وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
يقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله, واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل, قالوا في جواب ذلك: بل نتبع ما ألفينا, أي وجدنا عليه آباءنا, أي من عبادة الأصنام والأنداد, قال الله تعالى منكراً عليهم: {أولو كان آباؤهم} أي الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم {لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} أي ليس لهم فهم ولا هداية. وروى ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة أو سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أنها نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام, فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا, فأنزل الله هذه الاَية, ثم ضرب لهم تعالى مثلاً. كما قال تعالى: {للذين لا يؤمنون بالاَخرة مثل السوء} فقال {ومثل الذين كفروا} أي فيما هم فيه من الغى والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها بل إذا نعق بها راعيها, أي دعاها إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه بل إنما تسمع صوته فقط. هكذار روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد عكرمة وعطاء والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو هذا. وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئاً واختاره ابن جرير, والأول أولى, لأن الأصنام لا تسمع شيئاً ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة فيها. وقوله {صم بكم عمي} أي صم عن سماع الحق, بكم لا يتفوهون به, عمي عن رؤية طريقه ومسلكه {فهم لا يعقلون} أي لا يعلمون شيئاً ولا يفهمونه.
** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنّمَا حَرّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى, وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده, والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة, كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر, حدثنا الفضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت, عن أبي حازم, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل, إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين, فقال {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعلمون عليم}, وقال {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب, ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام, وغذي بالحرام فأنىَ يستجاب لذلك ؟» ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من ذلك حديث فضيل بن مرزوق. ولما امتن تعالى عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه, ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة, وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع, وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه} على ما سيأتي إن شاء الله, وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله عليه السلام في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وروى الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعاً «أحل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال» وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله في سورة المائدة.
(مسألة) ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره. لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة, وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف والمشهور عندهم أنها نجسة, وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس, فقال القرطبي في التفسير ههنا يخالط اللبن منها يسير, ويعف عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع وقد روى ابن ماجه من حديث سيف بن هارون عن سليمان التميمي, عن أبي عثمان النهدي, عن سلمان رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء, فقال «الحلال ما أحل الله في كتابه, والحرام ما حرم الله في كتابه, وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» وكذلك حرم عليهم لحم الحنزير سواء ذكي أم مات حتف أنفه, ويدخل شحمه في حكم لحمه إما تغليباً أو أن اللحم يشمل ذلك أو بطريق القياس على رأي وكذلك حرم عليهم ما أهل به لغير الله, وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له. وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل عن امرأة عملت عرساً للعبها فنحرت فيه جزوراً, فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم, وأورد القرطبي عن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه, وكلوا من أشجارهم ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة, فقال {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} أي في غير بغي ولا عدوان وهو مجاوزة الحد {فلا إثم عليه} أي في أكل ذلك {إن الله غفور رحيم}, وقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد, قاطعاً للسبيل أو مفارقاً للأئمة, أو خارجاً في معصية الله, فله الرخصة, ومن خرج باغياً أو عادياً أو في معصية الله, فلا رخصة له وإن اضطر إليه, وكذا روي عن سعيد, بن جبير. وقال سعيد في رواية عنه ومقاتل بن حيان: غير باغ يعني غير مستحله, وقال السدي: غير باغ, يبتغي فيه شهوته, وقال آدم بن أبي إياس: حدثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء وهو الخراساني, عن أبيه, في قوله {غير باغغ} قال: لا يشوي من الميتة ليشتهيه, ولا يطبخه, ولا يأكل إلا العلقة, ويحمل معه ما يبلغه الحلال, فإذا بلغه ألقاه, وهو قوله {ولا عاد} ويقول لا يعدو به الحلال, وعن ابن عباس: لا يشبع منها, وفسره السدي بالعدوان, وعن ابن عباس {غير باغ ولا عاد} قال {غير باغ} في الميتة ولا عاد في أكله, وقال قتادة: فمن اضطر غير باغ ولا عاد, قال: غير باغ في الميتة أي في أكله أن يتعدى حلالا إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة, وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: فمن اضطر, أي أكره على ذلك بغير اختياره.
(مسألة) إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا اذى, فإنه لا يحل له أكل الميتة بل يأكل طعام الغير بغير خلاف ـ كذا قال ـ ثم قال: وإذا أكله, والحالة هذه, هل يضمن أم لا ؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك, ثم أورد من سنن ابن ماجه من حديث شعبة عن أبي إياس جعفر بن أبي وحشية: سمعت عباد بن شرحبيل الغبري قال: أصابتنا عاماً مخمصة, فأتيت المدينة, فأتيت حائطاً, فأخذت سنبلاً ففركته وأكلته, وجعلت منه في كسائي, فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي, فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته, فقال للرجل «ما أطعمته إذ كان جائعاً ولا ساعياً, ولا علمته إذ كان جاهلاً» فأمره فرد إليه ثوبه, فأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق, إسناد صحيح قوي جيد وله شواهد كثيرة: من ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق, فقال «من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خبنة, فلا شيء عليه» الحديث, وقال مقاتل بن حيان في قوله: {فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم}: فيما أكل من اضطرار, وبلغنا, والله أعلم. أنه لا يزاد على ثلاث لقم, وقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام, رحيم إذ أحل له الحرام في الاضطرار, وقال وكيع: أخبرنا الأعمش عن أبي الضحى, عن مسروق, قال: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات, دخل النار, وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة, قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكياالهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال, وهذا هو الصحيح عندنا, كالإفطار للمريض ونحو ذلك.
** إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَـَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضّلاَلَةَ بِالْهُدَىَ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ * ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ نَزّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
يقول تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم مما تشهد له بالرسالة والنبوة, فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم, فخشوا ـ لعنهم الله ـ إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم, فكتموا ذلك ابقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك وهو نزر يسير, فباعوا أنفسهم بذلك واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله, بذلك النزر اليسير, فخابوا وخسروا في الدنيا والاَخرة, أما في الدنيا فإن الله أظهر لعباده صدق رسوله بما نصبه وجعله معه من الاَيات الظاهرات والدلائل القاطعات, فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه, وصاروا عوناً له على قتالهم, وباءوا بغضب على غضب, وذمهم الله في كتابه في غير موضع فمن ذلك هذه الاَية الكريمة {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلا} وهو عرض الحياة الدنيا {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} أي إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق, ناراً تأجج في بطونهم يوم القيامة, كما قال تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرا} وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال, «الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»
وقوله: {ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم, لأنهم كتموا وقد علموا, فاستحقوا الغضب, فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم, أي يثني عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذاباً أليماً, وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه, ههنا حديث الأعمش عن أبي حازم, عن أبي هريرة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة لا يكلمهم الله, ولا ينظر إليهم, ولا يزكيهم, ولهم عذاب أليم: شيخ زان, وملك كذاب, وعائل مستكبر» ثم قال تعالى مخبرا عنهم {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي اعتاضوا عن الهدى, وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه, استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه الضلالة وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم {والعذاب بالمغفرة} أي اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب, وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة, وقوله تعالى: {فما أصبرهم على النار} يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل, يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال, عياذاً بالله من ذلك, وقيل معنى قوله: {فما أصبرهم على النار} أي فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار, وقوله تعالى: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} أي إنما استحقوا هذا العذاب الشديد لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل, وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوا, فكتابهم أمرهم بإظهار العلم ونشره فخالفوه وكذبوه, وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر, وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته, فاستهزؤا بآيات الله المنزلة على رسله, فلهذا استحقوا العذاب والنكال, ولهذا قال {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} ==== لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىَ حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَالسّآئِلِينَ وَفِي الرّقَابِ وَأَقَامَ الصّلاةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـَئِكَ الّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ
اشتملت هذه الاَية على جمل عظيمة وقواعد عميمة, وعقيدة مستقيمة, كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبيد بن هشام الحلبي, حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عامر بن شفي, عن عبد الكريم, عن مجاهد, عن أبي ذر: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الإيمان ؟ فتلا عليه {ليس البر أن تولوا وجوهكم} إلى آخر الاَية, قال: ثم سأله أيضاً, فتلاها عليه, ثم سأله فقال: «إذا عملت حسنة أحبها قلبك, وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك» وهذا منقطع, فإن مجاهداً لم يدرك أبا ذر, فإنه مات قديماً, وقال المسعودي: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذر, فقال: ما الإيمان ؟ فقرأ عليه هذه الاَية {ليس البر أن تولوا وجوهكم} حتى فرغ منها, فقال الرجل: ليس عن البر سألتك, فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار بيده «المؤمن إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها, وإذا علم سيئة أحزنته وخاف عقابها» ورواه ابن مردويه,. وهذا أيضا منقطع,والله أعلم.
وأما الكلام على تفسير هذه الاَية, فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولاً بالتوجه إلى بيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة, شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين, فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل, وامتثال أوامره, والتوجه حيثما وجّه واتباع ما شرع, فهذا هو البر والتقوي والإيمان الكامل, وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه, ولهذا قال {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الاَخر} الاَية, كما قال في الأضاحي والهدايا {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الاَية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا, فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة ونزلت الفرائض والحدود, فأمر الله بالفرائض والعمل بها, وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك, وقال أبو العالية: كانت اليهود تقبل قبل المغرب, وكانت النصارى تقبل قبل المشرق, فقال الله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} يقول: هذا كلام الإيمان وحقيقته العمل, وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله¹ وقال مجاهد ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله عز وجل, وقال الضحاك ولكن البر والتقوىَ أن تؤدوا الفرائض على وجوههاو وقال الثوري: {ولكن البر من آمن بالله} الاَية قال: هذه أنواع البر كلها, وصدق رحمه الله, فإن من اتصف بهذه الاَية, فقد دخل في عرى الإسلام كلها, وأخذ بمجامع الخير كله, وهو الإيمان بالله وأنه لا إله إلا هو, وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله (والكتاب) وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء, حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير, واشتمل على كل سعادة في الدنيا والاَخرة ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله, وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين, وقوله {وآتى المال على حبه} أي أخرجه وهو محب له راغب فيه, نص على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف, كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح, تأمل الغنى وتخشى الفقر» وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة والثوري عن منصور, عن زبيد, عن مرة, عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «{وآتى المال على حبه} أن تعطيه وأنت صحيح شحيح, تأمل العيش وتخشى الفقر» ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه, (قلت) وقد رواه وكيع عن الأعمش, وسفيان عن زبيد, عن مرة, عن ابن مسعود موقوفاً, وهو أصح, والله أعلم, وقال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} وقال تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وقوله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} نمط آخر أرفع من هذا, وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له وقوله: {ذوي القربى} وهم قرابات الرجل وهم أولى من أعطي من الصدقة كما ثبت في الحديث «الصدقة على المساكين صدقة, وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة, فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك» وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز {واليتامى} هم الذين لا كاسب لهم, وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب, وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن جويبر, عن الضحاك عن النزال بن سبرة, عن علي, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتم بعد حلم» {والمساكين} وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم, فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم, وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان, ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه», {وابن السبيل} وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطىَ ما يوصله إلى بلده, وكذا الذي يريد سفراً في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه, ويدخل في ذلك الضيف, كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين, وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو جعفر الباقر والحسن وقتادة والضحاك والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان {والسائلين} وهم الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات, كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد, عن يعلي بن أبي يحيى, عن فاطمة بنت الحسين, عن أبيها ـ قال عبد الرحمن حسين بن علي ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «للسائل حق وإن جاء على فرس» رواه أبو داود {وفي الرقاب} وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم, وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة إن شاء الله تعالى, وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا يحيى بن عبد الحميد, حدثنا شريك عن أبي حمزة عن الشعبي, حدثتني فاطمة بنت قيس, أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفي المال حق سوى الزكاة ؟ قالت: فتلا علي {وآتى المال على حبه} ورواه ابن مردويه من حديث آدم بن إياس ويحيى بن عبد الحميد كلاهما عن شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «في المال حق سوى الزكاة» ثم قرأ {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ـ إلى قوله ـ وفي الرقاب} وأخرجه ابن ماجه والترمذي, وضعف ابا حمزة ميموناً الأعور, وقد رواه سيار وإسماعيل بن سالم عن الشعبي, وقوله {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} أي وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي, وقوله: {وآتى الزكاة} يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة كقوله: {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} وقول موسى لفرعون {هل لك إلى أن تزكىّ وأهديك إلى ربك فتخشى} وقوله تعالى: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال, كما قاله سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان, ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين, إنما هو التطوع والبر والصلة, ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس إن في المال حقاً سوى الزكاة, والله أعلم.
وقوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا}, كقوله: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} وعكس هذه الصفة النفاق كما صح في الحديث «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا ائتمن خان» وفي الحديث الاَخر: «وإذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر,وإذا خاصم فجر» وقوله: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} أي في حال الفقر وهو البأساء, وفي حال المرض والأسقام وهو الضراء {وحين البأس} اي في حال القتال والتقاء الأعداءو قاله ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومرة الهمداني ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وأبو مالك والضحاك وغيرهم, وإنما نصب {الصابرين} على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته والله أعلم, وهو المستعان وعليه التكلان, وقوله {أولئك الذين صدقوا}, أي هؤلاء الذين اتصفوا بهذا الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم, لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال, فهؤلاء هم الذين صدقوا {وأولئك هم المتقون} لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.
** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَىَ بِالاُنْثَىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الألْبَابِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ
يقول تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون, حركم بحركم, وعبدكم بعبدكم, وأنثاكم بأنثاكم, ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدي من قبلكم وغيروا حكم الله فيهم, وسبب ذلك قريظة والنضير, كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم, فكان إذا قتل النضري القرظي لا يقتل به, بل يفادي بمائة وسق من التمر, وإذا قتل القرظي النضري قتل, وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية قريظة, فأمر الله بالعدل في القصاص, ولا يتبع سبيل المفسدين المحرفين المخالفين لأحكام الله فيهم كفراً وبغياً, فقال تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى, الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة, حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى}, يعني إذا كان عمداً الحر بالحر, وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل, فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء, فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا, فكان أحد الحيين يتطاول على الاَخر في العدة والأموال, فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل العبد منا الحر منهم, والمرأة منا الرجل منهم, فنزل فيهم {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} منها منسوخة نسختها النفس بالنفس, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {والأنثى بالأنثى} وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة, ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة, فأنزل الله: النفس بالنفس والعين بالعين, فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس, وجعل العبيد مستويين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم, وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله النفس بالنفس.
(مسألة) ذهب أبو حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة, وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود, وهو مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم, قال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي و الثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده, لعموم حديث الحسن عن سمرة «ومن قتل عبده قتلناه, ومن جدع عبده جدعناه, ومن خصاه خصيناه» وخالفهم الجمهور فقالوا: لا يقتل الحر بالعبد, لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم يجب فيه دية,وإنما تجب فيه قيمته ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق الأولى, وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر, لما ثبت في البخاري عن علي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ولا يقتل مسلم بكافر} ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا, وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.
(مسألة) قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الاَية, وخالفم الجمهور لاَية المائدة ولقوله عليه السلام: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة.
(مسألة) ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد, قال عمر في غلام قتله سبعة فقتلهم, وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة, وذلك كالإجماع, وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد, ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة, وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبد الملك بن مروان والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت, ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح, ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة, وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه, وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر, وقوله: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} فالعفو أن يقبل الدية في العمد, وكذا روي عن أبي العالية وأبي الشعثاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة مقاتل بن حيان وقال الضحاك عن ابن عباس: {فمن عفي له من أخيه شيء} يعني: فمن ترك له من أخيه شيء يعني أخذ الدية بعد استحقاق الدم, وذلك العفو, {فاتباع بالمعروف} يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية, {وأداء إليه بإحسان} يعني من القاتل من غير ضرر ولا معك يعني المدافعة, وروى الحاكم من حديث سفيان عن عمرو, عن مجاهد, عن ابن عباس: ويؤدي المطلوب بإحسان وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان.
(مسألة) قال مالك رحمه الله في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور, وأبو حنيفة وأصحابه, والشافعي وأحمد في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل: وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض.
(مسألة) وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو, منهم الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي, وخالفهم الباقون, وقوله: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفاً من الله عليكم ورحمة بكم مما كان محتوماً على الأمم قبلكم من القتل أو العفو, كما قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار, أخبرني مجاهد عن ابن عباس قال: كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى, ولم يكن فيهم العفو, فقال الله لهذه الأمة {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى, فمن عفى له من أخيه شيء} فالعفو أن يقبل الدية في العمد وقد رواه غير واحد عن عمرو, وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار, ورواه جماعة عن مجاهد عن ابن عباس بنحوه, وقال قتادة {ذلك تخفيف من ربكم} رحم الله هذه الأمة وأطعمهم الدية ولم تحل لأحد قبلهمم فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أرش وكان أهل الانجيل إنما هو عفو أمروا به وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش, وهكذا روي عن سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس نحو هذا. وقوله {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} يقول تعالى: فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها, فله عذاب من الله أليم موجع شديد, وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية, كما قال محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل, عن سفيان بن أبي العوجاء, عن أبي شريح الخزاعي, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص, وإما أن يعفو, وإما أن يأخذ الدية, فإن أراد الرابعة, فخذوا على يديه, ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالداً فيها» رواه أحمد, وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية» يعني لا أقبل منه الدية, بل أقتله.
