقال أبو سفيان, لقد كان في القوم مثلة, وإن كان لعن غير ملأ منا, ما أمرت ولا نهيت, ولا أحببت ولا كرهت, ولا ساءني ولا سرني, قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه, وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكلت شيئاً» ؟ قالوا: لا. قال: «ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة في النار» قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم: حمزة فصلى عليه, وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه, فرفع الأنصاري وترك حمزة حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه, ثم رفع وترك حمزة, حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة, تفرد به أحمد أيضاً. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن البراء, قال: لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير, وقال «لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا, وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا» فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن, قد بدت خلاخلهن, فأخذوا يقولون الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إليّ النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا فأبوا, فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلاً, فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد ؟ فقال «لا تجيبوه». فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ قال «لا تجيبوه». فقال: أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال له: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يحزنك, قال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه» قالوا: ما نقول قال: «قولوا: الله أعلى وأجل». قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أجيبوه» قالوا: ما نقول ؟ قال «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم». قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر, والحرب سجال, وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني, تفرد به البخاري من هذا الوجه, ثم رواه عن عمرو بن خالد عن زهير بن معاوية, عن أبي إسحاق, عن البراء بنحوه, وسيأتي بأبسط من هذا وقال البخاري أيضاً: حدثنا عبيد الله بن سعيد, حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون, فصرخ إبليس: أي عباد الله أخراكم, فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم, فبصر حذيفة, فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي أبي. قال: قالت: فو الله ما احتجزوا حتى قتلوه, فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فو الله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله عز وجل. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده أن الزبير بن العوام قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل, ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب, وخلوا ظهورنا للخيل, فأتتنا من أدبارنا, وصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قتل, فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم. قال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعاً حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فدفعته لقريش فلاثوا به. وقال السدي, عن عبد خير قال: قال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاَخرة} وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود, وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة, رواهن ابن مردويه في تفسيره, وقوله تعالى: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أحد بني عدي بن النجار, قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم, فقال: ما يخليكم ؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه, ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه وقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان, حدثنا محمد بن طلحة, حدثنا حميد عن أنس بن مالك أن عمه يعني أنس بن النضر, غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي صلى الله عليه وسلم لئن أشهدني الله مع رسول الله ليرين الله ما أجد, فلقي يوم أحد فهزم الناس, فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المسلمين ـ وأبرأ إليك مما جاء به المشركون, فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ, فقال: أين يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد, فمضى فقتل, فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه بشامة, وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم, هذا لفظ البخاري, وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه وقال البخاري أيضاً: حدثنا عبدان, حدثنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب, قال: جاء رجل حج البيت فرأى قوماً جلوساً, فقال: من هؤلاء القعود ؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ ؟ قالوا: ابن عمر, فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني, قال: سل, قال: أنشدك بحرمة هذا البيت, أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد ؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟ قال: نعم. فكبر, فقال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه, أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه, وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه» وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان, فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: «هذه يد عثمان» فضرب بها على يده فقال: «هذه يد عثمان اذهب بها الاَن معك» ثم رواه البخاري من وجه آخر على أبي عوانة, عن عثمان بن عبد الله بن موهب.
وقوله تعالى: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد} أي صرفكم عنهم إذ تصعدون أي في الجبل هاربين من أعدائكم. وقرأ الحسن وقتادة {إذ تَصْعَدون} أي في الجبل {ولا تلوون على أحد} أي وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب {والرسول يدعوكم في أخراكم} أي وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء, وإلى الرجعة والعودة والكرة. قال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة, وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس «إليّ عباد الله, إليّ عباد الله» فذكر الله صعودهم إلى الجبل, ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم, فقال {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم} وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد. وقال عبد الله بن الزبعري: يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها:
يا غراب البين أسمعت فقلإنما تنطق شيئاً قد فعلإن للخير وللشر مدىوكلا ذلك وجه وقبل

إلى أن قال:
ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسلحين حكّت بقباء بركهاواستحر القتل في عبد الأشلثم خفوا عند ذاكم رُقّصاًرقص الحفّان يعلو في الجبلفقتلنا الضعف من أشرافهموعدلنا ميل بدر فاعتدل

الحفان: صغار النعم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أفرد في اثني عشر رجلاً من أصحابه كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى, حدثنا زهير, حدثنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنه, قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد ـ وكانوا خمسين رجلاً ـ عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعاً, وقال «إن رأيتمونا تخطفنا الطير, فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم» وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم, قال فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن, فقال: أصحاب عبد الله الغنيمة, أي قوم الغنيمة, ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قاله لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا: إنا والله لنأتين الناس, فلنصيبن من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين, فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم, فلم يبق مع رسول الله إلا اثنا عشر رجلاً, فأصابوا منا سبعين, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين, سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد, أفي القوم محمد ؟ ـ ثلاثاً ـ قال. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه, ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ أفي القوم ابن الخطاب ؟ أفي القوم ابن الخطاب ؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم, فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله, إن الذين عددت لأحياء كلهم, وقد بقي لك ما يسوؤك, فقال: يوم بيوم بدر, والحرب سجال. وإنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها, ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز يقول: اعل هبل اعل هبل, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا تجيبوه ؟» قالوا: يا رسول الله, وما نقول ؟ قال «قولوا الله أعلى وأجل» قال: لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا تجيبوه ؟» قالوا: يا رسول الله, وما نقول ؟ قال «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصراً, ورواه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق بأبسط من هذا كما تقدم, والله أعلم ـ وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غزية, عن أبي الزبير, عن جابر, قال: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد, وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار, وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد الجبل, فلقيهم المشركون, فقال «ألا أحد لهؤلاء» فقال طلحة: أنا يا رسول الله, فقال «كما أنت يا طلحة» فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله, فقاتل عنه, وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه, ثم قتل الأنصاري فلحقوه, فقال «ألا رجل لهؤلاء» فقال طلحة, مثل قوله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله, فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله, فقاتل عنه وأصحابه يصعدون, ثم قتل فلحقوه, فلم يزل يقول مثل قوله الأول, فيقول طلحة: فأنا يا رسول الله, فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال, فيأذن له, فيقاتل مثل من كان قبله, حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما, فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لهؤلاء» فقال طلحة: أنا, فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله, وأصيبت أنامله, فقال حَس, فقال رسول الله «لو قلت باسم الله وذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء» ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون. وقد روى البخاري عن أبي بكر بن أبي شيبة, عن وكيع, عن إسماعيل, عن قيس بن أبي حازم, قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم, يعني يوم أحد ـ وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه, عن أبي عثمان النهدي, قال: لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, في بعض الأيام التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم, إلا طلحة بن عبيد الله وسعد عن حديثهما. وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية, عن هاشم بن هاشم الزهري, قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نَثَل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد وقال «ارم فداك أبي وأمي», وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد, عن مروان بن معاوية, وقال محمد بن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد, عن سعد بن أبي وقاص, أنه رمى يوم أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال سعد: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني النبل ويقول «ارم فداك أبي وأمي» حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به ـ وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد, عن أبيه, عن جده, عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم, وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده, يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام ـ وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار, واثنين من قريش, فلما أرهقوه قال «من يردهم عنا وله الجنة ـ أو وهو رفيقي في الجنة» فتقدم رجل من الأنصار, فقاتل حتى قتل, ثم أرهقوه أيضاً, فقال « من يردهم عنا وله الجنة» فتقدم رجل من الأنصار, فقاتل حتى قتل, فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه «ما أنصفنا أصحابنا» رواه مسلم عن هدبة بن خالد, عن حماد بن سلمة به نحو, وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير, قال: كان أبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما بلغت رسول الله حلفته, قال «بل أنا أقتله إن شاء الله» فلما كان يوم أحد, أقبل أبي في الحديد مقنعاً وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد, فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله, فاستقبله مصعب بن عمير, أخو بني عبد الدار, يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه, فقتل مصعب بن عمير, وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف, من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة وطعنه فيها بحربته, فوقع إلى الأرض عن فرسه, ولم يخرج من طعنته دم, فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور, فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش ؟ فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «بل أنا أقتل أبياً» ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي, بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين, فمات إلى النار {فسحقاً لأصحاب السعير} وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه, عن الزهري, عن سعيد بن المسيب بنحوه ـ وذكر محمد بن إسحاق, قال: لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب, أدركه أبي بن خلف وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ, فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوه» فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة, فقال بعض القوم ـ ما ذكر لي ـ فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض, ثم استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مراراً ـ وذكر الواقدي عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق, عن عاصم بن عمرو بن قتادة, عن عبد الله بن كعب بن مالك, عن أبيه, نحو ذلك. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول مات أبي بن خلف ببطن رابغ, فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل, إذا أنا بنار تأجج فهبتها, فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش, وإذا رجل يقول: لا تسقه, فإن هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا أبي بن خلف ـ وثبت في الصحيحين من رواية عبد الرزاق عن معمر, عن همام بن منبه عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو حينئذ يشير إلى رباعيته ـ واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله» وأخرجه البخاري أيضاً من حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: اشتد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في سبيل الله, واشتد غضب الله على قوم دَمّوا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال ابن إسحاق: أصيبت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم, وشج في وجنته, وكلمت شفته, وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص, فحدثني صالح بن كيسان, عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص إن كان ما علمته لسيء الخلق مبغضاً في قومه, ولقد كفاني فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «اشتد غضب الله على من دَمّى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم» ـ وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري, عن عثمان الجزري, عن مقسم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودَمّى وجهه, فقال «اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً» فما حال عليه الحول حتى مات كافراً إلى النار ـ وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة, عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة, عن أبي الحويرث, عن نافع بن جبير, قال: سمعت رجلاً من المهاجرين يقول: شهدت أحداً فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها, كل ذلك يصرف عنه, ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ, دلوني على محمد لا نجوت إن نجا, ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ليس معه أحد, ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان, فقال والله ما رأيته أحلف بالله إنه منا ممنوع! خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك, قال الواقدي: والذي ثبت عندنا, أن الذي رمى في وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن قميئة, والذي دَمّى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص, وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله, أخبرني عيسى بن طلحة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد, قال: ذاك يوم كله لطلحة ثم أنشأ يحدث, قال: كنت أول من فاء يوم أحد, فرأيت رجلاً يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دونه وأراه قال حمية, فقال: فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني, فقلت: يكون رجلاً من قومي أحب إلي وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه, وهو يخطف المشي خطفاً لا أحفظه, فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح, فانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه, وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عليكما صاحبكما يريد طلحة» وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله, قال: وذهبت لأن أنزع ذلك من وجهه, فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته, فكره أن يتناولها بيده فيؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأزّم عليه بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين, ووقعت ثنيّته مع الحلقة, وذهبت لأصنع ما صنع, فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني, قال ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى, فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة, فكان أبو عبيدة أحسن الناس هتماً, فأصلحنا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار, فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة, وإذا قد قطعت أصبعه, فأصلحنا من شأنه, ورواه الهيثم بن كليب والطبراني من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم فقال أبو عبيدة: أنشدك الله يا أبا بكر إلا تركتني ؟ فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه, فجعل ينضنضه كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استل السهم بفيه فبدرت ثنية أبو عبيدة, وذكر تمامه, واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه, وقد ضعّف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان وأحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وغيرهم وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن مالكاً أبا أبي سعيد الخدري لما جرح النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد مص الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل له: مجه, فقال: لا والله لا أمجه أبداً, ثم أدبر يقاتل, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» فاستشهد. وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم, عن أبيه, عن سهل بن سعد, أنه سئل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه صلى الله عليه وسلم, فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم وكان علي يسكب عليه الماء بالمجن, فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رماداً ألصقته بالجرح فاستمسك الدم, وقوله تعالى: {فأثابكم غماً بغم} أي فجزاكم غماً على غم, كما تقول العرب: نزلت ببني فلان, ونزلت على بني فلان. وقال ابن جرير: وكذا قوله {ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي على جذوع النخل, قال ابن عباس: الغم الأول بسبب الهزيمة, وحين قيل قتل محمد صلى الله عليه وسلم, والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل, وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم ليس لهم أن يعلونا» وعن عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول بسبب الهزيمة, والثاني حين قيل قتل محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك عندهم أشد وأعظم من الهزيمة, رواهما ابن مردويه, وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك, وذكر ابن أبي حاتم, عن قتادة نحو ذلك أيضاً وقال السدي: الغم الأول بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح, والثاني يإشراف العدو عليهم, وقال محمد بن إسحاق {فأثابكم غماً بغم} أي كرباً بعد كرب قتل مَنْ قتل من إخوانكم, وعلو عدوكم عليكم, وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قتل نبيكم, فكان ذلك متتابعاً عليكم غماً بغم, وقال مجاهد وقتادة: الغم الأول سماعهم قتل محمد, والثاني ما أصابهم من القتل والجراح, وعن قتادة والربيع بن أنس عكسه. وعن السدي: الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة, والثاني إشراف العدو عليهم, وقد تقدم هذا القول عن السدي. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال {فأثابكم غماً بغم} فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم والنصر عليهم, وما أصابكم من القتل والجراح, يومئذ بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم أمر ربكم, وخلافكم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم غم ظنكم أن نبيكم قد قتل وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم. وقوله تعالى: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم {ولا ما أصابكم} من الجراح والقتل, قاله ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف والحسن وقتادة والسدي, {والله خبير بما تعملون} سبحانه وبحمده لا إله إلا هو جل وعلا.)                                                                                 =======     ثُمّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نّعَاساً يَغْشَىَ طَآئِفَةً مّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ يَقُولُونَ هَل لّنَا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنّ الأمْرَ كُلّهُ للّهِ يُخْفُونَ فِيَ أَنْفُسِهِم مّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىَ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ * إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