وقوله {ولكم في القصاص حياة} يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم, وهو قتل القاتل حكمة عظيمة وهي بقاء المهج وصونها, لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه, فكان في ذلك حياة للنفوس, وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل فجاءت هذه العبارة في القرآن افصح وأبلغ وأوجز {ولكم في القصاص حياة} قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة, فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل. وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان {يا أولي الألباب لعلكم تتقون} يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهي, لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه, والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.
** كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ * فَمَن بَدّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنّمَا إِثْمُهُ عَلَى الّذِينَ يُبَدّلُونَهُ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِن مّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
اشتملت هذه الاَية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين, وقد كان ذلك واجباً على أصح القولين قبل نزول آية المواريث, فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه, وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتماً من غير وصية ولا تحمل منة الموصي, ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه, فلا وصية لوارث» وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين, قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الاَية {إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين} فقال: نسخت هذه الاَية وكذا رواه سعيد بن منصور, عن هشيم, عن يونس به, ورواه الحاكم في مستدركه, وقال: صحيح على شرطهما, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {الوصية للوالدين والأقربين} قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين, فأنزل الله آية الميراث, فبين ميراث الوالدين وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح, حدثنا حجاج بن محمد, أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء, عن ابن عباس, في قوله {الوصية للوالدين والأقربين}: نسختها هذه الاَية {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} ثم قال ابن أبي حاتم, وروي عن ابن عمر وأبي موسى وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وعكرمة وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وطاوس وإبراهيم النخعي وشريح والضحاك والزهري: أن هذا الاَية منسوخة, نسختها آية الميراث والعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي رحمه الله, كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه الاَية غير منسوخة وإنما هي مفسرة بآية المواريث, ومعناه كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله {يوصيكم الله في أولادكم} قال: وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء: قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث, وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد. (قلت) وبه قال أيضاً سعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان, ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخاً في اصطلاحنا المتأخر, لأن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم أية الوصاية, لأن الأقربين أعم ممن يرث ولا يرث, فرفع حكم من يرث بما عين له, وبقي الاَخر على ما دلت عليه الاَية الأولى, وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندباً حتى نسخت, فأما من يقول: إنها كانت واجبة وهو الظاهر من سياق الاَية, فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء, فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع, بل منهي عنه للحديث المتقدم «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» فآية الميراث حكم مستقل ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات, يرفع بها حكم هذه بالكلية, بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناساً بآية الوصية وشمولها, ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» قال ابن عمر : ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي والاَيات والأحاديث بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جداً, وقال عبد بن حميد في مسنده: أخبرنا عبد الله عن مبارك بن حسان, عن نافع قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: يا بن آدم ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيباً في مالك حين أخذت بكظمك لاَطهرك به وأزكيك, وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك» وقوله {إن ترك خيراً} أي مالاً, قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم, ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قل المال أو كثر كالوراثة ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالاً جليلاً, ثم اختلفوا في مقداره, فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري, أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه, قال: قيل لعلي رضي الله عنه: إن رجلاً من قريش قد مات وترك ثلثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص ؟ قال: ليس بشيء إنما قال الله {إن ترك خيراً} وقال أيضاً: وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني, حدثنا عبده يعني ابن سليمان, عن هشام بن عروة عن أبيه: إن علياً دخل على رجل من قومه يعوده, فقال له: أوصِ ؟ فقال له علي: إنما قال الله {إن ترك خيراً الوصية} إنما ترك شيئاً يسيراً فاتركهلوالدك, وقال الحاكم: إن أبان حدثني عن عكرمة عن ابن عباس {إن ترك خيراً} قال ابن عباس: من لم يترك ستين ديناراً لم يترك خيراً, قال الحاكم: قال طاوس: لم يترك خيراً من لم يترك ثمانين ديناراً, وقال قتادة: كان يقال: ألفاً فما فوقها. وقوله {بالمعروف} أي بالرفق والإحسان, كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد, حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار, حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن قوله {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} فقال: نعم الوصية حق على كل مسلم أن يوصي إذا حضر الموت بالمعروف غير المنكر, والمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته من غير إسراف ولا تقتير, كما ثبت في الصحيحين أن سعداً قال: يا رسول الله, إن لي مالاً ولا يرثني إلا ابنة لي, أفأوصي بثلثي مالي ؟ قال: «لا» قال: فبالشطر ؟ قال «لا» قال: فالثلث ؟ قال «الثلث والثلث كثير, إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يكففون الناس», وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الثلث والثلث كثير»وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زياد بن عتبة بن حنظلة سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة: أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل, فشق ذلك على بنيه فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل كنا نسميها المطية, فقال: النبي صلى الله عليه وسلم «لا لا لا, الصدقة خمس وإلا فعشر وإلا فخمس عشرة وإلا فعشرون وإلا فخمس وعشرين وإلا فثلاثون وإلا فخمس وثلاثون فإن كثرت فأربعون» وذكر الحديث بطوله.
وقوله {فمن بدله بعد ما سمعته فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم} يقول تعالى: فمن بدّل الوصية وحرفها, فغير حكمها وزاد فيها أو نقص, ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} قال ابن عباس وغير واحد: وقد وقع أجر الميت على الله, وتعلق الإثم بالذين بدلوا ذلك {إن الله سميع عليم} أي قد اطلع على ما أوصى به الميت وهو عليم بذلك وبما بدّله الموصى إليهم, وقوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً} قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي: الجنف الخطأ, وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها بأن زادوا وارثاً بواسطة أو وسيلة, كما إذا أوصى ببيعة الشيء الفلاني محاباة أو أوصى لابن ابنته ليزيدها أو نحو ذلك من الوسائل, إما مخطئاً غير عامد بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر, أو متعمداً آثماً في ذلك, فللوصي والحالة هذه, أن يصلح القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي, ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعاً بين مقصود الموصي والطريق الشرعي, وهذا الإصلاح والتوفيق, ليس من التبديل في شيء, ولهذا عطف هذا فبينه على النهي عن ذلك, ليعلم أن هذا ليس من ذلك بسبيل, والله أعلم, وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قراءة, أخبرني أبي عن الأوزاعي, قال الزهري: حدثني عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «يرد من صدقة الجانف في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته» وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه من حديث العباس بن الوليد به, قال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مزيد, وهذا الكلام إنما هو عن عروة فقط, وقد رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فلم يجاوز به عروة, وقال ابن مردويه أيضاً: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا إبراهيم بن يوسف, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجنف في الوصية من الكبائر» وهذا في رفعه أيضاً نظر, وأحسن ما ورد في هذا الباب ما قال عبد الرزاق: حدثنا معمر أشعث بن عبد الله, عن شهر بن حوشب, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة, فإذا أوصى حاف في وصيته, فيختم له بشر عمله فيدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل الشر سبعين سنة, فيعدل في وصيته, فيختم له بخير عمله, فيدخل الجنة» قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {تلك حدود الله فلا تعتدوها} الاَية. = = يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ * أَيّاماً مّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
يقول تعالى مخاطباً للمؤمنين من هذه الاَية, وآمراً لهم بالصيام وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع, بنية خالصة لله عز وجل لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الردئية والأخلاق الرذيلة, وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيه أسوة, وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك, كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات} الاَية, ولهذا قال ههنا {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان, ولهذا ثبت في الصحيحين «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» ثم بين مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم, لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام, يصومون من كل شهر ثلاثة أيام, ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان كما سيأتي بيانه. وقد روي أن الصيام كان أولاً كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ وابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة والضحاك بن مزاحم وزاد: لم يزل هذا مشروعاً من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان. وقال عباد بن منصور عن الحسن البصري {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياماً معدودات} فقال: نعم, والله لقد كتب الصيام على كل أمة قد خلت, كما كتبه علينا شهراً كاملاً وأياماً معدودات عدداً معلوماً, وروي عن السدي نحوه. وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري, حدثني سعيد بن أبي أيوب, حدثني عبد الله بن الوليد عن أبي الربيع رجل من أهل المدينة, عن عبد الله بن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم» في حديث طويل اختصر منه ذلك. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عمن حدثه عن ابن عمر قال: أنزلت {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة ونام, حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها, قال ابن أبي العالية وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وعطاء والخراساني نحو ذلك, وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس {كما كتب على الذين من قبلكم} يعني بذلك أهل الكتاب, وروي عن الشعبي والسدي وعطاء الخراساني مثله, ثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام فقال {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} أي المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر, لما في ذلك من المشقة عليهما بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أخر, وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام فقد كان مخيراً بين الصيام وبين الإطعام, إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً, فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير, وإن صام فهو أفضل من الإطعام, قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطاوس ومقاتل بن حيان وغيرهم من السلف, ولهذا قال تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر, حدثنا المسعودي حدثنا عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه, قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال, وأحيل الصيام ثلاثة أحوال, فأما أحوال الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم, قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس, ثم إن الله عز وجل أنزل عليه: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} الاَية, فوجهه الله إلى مكة هذا حول, قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضاً, حتى نقسوا أو كادوا ينقسون, ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد بن عبد ربه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, إني رأيت فيما يرى النائم, ولو قلت إني لم أكن نائماً لصدقت, إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذا رأيت شخصاً عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة, فقال: الله أكبر الله أكبر, أشهد أن لا إله إلا الله ـ مثنى ـ حتى فرغ من الأذان, ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة مرتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علمها بلالاً فليؤذن بها» فكان بلال أول من أذن بها, قال: وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله, قد طاف بي مثل الذي طاف به, غير أنه سبقني فهذان حالان, قال: وكانوا يأتون الصلاة سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها, فكان الرجل يشير إلى الرجل إذن كم صلى ؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليهما, ثم يدخل مع القوم في صلاتهم, قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها, ثم قضيت ما سبقني, قال: فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها, قال: فثبت معه فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فقضى, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوه» فهذه ثلاثة أحوال, وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء, ثم إن الله فرض عليه الصيام, وأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} إلى قوله {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا, فأجزأ ذلك عنه, ثم إن الله عز وجل أنزل الاَية الاَخرى {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} إلى قوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح, ورخص فيه للمريض والمسافر, وثبت الإطعام للكبير الذي لايستطيع الصيام, فهذان حالان, قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا, فإذا ناموا امتنعوا, ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له صرمة, كان يعمل صائماً حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام, فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائماً, فرآه رسول الله وقد جهد جهداً شديداً, فقال «ما لي أراك قد جهدت جهداً شديداً ؟» قال: يا رسول الله, إني عملت أمس فجئت حين جئت, فألقيت نفسي فنمت, فأصبحت صائماً, قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك, فأنزل الله عز وجل: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ـ إلى قوله ـ ثم أتموا الصيام إلى الليل} وأخرجه أبو داود في سننه, والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي به, وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام, فما نزل فرض رمضان, كان من شاء صام ومن شاء أفطر, وروى البخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله.
وقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كما قال معاذ رضي الله عنه: كان في ابتداء الأمر من شاء صام, ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً, وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}: كان من أراد أن يفطر يفادي حتى نزلت الاَية التي بعدها فنسختها, وروي أيضاً من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: هي منسوخة, وقال السدي عن مرة عن عبد الله, قال لما نزلت هذه الاَية {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قال: يقول {وعلى الذين يطيقونه} أي يتجشمونه, قال عبد الله: فكان من شاء صام, ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً {فمن تطوع} يقول: أطعم مسكيناً آخر {فهو خير له وأن تصوموا خير لكم} فكانوا كذلك حتى نسختها {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وقال البخاري أيضاً: أخبرنا إسحاق, حدثنا روح, حدثنا زكريا بن إسحاق, حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء: سمع ابن عباس: يقرأ {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قال ابن عباس: ليست منسوخة, هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً, وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه, وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار, عن عكرمة عن ابن عباس, قال: نزلت هذه الاَية {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم, ثم ضعف فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً, وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد, حدثنا الحسين بن بهرام المخزومي, حدثنا وهب بن بقية, حدثنا خالد بن عبد الله عن ابن أبي ليلى, قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل, فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الاَية {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً ثم نسخت الأولى إلى الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكيناً وأفطر ـ فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام, فله أن يفطر ولاقضاء عليه, لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء, ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكيناً إذا كان ذا جدة ؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما لا يجب عليه إطعام لأنه ضعيف عنه لسنه, فلم يجب عليه فدية كالصبي, لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها وهو أحد قولي الشافعي: والثاني, وهو الصحيح وعليه أكثر العلماء, أنه يجب عليه فدية عن كل يوم, كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ {وعلى الذين يطيقونه} أي يتجشمونه, كما قاله ابن مسعود وغيره, هو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام, فقد أطعم أنس بعد ما كبر عاماً أو عامين عن كل يوم, مسكيناً, خبزاً ولحماً وأفطر, وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن معاذ, حدثنا أبي, حدثنا عمران عن أيوب بن أبي تميمة, قال: ضعف أنس عن الصوم, فصنع جفنة من ثريد, فدعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم, ورواه عبد بن حميد عن روح بن عبادة, عن عمران وهو ابن حُدير, عن أيوب به. ورواه عبد أيضاً من حديث ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه, ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما, ففيهما خلاف كثير بين العلماء, فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان, وقيل: يفديان فقط ولا قضاء, وقيل يجب القضاء بلا فدية, وقيل: يفطران ولا فدية ولاقضاء, وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه, و لله الحمد والمنة.
** شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مّنَ الْهُدَىَ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللّهَ عَلَىَ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ
يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اخناره من بينهن لإنزال القرآن العظيم, وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء, قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم, حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة, عن أبي المليح, عن واثلة يعني ابن الأسقع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان, وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان, والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان, وأنزل الله القرآن «لأربع وعشرين خلت من رمضان» وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أن الزبور أنزل لاثنتي عشرة خلت من رمضان, والإنجيل لثماني عشرة, والباقي كما تقدم, رواه ابن مردويه, وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل, فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة, وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا, وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه, كما قال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وقال {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} ثم نزل بعده مفرقاً بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم, هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس, كما قال إسرائيل عن السدي, عن محمد بن أبي المجالد, عن مقسم, عن ابن عباس: أنه سأل عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك, قول الله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} وقوله {إنا انزلناه في ليلة مباركة} وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وقد أنزل في شوال, وفي ذي القعدة, وفي ذي الحجة, وفي المحرم وصفر وشهر ربيع, فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة, ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلاً في الشهوروالأيام, رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وهذا لفظه, وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال, أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا, فجعل في بيت العزة, ثم أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة لجواب كلام الناس, وفي رواية عكرمة عن ابن عباس, قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر, على هذه السماء الدنيا جملة واحدة, وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه, وذلك قوله: {وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً} وقوله: {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه {وبينات} أي دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال, والرشد المخالف للغي, ومفرقاً بين الحق والباطل والحلال والحرام, وقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال إلا شهر رمضان, ولا يقال رمضان, قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن بكار بن الريان, حدثنا ابو معشر عن محمد بن كعب القرظي وسعيد هو المقبري عن أبي هريرة قال: لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولواشهر رمضان ـ قال ابن أبي حاتم وقد روي عن مجاهد ومحمد بن كعب نحو ذلك, ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت, (قلت) أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير, ولكن فيه ضعف, وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعاً عن أبي هريرة, وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي, وهو جدير بالإنكار, فإنه متروك, وقد وهم في رفع هذا الحديث, وقد انتصر البخاري رحمه الله في كتابه لهذا فقال: باب يقال رمضان وساق أحاديث في ذلك منها «من صام رمضان إيماناً واحتساباً, غفر له ما تقدم من ذنبه» ونحو ذلك, وقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر, أي كان مقيماً في البلد حين دخل شهر رمضان, وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة, ونسخت هذه الاَية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحاً مقيماً أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم كما تقدم بيانه, ولما حتّم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر أن يفطر بشرط القضاء, فقال {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه, أو كان على سفر, أي في حالة السفر, فله أن يفطر, فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام, ولهذا قال {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} اي إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيراً عليكم ورحمة بكم.
وههنا مسائل تتعلق بهذه الاَية (إحداها) أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيماً في أول الشهر ثم سافر في أثنائه, فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر, وهذا القول غريب, نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى عن جماعة من الصحابة والتابعين, وفيما حكاه عنهم نظر, والله أعلم, فإنه قد ثبت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح, فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر, وأمر الناس بالفطر, أخرجه صاحبا الصحيح. (الثانية) ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله {فعدة من أيام أخر} والصحيح قول الجمهور أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم, لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان, قال: فمنا الصائم ومنا المفطر, فلم يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم, فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام, بل الذي ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في مثل هذه الحالة صائماً لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء, قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.(الثالثة) قالت طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم, وقالت طائفة. بل الإفطار أفضل أخذاً بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الصوم في السفر, فقال: «من أفطر فحسن, ومن صام فلا جناح عليه» وقال في حديث آخر «عليكم برخصة الله التي رخص لكم» وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو والأسلمي قال: يا رسول الله, إني كثير الصيام أفأصوم في السفر ؟ فقال«إن شئت فصم, وإن شئت فأفطر» وهو في الصحيحين, وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل, لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد ظلل عليه فقال: «ما هذا» ؟ قالوا: صائم, فقال «ليس من البر الصيام في السفر» أخرجاه, فأما إن رغب عن السنة ورأى أن الفطر مكروه إليه, فهذا يتعين عليه الإفطار, ويحرم عليه الصيام, والحالة هذه لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة. (الرابعة) القضاء هل يجب متتابعاً أو يجوز فيه التفريق فيه قولان: (أحدهما) أنه يجب التتابع لأن القضاء يحكى الأداء. (والثاني) لا يجب التتابع بل إن شاء فرق وإن شاء تابع, وهذا قول جمهور السلف والخلف, وعليه ثبتت الدلائل لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر, فأما بعد انقضاء رمضان, فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر, ولهذا قال تعالى: {فعدة من أيام أخر} ثم قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي, حدثنا ابن هلال عن حميد بن هلال العدوي, عن أبي قتادة عن الأعرابي الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إن خير دينكم أيسره, إن خير دينكم أيسره» وقال أحمد أيضاً: حدثنا يزيد بن هارون, أخبرنا عاصم بن هلال, حدثنا عامر بن عروة الفقيمي, حدثني أبي عروة, قال: كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فخرج يقطر رأسه من وضوء أو غسل, فصلى, فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن دين الله في يسر» ـ ثلاثاً يقولها ـ ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الاَية من حديث مسلم بن إبراهيم عن عاصم بن هلال به وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو التياح سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا وسكنوا وتنفروا» أخرجاه في الصحيحين وفي الصحيحين أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن «بشّرا ولا تنفّرا ويسّرا ولا تعسّرا وتطاوعا ولا تختلفا» وفي السنن والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت بالحنيفية السمحة» وقال الحافظ أبو بكر مردويه وتفسيره: حدثنا عبد الله بن اسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا عبد الوهاب بن عطاء, حدثنا أبو مسعود الحريري عن عبد الله بن شقيق, عن محجن بن الأدرع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي فتراءاه ببصره ساعة, فقال «أتراه يصلي صادقاً ؟» قال: قلت يا رسول الله, هذا أكثر أهل المدينة صلاة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسمعه فتهلكه» وقال «إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر» ومعنى قوله {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة} أي إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم, وقوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم} أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم, كما قال: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} وقال {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} وقال {فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود} ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات, وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير, ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الاَية: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر لظاهر الأمر في قوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم} وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر, والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم, وقوله: {ولعلكم تشكرون} أي إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه وحفظ حدوده فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.
** وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلّهُمْ يَرْشُدُونَ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا يحيى بن المغيرة أخبرنا جرير عن عبدة بن أبي برزة السجستاني, عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده, أن أعرابياً قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم, أقريب ربنا فنناجيه, أم بعيد فنناديه ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعانِ} إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجبت, ورواه ابن جرير عن محمد بن حميد الرازي, عن جرير به, ورواه ابن مردويه وأبو الشيخ الأصبهاني من حديث محمد بن أبي حميد عن جرير به, وقال عبد الرزاق أخبرنا جعفر بن سليمان عن عوف عن الحسن قال سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أين ربنا ؟ فأنزل الله عز وجل {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعانِ} الأية وقال ابن جريج عن عطاء أنه بلغه لما نزلت {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} قال الناس لو نعلم أي ساعة ندعو؟ فنزلت {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ} وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي, حدثنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي, عن أبي موسى الأشعري, قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة, فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نعلو شرفاً ولا نهبط وادياً, إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير, قال: فدنا منا, فقال «يا أيها الناس, اربعوا على أنفسكم, فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً, إنما تدعون سميعاً بصيراً, إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته, يا عبد الله بن قيس, ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مُلِ عنه بنحوه, وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود, حدثنا شعبة, حدثنا قتادة عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني» وقال الإمام أحمد حدثنا علي بن إسحاق, أنبأنا عبد الله, أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر, حدثنا إسماعيل بن عبيد الله عن كريمة بنت خشخاش المزنية, قالت: حدثنا أبو هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول: «قال الله تعالى أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه». (قلت) وهذا كقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}, وقوله لموسى وهارون عليهما السلام {إنني معكما أسمع وأرى} والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع, ولا يشغله عنه شيء, بل هو سميع الدعاء, ففيه ترغيب في الدعاء, وأنه لا يضيع لديه تعالى, كماقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا رجل: أنه سمع أبا عثمان النهدي, يحدث عن سلمان يعني الفارسي رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبتين» ـ قال يزيد: سموا لي هذا الرجل, فقالوا: جعفر بن ميمون ـ وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث جعفر بن ميمون صاحب الأنماط به, وقال الترمذي: حسن غريب, ورواه بعضهم ولم يرفعه, قال الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله في أطرافه, وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان عن سليمان التيمي, عن أبي عثمان النهدي به, وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو عامر, حدثنا علي بن دؤاد أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم, إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته, وإما أن يدخرها له في الأخرى, وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» قالوا: إذاً نكثر ؟ قال: «الله أكثر», وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج, أنبأنا محمد بن يوسف, حدثنا ابن ثوبان عن أبيه, عن مكحول, عن جبير بن نفير: أن عبادة بن الصامت, حدثهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة إلا آتاه الله إياها, أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» ورواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي, عن محمد بن يوسف الفريابي, عن ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به, وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه, وقال الإمام مالك عن ابن شهاب, عن أبي عبيد مولى ابن أزهر, عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «يستجاب لأحدكم مالم يعجل, يقول دعوت فلم يستجب لي» أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به, وهذا لفظ البخاري رحمه الله وأثابه الجنة, وقال مسلم في صحيحه: حدثني أبو الطاهر, حدثنا ابن وهب, أخبرني معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد, عن أبي إدريس الخولاني, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, أنه قال «لا يزال يستجاب للعبد مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم مالم يستعجل «قيل: يا رسول الله, وما الاستعجال ؟ قال «يقول قد دعوت وقد دعوت, فلم أر يستجاب لي, فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا أبو هلال عن قتادة, عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال العبد بخير مالم يستعجل» قالوا: وكيف يستعجل ؟ قال: «يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي», وقال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدثني يونس بن عبد الأعلى, حدثنا ابن وهب, حدثني أبو صخر: أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه عن عروة بن الزبير, عن عائشة رضي الله عنها, أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب حتى تعجل له في الدنيا أو تدخر له في الاَخرة إذا لم يعجل أو يقنط, قال عروة: قلت: يا أماه كيف عجلته وقنوطه ؟ قالت: يقول: سألت فلم أعط ودعوت فلم أجب. قال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب يقول كقول عائشة سواء, وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا بكر بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحبلىَ عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «القلوب أوعية, وبعضها أوعى من بعض, فإذا سألتم الله أيها الناس, فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة, فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل» وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب, حدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن أبي نافع بن معد يكرب ببغداد, حدثني بن أبي نافع بن معد يكرب, قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آية {أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ} قال: «يا رب مسألة عائشة» فهبط جبريل فقال «الله يقرؤك السلام هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة وقلبه نقي يقول يا رب فأقول لبيك فأقضي حاجته» وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وروى ابن مردويه من حديث الكلبي عن أبي صالح, عن ابن عباس, حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ} الاَية, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اللهم أمرت بالدعاء وتوكلت بالإجابة, لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك, لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك, أشهد أنك فرد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد, وأشهد أن وعدك حق, ولقاءك حق, والجنة حق, والنار حق, والساعة آتية لا ريب فيها, وأنت تبعث من في القبور». وقال الحافظ أبو بكر البزار: وحدثنا الحسن بن يحيى الأزدي ومحمد بن يحيى القطعي, قالا: حدثنا الحجاج بن منهال, حدثنا صالح المدي عن الحسن, عن أنس, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى يا ابن آدم واحدة لك واحدة لي وواحدة فيما بيني وبينك, فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فما عملت من شيء وفيتكه وأما الذي بيني وبينك, فمنك الدعاء وعلي الإجابة», وفي ذكره تعالى هذه الاَية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام, إرشاد إلى اجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة, بل وعند كل فطر, كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا أبو محمد المليكي عن عمرو, هو ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو, عن أبيه, عن جده عبد الله بن عمرو, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة, فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا, وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه: حدثنا هشام بن عمار, أخبرناالوليد بن مسلم عن إسحاق بن عبد الله المدني, عن عبيد الله بن أبي مليكة, عن عبد الله بن عمرو, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» قال عبيد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي, وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل, والصائم حتى يفطر, ودعوة المظلوم, يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء, يقول بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين». == أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَىَ نِسَآئِكُمْ هُنّ لِبَاسٌ لّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لّهُنّ عَلِمَ اللّهُ أَنّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالاَنَ بَاشِرُوهُنّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ
هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين, ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام, فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك, فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة, فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة, والرفث هنا هو الجماع, قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والحسن وقتادة والزهري والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان, وقوله {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان: يعني هن سكن لكم وأنتم سكن لهن, وقال الربيع بن أنس: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن, وحاصله: أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الاَخر ويماسه ويضاجعه, فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا, قال الشاعر:
إذا ما الضجيع ثنى جيدهاتداعت فكانت عليه لباسا
وكان السبب في نزول هذه الاَية كما تقدم في حديث معاذ الطويل, وقال أبو إسحاق عن البراء بن عازب, كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها, وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً وكان يومه ذلك يعمل في أرضه, فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام ؟ قالت: لا, ولكن أنطلق فأطلب لك, فغلبته عينه فنام, وجاءت امرأته, فلما رأته نائماً قالت: خيبة لك أنمت ؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاَية {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ـ إلى قوله ـ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ففرحوا بها فرحاً شديداً, ولفظ البخاري ههنا من طريق أبي إسحاق سمعت البراء, قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله, وكان رجال يخونون أنفسهم, فينزل الله {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم} وقال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء, حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة, ثم إن أناساً من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء, منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالاَن باشروهن} الاَية, وكذا روى العوفي عن ابن عباس, وقال موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس, قال: إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم, يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء, فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة, فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله, ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال: «وما صنعت» ؟ قال: إني سولت لي نفسي, فوقعت على أهلي بعد ما نمت, وأنا أريد الصوم, فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما كنت خليقاً أن تفعل» فنزل الكتاب {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} وقال سعد بن أبي عروبة عن قيس بن سعد, عن عطاء بن أبي رباح, عن أبي هريرة في قول الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ـ إلى قوله ـ ثم أتموا الصيام إلى الليل} قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الاَية إذا صلوا العشاء الاَخرة, حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا, وأن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء, وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه بعد صلاة المغرب, فنام ولم يشبع من الطعام, ولم يستقيظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء, فقام فأكل وشرب, فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك, فأنزل الله عند ذلك {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم} يعني بالرفث مجامعة النساء {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} يعني تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء {فتاب عليكم وعفا عنكم فالاَن باشرون} يعني جامعوهن {وابتغوا ما كتب الله لكم} يعني الولد {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} فكان ذلك عفواً من الله ورحمة, وقال هشيم عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, قال: قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقال: يا رسول الله, إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله, فقالت: إنها قد نامت فظننتها تعتل فواقعتها, فنزل في عمر {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} وهكذا رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى به, وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى, حدثنا سويد, أخبرنا ابن المبارك, عن أبي لهيعة, حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة, أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد, فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده, فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: إني قد نمت, فقال: ما نمت, ثم وقع بها, وصنع كعب بن مالك مثل ذلك, فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالاَن باشروهن} الاَية, وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغيرهم في سبب نزول هذه الاَية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع, وفي صرمة بن قيس, فأباح الجماع والطعام الشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقاً.
وقوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم} قال أبو هريرة وابن عباس وأنس وشريح القاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم: يعني الولد: وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وابتغوا ما كتب الله لكم} يعني الجماع, وقال عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس {وابتغوا ما كتب الله لكم} قال: ليلة القدر, رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر, قال: قال قتادة: ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم, يقول: ما أحل الله لكم, وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن ابي رباح, قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الاَية {وابتغوا ما كتب الله لكم} ؟ قال: أيتهما شئت, عليك بالقراءة الأولى, واختار ابن جرير أن الاَية أعم من هذا كله.
و قوله {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} أباح تعالىَ الأكل والشرب مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل, وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الاَسود, ورفع اللبس بقوله {من الفجر} كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني ابن أبي مريم, حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف, حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد, قال: أنزلت {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود, فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما, فأنزل الله بعد {من الفجر} فعلموا أنه يعني الليل والنهار. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشام, أخبرنا حصين عن الشعبي, أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الاَية {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} عدت إلى عقالين: أحدهما أسود والاَخر أبيض, قال: فجعلتهما تحت وسادتي, قال: فجعلت أنظر إليهما, فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت, فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله فأخبرته بالذي صنعت, فقال «إن وسادك إذا لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل» أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن عدي, ومعنى قوله: إن وسادك إذا لعريض, أي إن كان ليسع الخيطين: الخيط الأسود والأبيض المرادين من هذه الاَية تحتها, فإنهما بياض النهار وسواد الليل, فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب, وهكذا وقع في رواية البخاري مفسراً بهذا, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا أبو عوانة عن حصين, عن الشعبي, عن عدي, قال: أخذ عدي عقالاً أبيض وعقالاً أسود, حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا, فلما أصبح قال يا رسول الله جعلت تحت وسادتي, قال «إن وسادك إذا لعريض, إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك» وجاء في بعض الألفاظ «إنك لعريض القفا» ففسره بعضهم بالبلادة, وهو ضعيف, بل يرجع إلى هذا لأنه إذا كان وساده عريضاً فقفاه أيضاً عريض, والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضاً حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن مطرف عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود, أهما الخيطان ؟ قال: «إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين, ثم قال: لا بل هو سواد الليل وبياض النهار».
وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل عى استحباب السحور لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب, ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحث على السحور ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تسحروا فإن في السحور بركة» وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» وقال الإمام أحمد, حدثنا إسحاق بن عيسى هو ابن الطباع, حدثنا عبد الرحمن بن زيد عن أبيه, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «السحور أكلة بركة فلا تدعوه, ولو أن أحدكم تجرع جرعة ماء, فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة ماء تشبهاً بالاَكلين, ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر, كما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك, عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة, قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الاَذان والسحور ؟ قال: قدر خمسين آية. وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود, حدثنا ابن لهيعة, عن سالم بن غيلان, عن سليمان بن أبي عثمان, عن عدي بن حاتم الحمصي, عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور» وقد ورد أحاديث كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه الغذاء المبارك, وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة, عن عاصم بن بهدلة, عن زر بن حبيش عن حذيفة, قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان النهار إلاَ أن الشمس لم تطلع, وهو حديث تفرد به عاصم بن أبي النجود, قاله النسائي, وحمله على أن المراد قرب النهار, كما قال تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهن بمعروف} أي قاربن انقضاء العدة فإما إمساك بمعروف أو ترك للفراق, وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر, حتى أن بعضهم ظن طلوعه وبعضهم لم يتحقق ذلك, وقد روى عن طائفة كثيرة من السلف, أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر, روي مثل هذا عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت, وعن طائفة كثيرة من التابعين منهم محمد بن علي بن الحسين وأبو مجلز وإبراهيم النخعي وأبو الضحى وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء والحسن والحاكم بن عيينة ومجاهد وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد, وإليه ذهب الأعمش وجابر بن راشد, وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد, ولله الحمد, وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها. (قلت) وهذا القول ما أظن أحداً من أهل العلم يستقر له قدم عليه, لمخالفته نص القرآن في قوله {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم, فإنه ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» لفظ البخاري, وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود, حدثنا محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال» ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكن المعترض الأحمر» ورواه الترمذي ولفظهما «كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا شعبة عن شيخ من بني قشير, سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر», ثم رواه من حديث شعبة وغيره, عن سواد بن حنظلة, عن سمرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكنه الفجر المستطير في الأفق», قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا بن علية عند عبد الله بن سوادة القشيري عن أبيه, عن سمرة بن جندب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض ـ لعمود الصبح ـ حتى يستطير» رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب, عن إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية مثله سواء, وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا ابن المبارك عن سليمان التيمي, عن أبي عثمان النهدي, عن ابن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره, أو قال نداء بلال, فإن بلالاً يؤذن بليل أو قال ينادي لينبه نائمكم وليرجع قائمكم, وليس الفجر أن يقول هكذا وهكذا حتى يقول هكذا», ورواه من وجه آخر عن التيمي به, وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي حدثني أبو أسامة عن محمد بن أبي ذئب, عن الحارث بن عبد الرحمن, عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان, وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام» وهذا مرسل جيد وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران, فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئاً, ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب, وقال عطاء فأما إذا سطع سطوعاً في السماء, وسطوعه أن يذهب في السماء طولاً, فإنه لا يحرم به شراب الصائم ولا صلاة ولا يفوت به الحج, ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال, حرم الشراب للصيام وفات الحج, وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء, وهكذا روي عن غير واحد من السلف رحمهم الله.