يقول تعالى ممتناً على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو النعاس الذي غشيهم وهم مُسْتَلئمو السلاح في حال همهم وغمهم, والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان, كما قال تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} الاَية, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو نعيم وكيع, عن سفيان, عن عاصم, عن أبي رزين, عن عبد الله بن مسعود, قال: النعاس في القتال من الله وفي الصلاة من الشيطان, وقال البخاري وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع, حدثنا سعيد عن قتادة, عن أنس, عن أبي طلحة, قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد, حتى سقط سيفي من يدي مراراً, يسقط وآخذه, ويسقط وآخذه, وهكذا رواه في المغازي معلقاً, ورواه في كتاب التفسير مسنداً عن شيبان, عن قتادة, عن أنس, عن أبي طلحة, قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد, قال فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه. وقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد بن سلمة, عن ثابت, عن أنس, عن أبي طلحة, قال, رفعت رأسي يوم أحد وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت حجفته من النعاس, لفظ الترمذي وقال: حسن صحيح, ورواه النسائي أيضاً, عن محمد بن المثنى, عن خالد بن الحارث, عن أبي قتيبة, عن ابن أبي عدي, كلاهما عن حميد, عن أنس قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقي عليه النعاس, الحديث, وهكذا رُوِي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف وقال البيهقي: حدثنا أبوعبد الله الحافظ, أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب, حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي, حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي, حدثنا يونس بن محمد, حدثنا شيبان عن قتادة, حدثنا أنس بن مالك أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إِلا أنفسهم أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} أي إِنما هم كَذَبة أهل شك وريب في الله عز وجل هكذا رواه بهذه الزيادة وكأنها من كلام قتادة رحمه الله وهو كما قال, فإن الله عز وجل يقول: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم} يعني أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق وهم الجازمون بأن الله عز وجل سينصر رسوله وينجز له مأموله, ولهذا قال: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} يعني لايغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} كما قال في الاَية الأخرى {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً} إلى آخر الاَية, وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة وأن الإِسلام قد باد وأهله, وهذا شأن أهل الريب والشك إِذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة, ثم أخبر تعالى عنهم أنهم {يقولون} في تلك الحال {هل لنا من الأمر من شيء} فقال تعالى: {قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} أي يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إِسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير, عن أبيه, عن عبد الله بن الزبير, قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره, قال: فو الله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا فحفظتها منه وفي ذلك أنزل الله {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} لقول معتب, رواه ابن أبي حاتم. قال الله تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} أي هذا قدر قدره الله عز وجل وحكم حتم لا محيد عنه ولا مناص منه, وقوله تعالى: {وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} أي يختبركم بما جرى عليكم ليميز الخبيث من الطيب ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال {والله عليم بذات الصدور} أي بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر, ثم قال تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إِنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} أي ببعض ذنوبهم السابقة كما قال بعض السلف: إِن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإِن من جزاء السيئة السيئة بعدها, ثم قال تعالى {ولقد عفا الله عنهم} أي عما كان منهم من الفرار {إن الله غفور حليم} أي يغفر الذنب ويحلم عن خلقه ويتجاوز عنهم, وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان وتوليه يوم أحد وأن الله قد عفا عنه مع من عفا عنهم عند قوله {ولقد عفا الله عنكم} ومناسب ذكره ههنا, قال الإِمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو, حدثنا زائدة, عن عاصم, عن شقيق, قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم حنين, قال عاصم: يقول يوم أحد: ولم أتخلف عن بدر ولم أترك سنة عمر, قال: فانطلق فأخبر بذلك عثمان, قال: فقال عثمان: أما قوله إِني لم أفر يوم حنين, فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه فقال تعالى: {إِن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إِنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم} وأما قوله إني تخلفت يوم بدر, فإِني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم, ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم فقد شهد, وأما قوله إِني تركت سنة عمر فإِني لا أطيقها ولا هو, فأته فحدثه بذلك.

** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزّى لّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتّمْ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مّتّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد, الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب, لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم, فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم} أي عن إخوانهم {إذا ضربوا في الأرض} أي سافروا للتجارة ونحوها {أو كانوا غزى} أي كانوا في الغزو {لو كانوا عندنا} أي في البلد {ما ماتوا وما قتلوا} أي ما ماتوا في السفر, وما قتلوا في الغزو وقوله تعالى: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} أي خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتهم وقتلهم, ثم قال تعالى رداً عليهم {والله يحيي ويميت} أي بيده الخلق وإليه يرجع الأمر, ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره, ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره {والله بما تعملون بصير} أي علمه وبصره نافذ في جميع خلقه, لا يخفى عليه من أمورهم شيء, وقوله تعالى: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضاً, وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه, وذلك خير من البقاء في الدنيا جَمْع حطامها الفاني, ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله عز وجل, فيجزيه بعمله إن خيراً فخير, وإن شراً فشر, فقال تعالى: {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون}.                                            ====فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ * إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الّذِي يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مّبِينٍ
يقول تعالى مخاطباً رسوله, ممتناً عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره, التاركين لزجره, وأطاب لهم لفظه {فبما رحمة من الله لنت لهم} أي: أي شيء جعلك لهم ليناً, لولا رحمة الله بك وبهم, وقال قتادة {فبما رحمة من الله لنت لهم} يقول فبرحمة من الله لنت لهم, وما صلة, والعرب تصلها بالمعرفة كقوله {فبما نقضهم ميثاقهم} وبالنكرة كقوله: {عما قليل} وهكذا ههنا قال: {فبما رحمة من الله لنت لهم} أي برحمة من الله, وقال الحسن البصري هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به, وهذه الاَية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} وقال الإمام أحمد: حدثنا حيوة, حدثنا بقية, حدثنا محمد بن زياد, حدثني أبو راشد الحُبْراني قال: أخذ بيدي أبو أمامة الباهلي وقال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «يا أبا أمامة إن من المؤمنين من يلين لي قلبه» تفرد به أحمد, ثم قال تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك} والفظ الغليظ, والمراد به ههنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك {غليظ القلب} أي لو كنت سيء الكلام, قاسي القلب عليهم لا نفضوا عنك وتركوك, ولكن الله جمعهم عليك, وألان جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم, كما قال عبد الله بن عمرو: «إني أرى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة إنه ليس بفظ, ولا غليظ, ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة, ولكن يعفو ويصفح», وقال أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي, حدثنا عمار بن عبد الرحمن عن المسعودي عن ابن أبي مليكة, عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض» حديث غريب. ولهذا قال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييباً لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه, كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير, فقالوا: يا رسول الله, لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك, ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك, ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون: ولكن نقول اذهب, فنحن معك, وبين يديك, وعن يمينك, وعن شمالك مقاتلون, وشاورهم أيضاً أين يكون المنزل, حتى أشار المنذر بن عمرو المُعْنق ليموت, بالتقدم إلى أمام القوم. وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو, فأشار جمهورهم بالخروج إليهم, فخرج إليهم وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ, فأبى ذلك عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة, فترك ذلك, وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين. فقال له الصديق: إنا لم نجىء لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين, فأجابه إلى ما قال, وقال صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك «أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم, وايم الله ما علمت على أهلي من سوء وأبنوهم بمن ؟ والله ما علمت عليه إلا خيراً» واستشار علياً وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها. فكان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها وقد اختلف الفقهاء هل كان ذلك واجباً عليه أو من باب الندب تطييباً لقلوبهم ؟ على قولين. وقد قال الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي, حدثنا يحيى بن أيوب العلاف بمصر, حدثنا سعيد بن أبي مريم, أنبأنا سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن ابن عباس في قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما, ثم قال: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه, وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر وعمر, وكانا حواريّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه, وأبوي المسلمين, وقد روى الإمام أحمد: حدثناوكيع, حدثنا عبد الحميد عن شهر بن حوشب, عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال لأبي بكر وعمر «لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما» وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم ؟ فقال «مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم» وقد قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا يحيى بن بكير عن شيبان, عن عبد الملك بن عمير, عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «المستشار مؤتمن» ورواه أبو داود والترمذي, وحسنه النسائي من حديث عبد الملك بن عمير بأبسط من هذا. ثم قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا أسود بن عامر عن شريك, عن الأعمش, عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المستشار مؤتمن» تفرد به. وقال أيضاً: حدثنا أبو بكر, حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم عن ابن أبي ليلى, عن أبي الزبير, عن جابر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه» تفرد به أيضاً. وقوله تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} أي إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه {إن الله يحب المتوكلين} وقوله تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وهذه الاَية كما تقدم من قوله: {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} ثم أمرهم بالتوكل عليه, فقال {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وقوله تعالى: {وما كان لنبي أن يغل}, قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا المسيب بن واضح, حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان بن خصيف عن عكرمة, عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها, فأنزل الله {وما كان لنبي أن يغلّ} أي يخون. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا عبد الواحد بن زياد, حدثنا خصيف, حدثنا مقسم, حدثني ابن عباس أن هذه الاَية {وما كان لنبي أن يغل} نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر, فقال بعض الناس: لعل رسول الله أخذها, فأكثروا في ذلك, فأنزل الله {وما كان لنبي أن يغلّ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} وكذا رواه أبو داود والترمذي جميعاً عن قتيبة, عن عبد الواحد بن زياد به. وقال الترمذي: حسن غريب, ورواه بعضهم, عن خصيف, عن مقسم يعني مرسلاً, وروى ابن مردويه من طريق أبي عمرو بن العلاء, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقد, فأنزل الله تعالى: {وما كان لنبي أن يغلّ} وروي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم, وهذا تنزيه له صلوات الله وسلامه عليه من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك. وقال العوفي عن ابن عباس {وما كان لنبي أن يغل} أي بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضاً. وكذا قال الضحاك. وقال محمد بن إسحاق {وما كان لنبي أن يغل} بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغه أمته. وقرأ الحسن البصري وطاوس ومجاهد والضحاك {وما كان لنبي أن يغل} بضم الياء أي يخان وقال قتادة والربيع بن أنس: نزلت هذه الاَية يوم بدر, وقد غل بعض أصحابه. رواه ابن جرير عنهما, ثم حكى عن بعضهم أنه فسر هذه القراءة بمعنى يتهم بالخيانة, ثم قال تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد, وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضاً في أحاديث متعددة, قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك, حدثنا زهير يعني ابن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل, عن عطاء بن يسار, عن أبي مالك الأشجعي, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض, تجدون الرجلين جارين في الأرض ـ أو في الدار ـ فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً, فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة».
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود, حدثنا ابن لهيعة, عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد, عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت المستورد بن شداد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً أو ليست له زوجة فليتزوج, أو ليس له خادم فليتخذ خادماً, أو ليست له دابة فليتخذ دابة, ومن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غال» هكذا رواه الإمام أحمد. وقد رواه أبو داود بسند آخر وسياق آخر, فقال: حدثنا موسى بن مروان الرقي, حدثنا المعافى, حدثنا الأوزاعي عن الحارث بن يزيد, عن جبير بن نفير, عن المستورد بن شداد, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة, فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً, فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً» قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «من اتخذ غير ذلك فهو غال ـ أو سارق». قال شيخنا الحافظ المزي رحمه الله: رواه جعفر بن محمد الفريابي عن موسى بن مروان: فقال: عن عبد الرحمن بن جبير بدل جبير بن نفير, وهو أشبه بالصواب.
(حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا حفص بن بشر, حدثنا يعقوب القمي, حدثنا حفص بن حميد عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء, فينادي: يا محمد يا محمد, فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك, ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملاً له رغاء, فيقول: يا محمد يا محمد, فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك, ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرساً له حمحمة ينادي: يا محمد, يا محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً, قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قَشْعاً من أدم ينادي: يا محمد يا محمد, فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك» لم يروه أحد من أهل الكتب الستة.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري سمع عروة يقول: حدثنا أبو حميد الساعدي: قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة, فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال «ما بال العامل نبعثه فيجي فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي: أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا ؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته, إن كان بعيراً له رغاء, أو بقرة لها خوار, أو شاة تيعر» ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه: ثم قال «اللهم هل بلغت» ثلاثاً, وزاد هشام بن عروة فقال أبو حميد: بصرته بعيني وسمعته بأذني واسألوا زيد بن ثابت, أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة, وعند البخاري: واسألوا زيد بن ثابت, ومن غير وجه عن الزهري, ومن طريق عن هشام بن عروة, كلاهما عن عروة, به.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى, حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن عروة بن الزبير عن أبي حميد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « هدايا العمال غلول» وهذا الحديث من أفراد أحمد, وهو ضعيف الإسناد, وكأنه مختصر من الذي قبله, والله أعلم.