(مسألة) ومن جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام يستدل على أنه من أصبح جنباً فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه, وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفاً وخلفاً, لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أنهما قالتا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي, وفي صحيح مسلم عن عائشة, أن رجلاً قال: يا رسول الله, تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» فقال: لست مثلنا يارسول الله, فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, فقال «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر, عن همام, عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه قال «إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ» فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين كما ترى, وهو في الصحيحين عن أبي هريرة, عن الفضل بن عباس, عن النبي صلى الله عليه وسلم, وفي سنن النسائي عنه عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس ولم يرفعه: فمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا, ومنهم من ذهب إليه, ويحكى هذا عن أبي هريرة وسالم وعطاء وهشام بن عروة والحسن البصري, ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنباً نائماً فلا عليه, لحديث عائشة وأم سلمة, أومختاراً فلا صوم له, لحديث أبي هريرة, يحكى هذا عن عروة وطاوس والحسن, ومنهم من فرق بين الفرض فيتم فيقضيه, وأما النفل فلا يضره, رواه الثوري عن منصور, عن إبراهيم النخعي وهو رواية عن الحسن البصري أيضاً, ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأم سلمة, ولكن لا تاريخ معه, وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الاَية وهو بعيد أيضاً إذ لا تاريخ بل الظاهر من التاريخ خلافه, ومنهم من حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال فلاصوم له, لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز, وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمعها, والله أعلم. {ثم أتموا الصيام إلى الليل} يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكماً شرعياً, كما جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أقبل الليل من ههنا, وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم» وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» أخرجاه, وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم, حدثنا الأوزاعي, حدثنا قرة بن عبد الرحمن عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «يقول الله عز وجل إن أحب عبادي إليّ أعجلهم فطراً» ورواه الترمذي من غير وجه عن الأوزاعي به, وقال: هذا حديث حسن غريب, وقال أحمد أيضاً: حدثنا عفان, حدثنا عبيد الله بن إياد, سمعت إياد بن لقيط, سمعت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت أردت أن أصوم يومين مواصلة, فمنعني بشير وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال «يفعل ذلك النصارى, ولكن صوموا كما أمركم الله {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فإذا كان الليل فأفطروا» ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال وهو أن يصل يوماً بيوم ولا يأكل بينهما شيئاً, قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تواصلوا» قالوا: يارسول الله إنك تواصل, قال «فإني لست مثلكم إني أبيت يطمعني ربي ويسقيني» قال: فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين وليلتين ثم رأوا الهلال, فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمنكل لهم, وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به, وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر, وعن عائشة رضي الله عنهما, قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم, فقالوا: إنك تواصل, قال: «إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني» فقد ثبت النهي عنه من غير وجه وثبت أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يقوى على ذلك ويعان, والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنوياً لا حسياً, وإلا فلا يكون مواصلاً مع الحسي, ولكن كما قال الشاعر:
لها أحاديث من ذكراك تشغلهاعن الشراب وتلهيها عن الزاد
وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك, كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» قالوا: فإنك تواصل يارسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «إني لست كهيئتكم, إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني» أخرجاه في الصحيحين أيضاً, وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا أبو نعيم, حدثنا أبو إسرائيل العبسي عن أبي بكر بن حفص, عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة: أنها مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فدعاها إلى الطعام, فقالت: إني صائمة, قال: وكيف تصومين. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال: أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر» وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا إسرائيل عن عبد الأعلى, عن محمد بن علي, عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل من السحر إلى السحر, وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف: أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة, وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة, والله أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد من باب الشفقة, كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم, فكان ابن الزبير وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه, لأنهم كانوا يجدون قوة عليه, وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر لئلا تتخرق الأمعاء بالطعام أولاً, وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم, وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار, فإذا جاء بالليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل. قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان, فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلاً أو نهاراً حتى يقضي اعتكافه وقال الضحاك كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء, فقال الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره. وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الاَية, قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود ومحمد بن كعب ومجاهد وعطاء والحسن وقتادة والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل, قالوا: لا يقربها وهو معتكف وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفاً في مسجده, ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط او الأكل, وليس له أن يقبل امرأته ولا أن يضمها إليه, ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه, ولا يعود المريض لكن يسأل عنه وهو مار في طريقه, وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها, منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ومنها ما هو مختلف فيه, وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام, ولله الحمد والمنة, ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم, فإنه نبه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره تعالى, الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام, كما ثبتت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عز وجل, ثم اعتكف أزواجه من بعده, أخرجاه من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها, وفي الصحيحين ان صفية بنت حيي كانت تزور النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد, فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها, وكان ذلك ليلاً, فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليمشي معها حتى تبلغ دارها, وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة, فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار, فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا, وفي رواية: تواريا, أي حياء من النبي صلى الله عليه وسلم لكون أهله معه, فقال لهما صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما إنها صفية بنت حيي» أي لا تسرعا واعلما أنها صفية بنت حيي أي زوجتي, فقالا: سبحان الله يا رسول الله, فقال صلى الله عليه وسلم «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم, وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً, أو قال: شراً» قال الشافعي رحمه الله: أراد عليه السلام أن يعلم أمته التبري من التهمة في محلها, لئلا يقعا في محذور, وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً, والله أعلم, ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك, فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به, فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض, وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان, قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت, فما أسأل عنه, إلا وأنا مارة, وقوله {تلك حدود الله} أي هذا الذي بيناه وفرضناه وحددناه من الصيام وأحكامه وما أبحنا فيه وما حرمنا وذكرنا غاياته ورخصه وعزائمه, حدود الله أي شرعها الله وبينها بنفسه, فلا تقربوها أي لا تجاوزوها وتتعدوها, وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله {تلك حدود الله} أي المباشرة في الاعتكاف, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني هذه الحدود الأربعة, ويقرأ {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ـ حتى بلغ ـ ثم أتموا الصيام إلى الليل} قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا: {كذلك يبين الله آياته للناس} أي كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم {للناس لعلهم يتقون} أي يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون, كما قال تعالى: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم}.
** وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مّنْ أَمْوَالِ النّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة, فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه, وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام, وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم, وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «ألا إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له, فمن قضيت له بحق مسلم, فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها» فدلت هذه الاية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر, فلا يحل في نفس الأمر حراماً هو حرام, ولا يحرم حلالاً هو حلال وإنما هو ملزم في الظاهر, فإن طابق في نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره, ولهذا قال تعالى: {ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} أي تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم, قال قتادة: اعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يحل لك حراماً ولا يحق لك باطلاً, وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود, والقاضي بشر يخطىء ويصيب, واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة, فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا.
** يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنِ اتّقَىَ وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ
قال العوفي عن ابن عباس: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة, فنزلت هذه الاَية {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم ووقت حجهم, وقال أبو جعفر عن الربيع, عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم خلقت الأهلة ؟ فأنزل الله {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت} يقول جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعدة نسائهم ومحل دينهم, كذا روي عن عطاء والضحاك وقتادة والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك¹ وقال عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «جعل الله الأهلة مواقيت للناس, فصوموا لرؤيته, وأفطروا لرؤيته, فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً» ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن أبي رواد به, وقال: كان ثقة عابداً مجتهداً شريف النسب فهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه, وقال محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه, قال: قال رسول الله: «جعل الله الأهلة, فإذا رأيتم الهلال فصوموا, وإذا رأيتموه فأفطروا, فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» وكذا روي من حديث أبي هريرة ومن كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقوله {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن البراء, قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية, أتوا البيت من ظهره فأنزل الله {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة, عن أبي إسحاق, عن البراء, قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفرهم, لم يدخل الرجل من قبل بابه, فنزلت هذه الاَية, وقال الأعمش, عن أبي سفيان, عن جابر: كانت قريش تدعى الحمس, وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام, وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام, فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان, إذ خرج من بابه, وخرج معه قطبة بن عامر من الأنصار فقالوا: يا رسول الله, إن قطبة بن عامر رجل تاجر, وإنه خرج معك من الباب, فقال له: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: رأيتك فعلته, ففعلت كما فعلت, فقال: إني أحمس, قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} رواه ابن أبي حاتم, ورواه العوفي عن ابن عباس بنحوه, وكذا روي عن مجاهد والزهري وقتادة وإبراهيم النخعي والسدي والربيع بن أنس, وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً, وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له, ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره, لم يدخل البيت من بابه ولكن يتسوره من قبل ظهره, فقال الله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} الاَية, وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت, فأنزل الله هذه الاَية, وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها, ويرون أن ذلك أدنى إلى البر, فقال الله {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} ولا يرون أن ذلك أدنى إلى البر وقوله: {واتقوا الله لعلكم تفلحون} أي اتقوا الله, فافعلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه {لعلكم تفلحون} غداً إذا وقفتهم بين يديه فيجازيكم على التمام والكمال. === وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّىَ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ فَإِنِ انْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ
قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية في قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة, فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله, ويكف عمن كف عنه, حتى نزلت سورة براءة, وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, حتى قال: هذه منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وفي هذا نظر, لأن قوله {الذين يقاتلونكم} إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله, أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم, كما قال: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} ولهذا قال في الاَية: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي لتكون همتكم منبعثة على قتالهم, كما ههمتهم منبعثة على قتالكم, وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصاً. وقوله: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} أي قاتلوا في سبيل الله, ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي, كما قاله الحسن البصري: من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ, الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم, والرهبان وأصحاب الصوامع, وتحريق الأشجار, وقتل الحيوان لغير مصلحة, كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم, ولهذا جاء في صحيح مسلم, عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اغزوا في سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله, اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع» رواه الإمام أحمد وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال «اخرجوا باسم الله قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله لا تعتدوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع» رواه الإمام أحمد, ولأبي داود عن أنس مرفوعاً نحوه, وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة, فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان. وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام, حدثنا الأحلج عن قيس بن أبي مسلم, عن ربعي بن حراش, قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالاً واحداً وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة, وأحد عشر, فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلاً وترك سائرها, قال «إن قوماً كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة, فأظهر الله أهل الضعف عليهم, فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم, فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة» هذا حديث حسن الإسناد, ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم فيما لا يليق بهم, أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء, والأحاديث والاَثار في هذا كثيرة جداً. ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال, نبه تعالى على أن ماهم مشتملون عليه من الكفر بالله والشرك به والصد عن سبيله, أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل, ولهذا قال: {والفتنة أشد من القتل} قال أبو مالك: أي ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل. ولهذا قال: {والفتنة أشد من القتل}, يقول الشرك أشد من القتل, وقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} كما جاء في الصحيحين «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة, ولم يحل إلا ساعة من نهار وإنها ساعتي هذه, حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة, لا يعضد شجره ولا يختلي خلاه, فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم», يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهله يوم فتح مكة, فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم عند الخندمة, وقيل صلحاً لقوله «من أغلق بابه فهو آمن, ومن دخل المسجد فهو آمن, ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» وقوله: {حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} يقول تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه, فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعاً للصائل, كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال, لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ, ثم كف الله القتال بينهم فقال {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} وقال {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء, لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} وقوله: {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} أي فإن تركوا القتال في الحرم وأنابوا إلى الإسلام والتوبة, فإن الله يغفر ذنوبهم ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه, ثم أمر الله بقتال الكفار {حتى لا تكون فتنة}, أي شرك قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن حيان والسدي وزيد بن أسلم {ويكون الدين لله} أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان, كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء, أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» وفي الصحيحين «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
وقوله: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} يقول تعالى فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم, فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على الظالمين, وهذا معنى قول مجاهد أن لا يقاتل إلا من قاتل أو يكون تقديره فإن انتهوا تخلصوا من الظلم وهو الشرك, فلا عدوان عليهم بعد ذلك, والمراد بالعدوان ههنا المعاقبة والمقاتلة كقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله, وقال البخاري: قوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} الاَية, حدثنا محمد بن بشار, حدثنا عبد الوهاب حدثنا عبيد الله عن نافع, عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج ؟ فقال يمنعني أن الله حرم دم أخي, قالا: ألم يقل الله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله, وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة, وحتى يكون الدين لغير الله, وزاد عثمان بن صالح عن ابن وهب, أخبرني فلان وحيوة بن شريح عن بكر بن عمر المغافري, أن بكير بن عبد الله حدثه عن نافع, أن رجلاً أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاماً وتقيم عاماً وتترك الجهاد في سبيل الله عز وجل, وقد علمت ما رغب الله فيه ؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله والصلوات الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحج البيت. قالوا: يا أبا عبد الرحمن, ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه, {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما, فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} قال فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلاً, فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه, حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة, قال فما قولك في علي وعثمان ؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه, وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه, وأما علي فابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه, فأشار بيده, فقال: هذا بيته حيث ترون.
** الشّهْرُ الْحَرَامُ بِالشّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ
قال عكرمة: عن ابن عباس والضحاك والسدي وقتادة ومقسم والربيع بن أنس وعطاء وغيرهم, لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم, معتمراً في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت وصدوه بمن معه من المسلمين, في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل, فدخلها في السنة الاَتية هو ومن كان من المسلمين, وأقصه الله منهم, فنزلت في ذلك هذه الاَية {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله, قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام, إلا أن يغزى وتغزوا, فإذا حضره أقام حتى ينسلخ. هذا إسناد صحيح: ولهذا لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم, وهو مخيم بالحديبية أن عثمان قتل, وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين, بايع أصحابه وكانوا ألفاً وأربعمائة تحت الشجرة, على قتال المشركين, فلما بلغه أن عثمان لم يقتل, كف عن ذلك وجنح إلى المسالمة والمصالحة, فكان ما كان. وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين, وتحصن فلهم بالطائف, عدل إليها فحاصرها, ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق, واستمر عليه إلى كمال أربعين يوماً كما ثبت في الصحيحين عن أنس, فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح, ثم كر راجعاً إلى مكة واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين, وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضاً, عام ثمان صلوات الله وسلامه عليه وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} أمر بالعدل حتى في المشركين, كما قال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} وقال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} وروى علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس أن قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}, نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد, ثم نسخ بآية القتال بالمدينة, وقد رد هذا القول ابن جرير, وقال: بل الاَية مدنية بعد عمرة القضية وعزا ذلك إلى مجاهد رحمه الله, وقوله: {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} أمر لهم بطاعة الله وتقواه, وإخباره بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والاَخرة.
** وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ
قال البخاري: حدثناإسحاق أخبرنا النضر, أخبرنا شعبة عن سليمان, سمعت أبا وائل عن حذيقة {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: نزلت في النفقة, ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح عن أبي معاوية عن الأعمش به, مثله قال وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك, وقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه, ومعنا أبو أيوب الأنصاري, فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة, فقال أبو أيوب نحن أعلم بهذه الاَية, إنما نزلت فينا, صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه, فلما فشا الإسلام وظهر, اجتمعنا معشر الأنصار نجياً فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره, حتى فشا الإسلام وكثر أهله, وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد, وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا, فنقيم فيهما, فنزل فينا {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}, فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد, في تفسيره, وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده, وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه, كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به, وقال الترمذي حسن صحيح غريب, وقال الحاكم على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر, وعلى أهل الشام رجل يُريدُ فضالة بن عبيد, فخرج من المدينة صف عظيم من الروم, فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم, ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه, فقالوا سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب: يا أيها الناس, إنكم لتتأولون هذه الاَية على غير التأويل وإنما نزلت فينا معشر الأنصار, إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه, قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فاصلحناها, فأنزل الله هذه الاَية, وقال أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق السبيعي, قال: قال رجل للبراء بن عازب, إن حملت على العدو وحدي فقتلوني, أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة ؟ قال: لا, قال الله لرسوله: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} وإنما هذه في النفقة, رواه ابن مردويه وأخرجه الحاكم في مستدركه, من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق به, وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه, ورواه الترمذي وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن البراء, فذكره وقال بعد قوله {لا تكلف إلا نفسك}, ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو صالح, كاتب الليث, حدثني الليث, حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي بكر ابن نمير بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عبد الرحمن الأسود بن عبد يغوث, أخبره أنهم حاصروا دمشق فانطلق رجل من أزد شنوءة, فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل, فعاب ذلك عليه المسلمون, ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص, فأرسل إليه عمرو فرده, وقال عمرو: قال الله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}, وقال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, في قوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}, قال: ليس ذلك في القتال, إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة, قال حماد بن سلمة, عن داود, عن الشعبي عن الضحاك بن أبي جبير, قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم, فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله, فنزلت: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وقال الحسن البصري {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: هو البخل, وقال سماك بن حرب عن النعمان بن بشير, في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}, أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي, فأنزل الله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} رواه ابن مردويه, وقال ابن أبي حاتم, وروي عن عبيدة السلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك, يعني نحو قول النعمان بن بشير, أنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له, فيلقي بيده إلى التهلكة, أي يستكثر من الذنوب فيهلك. ولهذا روى علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: التهلكة عذاب الله, وقال ابن أبي حاتم وابن جرير, جميعاً حدثنا يونس حدثنا ابن وهب, أخبرني أبو صخر عن القرظي محمد بن كعب, أنه كان يقول في هذه الاَية: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: كان القوم في سبيل الله, فيتزود الرجل, فكان أفضل زاداً من الاَخر, أنفق البائس من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء, أحب أن يواسي صاحبه فأنزل الله {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}, وقال ابن وهب أيضاً: أخبرني عبد الله بن عياش عن زيد بن أسلم في قول الله {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وذلك أن رجالاً يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم, بغير نفقة, فإما أن يقطع بهم وإما كانوا عيالاً, فأمرهم الله أن يستنفقوا من المشي. وقال لمن بيده فضل {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}. ومضمون الاَية الأمر بالإنفاق في سبيل الله, في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات, وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء, وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم, والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده, ثم عطف بالأمر بالإحسان, وهو أعلى مقامات الطاعة, فقال: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.
** وَأَتِمّواْ الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتّىَ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مّن رّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
لما ذكر تعالى أحكام الصيام, وعطف بذكر الجهاد, شرع في بيان المناسك فأمر بإتمام الحج والعمرة, وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما, ولهذا قال بعده: فإن أحصرتم, أي صددتم عن الوصول إلى البيت, ومنعتم من إتمامهما, ولهذا اتفق العلماء, على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم, سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها, كما هما قولان للعلماء, وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا الأحكام, مستقصى ولله الحمد والمنة, وقال شعبة: عن عمرو بن مرة, عن عبد الله بن سلمة, عن علي أنه قال في هذه الاَية: {وأتموا الحج والعمرة لله}, قال: أن تحرم من دويرة أهلك, وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس, وعن سفيان الثوري أنه قال في هذه الاَية: إتمامها أن تحرم من أهلك, لا تريد إلا الحج والعمرة وتهل من الميقات, ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة, حتى إذا كنت قريباً من مكة, قلت لو حججت أو أعمرت, وذلك يجزيء, ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره, وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعاً من الميقات, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري, قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله {وأتموا الحج والعمرة لله} من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الاَخر, وأن تعتمر في غير أشهر الحج, إن الله تعالى يقول: الحج أشهر معلومات, وقال هشام عن ابن عون: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة, فقيل له: فالعمرة في المحرم ؟ قال: كانوا يرونها تامة, وكذا روي عن قتادة بن دعامة رحمهما الله, وهذا القول فيه نظر لأنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, اعتمر أربع عمر, كلها في ذي القعدة, عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست, وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع, وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معاً في ذي القعدة سنة عشر وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته, ولكن قال لأم هانىء: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي», وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه عليه السلام, فاعتاقت عن ذلك بسبب الطهر, كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها, والله أعلم.
وقال السدي في قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} أي أقيموا الحج والعمرة, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله}, يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل, حتى يتمهما تمام الحج, يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة, وطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل. وقال قتادة عن زرارة, عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة, والعمرة الطواف, وكذا روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة في قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله}, قال: هي قراءة عبد الله وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لا يجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير, فقال كذلك قال ابن عباس. وقال سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أنه قال: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت, وكذاروى الثوري أيضاً, عن إبراهيم عن منصور عن إبراهيم, أنه قرأ: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. وقرأ الشعبي: {وأتموا الحج والعمرة لله} برفع العمرة, وقال: ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك, وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة, عن أنس وجماعة من الصحابة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, جمع في إحرامه بحج وعمرة, وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: «من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة», وقال في الصحيح أيضاً: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الاَية حديثاً غريباً, فقال: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا أبو عبد الله الهروي, حدثنا غسان الهروي, حدثنا إبراهيم ابن طهمان, عن عطاء عن صفوان بن أمية, أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم متضمخ بالزعفران, عليه جبة, فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي قال: فأنزل الله {وأتموا الحج والعمرة لله} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أين السائل عن العمرة» ؟ فقال: ها أنا ذا, فقال له «ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ما استطعت, ثم ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك» هذا حديث غريب وسياق عجيب, والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة, فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم جاءه الوحي ثم رفع رأسه فقال: أين السائل ؟ فقال ها أنا ذا, فقال «أما الجبة فانزعها, وأما الطيب الذي بك فاغسله, ثم ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك» ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق, ولا ذكر نزول هذه الاَية, وهو عن يعلى بن أمية لا صفوان بن أمية, فالله أعلم.
وقوله {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ذكروا أن هذه الاَية نزلت في سنة ست, أي عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الوصول إلى البيت, وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها, وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي, وكان سبعين بدنة, وأن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا من إحرامهم, فعند ذلك أمرهم عليه السلام أن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا, فلم يفعلوا انتظاراً للنسخ, حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس, وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه, فلذلك قال صلى الله عليه وسلم «رحم الله المحلقين» قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟ فقال في الثالثة «والمقصرين», وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة, وكانوا ألفاً وأربعمائة, وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم, وقيل بل كانوا على طرف الحرم, فالله أعلم, ولهذا اختلف العلماء: هل يختص الحصر بالعدو فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره على قولين, فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري, حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس, وابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس, وابن أبي نجيح عن ابن عباس, أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو, فأما من أصابه مرض أو وضع أو ضلال فليس عليه شيء, إنما قال الله تعالى: {فإذا أمنتم} فليس الأمن حصراً, قال: وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك, والقول الثاني: إن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال, وهو التوهان عن الطريق أو نحو ذلك, قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا حجاج بن الصواف عن يحيى بن أبي كثير, عن عكرمة, عن الحجاج بن عمرو الأنصاري, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من كسر أو وجع أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى» قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق, وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به, وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: من عرج أو كسر أو مرض, فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة, عن إسماعيل بن علية, عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف به, ثم قال: وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حيان الإحصار من عدو أو مرض أو كسر وقال الثوري الإحصار من كل شيء آذاه وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب, فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية, فقال «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني» ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله, فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث, وقد علق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث, قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد صح ولله الحمد.
وقوله {فما استيسر من الهدي} قال الإمام مالك: عن جعفر بن محمد عن أبيه, عن علي بن أبي طالب, أنه كان يقول: {فما استيسر من الهدي} شاة, وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن, وقال الثوري عن حبيب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله {فما استيسر من الهدي} قال: شاة, وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وأبو العالية ومحمد بن علي بن الحسين وعبد الرحمن بن القاسم والشعبي والنخعي والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم: مثل ذلك, وهو مذهب الأئمة الأربعة, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر. قال: وروي عن سالم والقاسم وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير نحو ذلك (قلت) والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية, فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة, وإنما ذبحوا الإبل والبقر, ففي الصحيحين عن جابر, قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الابل والبقر كل سبعة منا في بقرة, وقال عبد الرزاق: أخبرنامعمر عن ابن طاوس عن أبيه, عن ابن عباس في قوله {فما استيسر من الهدي} قال: بقدر يسارته, وقال العوفي, عن ابن عباس: إن كان موسراً فمن الإبل, وإلا فمن البقر, وإلا فمن الغنم. وقال هشام بن عروة عن أبيه {فما استيسر من الهدي} قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء, والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي أي مهما تيسر مما يسمى هدياً, والهدي من بهيمة الأنعام, وهي الإبل والبقر والغنم, كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة غنماً.
وقوله {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} معطوف على قوله {وأتموا الحج والعمرة لله} وليس معطوفاً على قوله {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} كما زعمه ابن جرير رحمه الله, لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم, حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم, فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق {حتى يبلغ الهدي محله} ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارناً, أو من فعل أحدهما إن كان منفرداً أو متمتعاً, كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله, ما شأن الناس حلوا من العمرة, ولم تحل أنت من عمرتك ؟ فقال «إني لبدت رأسي وقلدت هديي, فلا أحل حتى أنحر».
وقوله {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} قال البخاري: حدثنا آدم, حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني, سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ فسألته عن فدية من صيام, فقال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم, والقمل يتناثر على وجهي, فقال «ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا, أما تجد شاة» ؟ قلت: لا, قال: «صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين, لكل مسكين نصف صاع من طعام, واحلق رأسك» فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل, حدثنا أيوب عن مجاهد, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن كعب بن عجرة, قال: أتى عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أُوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي, أو قال حاجبي, فقال «يؤذيك هوام رأسك» ؟ قلت: نعم, قال «فاحلقه, وصم ثلاثة أيام, أو أطعم ستة مساكين, أو أنسك نسيكة» قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ, وقال أحمد أيضاً: حدثنا هشيم, حدثنا أبو بشر عن مجاهد, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن كعب بن عجرة, قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون وقد حصره المشركون, وكانت لي وفرة, فجعلت الهوام تساقط على وجهي, فمر عليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أيؤذيك هوام رأسك» ؟ فأمره أن يحلق قال: ونزلت هذه الاَية {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} وكذا رواه عفان عن شعبة عن أبي بشر وهو جعفر بن إياس به, وعن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به¹ وعن شعبة عن داود عن الشعبي عن كعب بن عجرة نحوه¹ ورواه الإمام مالك عن حميد بن قيس, عن مجاهد, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن كعب بن عجرة, فذكره نحوه, وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبان بن صالح, عن الحسن البصري: أنه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة, ورواه ابن مردويه, وروي أيضاً من حديث عمر بن قيس وهو ضعيف عن عطاء عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «النسك شاة, والصيام ثلاثة أيام, والطعام فرق بين ستة» وكذا روي عن علي ومحمد بن كعب وعكرمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والسدي والربيع بن أنس, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن عبد الكريم بن مالك الجزري, عن مجاهد, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآذاه القمل في رأسه, فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه, وقال: «صم ثلاثة أيام, أو أطعم ستة مساكين, مدين مدين لكل إنسان, أو أنسك شاة, أي ذلك فعلت أجزأ عنك» وهكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} قال: إذا كان أو فأيه أخذت أجزأ عنك, قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والحسن وحميد الأعرج وإبراهيم والنخعي والضحاك نحو ذلك. (قلت) وهو مذهب الأئمة الأربعة, وعامة العلماء أنه يخير في هذا المقام, إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق, وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان, وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أيّ ذلك فعل أجزأه, ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك, أرشده إلى الأفضل فالأفضل, فقال: أنسك شاة, أو أطعم ستة مساكين, أو صم ثلاثة أيام, فكل حسن في مقامه, ولله الحمد والمنة. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا أبو بكر بن عياش, قال: ذكر الأعمش, قال: سأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الاَية {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} فأجابه بقول يحكم عليه طعام, فإن كان عنده اشترى شاة, وإن لم يكن قومت الشاة دراهم وجعل مكانها طعام فتصدق, وإلا صام لكل نصف صاع يوماً, قال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر, قال: لما قال لي سعيد بن جبير: من هذا ما أظرفه ؟ قال: قلت: هذا إبراهيم, فقال: ما أظرفه كان يجالسنا, قال: فذكرت ذلك لإبراهيم قال: فلما قلت: يجالسنا انتفض منها, وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن أبي عمران, حدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه, عن أشعث, عن الحسن في قوله {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه, حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء, والصيام عشرة أيام, والصدقة على عشرة مساكين, كل مسكين مكوكين: مكوكاً من تمر, ومكوكاً من بر, والنسك شاة, وقال قتادة عن الحسن وعكرمة في قوله {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} قال: إطعام عشرة مساكين, وهذان القولان من سعيد بن جبير وعلقمة والحسن وعكرمة, قولان غريبان فيهما نظر, لأنه قد ثبتت السنة في حديث كعب بن عجرة الصيام ثلاثة أيام لا ستة, أو إطعام ستة مساكين, أو نسك شاة, وأن ذلك على التخيير كما دل عليه سياق القرآن, وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص القرآن وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا, والله أعلم. وقال هشام: أخبرنا ليث عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو طعام فبمكة, وما كان من صيام فحيث شاء, وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن, وقال هشام: أخبرنا حجاج وعبد الملك وغيرهما عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دم فبمكة, وما كان من طعام وصيام فحيث شاء, وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد عن يعقوب بن خالد, أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفر, قال: حج عثمان بن عفان ومعه علي والحسين بن علي فارتحل عثمان, قال أبو أسماء وكنت مع ابن جعفر فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه, قال: فقلت: أيها النائم, فاستيقظ فإذا الحسين بن علي, قال: فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا, قال: فأرسل إلي علي ومعه أسماء بنت عميس, قال: فمرضناه نحواً من عشرين ليلة, قال: قال علي للحسين ما الذي تجد ؟ قال: فأومأ بيده إلى رأسه, قال: فأمر به علي فحلق رأسه, ثم دعا ببدنة فنحرها فإن كانت هذه الناقة عن الحلق, ففيه أنه نحرها دون مكة. وإن كانت عن التحلل فواضح.
وقوله {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} أي فإذا تمكنتم من أداء المناسك فمن كان منكم متمتعاً بالعمرة إلى الحج, وهو يشمل من أحرم بهما, أو أحرم بالعمرة أولاً, فلما فرغ منها أحرم بالحج, وهذا هو التمتع الخاص, وهو المعروف في كلام الفقهاء, والتمتع العام يشمل القسمين, كما دلت عليه الأحاديث الصحاح, فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر يقول: قرن ولا خلاف أنه ساق هدياً, وقال تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} أي فليذبح ما قدر عليه من الهدي, وأقله شاة, وله أن يذبح البقر, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر, وقال الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح البقر عن نسائه وكن متمتعات, رواه أبو بكر بن مردويه, وفي هذا دليل على مشروعية التمتع, كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين, قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم لم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها, حتى مات, قال رجل برأيه ما شاء. قال البخاري يقال إنه عمر, وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحاً به أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إن نأخذ بكتاب الله يأمر بالتمام, يعني قوله {وأتموا الحج والعمرة لله} وفي نفس الأمر لم يكن عمر رضي الله عنه ينهى عنها محرماً لها, إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين, كما قد صرح به رضي الله عنه. وقوله {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} يقول تعالى: فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج, أي في أيام المناسك, قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل عرفة في العشر, قاله, عطاء, أو من حين يحرم قاله ابن عباس وغيره لقوله في الحج, ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال, قاله طاوس ومجاهد وغير واحد, وجوز الشعبي صيام يوم عرقة وقبله يومين, وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وعطاء وطاوس والحكم والحسن وحماد وإبراهيم وأبو جعفر الباقر والربيع ومقاتل بن حيان, وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هدياً فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة, فإذا كان يوم عرفة الثالث, فقد تم صومه, وسبعة إذا رجع إلى أهله, وكذا روى أبو إسحاق عن وبرة عن ابن عمر قال: يصوم يوماً قبل التروية, ويوم التروية, ويوم عرفة وكذا روى جعفر بن محمد عن أبيه, عن علي أيضاً: فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد, فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق ؟ فيه قولان للعلماء وهما للإمام الشافعي أيضاً, القديم منهما: أنه يجوز له صيامها لقول عائشة وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي هكذا رواه مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر وقد روي من غير وجه عنهما, ورواه سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي, أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج, صامهن أيام التشريق, وبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي عن عكرمة والحسن البصري وعروة بن الزبير, وإنما قالوا ذلك لعموم قوله {فصيام ثلاثة أيام في الحج} والجديد من القولين أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق لما رواه مسلم عن قتيبة الهذلي رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيام التشريق أيام أكل وشرب, وذكر الله عز وجل».
وقوله {وسبعة إذا رجعتم} فيه قولان: (أحدهم) إذا رجعتم إلى رحالكم, ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق, وكذا قال عطاء بن أبي رباح. والقول (الثاني) إذا رجعتم إلى أوطانكم, قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد عن سالم, سمعت ابن عمر قال: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج, وسبعة إذا رجعتم} قال: إذا رجع إلى أهله, وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والزهري والربيع بن أنس, وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإجماع, وقد قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير, حدثنا الليث عن عقيل, عن ابن شهاب, عن سالم بن عبد الله, أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج, وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة, فأهل بعمرة, ثم أهل بالحج, فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج, فكان من الناس من أهدى فساق الهدي, ومنهم من لم يهد, فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: «من كان منكم أهدىَ فإنه لا يحل بشيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج, فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج, وسبعة إذا رجع إلى أهله» وذكر تمام الحديث, قال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه, والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به, وقوله {تلك عشرة كاملة} قيل: تأكيد, كما تقول العرب: رأيت بعيني, وسمعت بأذني, وكتبت بيدي, وقال الله تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه} وقال {ولا تخطه بيمينك} وقال {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} وقيل: معنى كاملة الأمر بإكمالها وإتمامها, اختاره ابن جرير, وقيل معنى كاملة أي مجزئة عن الهدي, قال هشيم عن عباد بن راشد عن الحسن البصري في قوله {تلك عشرة كاملة} قال: من الهدي.
وقوله {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا متعة لهم, فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم, حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الرحمن, حدثنا سفيان هو الثوري قال: ابن عباس: هم أهل الحرم, وكذا روى ابن المبارك عن الثوري, وزاد الجماعة عليه, وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة, لا متعة لكم, أحلت لأهل الاَفاق وحرمت عليكم, إنما يقطع أحدكم وادياً, أو قال: يجعل بينه وبين الحرم وادياً, ثم يهل بعمرة, وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه, قال: المتعة للناس لا لأهل مكة, من لم يكن أهله من الحرم. وكذا قول الله عز وجل {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس, وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت, كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن عطاء, قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع, وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول في قوله {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} قال: من كان دون الميقات وقال ابن جريج عن عطاء ذلك لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال: عرفة ومزدلفة وعرفة والرجيع, وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر سمعت الزهري يقول من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع, وفي رواية عنه: اليوم واليومين, واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم, ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة, لأن من كان كذلك يعد حاضراً لا مسافراً, والله أعلم.