(حديث آخر) ـ قال أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام: حدثنا أبو كريب, حدثنا أبو أسامة عن داود بن يزيد الأودي, عن المغيرة بن شبل, عن قيس بن أبي حازم, عن معاذ بن جبل, قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن, فلما سرت أرسل في أثري فرددت, فقال «أتدري لم بعثت إليك ؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} لهذا دعوتك فامض لعملك» هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه, وفي الباب عن عدي بن عميرة وبريدة والمستورد بن شداد وأبي حميد وابن عمر.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية, حدثنا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي, عن أبي زرعة بن عمر بن جرير, عن أبي هريرة, قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره, ثم قال: لألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء, فيقول: يا رسول الله أغثني, فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك, لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة, فيقول: يا رسول الله أغثني, فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك, لا ألفين أحدكم يجي يوم القيامة على رقبته رقاع تخنق فيقول: يا رسول الله أغثني, فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك, لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت, فيقول: يا رسول الله أغثني, فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك» أخرجاه من حديث أبي حيان به.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد, حدثني قيس عن عدي بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أيها الناس من عمل لنا منكم عملاً فكتمنا منه مخيطاً فما فوقه, فهو غل يأتي به يوم القيامة» قال: فقام رجل من الأنصار أسود ـ قال مجالد: هو سعيد بن عبادة كأني انظر إليه ـ فقال: يا رسول الله, اقبل عني عملك. قال «وما ذاك ؟» قال: سمعتك تقول: كذا وكذا, قال «وأنا أقول ذاك الاَن, من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره, فما أوتي منه أخذه, وما نهي عنه انتهى» وكذا رواه مسلم وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية عن أبي إسحاق الفزاري, عن ابن جريج, حدثني منبوذ رجل من آل أبي رافع عن الفضل بن عُبيد الله بن أبي رافع, عن أبي رافع, قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم حتى ينحدر المغرب, قال أبو رافع: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعاً إلى المغرب, إذ مر بالبقيع, فقال «أف لك, أف لك» مرتين, فكبر في ذرعي وتأخرت وظننت أنه يريدني, فقال «مالك ؟» امش قال: قلت: أحدثت حدثاً يارسول الله, قال «وما ذاك» ؟ قلت: أفّفْت بي, قال «لا, ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعياً على آل فلان فغل نمرة فدرع الاَن مثلها من نار».
(حديث آخر) ـ قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج ـ وكان بمكة ـ حدثنا عبيدة بن الأسود عن القاسم بن الوليد, عن أبي صادق, عن ربيعة بن ناجد, عن عبادة بن الصامت, قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم ثم يقول «مالي فيه إلا مثل ما لأحدكم, إياكم والغلول فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة, أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك, وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد, في الحضر والسفر, فإن الجهاد باب من أبواب الجنة, إنه لينجي الله به من الهم والغم, وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم» وقد روى ابن ماجه بعضه عن المفلوج به.
(حديث آخر) ـ عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ردوا الخياط والمخيط, فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة».
(حديث آخر) ـ قال أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة, حدثنا جرير عن مطرف, عن أبي الجهم, عن أبي مسعود الأنصاري, قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعياً, ثم قال « انطلق أبا مسعود لا ألفينك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء, قد غللته» قال: إذاً لا أنطلق, قال «إذاً لا أكرهك», تفرد به أبو داود.
(حديث آخر) ـ قال أبو بكر بن مردويه: أنبأنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة, أنبأنا عبد الحميد بن صالح, أنبأنا أحمد بن أبان عن علقمة بن مرثد, عن ابن بريدة عن أبيه, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن الحجر ليُرْمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفاً ما يبلغ قعرها, ويؤتى بالغلول فيقذف معه ثم يقال لمن غل ائت به, فذلك قوله {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة}».
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم, حدثنا عكرمة بن عمار, حدثني سماك الحنفي أبو زميل, حدثني عبد الله بن عباس, حدثني عمر بن الخطاب, قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد, حتى أتوا على رجل, فقالوا: فلان شهيد, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلا إني رأيته في النار في بردة غلها ـ أو عباءة ـ» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون». قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون, وكذا رواه مسلم والترمذي من حديث عكرمة بن عمار به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
(حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي, حدثنا أبي, حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة مصدقاً, فقال: إياك يا سعد أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء». قال: لا آخذه ولا أجيء به, فأعفاه ثم رواه من طريق عبيد الله عن نافع به نحوه.
(حديث آخر) ـ قال أحمد: حدثنا أبو سعيد, حدثنا عبد العزيز بن محمد, حدثنا صالح بن محمد بن زائدة عن سالم بن عبد الله أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم, فوجد في متاع رجل غلول, قال: فسأل سالم بن عبد الله, فقال: حدثني أبي عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من وجدتم في متاعه غلولاً فاحرقوه ـ قال: وأحسبه قال: واضربوه» قال: فأخرج متاعه في السوق فوجد فيه مصحفاً, فسأل سالماً فقال: بعه وتصدق بثمنه, وكذا رواه علي بن المديني وأبو داود والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الأتَدْراوَرْدي, زاد أبو داود وأبو إسحاق الفزاري, كلاهما عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة به. وقد قال علي بن المديني والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا, وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط, وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ومن تابعه من أصحابه, وقد رواه الأموي عن معاوية عن أبي إسحاق, عن يونس بن عبيد, عن الحسن, قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق على ما فيه. ثم روى عن معاوية عن أبي إسحاق عن عثمان بن عطاء, عن أبيه, عن علي, قال: الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد, وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال بل يعزر تعزير مثله, وقال البخاري: وقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الغال, ولم يحرق متاعه, والله أعلم.
(حديث آخر عن عمر رضي الله عنه) ـ قال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب, حدثني عبد الله بن وهب, أخبرني عمرو بن الحارث أن موسى بن جبير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوماً الصدقة, فقال: ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة «من غل منها بعيراً أو شاة فإنه يحمله يوم القيامة» ؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى. ورواه ابن ماجه عن عمرو بن سَوّاد عن عبد الله بن وهب به. ورواه الأموي عن معاوية, عن أبي إسحاق, عن يونس بن عبيد, عن الحسن قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله ويحرق على ما فيه. ثم روى عن معاوية, عن أبي إسحاق, عن عثمان بن عطاء, عن أبيه, عن علي قال: الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر, أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن جبير بن مالك, قال: أمر بالمصاحف أن تغير, قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفاً فليغله, فإنه من غل شيئاً جاء به يوم القيامة, ثم قال: قرأت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة, أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وروى وكيع في تفسيره عن شريك, عن إبراهيم بن مهاجر, عن إبراهيم, قال: لما أمر بتحريق المصاحف قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ياأيها الناس غلوا المصاحف, فإنه من غل يأت بما غل يوم القيامة, ونعم الغل المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة ـ وقال أبو داود, عن سمرة بن جندب, قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غنم غنيمة أمر بلالاً فينادي في الناس, فيجيئون بغنائمهم, فيخمسه ويقسمه, فجاء رجل يوماً بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله, هذا كان مما أصبنا من الغنيمة, فقال «أسمعت بلالاً ينادي» ثلاثاً ؟ قال: نعم. قال «فما منعك أن تجيء» ؟ فاعتذر إليه فقال «كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك».
وقوله تعالى: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} أي لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه, وأجير من وبيل عقابه, ومن استحق غضب الله وألزم به فلا محيد له عنه, ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير, وهذه الاَية لها نظائر كثيرة في القرآن, كقوله تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى}, وكقوله {أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} الاَية. ثم قال تعالى: {هم درجات عند الله}, قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات, وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل, يعني متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار, كقوله تعالى: {ولكل درجات مما عملوا} الاَية, ولهذا قال تعالى: {والله بصير بما يعملون} أي وسيوفيهم إياها, لا يظلمهم خيراً ولا يزيدهم شراً, بل يجازي كل عامل بعمله, وقوله تعالى: {لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} أي من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به, كما قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها} أي من جنسكم, وقال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} الاَية. وقال تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} وقال تعالى {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} وقال تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه, ولهذا قال تعالى: {يتلو عليهم آياته} يعني القرآن {ويزكيهم} أي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم, {ويعلمهم الكتاب والحكمة} يعني القرآن والسنة, {وإن كانوا من قبل} أي من قبل هذا الرسول {لفي ضلال مبين} أي لفي غيّ وجهل ظاهر جلي بيّن لكل أحد.                                                       ========أَوَ لَمّا أَصَابَتْكُمْ مّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنّىَ هَـَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاّتّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ
يقول تعالى: {أولمّا أصابتكم مصيبة} وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتل السبعين منهم {قد أصبتم مثليها} يعني يوم بدر, فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلاً, وأسروا سبعين أسيراً, {قلتم أنى هذا} أي من أين جرى علينا هذا {قل هو من عند أنفسكم} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا قُراد أبو نوح, حدثنا عكرمة بن عمار, حدثنا سماك الحنفي أبو زميل, حدثني ابن عباس, حدثني عمر بن الخطاب, قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل, عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء, فقتل منهم سبعون, وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه, وكسرت رباعيته, وهشمت البيضة على رأسه, وسال الدم على وجهه, فأنزل الله {أولمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} بأخذكم الفداء. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غزوان وهو قُراد أبو نوح بإسناده ولكن بأطول منه, وهكذا قال الحسن البصري, وقال ابن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثنا إسماعيل ابن علية عن ابن عون عن محمد عن عبيد, ح, قال سُنَيد وهو حسين: وحدثني حجاج عن جرير, عن محمد عن عبيدة, عن علي رضي الله عنه, قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد, إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى, وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم, وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم, قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس, فذكر لهم ذلك فقالوا: يا رسول الله, عشائرنا وإخواننا ألا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا, ويستشهد منا عدتهم, فليس في ذلك ما نكره ؟ قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً, عدة أسارى أهل بدر, وهكذا رواه النسائي والترمذي من حديث أبي داود الحفري عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة, عن سفيان بن سعيد, عن هشام بن حسان, عن محمد بن سيرين به, ثم قال الترمذي: حسن غريب, لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة, وروى أبو أسامة عن هشام نحوه, وروى عن ابن سيرين عن عبيدة, عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وقال محمد بن إسحاق وابن جريج والربيع بن أنس والسدي {قل هو من عند أنفسكم} أي بسبب عصيانكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم, يعني بذلك الرماة {إن الله على كل شيء قدير} أي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه, ثم قال تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} أي فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لاَخرين, كان بقضاء الله وقدره, وله الحكمة في ذلك {وليعلم المؤمنين} أي الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالاً لا تبعناكم} يعني بذلك أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق, فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة, ولهذا قال {أو ادفعوا} قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو صالح والحسن والسدي: يعني كثروا سواد المسلمين, وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء, وقال غيره: رابطوا, فتعللوا قائلين {لو نعلم قتالاً لا تبعناكم} قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حرباً لجئناكم, ولكن لا تلقون قتالاً. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبّان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ, وغيرهم من علمائنا, كلهم قد حدث, قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه, حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة, انحاز عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس, وقال: أطاعهم فخرج وعصاني, ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس ؟ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب, واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم, قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال, فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الإنصراف عنهم, قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم, ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} استدلوا به علة أن الشخص قد تتقلب به الأحوال, فيكون في حال أقرب إلى الكفر, وفي حال أقرب إلى الإيمان, لقوله: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان}. ثم قال تعالى: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته, ومنه قولهم هذا {لو نعلم قتالاً لا تبعناكم} فإنهم يتحققون أن جنداً من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من سراتهم يوم بدر. وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة. ولهذا قال تعالى: {والله أعلم بما يكتمون} ثم قال تعالى: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} أي لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل, قال الله تعالى: {قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} أي إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت, فينبغي أنكم لا تموتون, والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة, فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الاَية في عبد الله بن أبي ابن سلول.

** وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الّذِينَ اسْتَجَابُواْ للّهِ وَالرّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَءٌ وَاتّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ
يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار, فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار. قال محمد بن جرير: حدثنا محمد بن مرزوق, حدثنا عمرو بن يونس عن عكرمة, حدثنا ابن إسحاق بن أبي طلحة, حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة, قال: لا أدري أربعين أو سبعين, وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري, فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتوا غاراً مشرفاً على الماء فقعدوا فيه, ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء ؟ فقال ـ أراه ابن ملحان الأنصاري ـ: أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فخرج حتى أتى حياً منهم فاختبأ أمام البيوت, ثم قال: يا أهل بئر معونة, إني رسول رسول الله إليكم, إني أشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً عبده ورسوله, فآمنوا بالله ورسوله, فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح, فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الاَخر, فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة, فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل, وقال إسحاق: حدثني أنس بن مالك أن الله أنزل فيهم قرآناً: «بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه», ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زماناً, وأنزل الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير, حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة, عن مسروق, قال: سألنا عبد الله عن هذه الاَية {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «أرواحهم في جوف طير خضر, لها قناديل معلقة بالعرش, تسرح من الجنة حيث شاءت, ثم تأوي إلى تلك القناديل, فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً ؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات, فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا, قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى, فلما رأى أن ليس لهم حاجة, تركوا» وقد روي نحوه من حديث أنس وأبي سعيد.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا حماد, حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد, فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة» تفرد به مسلم من طريق حماد.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله المديني, حدثنا سفيان عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي, عن عبد الله بن محمد بن عقيل, عن جابر, قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعلمت أن الله أحيا أباك, فقال له: تمن عليّ. فقال له: أرد إلى الدنيا فأقتل مرة أخرى. قال: إني قضيت الحكم أنهم إليها لا يرجعون». تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن أبا جابر وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه, قتل يوم أحد شهيداً. قال البخاري: وقال أبو الوليد عن شعبة عن ابن المنكدر: سمعت جابراً قال لما قتل أبي: جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه, فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوني والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه, وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تبكه ـ أو ما تبكيه ـ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع» وقد أسنده هو ومسلم والنسائي من طريق آخر عن شعبة, عن محمد بن المنكدر, عن جابر, قال: لما قتل أبي يوم أحد, جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي, وذكر تمامه بنحوه.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب, حدثنا أبي عن ابن إسحاق, حدثنا إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد عن أبي الزبير المكي, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما أصيب إخوانكم بأحد, جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر, ترد أنهار الجنة, وتأكل من ثمارها, وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش, فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم, وحسن متقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد, ولا ينكلوا عن الحرب, فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم, فأنزل الله عز وجل هذه الاَيات {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} وما بعدها» هكذا رواه أحمد, وكذا رواه ابن جرير عن يونس, عن ابن وهب, عن إسماعيل بن عياش, عن محمد بن إسحاق به. ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس رضي الله عنهما فذكره, وهذا أثبت. وكذا رواه سفيان الثوري عن سالم الأفطس, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس ـ وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق الفزاري, عن سفيان, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: نزلت هذه الاَية في حمزة وأصحابه {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} ثم قال: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه, وكذلك قال قتادة والربيع والضحاك: أنها نزلت في قتلى أحد.
(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه, حدثنا عبد الله بن جعفر, حدثنا هارون بن سليمان, أنبأنا علي بن عبد الله المديني, أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري, سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصّمة الأنصاري, قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال «يا جابر مالي أراك مهتماً ؟» قال قلت: يا رسول الله, استشهد أبي وترك ديناً وعيالاً, قال: فقال: «ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب, وإنه كلم أباك كفاحاً», قال علي: الكفاح المواجهة «قال: سلني أعطك. قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية, فقال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني القول: أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي رب فأبلغ من ورائي, فأنزل الله {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} الاَية». ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سليط الأنصاري, عن أبيه عن جابر, به نحوه. وكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق علي بن المديني به. وقد رواه البيهقي أيضاً من حديث أبي عبادة الأنصاري وهو عيسى بن عبد الرحمن إن شاء الله عن الزهري, عن عروة, عن عائشة, قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر «يا جابر ألا أبشرك» قال: بلى, بشرك الله بالخير, قال «شعرت أن الله أحيا أباك, فقال: تمن عليّ عبدي ما شئت أعطكه, قال: يا رب ما عبدتك حق عبادتك, أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى, قال: إنه سلف مني أنه إليها لا يرجع».
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب, حدثنا أبي عن ابن إسحاق, حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري عن محمود بن لبيد, عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة, في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» تفرد به أحمد. وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان وعبيدة عن محمد بن إسحاق به, وهو إسناد جيد. وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة, ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة, وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر, فيجتمعون هنالك, ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح, والله أعلم ـ وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثاً فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضاً فيها, وتأكل من ثمارها, وترى ما فيها من النضرة والسرور, وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة, وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم, اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة, فإن الإمام أحمد رحمه الله, رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله, عن مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله, عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك, عن أبيه رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» قوله «يعلق» أي يأكل, وفي هذا الحديث «إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة» وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر, فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين, فإنها تطير بأنفسها, فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان ـ وقوله تعالى: {فرحين بما آتاهم الله} إلى آخر الاَية, أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم, وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة, ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم, وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم, نسأل الله الجنة. قال محمد بن إسحاق {ويستبشرون} أي ويسرون بلحوق من خَلْفَهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم, ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم. قال السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا, ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا, فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغائبهم إذا قدم, وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء, قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة, فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير, فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرهم وما هم فيه من الكرامة, وأخبرهم, أي ربهم, أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه, فاستبشروا بذلك, فذلك قوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} الاَية, وقد ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة, وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على الذين قتلوهم ويلعنهم, قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع «أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا».
ثم قال تعالى: {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} قال محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الاَية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم, وقلما ذكر الله فضلاً ذكر به الأنبياء وثواباً أعطاهم الله إياه, إلا ذكر الله ما أعطى المؤمنين من بعدهم. وقوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} هذا كان يوم حمراء الأسد, وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين, كروا راجعين إلى بلادهم, فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة, فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلداً, ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه, لما سنذكره, فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد, حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو, عن عكرمة, قال: لما رجع المشركون عن أحد, قالوا: لا محمداً قتلتم, ولا الكواعب أردفتم, بئس ما صنعتم, ارجعوا, فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك, فندب المسلمين, فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد ـ أو بئر أبي عيينة ـ الشك من سفيان ـ فقال المشركون: نرجع من قابل, فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فكانت تعد غزوة, فأنزل الله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} ورواه ابن مردويه من حديث محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة, عن عمرو, عن عكرمة, عن ابن عباس فذكره ـ وقال محمد بن إسحاق: كان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال, فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال, أذّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو, وأذّن مؤذنه أن لا يخرج معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس, فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام, فقال: يا رسول الله, إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع, وقال: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن, ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك, فتخلفت عليهن, فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه, وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهباً للعدو, وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة, وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل, كان قد شهد أحداً, قال: شهدتُ أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخي فرجعنا جريحين, فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو, قلت لأخي ـ أو قال لي ـ: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله ما لنا من دابة نركبها, وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله, وكنت أيسر جراحاً منه, فكان إذا غلب حملته عُقبة ومشى عُقبة, حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. وقال البخاري: حدثنا محمد بن سلام, حدثنا أبو معاوية عن هشام, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها {الذين استجابوا لله والرسول} الاَية, قلت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر رضي الله عنهما لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد, وانصرف عنه المشركون, خاف أن يرجعوا, فقال «من يرجع في أثرهم» فانتدب منهم سبعون رجلاً فيهم أبو بكر والزبير رضي الله عنهما, هكذا رواه البخاري منفرداً به بهذا السياق, وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن الأصم, عن عباس الدوري, عن أبي النضر, عن أبي سعيد المؤدب, عن هشام بن عروة به, ثم قال: صحيح, ولم يخرجاه, كذا قال. ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار, وهديّة بن عبد الوهاب عن سفيان بن عيينة. عن هشام بن عروة به, وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان به. وقد رواه الحاكم أيضاً من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن البهي, عن عروة, قال: قالت لي عائشة: يا بنيّ إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح, ثم قال: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه ـ وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه, أنبأنا سمويه, أنبأنا عبد الله بن الزبير, أنبأنا سفيان, أنبأنا هشام عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح أبو بكر والزبير رضي الله عنهما», ورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة رضي الله عنها كما قدمناه, ومن جهة معناه فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة, وإنما قالت ذلك عائشة لعروة بن الزبير, لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم, وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد, حدثني أبي, حدثني عمي, حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد ما كان منه ما كان, فرجع إلى مكة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً, وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب», وكانت وقعة أحد في شوال, وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة, فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة, وإنهم قدموا بعد وقعة أحد, وكان أصاب المؤمنين القرح, واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم واشتد عليهم الذي أصابهم, وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه ويتبعوا ما كانوا متبعين, وقال «إنما يرتحلون الاَن فيأتون الحج, ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل» فجاء الشيطان فخوّف أولياءه, فقال: إن الناس قد جمعوا لكم, فأبى عليه الناس أن يتبعوه, فقال «إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد لأحضض الناس» فانتدب معه أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلاً, فساروا في طلب أبي سفيان فطلبوه حتى بلغوا الصفراء, فأنزل الله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} الاَية, ثم قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد, وهي من المدينة على ثمانية أميال, قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم, فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء, ثم رجع إلى المدينة, وقد مر به ـ كما حدثني عبد الله بن أبي بكر ـ معبد بن أبي معبد الخزاعي, وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئاً كان بها, ومعبد يومئذ مشرك, فقال: يا محمد, أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك, ولوددنا أن الله عافاك فيهم, ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء, وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وقالوا: أصبنا حَدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم ؟ لنكرّنّ على بقيتهم ثم فلنفرغن منهم, فلما رأى أبو سفيان معبداً, قال: ما وراءك يا معبد ؟ قال: محمد وأصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثلهم, يتحرقون عليكم تحرقاً, قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا, فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط, قال: ويلك ما تقول ؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم, قال: فإني أنهاك عن ذلك, فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من شعر, قال: وما قلت ؟ قال: قلت:
كادت تهد من الأصوات راحلتيإذ سالت الأرض بالجرد الأبابيلتردى بأسد كرام لا تنابلةعند اللقاء ولا ميل معازيلفظلت عَدْواً أظن الأرض مائلةلما سموا برئيس غير مخذولفقلت ويل ابن حرب من لقائكمإذا تغطمطت البطحاء بالجيلإني نذير لأهل البَسْل ضاحيةلكل ذي إربة منهم ومعقولمن جيش أحمد لا وخش تنابلةو ليس يوصف ما أنذرت بالقيل

قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه, ومر به ركب من بني عبد القيس فقال: أين تريدون ؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم ؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم هذه غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتمونا ؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم, فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد, فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه, فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه رجوعهم «والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو أصبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب» وقال الحسن البصري في قوله {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب, فمن ينتدب في طلبه ؟ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فاتبعوهم, فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه, فلقي عيراً من التجار فقال: ردوا محمداً ولكم من الجعل كذا وكذا, وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعاً وأني راجع إليهم, فجاء التجار فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حسبنا الله ونعم الوكيل». فأنزل الله هذه الاَية, وهكذا قال عكرمة وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن حمراء الأسد, وقيل: نزلت في بدر الموعد, والصحيح الأول. وقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً} الاَية, أي الذين توعدهم الناس بالجموع وخوفوهم بكثرة الأعداء, فما اكترثوا لذلك بل توكلوا على الله واستعانوا به, {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}. قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس, قال: أراه قال: حدثنا أبو بكر عن أبي حصين, عن أبي الضحى, عن ابن عباس {حسبنا الله ونعم الوكيل} قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار, وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم, فزادهم إيماناً, وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وقد رواه النسائي عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله, كلاهما عن يحيى بن أبي بكير, عن أبي بكر وهو ابن عياش به, والعجب أن الحاكم أبا عبد الله رواه من حديث أحمد بن يونس به, ثم قال: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه. ثم رواه البخاري عن أبي غسان مالك بن إسماعيل, عن إسرائيل, عن أبي حصين عن أبي الضحى, عن ابن عباس, قال: كان آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: {حسبنا الله ونعم الوكيل}. وقال عبد الرزاق: قال ابن عيينة: وأخبرني زكريا عن الشعبي, عن عبد الله بن عمرو, قال: هي كلمة إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار, رواه ابن جرير. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر, حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري, حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري, أنبأنا أبو بكر بن عياش عن حميد الطويل, عن أنس بن مالك, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له يوم أحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم, فأنزل الله هذه الاَية. وروى أيضاً بسنده عن محمد بن عُبيد الله الرافعي, عن أبيه, عن جده أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وسلم, وجه علياً في نفر معه في طلب أبي سفيان, فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال: إن القوم قد جمعوا لكم, فقالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل} فنزلت فيهم هذه الاَية. ثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد, حدثنا الحسن بن سفيان, أنبأنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد, أنبأنا موسى بن أعين, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل}» هذا حديث غريب من هذا الوجه ـ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح وإبراهيم بن أبي العباس, قالا: حدثنا بقية, حدثنا بحير بن سَعْد عن خالد بن معدان, عن سيف, عن عوف بن مالك أنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم, قضى بين رجلين, فقال: المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ردوا علي الرجل» فقال: «ما قلت ؟» قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يلوم على العجز, ولكن عليك بالكيس, فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل» وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث بقية عن بحير عن خالد, عن سيف وهو الشامي, ولم ينسب عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ـ وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط, حدثنا مطرف عن عطية, عن ابن عباس في قوله: {فإذا نقر في الناقور}, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ ؟» فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما نقول ؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» وقد روي هذا من غير وجه, وهو حديث جيد, وروينا عن أم المؤمنين زينب وعائشة رضي الله عنهما, أنهما تفاخرتا, فقالت زينب: زوجني الله وزوجكن أهاليكن, وقالت عائشة: نزلت براءتي من السماء في القرآن, فسلمت لها زينب, ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل ؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. قالت زينب: قلت كلمة المؤمنين, ولهذا قال تعالى: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} أي لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم وردّ عنهم بأس من أراد كيدهم فرجعوا إلى بلدهم {بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} مما أضمر لهم عدوهم {واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ, حدثنا أبو بكر بن داود الزاهد, حدثنا محمد بن نعيم, حدثنا بشر بن الحكم, حدثنا مبشر بن عبد الله بن رزين, حدثنا سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم, عن عكرمة, عن ابن عباس في قول الله تعالى {فا نقلبوا بنعمة من الله وفضل} قال: النعمة أنهم سلموا, والفضل أن عيراً مرت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح فيها مالاً فقسمه بين أصحابه, وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} قال: هذا أبو سفيان, قال لمحمد صلى الله عليه وسلم, موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا. فقال محمد صلى الله عليه وسلم «عسى», فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدراً, فوافقوا السوق فيها, فابتاعوا, فذلك قول الله عز وجل: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} الاَية, قال: وهي غزوة بدر الصغرى, رواه ابن جرير, وروى أيضاً عن القاسم, عن الحسين, عن حجاج, عن ابن جريج, قال: لما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعد أبي سفيان فجعلوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش, فيقولون: قد جمعوا لكم, يكيدونهم بذلك, يريدون أن يرعبوهم, فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل, حتى قدموا بدراً, فوجدوا أسواقها عافية لم)ينازعهم فيها أحد, قال: رجل من المشركين أخبر أهل مكة بخيل محمد, وقال في ذلك:
نفرت قلوصي من خيول محمدوعجوة منثورة كالعنجد
واتخذت ماء قديد موعدي
قال ابن جرير: هكذا أنشدنا القاسم وهو خطأ, وإنما هو:
قد نفرت من رفقتي محمدوعجوة من يثرب كالعنجد
فهي على دين أبيها الأتلدقد جعلت ماء قديد موعدي
وماء ضجنان لها ضحى الغد
ثم قال تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} أي يخوفكم أولياءه, ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة, قال الله تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إِن كنتم مؤمنين} أي إِذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجأوا إِلي, فإِني كافيكم وناصركم عليهم, كما قال تعالى: {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه} إِلى قوله {قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} وقال تعالى: {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} وقال تعالى: {أولئك حزب الشيطان ألا إِن حزب الشيطان هم الخاسرون} وقال تعالى {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إِن الله قوي عزيز} وقال {ولينصرن الله من ينصره} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إِن تنصروا الله ينصركم} الاَية, وقال تعالى: {إِنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار}. ====                                                                وَلاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنّهُمْ لَن يَضُرّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الاَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنّ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرّواْ اللّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوَاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مّهِينٌ * مّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىَ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رّسُلِهِ مَن يَشَآءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لّهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لّهُمْ سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللّهِ مِيرَاثُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} وذلك من شدة حرصه على الناس, كان يحزنه مبادرة الكفار إِلى المخالفة والعناد والشقاق, فقال تعالى: لا يحزنك ذلك {إنهم لن يضروا الله شيئاً يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الاَخرة} أي حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته أن لا يجعل لهم نصيباً في الاَخرة {ولهم عذاب عظيم}, ثم قال تعالى مخبراً عن ذلك إِخباراً مقرراً: {إِن الذين اشتروا الكفر بالإِيمان} أي استبدلوا هذا بهذا {لن يضروا الله شيئاً} أي ولكن يضرون أنفسهم {ولهم عذاب أليم}, ثم قال تعالى, {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم, إِنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين} كقوله {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} وكقوله {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} وكقوله {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إِنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} ثم قال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} أي لا بد أن يعقد سبباً من المحنة, يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه, يعرف به المؤمن الصابر, والمنافق الفاجر, يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين, فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم, وهتك به ستر المنافقين. فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم, ولهذا قال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد, وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة, وقال السدي: قالوا: إِن كان محمد صادقاً فليخبرنا عمن يؤمن به منا ومن يكفر, فأنزل الله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} أي حتى يخرج المؤمن من الكافر, روى ذلك كله ابن جرير ـ ثم قال تعالى: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} أي أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك. ثم قال تعالى: {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} كقوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً * إِلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً} ثم قال تعالى: {فآمنوا بالله ورسله} أي أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم {وإِن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم}. وقوله تعالى: {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم. بل هو شر لهم} أي لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه, وربما كان في دنياه. ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة, فقال {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة}, قال البخاري: حدثنا عبد الله بن منير, سمع أبا النضر, حدثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار عن أبيه, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة, يأخذ بلهزمتيه ـ يعني بشدقيه ـ ثم يقول: أنا مالك, أنا كنزك» ثم تلا هذه الاَية {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم} إِلى آخر الاَية, تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه, وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الليث بن سعد عن محمد بن عجلان, عن القعقاع بن حكيم, عن أبي صالح به.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا حجين بن المثنى, حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إِن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان, ثم يلزمه يطوقه يقول: أنا كنزك أنا كنزك» وهكذا رواه النسائي عن الفضل بن سهل عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة به. ثم قال النسائي: ورواية عبد العزيز عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أثبت من رواية عبد الرحمن عن أبيه عبد الله بن دينار, عن أبي صالح عن أبي هريرة (قلت) ولا منافاة بين الروايتين, فقد يكون عند عبد الله بن دينار من الوجهين, والله أعلم, وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه عن أبي صالح, عن أبي هريرة.ومن حديث محمد بن أبي حميد عن زياد الخطمي عن أبي هريرة به.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا سفيان عن جامع, عن أبي وائل, عن عبد الله, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه, يفر منه وهو يتبعه, فيقول: أنا كنزك» ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة}, وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد, زاد الترمذي: وعبد الملك بن أعين, كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود به, وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي بكر بن عياش وسفيان الثوري, كلاهما عن أبي إِسحاق السبيعي, عن أبي وائل, عن ابن مسعود به, ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود موقوفاً.
(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أمية بن بسطام, حدثنا يزيد بن زريع, حدثنا سعيد عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد, عن معدان بن أبي طلحة, عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من ترك بعده كنزاً مثل له شجاعاً أقرع يوم القيامة له زبيبتان يتبعه, ويقول: من أنت ؟ ويلك, فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك, فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها, ثم يتبع سائر جسده» إِسناده جيد قوي, ولم يخرجوه. وقد رواه الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلي, ورواه ابن جرير وابن مردويه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه, عن جده, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل ماله عنده فيمنعه إياه إِلا دُعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منع» لفظ ابن جرير, وقال ابن جرير حدثنا ابن المثنى, حدثنا عبد الأعلى, حدثنا داود عن أبي قزعة, عن رجل, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده, فيبخل به عليه, إِلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه» ثم رواه من طريق أخرى عن أبي قزعة واسمه حجير بن بيان, عن أبي مالك العبدي موقوفاً, ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلاً. وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها, رواه ابن جرير, والصحيح الأول وإِن دخل هذا في معناه, وقد يقال:إن هذا أولى بالدخول, والله سبحانه وتعالى أعلم, وقوله تعالى {ولله ميراث السموات والأرض} أي {فأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} فإن الأمور كلها مرجعها إِلى الله عز وجل. فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم {والله بما تعملون خبير} أي بنياتكم وضمائركم.                                                               ====لّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ * الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مّن قَبْلِي بِالْبَيّنَاتِ وَبِالّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن كَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِالْبَيّنَاتِ وَالزّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} قالت اليهود: يا محمد, افتقر ربك فسأل عباده القرض ؟ فأنزل الله {لقد سمع الله قول الذين قالوا إِن الله فقير ونحن أغنياء} الاَية, رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم. وقال محمد بن إِسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أنه حدثه عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت المدراس فوجد من يهود أناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص, وكان من علمائهم وأحبارهم, ومعه حبر يقال له أشيع, فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم, فو الله إِنك لتعلم أن محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده, تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إِلى الله من حاجة من فقر, وإِنه إِلينا لفقير, ما نتضرع إِليه كما يتضرع إِلينا, وإِنا عنه لأغنياء, ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم, ينهاكم عن الربا ويعطينا, ولو كان غنياً ما أعطانا الربا, فغضب أبو بكر رضي الله عنه فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً, وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله, فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا محمد أبصر ما صنع بي صاحبك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت ؟» فقال: يا رسول الله, إِن عدو الله قد قال قولاً عظيماً, زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء, فلما قال ذلك, غضبت لله مما قال, فضربت وجهه, فجحد فنحاص ذلك, وقال: ما قلت ذلك, فأنزل الله فيما قال فنحاص رداً عليه وتصديقاً لأبي بكر {لقد سمع الله قول الذين قالوا إِن الله فقير ونحن أغنياء} الاَية, رواه ابن أبي حاتم. وقوله {سنكتب ما قالوا} تهديد ووعيد, ولهذا قرنه تعالى بقوله: {وقتلهم الأنبياء بغير حق} أي هذا قولهم في الله وهذه معاملتهم لرسل الله وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء, ولهذا قال تعالى: {ونقول ذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} أي يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً وتحقيراً وتصغيراً, وقوله تعالى: {الذين قالوا إِن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار} يقول تعالى تكذيياً أيضاً لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إِليهم في كتبهم, أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته, فتقبلت منه, أن تنزل نار من السماء تأكلها, قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. قال الله عز وجل: {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} أي بالحجج والبراهين, {وبالذي قلتم} أي وبنار تأكل القرابين المتقبلة, {فلم قتلتموهم} أي فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم {إن كنتم صادقين} أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل. ثم قال تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فإِن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير} أي لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك, فلك أسوة بمن قبلك من الرسل الذين كذبوا مع ما جاءوا به من البينات وهي الحجج والبراهين القاطعة, {والزبر} وهي الكتب المتلقاة من السماء كالصحف المنزلة على المرسلين, {والكتاب المنير} أي البين الواضح الجلي.

** كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ * لَتُبْلَوُنّ فِيَ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الّذِينَ أَشْرَكُوَاْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتّقُواْ فَإِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ
يخبر تعالى إخباراً عاماً يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت, كقوله تعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام} فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت, والجن والإِنس يموتون, وكذلك الملائكة وحملة العرش, وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء, فيكون آخراً كما كان أولاً, وهذه الاَية فيها تعزية لجميع الناس, فإِنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت, فإِذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها في صلب آدم وانتهت البرية, أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها, كثيرها وقليلها, كبيرها وصغيرها, فلا يظلم أحداً مثقال ذرة, ولهذا قال تعالى: {وإِنما توفون أجوركم يوم القيامة} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبد العزيز الأويسي, حدثنا علي بن أبي علي اللهبي عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين, عن أبيه, عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية, جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه, فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته {كل نفس ذائقة الموت, وإِنما توفون أجوركم يوم القيامة} إِن في الله عزاء من كل مصيبة, وخلفا من كل هالك, ودركاً من كل فائت, فبالله فثقوا, وإِياه فارجوا, فإِن المصاب من حرم الثواب, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال جعفر بن محمد: فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر عليه السلام. وقوله: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} أي من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها, اقرؤوا إن شئتم {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}» هذا حديث ثابت في الصحيحين, من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة, وقد رواه بدون هذه الزيادة أبو حاتم, وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه, ومن حديث محمد بن عمرو هذا ورواه ابن مردويه من وجه آخر, فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا محمد بن يحيى, أنبأنا حميد بن مسعدة أنبأنا عمرو بن علي عن أبي حازم, عن سهل بن سعد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» قال: ثم تلا هذه الاَية {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} وتقدم عند قوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ما رواه الإمام أحمد عن وكيع بن الجراح عن الأعمش, عن زيد بن وهب. عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة, عن عبد الله بن عمرو بن العاص, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الاَخر, وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه». وقوله تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} تصغير لشأن الدنيا, وتحقير لأمرها, وأنها دنيئة فانية, قليلة زائلة, كما قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا والاَخرة خير وأبقى} وقال تعالى {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى} وفي الحديث «والله ما الدنيا في الاَخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم, فلينظر بم ترجع إليه» وقال قتادة في قوله تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} قال: هي متاع هي متاع متروكة أوشكت ـ والله الذي لا إله إلا هو ـ أن تضمحل عن أهلها, فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم, ولا قوة إلا بالله, وقوله تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} كقوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات} إلى آخر الاَيتين, أي لا بد أن يبتلى المؤمن في شي من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله, ويبتلى المؤمن على قدر دينه, فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً} يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسلياً لهم عما نالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين, وآمراً لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يفرج الله, فقال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو اليمان, حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري, أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره, قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله, ويصبرون على الأذى, قال الله تعالى: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم, هكذا ذكره مختصراً, وقد ذكره البخاري عند تفسير هذه الاَية مطولاً, فقال: حدثنا أبو اليمان, أنبأنا شعيب عن الزهري, أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد, حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية, وأردف أسامة بن زيد وراءه, يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر, قال: حتى مر على مجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول, وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي, وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان وأهل الكتاب اليهود والمسلمين, وفي المجلس عبد الله بن رواحة, فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة, خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا, فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم وقف, فنزل, ودعاهم إلى الله عز وجل وقرأ عليهم القرأن, فقال عبد الله بن أبي : أيها المرء, إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا. ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه, فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: بلى يا رسول الله, فاغشنا به في مجالسنا, فإنا نحب ذلك, فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون, فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا, ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب» يريد عبد الله بن أبي, قال: كذا وكذا, فقال سعد: يا رسول الله, اعف عنه واصفح, فوالله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك, ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة, فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله, شرق بذلك, فذلك الذي فعل به ما رأيت, فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله, ويصبرون على الأذى, قال الله تعالى: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} الاَية وقال تعالى: {ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً, حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} الاَية, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن له فيهم, فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً, فقتل الله به صناديد كفار قريش قال عبد الله بن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام وأسلموا فكل من قام بحق أو أمر بمعروف, أو نهى عن منكر فلا بد أن يؤذى فما له دواء إلا الصبر في الله, والاستعانة بالله والرجوع إلى الله عز وجل.                                           =======وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيّنُنّهُ لِلنّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وّيُحِبّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَللّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم, وأن ينوهوا بذكره في الناس, ليكونوا على أهبة من أمره, فإذا ارسله الله تابعوه, فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والاَخرة بالدون الطفيف, والخط الدنيوي السخيف, فبئست الصفقة صفقتهم, وبئست البيعة بيعتهم, وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم, ويسلك بهم مسالكهم, فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع, الدال على العمل الصالح, ولا يكتموا منه شيئاً, فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم, أنه قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» وقوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}, يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا, كما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم «من ادعى دعوة كاذبة ليتكثر بها, لم يزده الله إلا قلة»., وفي الصحيح أيضاً «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور», وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج عن ابن جريج, أخبرني ابن أبي مليكة أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان قال: اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون, فقال ابن عباس: وما لكم وهذه, إنما نزلت هذه في أهل الكتاب, ثم تلا ابن عباس {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون * لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الاَية. وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أرود أن قد أخبروه بما سألهم عنه, واستحمدوا بذلك إليه, وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه, وهكذا رواه البخاري في التفسير, ومسلم والترمذي والنسائي في تفسيريهما, وابن أبي حاتم, وابن جرير, والحاكم في مستدركه وابن مردويه كلهم من حديث عبد الملك بن جريج بنحوه, ورواه البخاري أيضاً من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن علقمة بن وقاص, أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس, فذكره وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم, أنبأنا محمد بن جعفر حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه, وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا, وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا, فنزلت {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الاَية, وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه. وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث الليث بن سعد عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم, قال: كان أبو سعيد ورافع بن خديج وزيد بن ثابت عند مروان فقال: يا أبا سعيد رأيت قوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}, ونحن نفرح بما أتينا ونحب أن نحمد بما لم نفعل ؟ فقال أبو سعيد: إن هذا ليس من ذاك, إنما ذاك أن ناساً من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً, فإن كان فيهم نكبة فرحوا بتخلفهم, وإن كان لهم نصر من الله وفتح حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح, فقال مروان: أين هذا من هذا ؟ فقال أبو سعيد: وهذا يعلم هذا ؟ فقال مروان: أكذلك يا زيد ؟ قال: نعم صدق أبو سعيد, ثم قال أبو سعيد: وهذا يعلم ذاك ـ يعني رافع بن خديج, ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة, فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد الخدري: ألا تحمدني على ما شهدت لك, فقال أبو سعيد: شهدت الحق فقال زيد: أولا تحمدني على ما شهدت الحق ؟ ثم رواه من حديث مالك عن زيد بن أسلم, عن رافع بن خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة, فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الاَية ؟ فذكره كما تقدم عن أبي سعيد رضي الله عنهم, وكان مروان يبعث بعد ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم, فقال له ما ذكرناه ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء, لأن الاَية عامة في جميع ما ذكر, والله أعلم, وقد روى ابن مردويه أيضاً من حديث محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن الزهري, عن محمد بن ثابت الأنصاري, أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله, والله لقد خشيت أن أكون هلكت, قال«لم» ؟ قال نهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد, ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جَهْوَري الصوت, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا ترضى أن تعيش حميداً, وتقتل شهيداً, وتدخل الجنة ؟» فقال: بلى يا رسول الله. فعاش حميداً وقتل شهيداً يوم مسيلمة الكذاب, وقوله تعالى: {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} يقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد, وبالياء على الإخبار عنهم أي لا يحسبون أنهم ناجون من العذاب بل لا بد لهم منه ولهذا قال تعالى: {ولهم عذاب أليم} ثم قال تعالى {ولله ملك السموات والأرض, والله على كل شيء قدير} أي هو مالك كل شيء, والقادر على كل شيء, فلا يعجزه شيء, فهابوه ولا تخالفوه, واحذورا غضبه ونقمته فإنه العظيم الذي لا أعظم منه, والقدير الذي لا أقدر منه.

** إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ * الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ * رَبّنَآ إِنّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رّبّنَآ إِنّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبّكُمْ فَآمَنّا رَبّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنّا سَيّئَاتِنَا وَتَوَفّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتّنَا عَلَىَ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ قال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري, حدثنا يحيى الحماني, حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: أتت قريش اليهود, فقالوا: بم جاءكم موسى ؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين, وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى ؟ قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص, ويحيي الموتى, فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً, فدعا ربه, فنزلت هذه الاَية {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لاَيات لأولي الألباب} فليتفكروا فيها, وهذا مشكل فإن هذه الاَية مدنية, وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة, والله أعلم, ومعنى الاَية أن الله تعالى يقول: {إن في خلق السموات والأرض} أي هذه في ارتفاعها واتساعها, وهذه في انخفاضها و كثافتها واتضاعها, وما فيهما من الاَيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات, وثوابت وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات, وزروع وثمار, وحيوان ومعادن, ومنافع مختلفة الألوان والروائح والطعوم والخواص, {واختلاف الليل والنهار} أي تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر, فتارة يطول هذا ويقصر هذا, ثم يعتدلان ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا, ويقصر الذي كان طويلا. وكل ذلك تقدير العزيز العليم , ولهذا قال تعالى {لاَيات لأولي الألباب} أي العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها, وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون, الذين قال الله فيهم {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون * وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} ثم وصف تعالى أولي الألباب, فقال: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم}. كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «صلّ قائماً, فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنبك» أي لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم, {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} أي يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه وحكمته واختياره ورحمته. وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة, رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل والاعتبار وعن الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة, وقال الفضيل قال الحسن: الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك, وقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك وربما تمثل بهذا البيت:
إذا المرء كانت له فكرةففي كل شيء له عبرة
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: طوبى لمن كان قيله تذكراً وصمته تفكراً, ونظره عبراً, قال لقمان الحكيم: إن طول الوحدة ألهم للفكرة, وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة, وقال وهب بن منبه ما طالت فكرة امرىء إلا فهم ولا فهم امرؤ قط إلا علم, ولا علم امرؤ قط إلا عمل. وقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله عز وجل حسن, والفكرة في نعم الله أفضل العبادة. وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم, وشاهدوا الموقف بقلوبكم, وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار, وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها. وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعاً من بين أصحابه قد ذهب عقله. وقال عبد الله بن المبارك: مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة, فناداه فقال: يا راهب, إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر: كنز الرجال, وكنز الأموال. وعن ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين, فيقول: أين أهلك ؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: {كل شيء هالك إلا وجهه} وعن ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر, خير من قيام ليلة والقلب ساه. وقال الحسن البصري: يا ابن آدم, كل في ثلث بطنك, واشرب في ثلثه, ودع ثلثه الاَخر تتنفس للفكرة. وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة, انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة. وقال بشر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه. وقال الحسن عن عامر بن عبد قيس, قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر. وعن عيسى عليه السلام أنه قال: يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت, وكن في الدنيا ضيفاً, واتخذ المساجد بيتاً, وعلم عينيك البكاء, وجسدك الصبر, وقلبك الفكر, ولا تهتم برزق غد. وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه, أنه بكى يوماً بين أصحابه, فسئل عن ذلك, فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها, فاعتبرت منها بها ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها, ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادكر. وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:
نزهة المؤمن الفكرلذة المؤمن العبرنحمد الله وحدهنحن كل على خطررب لاه وعمرهقد تقضى وما شعررب عيش قد كان فوق المنى مونق الزهرفي خرير من العيون وظل من الشجروسرور من النبات وطيب من الثمرغيرته وأهلهسرعة الدهر بالغيرنحمد الله وحدهإن في ذا لمعتبرإن في ذا لعبرة للبيب إن اعتبر

وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته, فقال {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون * وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} ومدح عباده المؤمنين {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض} قائلين {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} أي ما خلقت هذا الخلق عبثاً, بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا, وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل, فقالوا {سبحانك} أي عن أن تخلق شيئاً باطلاً {فقنا عذاب النار} أي يا من خلق الخلق بالحق والعدل, يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث. قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا. ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم, وتجيرنا به من عذابك الأليم. ثم قالوا {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أي أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع {وما للظالمين من أنصار} أي يوم القيامة لا مجير لهم منك. ولا محيد لهم عما أردت بهم {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان} أي داعياً يدعو إلى الإيمان, وهو الرسول صلى الله عليه وسلم {أن آمنوا بربكم فآمنا} أي يقول آمنوا بربكم فآمنا, أي فاستجبنا له واتبعناه, أي بإيماننا واتباعنا نبيك, {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي استرها, {وكفر عنا سيئاتنا} فيما بيننا وبينك, {وتوفنا مع الأبرار} أي ألحقنا بالصالحين, {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} قيل: معناه على الإيمان برسلك, وقيل: معناه على ألسنة رسلك. وهذا أظهر ـ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان, حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن محمد, عن أبي عقال, عن أنس بن مالك, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عسقلان أحد العروسين يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفاً لا حساب عليهم, ويبعث منها خمسين ألفاً شهداء وفودا إلى الله, وبها صفوف الشهداء رؤوسهم مقطعة في أيديهم تثج أوداجهم دماً, يقولون {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} فيقول الله: صدق عبيدي اغسلوهم بنهر البيضة. فيخرجون منه نقاء بيضاً. فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا» وهذا الحديث يعد من غرائب المسند, ومنهم من يجعله موضوعاً, والله أعلم. {ولا تخزنا يوم القيامة} أي على رؤوس الخلائق, {إنك لا تخلف الميعاد} أي لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك وهو القيام يوم القيامة بين يديك, وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سُريج, حدثنا المعتبر, حدثنا الفضل بن عيسى, حدثنا محمد بن المنكدر أن جابر بن عبد الله حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «العار والتخزية تبلغ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله عز وجل ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار» حديث غريب. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الاَيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده, فقال البخاري رحمه الله: حدثنا سعيد بن أبي مريم, حدثنا محمد بن جعفر, أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن كريب, عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: بت عند خالتي ميمونة, فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد, فلما كان ثلث الليل الاَخر قعد فنظر إلى السماء, فقال {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لاَيات لأولي الألباب} الاَيات, ثم قام فتوضأ واستن, فصلى إحدى عشرة ركعة, ثم أذن بلال فصلى ركعتين, ثم خرج فصلى بالناس الصبح. وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني, عن ابن أبي مريم به. ثم رواه البخاري من طرق عن مالك, عن مخرمة بن سليمان, عن كريب أن ابن عباس أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته, قال: فاضطجعت في عرض الوسادة, واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها, فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل, استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده, ثم قرأ العشر الاَيات الخواتيم من سورة آل عمران, ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها, فأحسن وضوءه, ثم قام يصلي. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقمت فصنعت مثل ما صنع, ثم ذهبت فقمت إلى جنبه, فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي, وأخذ بأذني اليمنى يفتلها, فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين, ثم أوتر, ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن, فقام فصلى ركعتين خفيفتين, ثم خرج فصلى الصبح. وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن مالك به. ورواه مسلم أيضاً وأبو داود من وجوه أخر عن مخرمة بن سليمان به.