وقوله: {واتقوا الله} أي فيما أمركم ونهاكم {واعلموا أن الله شديد العقاب} أي لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره. ===== ** الْحَجّ أَشْهُرٌ مّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنّ الْحَجّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوّدُواْ فَإِنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَىَ وَاتّقُونِ يَأُوْلِي الألْبَابِ
اختلف أهل العربية في قوله {الحج أشهر معلومات} فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات, فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام فيما عداها وإن كان ذاك صحيحاً, والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه, وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد واحتج لهم بقوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} وبأنه أحد النسكين, فصح الإحرام به في جميع السنة كالعمرة. وذهب الشافعي رحمه الله, إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره, فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به وهل ينعقد عمرة, فيه قولان عنه. والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر, وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد رحمهم الله, والدليل عليه قوله {الحج أشهر معلومات} وظاهره التقدير الاَخر الذي ذهب إليه النحاة, وهو أن وقت الحج أشهر معلومات فخصصه بها من بين سائر شهور السنة, فدل على أنه لا يصح قبلها كميقات الصلاة, وقال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج, أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة, عن ابن عباس أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: {الحج أشهر معلومات} وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي عن حجاج بن محمد الأعور, عن ابن جريج به, ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين عن حجاج بن أرطاة, عن الحاكم بن عتيبة, عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج, وقال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا أبو كريب, حدثنا أبو خالد الأحمر عن شعبة, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس, قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج, فإن من سنة الحج أن يحرم في أشهر الحج, وهذا إسناد صحيح, وقول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين, ولا سيما قول ابن عباس تفسيراً للقرآن وهو ترجمانه. وقد ورد فيه حديث مرفوع, قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي, حدثنا نافع, حدثنا الحسن بن المثنى, حدثنا أبو حذيفة, حدثنا سفيان عن أبي الزبير, عن جابر, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج» وإسناده لا بأس به, لكن رواه الشافعي والبيهقي من طرق عن ابن جريج, عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهلّ بالحج قبل أشهر الحج ؟ فقال: لا, وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع, ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس من السنة: أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره, والله أعلم.
وقوله {أشهر معلومات} قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة, وهذا الذي علقه البخاري بصيغة الجزم, رواه ابن جرير موصولاً, حدثنا أحمد بن حازم بن أبي برزة, حدثنا أبو نعيم, حدثنا ورقاء عن عبد الله بن دينار, عن ابن عمر {الحج أشهر معلومات} قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة, إسناد صحيح, وقد رواه الحاكم أيضاً في مستدركه عن الأصم, عن الحسن بن علي بن عفان, عن عبد الله بن نمير, عن عبد الله عن نافع, عن ابن عمرو فذكره وقال: هو على شرط الشيخين, (قلت) وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والضحاك بن مزاحم والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان, وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي يوسف وأبي ثور رحمهم الله, واختار هذا القول ابن جرير, قال: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب, كما يقول العرب: رأيته العام ورأيته اليوم, وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} وإنما تعجل في يوم ونصف يوم, وقال الإمام مالك بن أنس والشافعي في القديم: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله, وهو رواية عن ابن عمر أيضاً, قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق, حدثنا أبو أحمد, حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد, عن ابن عمر, قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة, وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, حدثنا ابن وهب, أخبرني ابن جريج, قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج . قال: نعم, كان عبد الله يسمي شوالا وذا القعدة وذا الحجة, قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي صلى الله عليه وسلم, وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج, وقد حكى هذا أيضاً عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير والربيع بن أنس وقتادة, وجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع, رواه الحافظ بن مردويه من طريق حصين بن مخارق, وهو متهم بالوضع, عن يونس بن عبيد عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحج أشهر معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة» وهذا كما رأيت لا يصح رفعه والله أعلم, وفائدة مذهب مالك أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج, فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة, لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر, قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: الحج أشهر معلومات, ليس فيها عمرة, وهذا إسناد صحيح, قال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة إنما هي للحج وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى, كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج, وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج فقال: كانوا لا يرونها تامة. (قلت) وقد ثبت عن عمر وعثمان رضي الله عنهما, أنهما كان يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج وينهيان عن ذلك في أشهر الحج, والله أعلم.
وقوله {فمن فرض فيهنّ الحج} أي أوجب بإحرامه حجاً, فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه, قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض ههنا الإيجاب والإلزام, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {فمن فرض فيهنّ الحج} يقول: من أحرم بحج أو عمرة, وقال عطاء: الفرض الإحرام. وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم. وقال ابن جرير: أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة, عن ابن عباس أنه قال {فمن فرض فيهنّ الحج} فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض. قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وعكرمة والضحاك وقتادة وسفيان الثوري والزهري ومقاتل بن حيان: نحو ذلك, وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية. وقوله {فلا رفث} أي من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث, وهو الجماع, كما قال تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك, كذلك التكلم به بحضرة النساء, قال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني يونس: أن نافعاً أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواهم, قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب مثله, قال ابن جرير: وحدثنا محمد بن بشار, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن قتادة, عن رجل, عن أبي العالية الرياحي, عن ابن عباس, أنه كان يحدو وهو محرم, وهو يقول:
وهنّ يمشين بنا هميساإن يصدق الطير ننك لميسا
وقال أبوالعالية: فقلت: تكلم بالرفث وأنت محرم ؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. ورواه الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس فذكره. وقال ابن جرير أيضاً, حدثني أبي حصين بن قيس, قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج, وكنت خليله, فلما كان بعد إحرامنا وقال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه ويرتجز ويقول:
وهن يمشين بنا هميساإن تصدق الطير ننك لميسا
قال فقلت: أترفث وأنت محرم ؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. وقال عبد الله بن طاوس عن أبيه: سألت ابن عباس عن قول الله عز وجل: {فلا رفث ولا فسوق} ؟ قال: الرفث التعريض بذكر الجماع, وهي العرابة في كلام العرب, وهو أدنى الرفث, وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش وكذا قال عمرو بن دينار وقال عطاء: كانوا يكرهون العرابة, وهو التعريض وهو محرم. وقال طاوس: هو أن يقول للمرأة إذا حللت أصبتك, وكذا قال أبو العالية, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز, وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك, وقال ابن عباس أيضاً وابن عمر: الرفث غشيان النساء وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم وأبو العالية عن عطاء ومكحول وعطاء الخراساني وعطاء بن يسار وعطية وإبراهيم النخعي والربيع والزهري والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم.
وقوله {فلا فسوق} قال: مقسم وغير واحد, عن ابن عباس هي المعاصي, وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والزهري والربيع بن أنس وعطاء بن يسار وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان, وقال محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر, قال: الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيداً أو غيره, وكذا روى ابن وهب عن يونس عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم, وقال آخرون: الفسوق ههنا السباب قال ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومجاهد والسدي وإبراهيم النخعي والحسن, وقد يتمسك هؤلاء بما ثبت في الصحيح «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ولهذا رواه ههنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن زبيد, عن أبي وائل, عن عبد الله, عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال: «سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر», وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه, ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق ههنا الذبح للأصنام, قال الله تعالى: {أو فسقاً أهل لغير الله به}, وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب, والذين قالوا: الفسوق ههنا هو جميع المعاصي الصواب معهم, كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم, وإن كان في جميع السنة منهياً عنه, إلا أنه في الأشهر الحرم آكد, ولهذا قال {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} وقال في الحرم {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا ارتكاب ما نهى عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك, كما تقدم عن ابن عمر, وما ذكرناه أولى, والله أعلم, وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة, قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من حج هذا البيت, فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»
وقوله {ولا جدال في الحج} فيه قولان: (أحدهما) ولا مجادلة في وقت الحج في مناسكه, وقد بينه الله أتم بيان, ووضحه أكمل إيضاح, كما قال وكيع عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهداً يقول {ولا جدال في الحج} قد بين الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد {ولا جدال في الحج} قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في الحج قد تبين ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به. وقال الثوري, عن عبد العزيز بن رفيع, عن مجاهد في قوله {ولا جدال في الحج} قال: قد استقام الحج. فلا جدال فيه, وكذا قال السدي. وقال هشيم: أخبرنا حجاج عن عطاء, عن ابن عباس {ولا جدال في الحج} قال: المراء في الحج. وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: {ولا جدال في الحج} فالجدال في الحج ـ والله أعلم ـ أن قريشاً كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة, وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة, وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب ويقول هؤلاء: نحن أصوب, فهذا فيما نرى, والله أعلم, وقال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم, فقطعه الله حين أعلم نبيه بالمناسك, وقال ابن وهب: عن أبي صخر, عن محمد بن كعب, قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم, وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم, وقال حماد بن سلمة, عن جبير بن حبيب, عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم: الحج غداً, ويقول بعضهم: الحج اليوم, وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال, وهو قطع التنازع في مناسك الحج, والله أعلم.
(والقول الثاني) أن المراد بالجدال ههنا المخاصمة. قال ابن جرير: حدثنا عبد الحميد بن بيان, حدثنا إسحاق عن شريك, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله بن مسعود في قوله {ولا جدال في الحج} قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه, وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق عن التميمي, سألت ابن عباس, عن الجدال, قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه, وكذلك روى مقسم والضحاك عن ابن عباس وكذا قال أبو العالية وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني ومكحول والسدي ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ولا جدال في الحج, المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك فنهى الله عن ذلك, وقال إبراهيم النخعي {ولا جدال في الحج} قال: كانوا يكرهون الجدال, وقال محمد بن إسحاق, عن نافع, عن ابن عمر, قال الجدال في الحج السباب والمنازعة, وكذا روى ابن وهب عن يونس, عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج السباب والمراء والخصومات, وقال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن الزبير والحسن وإبراهيم وطاوس ومحمد بن كعب, قالوا الجدال المراء, وقال عبد الله بن المبارك عن يحيى بن بشر, عن عكرمة {ولا جدال في الحج} والجدال الغضب, أن تغضب عليك مسلماً إلا أن تستعتب مملوكاً فتغضبه من غير أن تضربه, فلا بأس عليك إن شاء الله. (قلت) ولو ضربه لكان جائزاً سائغاً, والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس, حدثنا محمد بن إسحاق, عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه, عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجاً حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلست إلى جانب أبي, وكانت زمالة أبي بكر وزمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة مع غلام أبي بكر, فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه, فأطلع وليس مع بعيره, فقال: أين بعيرك ؟ فقال: أضللته البارحة, فقال أبو بكر: بعير تضلله ؟ فطفق يضربه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» وهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن إسحاق, ومن هذاالحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال, ولكن يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر رضي الله عنه «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» كهيئة الإنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك, والله أعلم.
وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى, عن موسى بن عبيدة, عن أخيه عبد الله بن عبيد الله, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده, غفر له ما تقدم من ذنبه».
وقوله {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} لما نهاهم عن إتيان القبيح قولاً وفعلاً, حثهم على فعل الجميل وأخبرهم أنه عالم به, وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة, وقوله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} قال العوفي, عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة, يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا ؟ فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار, عن عكرمة: أن ناساً كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} وكذا رواه ابن جرير عن عمرو وهوالفلاس, عن ابن عيينة, قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء عن عمرو بن دينار, عن عكرمة عن ابن عباس, قال وما يرويه عن ابن عيينة أصح. (قلت) قد وراه النسائي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي, عن سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد, فأنزل الله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} وأما حديث ورقاء فأخرجه البخاري عن يحيى بن بشر, عن شبابة, وأخرجه أبو داود عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي ومحمد بن عبد الله المخزومي عن شبابة عن ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس, قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون, فأنزل الله {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة, ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به, وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار عن نافع, عن ابن عمر, قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زاداً آخر, فأنزل الله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الدقيق والسويق والكعك, وكذا قال ابن الزبير وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله وعطاء الخراساني وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان, وقال سعيد بن جبير: فتزودوا الدقيق والسويق والكعك, وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير {وتزودوا} قال الخشكنانج والسويق, قال وكيع أيضاً, حدثنا إبراهيم المكي عن ابن نجيح, عن مجاهد, عن ابن عمر, قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر, وزاد فيه حماد بن سلمة عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة.
وقوله {فإن خير الزاد التقوى} لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الاَخرة, وهو استصحاب التقوى إليها, كما قال {وريشاً ولباس التقوى ذلك خير} لما ذكر اللباس الحسي نبه مرشداً إلى اللباس المعنوي, وهوالخشوع والطاعة والتقوى, وذكر أنه خير من هذا وأنفع, قال عطاء الخراساني في قوله {فإن خير الزاد التقوى} يعني زاد الاَخرة, وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبدان, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا مروان بن معاوية عن إسماعيل, عن قيس, عن جرير عن عبد الله, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من يتزود في الدنيا ينفعه في الاَخرة» وقال مقاتل بن حيان لما نزلت هذه الاَية {وتزودوا}: قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله, ما نجد ما نتزوده, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تزود ما تكفّ به وجهك عن الناس, وخير ما تزودتم التقوى» رواه ابن أبي حاتم, وقوله {واتقون يا أولي الألباب} يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري, يا ذوي العقول والأفهام.
** لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رّبّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّآلّينَ
قال البخاري: حدثنا محمد, أخبرني ابن عيينة عن عمرو, عن ابن عباس, قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية, فتأثموا أن يتجروا في الموسم, فنزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج. وهكذا رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وغير واحد عن سفيان بن عيينة به. ولبعضهم فلماجاء الإسلام تأثموا أن يتجروا, فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك, فأنزل الله هذه الاَية, وكذا رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس, قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز, فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الاَية, وروى أبو داود وغيره من حديث يزيد بن أبي زياد, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج, يقولون: أيام ذكر, فأنزل الله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} وقال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا حجاج عن عطاء عن ابن عباس أنه قال {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الاَية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده, وهكذا روى العوفي عن ابن عباس, وقال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء, عن ابن عباس أنه كان يقرأ {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج, وقال عبد الرحمن, عن ابن عيينة, عن عبد الله بن أبي يزيد: وهكذا فسرها مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم, وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة, حدثنا شبابة بن سوار, حدثنا شعبة عن أبي أميمة, سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة, فقرأ ابن عمر {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} وهذا موقوف, وهو قوي جيد, وقد روي مرفوعاً, قال أحمد: حدثنا أسباط, حدثنا الحس بن عمرو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي, قال: قلت لابن عمر: إن نكري فهل لنا من حج ؟ قال: أليس تطوفون بالبيت, وتأتون المعرف, وترمون الجمار, وتحلقون رؤوسكم ؟ قال: قلنا: بلى, فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فسأله عن الذي سألتني, فلم يجبه حتى نزل عليه جبرائيل بهذه الاَية {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم, فقال «أنتم حجاج». وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن العلاء بن المسيب, عن رجل من بني تميم, قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر, فقال: يا أبا عبد الرحمن, إنا نقوم نكري ويزعمون أنه ليس لنا حج, قال: ألستم تحرمون كا يحرمون, وتطوفون كما يطوفون, وترمون كما يرمون ؟ قال: بلى, قال فأنت حاج, ثم قال ابن عمر جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألت عنه, فنزلت هذه الاَية {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق به, وهكذا روى هذا الحديث أبو حذيفة عن الثوري مرفوعاً, وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعاً, فقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة, حدثنا عباد بن العوام عن العلاء بن المسيب عن أبي أمامة التيمي, قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة, وإن أناساً يزعمون أنه لا حج لنا, فهل ترى لنا حجاً ؟ قال: ألستم تحرمون وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك ؟ قال: قلت: بلى, قال «فأنتم حجاج» ثم قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه, أو قال: فلم يرد شيئاً حتى نزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} فدعا الرجل فتلاها عليه, وقال «أنتم حجاج» وكذا رواه مسعود بن سعد وعبد الواحد بن زياد وشريك القاضي عن العلاء بن المسيب مرفوعاً وقال ابن جرير: حدثني طليق بن محمد الواسطي, حدثنا أسباط هو ابن محمد, أخبرنا الحسن بن عمرو هو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي, قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري, فهل لنا حج ؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت, وتأتون المعرف, وترمون الجمار, وتحلقون رؤوسكم ؟ قلنا: بلى, قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه, فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الاَية {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} إلى آخر الاَية, وقال النبي صلى الله عليه وسلم «أنتم حجاج» وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق, حدثنا أبو أحمد, حدثنا غندر عن عبد الرحمن بن المهاجر عن أبي صالح مولى عمرو قال: قلت: يا أمير المؤمنين, كنتم تتجرون في الحج ؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج ؟
وقوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} إنما صرف عرفات وإن كان علماً على مؤنث, لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات, سمي به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف, اختاره ابن جرير, وعرفة موضع الوقوف في الحج, وهي عمدة أفعال الحج, ولهذا روى الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن الثوري عن بكير عن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحج عرفات ـ ثلاثاً ـ فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك, وأيام منى ثلاثة, فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه, ومن تأخر فلا إثم عليه» ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر, لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس, وقال «لتأخذوا عني مناسككم» وقال في هذا الحديث «فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك» وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي, رحمهم الله, وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة, واحتجوا بحديث الشعبي عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي, قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله, إني جئت من جبل طيء, أكللت راحلتي, وأتعبت نفسي, والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه, فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد صلاتنا هذه, فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً, فقد تم حجه وقضى تفثه» رواه الإمام أحمد وأهل السنن, وصححه الترمذي, ثم قيل: إنما سميت عرفات لمارواه عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج, قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل عليه السلام إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فحج به, حتى إذا أتى عرفة قال: عرفت, وكان قد أتاها مرة قبل ذلك, فلذلك سميت عرفة وقال ابن المبارك عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عطاء, قال: إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك فيقول: عرفت عرفت, فسميت عرفات, وروي نحوه عن ابن عباس وابن عمر وأبي مجلز, فالله أعلم, وتسمى عرفات المشعر الحرام, والمشعر الأقصى, وإلال على وزن هلال, ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة, قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا لهإلال إلى تلك الشراج القوابل
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة, حدثنا أبو عامر عن زمعة هو ابن صالح, عن سلمة بن وهرام, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا, فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة وصلى الفجر بغلس, حتى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الاَخر, دفع, وهذا حسن الإسناد, وقال ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة, قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات, فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال «أما بعد ـ وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد ـ فإن هذا اليوم الحج الأكبر, ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجهها, وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس, وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها, وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفاً هدينا هدي أهل الشرك», هكذا رواه ابن مردويه, وهذا لفظه, والحاكم في مستدركه, كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي عن عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج, وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه, وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا كما يتوهمه بعض أصحابنا أنه من له رؤية بلا سماع, وقال وكيع, عن شعبة, عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي, عن المعرور بن سويد, قال: رأيت عمر رضي الله عنه حين دفع عن عرفة كأني أنظر إليه رجل أصلع على بعير له يوضع وهو يقول: إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع, وفي حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي في صحيح مسلم, قال فيه: فلم يزل واقفاً ـ يعني بعرفة ـ حتى غربت الشمس, وبدت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص, وأردف أسامة خلفه, ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله, ويقول بيده اليمنى: «أيها الناس السكينة السكينة» كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد حتى أتىَ المزدلفة, فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين, ولم يسبح بينهما شيئاً, ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر, حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة, ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام, فاستقبل القبلة, فدعا الله وكبره وهلله ووحده, فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً, فدفع قبل أن تطلع الشمس, وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه سئل: كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دفع ؟ قال: كان يسير العنق, فإذا وجد فجوة نص. والعنق هو انبساط السير, والنص فوقه, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إليّ عن أبيه أو عمه, عن سفيان بن عيينة قوله {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} وهي الصلاتين جميعاً, وقال أبو إسحاق السبيعي, عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام, فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة, قال: أين السائل عن المشعر الحرام, هذا المشعر الحرام, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر, عن الزهري, عن سالم, قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها. وقال هشيم, عن حجاج, عن نافع, عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} قال: فقال: هذا الجبل وما حوله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن المغيرة, عن إبراهيم, قال: فرآهم ابن عمر يزدحمون على قزح, فقال: على ما يزدحم هؤلاء, كل ههنا مشعر. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي والربيع بن أنس والحسن وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة ؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر, قال: وليس المأزمان عرفة من المزدلفة, ولكن مفاضاهما, قال: فقف بينهما إن شئت, قال: وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس. (قلت) والمشاعر هي المعالم الظاهرة, وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام, لأنها داخل الحرم, وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به, كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشافعي منهم القفال وابن خزيمة لحديث عروة بن مضرس ؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم ؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الاَخر ؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا, والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك, عن سفيان الثوري, عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «عرفة كلها موقف, وارفعوا عن عرنة, وجمع كلها موقف إلا محسراً» هذا حديث مرسل, وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة, حدثنا سعيد بن عبد العزيز حدثني سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «كل عرفات موقف, وارفعوا عن عرنة, وكل مزدلفة موقف, وارفعوا عن محسر, وكل فجاج مكة منحر, وكل أيام التشريق ذبح» وهذا أيضاً منقطع, فإن سليمان بن موسى هذا, وهو الأشدق, لم يدرك جبير بن مطعم, ولكن رواه الوليد بن مسلم وسويد بن عبدالعزيز, عن سليمان, فقال الوليد, عن جبير بن مطعم عن أبيه, وقال سويد عن نافع بن جبير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره, والله أعلم.
وقوله {واذكروه كما هداكم} تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه من الهداية إبراهيم الخليل عليه السلام, ولهذا قال {وإن كنتم من قبله لمن الضالين} قيل: من قبل هذا الهدى وقبل القرآن وقبل الرسول, والكل متقارب ومتلازم وصحيح.
** ثُمّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
ثم ـ ههنا ـ لعطف خبر على خبر وترتبيه عليه, كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام, وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات, كما كان جمهور الناس يصنعون, يقفون بها إلا قريشاً فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل, ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته, قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا محمد بن حازم, حدثنا هشام, عن أبيه, عن عائشة, قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة, وكانوا يسمون الحمس, وسائر العرب يقفون بعرفات, فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها, فذلك قوله {من حيث أفاض الناس} وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم, واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع, وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن مجاهد عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه, قال: أضللت بعيراً لي بعرفة فذهبت أطلبه, فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف, قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه ههنا ؟ أخرجاه في الصحيحين, ثم رواه البخاري من حديث موسى بن عقبة, عن كريب, عن ابن عباس: ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ههنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار, فالله أعلم, وحكاه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم فقط. قال: والمراد بالناس إبراهيم عليه السلام, وفي رواية عند الإمام, قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
وقوله {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} كثيراً ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات, ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , كان إذا فرغ من الصلاة يستفغر اللهثلاثاً, وفي الصحيحين أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين. وقد روى ابن جرير ههنا حديث ابن عباس بن مرداس السلمي, في استغفاره صلى الله عليه وسلم لأمته عشية عرفة, وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة, وأورد ابن مردويه ههنا الحديث الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي, لا إله إلا أنت, خلقتني وأنا عبدك, وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت, أعوذ بك من شر ما صنعت, أبوء لك بنعمتك عليّ, وأبوء بذنبي, فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت, من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة, ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة», وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله, علمني دعاء أدعو به في صلاتي, فقال «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك, وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» والأحاديث في الاستغفار كثيرة.
** فَإِذَا قَضَيْتُمْ مّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ * وِمِنْهُمْ مّن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ * أُولَـَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها, وقوله {كذكركم آباءكم} اختلفوا في معناه, فقال ابن جريج عن عطاء: هو كقول الصبي أبه أمه, يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه, فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك, وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس, وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه, وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات, ويحمل الديات, ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم, فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً}, قال ابن أبي حاتم : وروى السدي, عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته, ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك, وهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة والله أعلم, والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله عز وجل, ولهذا كان انتصاب قوله, أو أشد ذكراً على التمييز, تقديره كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً, وأو ـ ههنا ـ لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} وقوله {يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} {فأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} {فكان قاب قوسين أو أدنى} فليست ههنا للشك قطعاً, وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه, ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة, وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه, فقال {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الاَخرة من خلاق} أي من نصيب ولا حظ, وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك, قال سعيد بن جبير, عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث, وعام خصب, وعام ولاد حسن, لا يذكرون من أمر الاَخرة شيئاً, فأنزل الله فيهم {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الاَخرة من خلاق} وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ألاَخرة حسنة وقنا عذاب النار} فأنزل الله {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى, فقال: {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاَخرة حسنة وقنا عذاب النار} فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر, فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية, ودار رحبة, وزوجة حسنة, ورزق واسع, وعلم نافع, وعمل صالح, ومركب هني, وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين, ولا منافاة بينها, فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا, وأما الحسنة في الاَخرة, فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات, وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الاَخرة الصالحة, وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والاَثام وترك الشبهات والحرام, وقال القاسم بن عبد الرحمن: من أعطي قلباً شاكراً, ولساناً ذاكراً, وجسداً صابراً, فقد أوتي في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, ووقي عذاب النار, ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء, فقال البخاري: حدثنا أبو معمر, حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز, عن أنس بن مالك, قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار» وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, حدثنا عبد العزيز بن صهيب, قال: سأل قتادة أنساً: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: يقول «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار» وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها, وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها ورواه مسلم, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو نعيم,حدثنا عبد السلام بن شداد يعني أبا طالوت, قال: كنت عند أنس بن مالك, فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم, فقال: «اللهم آتنا في الدينا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار» وتحدثوا ساعة, حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة, إن إخوانك يريدون القيام, فادع الله لهم, فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الاَخرة حسنة, ووقاكم عذاب النار, فقد آتاكم الخير كله, وقال أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن ثابت, عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه ؟ قال: نعم, كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الاَخرة فعجله لي في الدنيا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه, فهلا قلت {ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار} قال: فدعاه فشفاه, انفرد بإخراجه مسلم, فرواه من حديث ابن أبي عدي به وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج, عن يحيى بن عبيد مولى السائب, عن أبيه, عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار} ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك, وفي سنده ضعف, والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي, أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور, حدثنا سعيد بن سليمان عن إبراهيم بن سليمان عن عبد الله بن هرمز, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكاً يقول آمين, فإذا مررتم عليه فقولوا {ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الاَخرة حسنة, وقنا عذاب النار}» وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو زكريا العنبري, حدثنا محمد بن عبد السلام, حدثنا إسحاق بن إبراهيم, أخبرنا جرير عن الأعمش, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال. إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني, ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم, أفيجزي ذلك ؟ فقال: أنت من الذين قال الله: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه. ===وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِيَ أَيّامٍ مّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخّرَ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتّقَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوآ أَنّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق, والأيام المعلومات أيام العشر, وقال عكرمة {واذكرو الله في أيام معدودات} يعني التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات الله أكبر الله أكبر. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا موسى بن علي عن أبيه, قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة, ويوم النحر, وأيام التشريق, عيدنا أهل الإسلام, وهي أيام أكل وشرب», وقال أحمد أيضاً: حدثنا هشيم, أخبرنا خالد, عن أبي المليح, عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» ورواه مسلم أيضاً, وتقدم حديث جبير بن مطعم «عرفة كلها موقف, وأيام التشريق كلها ذبح» وتقدم أيضاً حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي «وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه» وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم قالا: حدثنا هشيم عن عمرو بن أبي سلمة, عن أبيه, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيام التشريق أيام طعم وذكر الله» وحدثنا خلاد بن أسلم, حدثنا روح, حدثنا صالح, حدثني ابن شهاب عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منىَ: «لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل» وحدثنا يعقوب حدثنا هشيم عن سفيان بن حسين عن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق فقال «إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله إلا من كان عليه صوم من هدى» زيادة حسنة ولكن مرسلة, وبه قال هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عمرو بن دينار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشر بن سحيم فنادى في أيام التشريق فقال: «إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله» وقال هشيم عن ابن أبي ليلى, عن عطاء, عن عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق, قال: «وهي أيام أكل وشرب وذكر الله» وقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم, عن مسعود بن الحكم الزرقي, عن أمه قالت: لكأني أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول: يا أيها الناس, إنها ليست بأيام صيام, إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله, وقال مقسم عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق أربعة أيام: يوم النحر, وثلاثة بعده, وروي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم النخعي ويحيى بن أبي كثير والحسن وقتادة والسدي والزهري والربيع بن أنس والضحاك ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني ومالك بن أنس وغيرهم مثل ذلك. وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيهن شئت, وأفضلها أولها, والقول الأول هو المشهور, وعليه دلّ ظاهر الاَية الكريمة حيث قال {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} فدل على ثلاثة بعد النحر ويتعلق بقوله {واذكروا الله في أيام معدودات} ذكر الله الأضاحي وقد تقدم, وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي رحمه الله وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر التشريق ويتعلق به أيضا الذكر المؤقت خلف الصلوات,والمطلق في سائر الأحوال وفي وقته أقوال للعلماء أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق, وهو آخر النفر الاَخر, وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني لكن لا يصح مرفوعاً, والله أعلم وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يكبر في قبته فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منىَ تكبيراً ويتعلق بذلك أيضاً التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل. ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والاَفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والموقف, قال {واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} كما قال {وهوالذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون}.
** وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَىَ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلّىَ سَعَىَ فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ
قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي, جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك, وعن ابن عباس, أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم, فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم, وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد, وهو الصحيح,وقال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني الليث بن سعد عن خالد بن أبي هلال, عن القرظي, عن نوف وهوالبكالي وكان ممن يقرأ الكتب, قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين, ألسنتهم أحلى من العسل, وقلوبهم أمرّ من الصبر, يلبسون للناس مسوك الضأن, وقلوبهم قلوب الذئاب, يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون وبي يغترون, حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران, قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها{ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه} الاَية, وحدثني محمد بن أبي معشر: أخبرني أبو معشر نجيح, قال: سمعت سعيداً المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي, فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عباداً ألسنتهم أحلى من العسل, وقلوبهم أمر من الصبر, لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين, يجترئون الدنيا بالدين, قال الله تعالى, عليّ تجترئون وبي تغترون ؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران, فقال محمد بن كعب هذا في كتاب الله, فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله ؟ قال: قول الله {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} الاَية, فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الاَية ؟ فقال محمد بن كعب, إن الاَية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد, وهذا الذي قاله القرظي, حسن صحيح, وأما قوله {ويشهد الله على ما في قلبه} فقرأه ابن محيصن {ويشهد الله} بفتح الياء وضم الجلالة {على ما في قلبه} ومعناها أن هذا وإن أظهر لكم الحيل لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يعلم يشهد إن المنافقين لكاذبون} وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة, {يشهد الله على ما في قلبه} ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق كقوله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} الاَية, هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه, وهذا المعنى صحيح, وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد, والله أعلم.
وقوله {وهو ألد الخصام} الاَلد في اللغة الأعوج {وتنذر به قوماً لداً} أي عوجاً, وهكذا المنافق في حال خصومته, يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه, بل يفتري ويفجر, كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر». وقال البخاري: حدثنا قبيصة, حدثنا سفيان عن ابن جريج, عن ابن مليكة عن عائشة ترفعه, قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان, حدثنا ابن جريج عن ابن مليكة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر في قوله {وهو ألد الخصام} عن ابن جريج, عن ابن أبي مليكة, عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».
وقوله {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} أي هو أعوج المقال سيء الفعال, فذلك قوله وهذا فعله, كلامه كذب, واعتقاده فاسد, وأفعاله قبيحة, والسعي ـ ههنا ـ هو القصد, كما قال إخباراً عن فرعون {ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الاَخرة والأولى, إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة, فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون, وأتوها وعليكم السكينة والوقار» فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث, وهومحل نماء الزروع والثمار والنسل, وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما وقال مجاهد: إذا سعي في الأرض إفساداً, منع الله القطر فهلك الحرث والنسل {والله لا يحب الفساد} أي لا يحب من هذه صفته, ولا من يصدر منه ذلك.
وقوله {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} أي إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله, وقيل له اتق الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق, امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم, أي بسبب ما اشتمل عليه من الاَثام, وهذه الاَية شبيهة بقوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا, قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} ولهذا قال في هذه الاَية {فحسبه جهنم ولبئس المهاد} أي هي كافيته عقوبة في ذلك وقوله {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة, ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة, منعه الناس أن يهاجر بماله,وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل, فتخلص منهم وأعطاهم ماله, فأنزل الله فيه هذه الاَية, فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة وقالوا له: ربح البيع فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك ؟ فأخبره أن الله أنزل فيه هذه الاَية, ويروىَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له «ربح البيع صهيب» قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم, حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة, حدثنا سليمان بن داود, حدثنا جعفر بن سليمان الضبي, حدثنا عوف عن أبي عثمان النهدي عن صهيب, قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش يا صهيب قدمت إلينا, ولا مال لك وتخرج أنت ومالك والله لا يكون ذلك أبداً, فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني ؟ قالوا: نعم, فدفعت إليهم مالي, فخلوا عني, فخرجت حتى قدمت المدينة, فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال «ربح صهيب ربح صهيب» مرتين, وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب, قال: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش, فنزل عن راحلته وأنثل ما في كنانته, ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلاً, وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي, ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء, ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي, قالوا: نعم, فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال «ربح البيع» قال ونزلت {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد} وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله, فيقتلون ويقتلون, وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن, ومن أوفى بعهده من الله ؟ فاسبتشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس, فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما, وتلوا هذه الاَية {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد}.
** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً وَلاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ * فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيّنَاتُ فَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه, والعمل بجميع أوامره, وترك جميع زواجره, ما استطاعوا من ذلك, قال العوفي, عن ابن عباس ومجاهد وطاوس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله {ادخلوا في السلم} يعني الإسلام. وقال الضحاك, عن ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس {ادخلوا في السلم} يعني الطاعة. وقال قتادة أيضاً: الموادعة. وقوله {كافة} قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة والضحاك جميعاً, وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.
وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يسبتوا وأن يقوموا بالتوراة ليلاً, فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها, وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر, إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام.
ومن المفسرين من يجعل قوله {كافة} حالاً من الداخلين أي ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول وهو أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جداً ما استطاعوا منها, كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين, أخبرنا أحمد بن الصباح, أخبرني الهيثم بن يمان, حدثنا إسماعيل بن زكريا, حدثني محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} كذا قرأها بالنصب, يعني مؤمني أهل الكتاب, فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم, فقال الله {ادخلوا في السلم كافة} يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئاً وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها, وقوله {ولاتتبعوا خطوات الشيطان} أي اعملوا بالطاعات واجنتبوا ما يأمركم به الشيطان فـ {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}, و {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} ولهذا قال {إنه لكم عدوّ مبين} قال مطرف: أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان, وقوله: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} أي عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج, فاعلموا أن الله عزيز أي في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه, ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.
** هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ
يقول تعالى مهدداً للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والاَخرين, فيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير, وإن شراً فشر, ولهذا قال تعالى: {وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور} كما قال الله تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً * وجاء ربك والملك صفاً صفاً * وجيء يومئذٍ بجهنم يومئذٍ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} وقال {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} الاَية. وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير ـ ههنا ـ حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم,وفيه: أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحداً واحداً من آدم فمن بعده فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم, فإذا جاؤوا إليه قال «أنا لها أنا لها» فيذهب فيسجد لله تحت العرش, ويشفع عند الله في أن يأتي بفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة, ثم الثانية, ثم الثالثة, إلى السابعة, وينزل حملة العرش والكروبيون, قال: وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة, ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت, سبحان ذي العزة والجبروت, سبحان الحي الذي لا يموت, سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت, سبوح قدوس رب الملائكة والروح, سبوح قدوس سبحان ربنا الأعلى, سبحان ذي السلطان والعظمة, سبحانه سبحانه أبداً أبداً, وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه ـ ههنا ـ أحاديث فيها غرابة, والله أعلم. فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ميسرة, عن مسروق, عنابن مسعود, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «يجمع الله الأولين والاَخرين لميقات يوم معلوم قياماً شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء, وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا أبو بكر بن مقدم, حدثنا معتمر بن سليمان, سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد الله بن عمرو {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} الاَية. قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب, منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب. قال: وحدثنا أبي, حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي, حدثنا الوليد. قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} قال: ظلل من الغمام منظوم من الياقوت, مكلل بالجوهر والزبرجد. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في ظلل من الغمام, قال: هو غير السحاب ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا, وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام, والله تعالى يجيء فيما يشاء, وهي في بعض القراءات {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام} وهي كقوله {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً}. سَلْ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * زُيّنَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ اتّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
يقول تعالى مخبراً عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة أي حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به, كيده وعصاه وفلقه البحر وضرب الحجر, وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر, ومن إنزال المن والسلوى, وغير ذلك من الاَيات الدالات على وجود الفاعل المختار, وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه, ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله كفراً, أي استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب} كما قال تعالى إخباراً عن كفار قريش {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار} ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها, واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها, مما يرضي الله عنهم وسخروا من الذين آمنوا, الذين أعرضوا عنها, وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم, وبذلوه ابتغاء وجه الله, فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم, فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم, فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين, وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين, ولهذا قال تعالى: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} أي يزرق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاء كثيراً جزيلاً بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والاَخرة, كما جاء في الحديث «ابن آدم أنفق أنفق عليك» وقال النبي صلى الله عليه وسلم «أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً» وقال تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} وفي الصحيح «أن ملكين ينزلان من السماء صبيحة كل يوم فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً, ويقول الاَخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً» وفي الصحيح «يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت, وما لبست فابليت, وما تصدقت فأمضيت, وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «الدنيا دار من لا دار له, ومال من لا مال له, ولها يجمع من لا عقل له».
** كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا أبو داود, أخبرنا همام عن قتادة عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون, كلهم على شريعة من الحق, فاختلفوا, فبعث الله النبين مبشرين ومنذرين, قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا}. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار عن محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه, كذا روى أبو جعفر الرازي عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله {كان الناس أمة واحدة} قال: كانوا على الهدى جميعاً {فاختلفوا فبعث الله النبيين} فكان أول من بعث نوحاً. وهكذا قال مجاهد, كما قال ابن عباس أولاً. وقال العوفي عن ابن عباس {كان الناس أمة واحدة} يقول: كانوا كفاراً {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} والقول الأول عن ابن عباس أصح سنداً ومعنى, لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام, فبعث الله إليهم نوحاً عليه السلام, فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
ولهذا قال تعالى: {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعدما جاءتهم البينات بغياً بينهم} أي من بعد ما قامت الحجج عليهم, وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض {فهدى الله الذي آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن سليمان الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة في قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} الاَية, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن الاَخرون الأولون يوم القيامة, نحن أول الناس دخولاً الجنة, بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم, فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه, فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له, فالناس لنا فيه تبع فغداً لليهود وبعد غد للنصارى» ثم رواه عبد الرزاق عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه, عن أبي هريرة. وقال ابن وهب, عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه في قوله {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} فاختلفوا في يوم الجمعة, فاتخذ اليهود يوم السبت, والنصارى يوم الأحد, فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس فهدى الله أمة محمد للقبلة واختلفوا في الصلاة, فمنهم من يركع ولا يسجد, ومنهم من يسجد ولا يركع, ومنهم من يصلي وهو يتكلم, ومنهم من يصلي وهو يمشي, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك, واختلفوا في الصيام, فمنهم من يصوم بعض النهار, ومنهم من يصوم عن بعض الطعام, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم عليه السلام, فقالت اليهود: كان يهودياً, وقالت: النصارى كان نصرانياً, وجعله الله حنيفاً مسلماً, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى عليه السلام, فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتاناً عظيماً, وجعلته النصارى إلهاً وولداً, وجعله الله روحه وكلمته, فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك, وقال الربيع بن أنس في قوله {فهدى الله الذي آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} أي عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف, أقاموا على الإخلاص لله عز وجل وحده, وعبادته لا شريك له, وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة, فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون, أن رسلهم قد بلغوهم, وأنهم قد كذبوا رسلهم, وفي قراءة أبي بن كعب: وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة, والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وكان أبو العالية يقول في هذه الاَية: المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.
وقوله {بإذنه} أي بعلمه بهم وبما هداهم له, قاله ابن جرير {والله يهدي من يشاء} أي من خلقه {إلى صراط مستقيم} أي وله الحكمة والحجة البالغة, وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» وفي الدعاء المأثور: «اللهم أرنا الحق حقاً, وارزقنا ابتاعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل, واجعلنا للمتقين إماماً».
** أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُم مّثَلُ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مّسّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتّىَ يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىَ نَصْرُ اللّهِ أَلآ إِنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ
يقول تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} قبل أن تبتلوا وتخبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم, ولهذا قال {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء} وهي الأمراض والأسقام والاَلام والمصائب والنوائب. قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمداني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل بن حيان {البأساء} الفقر {والضراء} السقم {وزلزلوا} خوفاً من الأعداء زلزالاً شديداً, وامتحنوا امتحاناً عظيماً, كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت, قال: قلنا: يا رسول الله, ألا تستنصر لنا, ألا تدعو الله لنا ؟ فقال: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه, ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه, لا يصرفه ذلك عن دينه» ثم قال «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت, لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه, ولكنكم قوم تستعجلون» وقال الله تعالى: {آلم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون, ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله تعالى عنهم في يوم الأحزاب, كما قال الله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} الاَيات. ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه ؟ قال: نعم. قال فكيف كانت الحرب بينكم ؟ قال سجالاً, يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة. وقوله {مثل الذين خلوا من قبلكم} أي سنتهم كما قال تعالى: {فأهلكنا أشد منهم بطشاً ومضى مثل الأولين} وقوله {وزلزلوا حتى يقول الرسل والذين آمنوا معه متى نصر الله} أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة, قال الله تعالى: {ألا إن نصر الله قريب} كما قال {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً} وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها, ولهذا قال {ألا إن نصر الله قريب} وفي حديث أبي رزين «عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه, فينظر إليهم قنطين, فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب» الحديث.
** يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ
قال مقاتل بن حيان: هذه الاَية في نفقة التطوع. وقال السدي: نسختها الزكاة, وفيه نظر, ومعنى الاَية: يسألونك كيف ينفقون ؟ قاله ابن عباس ومجاهد فبين لهم تعالى ذلك, فقال {قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} أي اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء الحديث «أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك» وتلا ميمون بن مهران هذه الاَية, ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلاً ولا مزماراً ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان. ثم قال تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} أي مهما صدر منكم من فعل معروف, فإن الله يعلمه وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء, فإنه لا يظلم أحداً مثقال ذرة.
** كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تُحِبّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام, وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أوقعد, فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين, وإذا استغيث أن يغيث, وإذا استنفر ان ينفر, وإن لم يحتج إليه قعد. (قلت) ولهذا ثبت في الصحيح «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو, مات ميتة جاهلية» وقال عليه السلام يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية, وإذا استنفرتم فانفروا» وقوله {وهو كره لكم} أي شديد عليكم ومشقة وهو كذلك, فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} أي لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم. {وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم} وهذا عام في الأمور كلها قد يحب المرء شيئاً وليس له فيه خيرة ولا مصلحة, ومن ذلك القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم. ثم قال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم, وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم, فاستجيبوا له وانقادوا لأمره, لعلكم ترشدون. ==== يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي, حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه, حدثني الحضرمي عن أبي السوار, عن جندب بن عبد الله, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً, وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح, فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسه فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش, وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا, وقال «لا تكرهن أحداً على السير معك من أصحابك» فلما قرأ الكتاب استرجع, وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله, فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب, فرجع رجلان وبقي بقيتهم, فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه, ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى, فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام, فأنزل الله {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} الاَية, وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح, عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} الاَية, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية, وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي, وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل, وسهيل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب, وكتب لابن جحش كتاباً وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه «أن سر حتى تنزل بطن نخلة» فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص, فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسار, فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة, أضلا راحلة لهما فتخلفا يطلبانها, سار ابن جحش إلى بطن نخلة, فإذا هو بالحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة, وانفلت وقتل عمرو, قتله واقد بن عبد الله, فكانت أولى غنيمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما رجعوا إلى المدينة بأسيرين وما أصابوا من المال, أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين عليه. وقالوا: إن محمداً يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب, فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى, وقتل في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى, وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب, وأنزل الله يعير أهل مكة {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} لا يحل وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر من القتل عند الله.
وقال العوفي عن ابن عباس {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وردوه عن المسجد في شهر حرام, قال: ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل, فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام, فقال الله {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} من القتال فيه, وأن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث سرية, فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى وكانت أول رجب, ولم يشعروا, فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه, وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك, فقال الله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه} إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, والشرك أشد منه, وهكذا روى أبو سعيد البقال عن عكرمة, عن ابن عباس, أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي, وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح, عن ابن عباس, وقال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} إلى آخر الاَية, وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة, عن زياد بن عبد الله البكائي, عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني رحمه الله, في كتاب السيرة له, إنه قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى, وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد, وكتب له كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين, ثم ينظر فيه فيمضي كما أمره به, ولا يستكره من أصحابه أحداً, وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين, ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف, ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش, وهو أمير القوم, وعكاشة بن محصن أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم, ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم ومن بني زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص ومن بني كعب عدي بن عامر بن ربيعة, حليف لهم, من غير ابن وائل, وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع, أحد بني تميم حليف لهم, وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم, ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء, فلما سار عبد الله بن جحش يومين, فتح الكتاب فنظر فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي في هذا, فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم, فلما نظر عبد الله بن جحش الكتاب, قال: سمعاً وطاعة, ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم, أن امضي إلى نخلة أرصد بها قريشاً حتى آتيه منهم بخبر, وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم, فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق, ومن كره ذلك فليرجع, فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد, فسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له نُجران, أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يتعقبانه فتخلفا عليه في طلبه, ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة, فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة قريش, فيها عمرو بن الحضرمي, واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصدف وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة, فلما رآهم القوم هابوهم, وقد نزلوا قريباً منهم, فأشرف لهم عكاشة بن محصن, وكان قد حلق رأسه, فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم, وتشاور القوم فيهم, وذلك في آخر يوم من رجب, فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم, فليمتنعن منكم, ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام, فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم, ثم شجعوا أنفسهم عليهم, وأجمعوا قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم, فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله, واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان, وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم, وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس, وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم, فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير, وقسم سائرها بين أصحابه, قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فوقف العير والأسيرين, وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً, فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, أسقط في أيدي القوم, وظنوا أنهم قد هلكوا, وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا, وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام, وسفكوا فيه الدم, وأخذوا فيه الأموال, وأسروا فيه الرجال¹ فقال من يرد عليه من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت اليهود: تفاءلوا بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله, عمرو عمرت الحرب, والحضرمي حضرت الحرب, وواقد بن عبد الله وقدت الحرب, فجعل الله عليهم ذلك لا لهم, فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام, فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به, وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله {أكبر عند الله} من قتل من قتلتم منهم {والفتنة أكبر من القتل} أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه, فذلك أكبر عند الله من القتل {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم عن استطاعوا} أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه, غير تائبين ولا نازعين, قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشدة, قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم العير والأسيرين, وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا» يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان, فإنا نخشاكم عليهما, فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم, فقدم سعد وعتبة, ففداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم, فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه, وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً, وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافراً, قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كان حين نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا: يا رسول الله, أنطمع ان تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عز وجل: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} فوضع الله من ذلك على أعظم الرجاء, قال ابن إسحاق, والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان, عن عروة, وقد روى يونس بن بكير, عن محمد بن إسحاق, عن يزيد بن رومان, عن عروة بن الزبير قريباً من هذا السياق, وروى موسى بن عقبة, عن الزهري نفسه نحو ذلك, وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة بن الزبير نحواً من هذا أيضاً, وفيه فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين, فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة, فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل لله {يسألونك عن الشهر الحرام} الاَية, وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة, ثم قال ابن هشام, عن زياد, عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد الله أن عبد الله قسم الفيء بين أهله, فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه, وخمساً على الله ورسوله, فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير, قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون, وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون, وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون, قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غزوة عبد الله بن جحش, ويقال: بل عبد الله بن حجش قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال, قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش.
تعدون قتلا في الحرام عظيمةوأعظم منه لو يرى الرشد راشدصدودكم عما يقول محمدوكفر به والله راء وشاهدوإخراجكم من مسجد الله أهلهلئلا يرى لله في البيت ساجدفإنا وإن عيرتمونا بقتلهوأرجف بالإسلام باغ وحاسدسقينا من ابن الحضرمي رماحنابنخلة لما أوقد الحرب واقددما وابن عبد الله عثمان بينناينازعه غلّ من القيد عائد)
** يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيّنُ اللّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ * فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىَ قُلْ إِصْلاَحٌ لّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد, حدثنا إسرائيل عن أبي ميسرة, عن عمر أنه قال: لما أنزل تحريم الخمر, قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً, فنزلت هذه الاَية التي في البقرة {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} فدعي عمر, فقرئت عليه فقال. اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً, فنزلت الاَية التي في النساء {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران, فدعي عمر, فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً, فنزلت الاَية التي في المائدة, فدعي عمر, فقرئت عليه فلما بلغ {فهل أنتم منتهون ؟} قال عمر: انتهينا انتهينا. هكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل عن أبي إسحاق, وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري عن أبي إسحاق, عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي, عن عمر وليس له عنه سواه, لكن قد قال أبو زرعة: لم يسمع منه, والله أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد صالح صحيح, وصححه الترمذي, وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله انتهينا, إنها تذهب المال وتذهب العقل, وسيأتي هذا الحديث أيضاً مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضاً عند قوله في سورة المائدة {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} الاَيات, فقوله {يسألونك عن الخمر والميسر} أما الخمر, فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه كل ما خامر العقل, كما سيأتي بيانه في سورة المائدة, وكذا الميسر وهو القمار.
وقوله {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} أما إثمهما فهو في الدين, وأما المنافع فدنيوية من حيث إن فيها نفع البدن وتهضيم الطعام وإخراج الفضلات وتشحيذ بعض الأذهان ولذة الشدة المطربة التي فيها, كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونشربها فتتركنا ملوكاًوأسداً لا ينهنهنا اللقاء
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها, وما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله, ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة, لتعلقها بالعقل والدين, ولهذا قال الله تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما}, ولهذا كانت هذه الاَية ممهدة لتحريم الخمر على البتات, ولم تكن مصرحة بل معرضة, ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً, حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} ويأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وبه الثقة, قال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن هذه أول آية نزلت في الخمر {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير}, ثم نزلت الاَية التي في سورة النساء, ثم نزلت الاَية التي في المائدة فحرمت الخمر.
قوله {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} قرىء بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا أبان, حدثنا يحيى, أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالا: يا رسول الله, إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا فأنزل الله {يسألونك ماذا ينفقون} وقال الحكم عن مقسم عن ابن عباس {ويسألونك ماذ ينفقون قل العفو} قال: ما يفضل عن أهلك, كذا روي عن ابن عمر ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والقاسم وسالم وعطاء الخراساني والربيع بن أنس وغير واحد