(طريق أخرى) لهذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي, حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرّة, أنبأنا خلاد بن يحيى, أنبأنا يونس بن أبي إسحاق, عن المنهال بن عمرو, عن علي بن عبد الله بن عباس, عن عبد الله بن عباس, قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الاَخرة حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره, قام فمر بي, فقال: من هذا ؟ عبد الله ؟ قلت: نعم, قال: فمه قلت أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة. قال: «فالحق الحق فلما أن دخل قال: افرشنّ عبد الله ؟ فأتى بوسادة من مسوح. قال: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حتى سمعت غطيطه, ثم استوى على فراشه قاعداً, قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال «سبحان الملك القدوس» ثلاث مرات ثم تلا هذه الاَيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها. وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي بن عبدالله بن عباس عن أبيه حديثاً في ذلك أيضاً.
(طريق أخرى) رواها ابن مردويه من حديث عاصم بن بهدلة عن بعض أصحابه, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعدما مضى ليل, فنظر إلى السماء وتلا هذه الاَية {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لاَيات لأولي الألباب} إلى آخر السورة ثم قال «اللهم اجعل في قلبي نوراً, وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً, وعن يميني نوراً, وعن شمالي نوراً, ومن بين يدي نوراً, ومن خلفي نوراً, ومن فوقي نوراً, ومن تحتي نوراً وأعظم لي نوراً يوم القيامة» وهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح من رواية كريب عن ابن عباس رضي الله عنه, ثم روى ابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: أتت قريش اليهود, فقالوا: بم جاءكم موسى من الاَيات ؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم ؟ قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى, فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً, فدعا ربه عز وجل, فنزلت {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لاَيات لأولي الألباب} قال: فليتفكروا فيها, لفظ ابن مردويه. وقد تقدم هذا الحديث من رواية الطبراني في أول الاَية, وهذا يقتضي أن تكون هذه الاَيات مكية, والمشهور أنها مدنية, ودليله الحديث الاَخر. قال ابن مردويه: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل, حدثنا أحمد بن علي الحراني, حدثنا شجاع بن أشرس, حدثنا حشرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم عن الكلبي وهو أبو جَناب, عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي الله عنها, فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب, فقالت: ياعبيد ما يمنعك من زيارتنا ؟ قال: قول الشاعر: زر غباً تزدد حباً. فقال ابن عمر: ذرينا أخبرينا بأعجب شيء رأيتِهِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبكت وقالت: كل أمره كان عجباً, أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي, ثم قال «ذريني أتعبد لربي عز وجل» قالت: فقلت والله إني لأحب قربك, وإني أحب أن تَعَبّد لربك, فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء, ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته, ثم سجد فبكى حتى بل الأرض, ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح. قالت: فقال: يارسول الله, ما يبكيك وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر ؟ فقال: «ويحك يا بلال, وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل علي في هذه الليلة {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لاَيات لأولي الألباب}» ثم قال «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» وقد رواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون عن أبي جناب الكلبي عن عطاء. قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي في خدرها, فسلمنا عليها, فقالت: من هؤلاء ؟ قال: فقلنا: هذا عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير. قالت: يا عبيد بن عمير. ما يمنعك من زيارتنا, قال: ما قال الأول: زر غباً تزدد حباً. قالت إنا لنحب زيارتك وغشيانك. قال عبد الله بن عمر: دعينا من بطالتكما هذه, أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فبكت ثم قالت: كل أمره كان عجباً, أتاني في ليلتي حتى دخل معي في فراشي, حتى لصق جلده بجلدي, ثم قال: «يا عائشة ائذني لي أتعبد لربي». قالت: إني لأحب قربك وأحب هواك. قالت: فقام إلى قربة في البيت فما أكثر صب الماء, ثم قام فقرأ القرآن, ثم بكى حتى رأيت أن دموعه قد بلغت حقويه, قالت: ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه, ثم بكى حتى رأيت دموعه بلغت حجره, قالت: ثم اتكأ على جنبه الأيمن ووضع يده تحت خده, قالت: ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت الأرض فدخل عليه بلال فآذنه بصلاة الفجر, ثم قال: الصلاة يا رسول الله, فلما رآه بلال يبكي قال: يا رسول الله, تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال «يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ ومالي لا أبكي وقد نزل عليّ الليلة {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لاَيات لأولي الألباب} إلى قوله {سبحانك فقنا عذاب النار} ـ ثم ـ «قال ويل لمن قرأ هذه الاَيات ثم لم يتفكر فيها» وهكذا رواه أبي حاتم ابن حبان في صحيحه عن عمران بن موسى, عن عثمان بن أبي شيبة, عن يحيى بن زكريا, عن إبراهيم بن سويد النخعي, عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عطاء, قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فذكر نحوه. وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار عن شجاع بن أشرس به. ثم قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز: سمعت سنيداً يذكر عن سفيان هو الثوري رفعه, قال «من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها ويله» يعد بأصابعه عشراً ـ قال الحسن بن عبد العزيز: فأخبرني عبيد بن السائب قال: قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن ؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن. قال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم, حدثنا علي بن عياش, حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا الويل ؟ فأطرق هنية ثم قال: يقرؤهن وهو يعقلهن.
(حديث آخر) فيه غرابة. قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير, حدثنا إسحاق بن إبراهيم البستي (ح) قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد, حدثنا أحمد بن عمرو قال: أنبأنا هشام بن عمار, أنبأنا سليمان بن موسى الزهري, أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي, أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة, قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. مظاهر بن أسلم ضعيف.                           =======** فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ فَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لاُكَفّرَنّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلاُدْخِلَنّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثّوَابِ
يقول تعالى: {فاستجاب لهم ربهم} أي فأجابهم ربهم, كما قال الشاعر: وداع دعا:
يا من يجيب إلى الندىفلم يستجبه عند ذاك مجيب
قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار, عن سلمة رجل من آل أم سلمة, قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} إلى آخر الاَية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا, وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة. ثم قال: صحيح على شرط البخاري, ولم يخرجاه, وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت: آخر آية نزلت هذه الاَية {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} إلى آخرها, رواه ابن مردويه, ومعنى الاَية أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا ما سألوا مما تقدم ذكره فاستجاب لهم ربهم عقب ذلك بفاء التعقيب, كما قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان * فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} وقوله تعالى: {أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} هذا تفسير للإجابة, أي قال لهم مجيباً لهم أنه لا يضيع عمل عامل لديه, بل يوفى كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى, وقوله {بعضكم من بعض} أي جميعكم في ثوابي سواء, {فالذين هاجروا} أي تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران, {وأخرجوا من ديارهم} أي ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم, ولهذا قال {وأوذوا في سبيلي} أي إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده, كما قال تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} وقال تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} وقوله تعالى: {وقاتلوا وقتلوا} وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه, وقد ثبت في الصحيحين أن رجلاً قال: يا رسول الله, أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر, أيكفر الله عني خطاياي ؟ قال «نعم ثم قال: كيف قلت ؟ فأعاد عليه ما قال, فقال: نعم, إلا الدّين, قاله لي جبريل آنفاً» ولهذا قال تعالى: {لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن, وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقوله {ثواباً من عند الله} أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم, لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلاً كثيراً, كما قال الشاعر:
إن يعذب يكن غراماً وإن يعــط جزيلاً فإنه لا يبالي
وقوله تعالى: {والله عنده حسن الثواب} أي عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحاً. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن دحيم بن إبراهيم قال: قال الوليد بن مسلم, أخبرني حَريز بن عثمان أن شداد بن أوس كان يقول: يا أيها الناس, لا تتهموا الله في قضائه, فإنه لا يبغي على مؤمن, فإذا أنزل بأحدكم شي مما يحب, فليحمد الله, وإذا أنزل به شي مما يكره, فليصبر وليحتسب, فإن الله عنده حسن الثواب.

** لاَ يَغُرّنّكَ تَقَلّبُ الّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمّ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الّذِينَ اتّقَوْاْ رَبّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاٍ مّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لّلأبْرَارِ
يقول تعالى: لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة والسرور, فعما قليل يزول هذا كله عنهم ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة, فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجاً, وجميع ما هم فيه {متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} وهذه الاَية كقوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد}, وقال تعالى: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون}, وقال تعالى: {نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} وقال تعالى: {فمهل الكافرين أمهلهم رويداً} أي قليلاً, وقال تعالى: {أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر أن مآلهم إلى النار, قال بعده {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله وما عند الله خير للأبرار} وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن نصر, حدثنا أبو طاهر سهل بن عبدالله, أنبأنا هشام بن عمار, أنبأنا سعيد بن يحيى, أنبأنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار, عن عبد الله بن عمرو بن العاص, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الاَباء والأبناء, كما أن لوالديك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق» كذا رواه ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أحمد بن جناب, حدثنا عيسى بن يونس عن عبد الله بن الوليد الوصافي, عن محارب بن دثار, عن ابن عمر, قال: إنما سماهم الله أبراراً لأنهم بروا الاَباء والأبناء, كما أن لوالديك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق, وهذا أشبه, والله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا مسلم بن إبراهيم, حدثنا هشام الدستوائي عن رجل عن الحسن, قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذر. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن خيثمة عن الأسود, قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا الموت خير لها, لئن كان براً لقد قال الله تعالى {وما عند الله خير للأبرار} وكذا رواه عبد الرزاق عن الأعمش عن الثوري به. وقرأ {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين} وقال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا إسحاق, حدثنا ابن أبي جعفر عن فرج بن فضالة, عن لقمان عن أبي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له, وما من كافر إلا والموت خير له, ومن لم يصدقني فإن الله يقول {وما عند الله خير للأبرار} ويقول {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين}.

** وَإِنّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِنّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان, ويؤمنون بما أنزل على محمد مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة, وأنهم خاشعون لله أي مطيعون له, خاضعون متذللون بين يديه, {لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً}, أي لا يكتمون ما بأيديهم من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته, وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم, سواء كانوا هوداً أو نصارى, وقد قال تعالى في سورة القصص: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} الاَية, وقد قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} الاَية. وقد قال تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}, وقال تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون}, وقال تعالى: {قل آمنوا به أولا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً} وهذه الصفات توجد في اليهود, ولكن قليلاً كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود, ولم يبلغوا عشرة أنفس, وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق, كما قال تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} إلى قوله تعالى: {فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} الاَية, وهكذا قال ههنا {أولئك لهم أجرهم عند ربهم} الاَية, وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه, لما قرأ سورة {كهيعص} بحضرة النجاشي ملك الحبشة وعنده البطاركة والقساوسة, بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم, وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقال «إن أخاً لكم بالحبشة قد مات, فصلوا عليه» فخرج إلى الصحراء فصفهم وصلى عليه. وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة عن ثابت, عن أنس بن مالك, قال: لما توفي النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «استغفروا لأخيكم» فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة, فنزلت {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} الاَية, ورواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق أخرى عن حماد بن سلمة, عن ثابت, عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم, ثم رواه ابن مردويه من طرق عن حميد, عن أنس بن مالك, بنحو ما تقدم ورواه أيضاً ابن جرير من حديث أبي بكر الهذلي عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن جابر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي «إن أخاكم أصحمة قد مات», فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى كما يصلي على الجنائز فكبر عليه أربعاً, فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة, فأنزل الله {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} الاَية. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عمرو الرازي, حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق, حدثني يزيد بن رومان, عن عروة, عن عاشئة رضي الله عنها, قالت: لما مات النجاشي كنا نحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور. وقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو العباس السياري بمرو, حدثنا عبد الله بن علي الغزال, حدثنا علي بن الحسن بن شقيق, حدثنا ابن المبارك, حدثنا مصعب بن ثابت عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه, قال: نزل بالنجاشي عدو من أرضهم, فجاءه المهاجرون فقالوا: إنا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك وترى جرأتنا ونجزيك بما صنعت بنا, فقال: لا, دواء بنصرة الله عز وجل خير من دواء بنصرة الناس, قال: وفيه نزلت {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} الاَية. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد, ولم يخرجاه. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد {وإن من أهل الكتاب} يعني مسلمة أهل الكتاب. وقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قول الله {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} الاَية, قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم فاتبعوه, وعرفوا الإسلام فأعطاهم الله تعالى أجر اثنين: للذي كانوا عليه من الإيمان قبل محمد صلى الله عليه وسلم بالذي اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم, رواهما ابن أبي حاتم. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين» فذكر منهم: ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي, وقوله تعالى: {لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً} أي لا يكتمون ما بأيديهم من العلم كما فعله الطائفة المرذولة منهم, بل يبذلون ذلك مجاناً, ولهذا قال تعالى: {أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب}, قال مجاهد: {سريع الحساب} يعني سريع الإحصاء, رواه ابن أبي حاتم وغيره, وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} قال الحسن البصري رحمه الله: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام, فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء, حتى يموتوا مسلمين, وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم, وكذا قال غير واحد من علماء السلف, وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات, وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة, قاله ابن عباس وسهل بن حنيف ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم, وروى ابن أبي حاتم ههنا الحديث الذي رواه مسلم والنسائي من حديث مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة, عن أبيه, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ إسباغ الوضوء على المكاره, وكثرة الخطا إلى المساجد, وانتظار الصلاة بعد الصلاة, فذلكم الرباط, فذلكم الرباط, فذلكم الرباط». وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد, حدثنا موسى بن إسحاق, حدثنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي, أنبأنا ابن أبي كريمة عن محمد بن يزيد, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, قال: أقبل عليّ أبو هريرة يوماً, فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الاَية: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه, ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها, ثم يذكرون الله فيها, فعليهم أنزلت {اصبروا} أي على الصلوات الخمس, {وصابروا} أنفسكم وهواكم, {ورابطوا} في مساجدكم, {واتقوا الله} فيما عليكم, {لعلكم تفلحون}. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن منصور بن المبارك عن مصعب بن ثابت, عن داود بن صالح, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة بنحوه. وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب, حدثني ابن فضيل عن عبد الله بن سعيد المقبري, عن جده, عن شرحبيل, عن علي رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أدلكم على ما يكفر الذنوب والخطايا ؟ إسباغ الوضوء على المكاره, وانتظار الصلاة بعد الصلاة, فذلكم الرباط», وقال ابن جرير أيضاً: حدثني موسى بن سهل الرملي, حدثنا يحيى بن واضح, حدثنا محمد بن مهاجر, حدثني يحيى بن يزيد عن زيد بن أبي أنيسة, عن شرحبيل, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب» ؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال «إسباغ الوضوء في أماكنها, وكثرة الخطا إلى المساجد, وانتظار الصلاة بعد الصلاة, فذلكم الرباط», وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي, أنبأنا محمد بن عبد الله بن السلام البيروتي, أنبأنا محمد بن غالب الأنطاكي, أنبأنا عثمان بن عبدالرحمن, أنبأنا الوازع بن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, عن أبي أيوب رضي الله عنه, قال: وقفه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «هل لكم إلى ما يمحو الله به الذنوب ويعظم به الأجر ؟» قلنا: نعم يا رسول الله, وما هو ؟ قال «إسباغ الوضوء على المكاره, وكثرة الخطا إلى المساجد, وانتظار الصلاة بعد الصلاة». قال: وهو قول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} فذلك هو الرباط في المساجد, وهذا حديث غريب من هذا الوجه جداً. وقال عبد الله بن المبارك عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير, حدثني داود بن صالح, قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الاَية {اصبروا وصابروا ورابطوا ؟} قال: قلت: لا. قال: إنه لم يكن يا ابن أخي في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه, ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة, رواه ابن جرير, وقد تقدم سياق ابن مردويه له, وأنه من كلام أبي هريرة رضي الله عنه, والله أعلم, وقيل: المراد بالمرابطة ههنا مرابطة الغزو في نحور العدو وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين, وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك وذكر كثرة الثواب فيه, فروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها».
(حديث آخر) روى مسلم عن سلمان الفارسي, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه, وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله, وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان».
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم, حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح, أخبرني أبو هانىء الخولاني أن عمرو بن مالك الجَنْبي أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله, فإنه يَنْمي له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر» وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هانىء الخولاني وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضاً.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق, وحسن بن موسى وأبو سعيد قالوا: حدثنا ابن لهيعة, حدثنا مشرح بن هاعان, سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه يجري عليه عمله حتى يبعث ويأمن من الفتان» وروى الحارث بن محمد بن أبي أسامة في مسنده عن المقبري وهو عبد الله بن يزيد به إلى قوله «حتى يبعث» دون ذكر «الفتان» وابن لهيعة إذا صرح بالتحديث فهو حسن ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد.
(حديث آخر) قال ابن ماجه في سننه: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, حدثنا عبد الله بن وهب, أخبرني الليث عن زهرة بن معبد عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من مات مرابطاً في سبيل الله أجرى عليه عمله الصالح الذي كان يعمل, وأجرى عليه رزقه, وأمن من الفتان, وبعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع».) (طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا موسى, أنبأنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان, عن أبي هريرة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من مات مرابطاً وقي فتنة القبر, وأمن من الفزع الأكبر, وغدا عليه وريح برزقه من الجنة, وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة».
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى, حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي, عن إسحاق بن عبد الله عن أم الدرداء ترفع الحديث, قالت: «من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة».
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا كهمس, حدثنا مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير, قال: قال عثمان رضي الله عنه وهو يخطب على منبره: إني محدثكم حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلاّ الضّن بكم, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها» وهكذا رواه أحمد أيضاً عن روح, عن كهمس, عن مصعب بن ثابت, عن عثمان, وقد رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار, عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه, عن مصعب بن ثابت, عن عبد الله بن الزبير, قال: خطب عثمان بن عفان الناس فقال: يا أيها الناس إني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الضن بكم وبصحابتكم, فليختر مختار لنفسه أو ليدع» سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة صيامها وقيامها».
(طريق أخرى) عن عثمان رضي الله عنه. قال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي الخلال, حدثنا هشام بن عبد الملك, حدثنا الليث بن سعد, حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان, قال: سمعت عثمان وهو على المنبر يقول: إني كتمتكم حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية تفرقكم عني, ثم بدا لي أن أحدثكموه: ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل». ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه, قال محمد يعني البخاري أبو صالح مولى عثمان اسمه بركان, وذكر غير الترمذي أن اسمه الحارث, والله أعلم. وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة, وعنده زيادة في آخره فقال يعني عثمان: فليرابط امرؤ كيف شاء هل بلغت ؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد.
(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر, حدثنا سفيان, حدثنامحمد بن المنكدر, قال: مر سلمان الفارسي. بشرحبيل بن السمط, وهو في مرابَط له وقد شق عليه وعلى أصحابه, فقال: أفلا أحدثك يا ابن السمط بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: بلى, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «رباط يوم في سبيل الله أفضل ـ أو قال خير ـ من صيام شهر وقيامه, ومن مات فيه وقي فتنة القبر, ونمي له عمله إلى يوم القيامة» تفرد به الترمذي من هذا الوجه, وقال: هذا حديث حسن, وفي بعض النسخ زيادة وليس إسناده بمتصل, وابن المنكدر لم يدرك سلمان. (قلت): الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السمط, وقد رواه مسلم والنسائي من حديث مكحول وأبي عبيدة بن عقبة, كلاهما عن شرحبيل بن السمط وله صحبة عن سلمان الفارسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان» وقد تقدم سياق مسلم بمفرده.
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة, حدثنا محمد بن يعلى السلمي, حدثنا عمر بن صبيح عن عبد الرحمن بن عمرو, عن مكحول, عن أبي بن كعب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لرباط يوم في سبيل الله, من وراء عورة المسلمين محتسباً من شهر رمضان أعظم أجراً من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها, ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من غير شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً ـ أراه قال ـ من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها, فإن رده الله تعالى إلى أهله سالماً لم تكتب عليه سيئة ألف سنة, وتكتب له الحسنات, ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة» هذا حديث غريب, بل منكر من هذا الوجه, وعمر بن صبيح متهم.
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا عيسى بن يونس الرملي, حدثنا محمد بن شعيب بن شابور عن سعيد بن خالد بن أبي طويل, سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «حرس ليلة في سبيل الله خير من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة. السنة ثلثمائة وستون يوماً, واليوم كألف سنة» وهذا حديث غريب أيضاً, وسعيد بن خالد هذا ضعفه أبو زرعة وغير واحد من الأئمة, وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه, وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال الحاكم: روى عن أنس أحاديث موضوعة.
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن الصباح, أنبأنا عبد العزيز بن محمد عن صالح بن محمد بن زائدة, عن عمر بن عبد العزيز, عن عقبة بن عامر الجهني, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رحم الله حارس الحرس» فيه انقطاع بين عمر بن عبد العزيز وعقبة بن عامر, فإنه لم يدركه والله أعلم.
(حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا أبو توبة, حدثنا معاوية يعني ابن سلام عن زيد ـ يعني ابن سلام ـ أنه سمع أبا سلام قال: حدثني السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلميوم حنين فأطنبوا السير حتى كانت عشية, فحضرت الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله, إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا, فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين, فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال «تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله» ثم قال «من يحرسنا الليلة» ؟ قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله, فقال «فاركب» فركب فرساً له, فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغز من قبلك الليلة» فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه, فركع ركعتين ثم قال «هل أحسستم فارسكم ؟» فقال رجل: يا رسول الله ما أحسسناه فثوب بالصلاة, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته قال «أبشروا فقد جاءكم فارسكم» فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب, فإذا هو قد جاء حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرتني, فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما, فنظرت فلم أرَ أحداً, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل نزلت الليلة ؟» قال: لا إلا مصلياً أو قاضي حاجة, فقال له «أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها». ورواه النسائي عن محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة وهو الربيع بن نافع به.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب, حدثنا عبد الرحمن بن شريح, سمعت محمد بن شمير الرعيني يقول: سمعت أبا عامر التّجيبي, قال الإمام أحمد: وقال غير زيد أبا علي الجنبي يقول: سمعت أبا ريحانة يقول كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة, فأتينا ذات ليلة إلى شرف, فبتنا عليه, فأصابنا برد شديد حتى رأيت من يحفر في الأرض حفرة يدخل فيها ويلقي عليه الجحفة يعني الترس, فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس نادى «من يحرسنا في هذه الليلة فأدعو له بدعاء يكون له فيه فضل ؟» فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله فقال «ادن» فدنا, فقال «من أنت ؟» فتسمى له الأنصاري, ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء فأكثر منه. فقال أبو ريحانة: فلما سمعت ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: أنا رجل آخر, فقال «ادن», فدنوت فقال «من أنت ؟» قال: فقلت: أنا أبو ريحانة, فدعا بدعاء هو دون ما دعا للأنصاري, ثم قال «حرمت النار على عين دمعت ـ أو بكت ـ من خشية الله, وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله» وروى النسائي منه «حرمت النار» إلى آخره عن عصمة بن الفضل عن زيد بن الحباب به, وعن الحارث بن مسكين عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح به, وأتم وقال في الروايتين عن أبي علي الجَنَبي.
(حديث آخر) قال الترمذي: حدثنا نصر بن علي الجهضمي, حدثنا بشر بن عمر, حدثنا شعيب بن رُزيق أبو شيبة عن عطاء الخراساني, عن عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباس, قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله, وعين باتت تحرس في سبيل الله» ثم قال: حسن غريب, لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رُزيق, قال وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة. (قلت) وقد تقدما, ولله الحمد والمنة.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان, حدثنا رشدين عن زَبّان, عن سهل بن معاذ, عن أبيه معاذ بن رضي الله عنه أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من حرس من وراء المسلمين متطوعاً لا بأجرة سلطان, لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم, فإن الله يقول {وإن منكم إلا واردها}» تفرد به أحمد رحمه الله.
(حديث آخر) ـ روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة, إن أعطي رضي, وإن لم يعط سخط, تعس وانتكس, وإذا شيك فلا انتقش, طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه, مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة, وإن كان في الساقة كان في الساقة, إن استأذن لم يؤذن له, وإن شفع لم يشفع». فهذا آخر ما تيسر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام, ولله الحمد على جزيل الإنعام, على تعاقب الأعوام والأيام. وقال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثنا مطرف بن عبد الله المدني, حدثنا مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم وما يتخوف منهم, فكتب إليه عمر: أما بعد, فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة يجعل الله بعدها فرجاً, وإنه لن يغلب عسر يسرين, وإن الله تعالى يقول في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} وهكذا روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة, قال: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس, وودعته للخروج, وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة, وفي رواية سنة سبع وسبعين ومائة.
يا عابد الحرمين لو أبصرتنالعلمت أنك في العبادة تلعبمن كان يخضب خده بدموعهفنحورنا بدمائنا تتخضبأو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعبريح العبير لكم ونحن عبيرناوهج السنابك والغبار الأطيبولقد أتانا من مقال نبيناقول صحيح صادق لا يكذبلا يستوي وغبارَ خيل الله فيأنف امريء ودخانَ نار تلهبهذا كتاب الله ينطق بينناليس الشهيد بميت لا يكذب

قال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام, فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني, ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث ؟ قال: قلت: نعم, قال فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا وأملى عليّ الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله, علمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله, فقال «هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر, وتصوم فلا تفطر ؟» فقال: يا رسول الله, أنا أضعف من أن أستطيع ذلك, ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم «فوالذي نفسي بيده لو طُوّقْتَ ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله, أَوَ ما علمت أن الفرس المجاهد ليستن في طوله, فيكتب له بذلك الحسنات» وقوله تعالى: {واتقوا الله} أي في جميع أموركم وأحوالكم, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن «اتق الله حيثما كنت, وأتبع السيئة الحسنة تمحها, وخالق الناس بخلق حسن» {لعلكم تفلحون} أي في الدنيا والاَخرة ـ وقال ابن جرير: حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أنبأنا أبو صخر عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في قول الله عز وجل {واتقوا الله لعلكم تفلحون} واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غداً إذا لقيتموني. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق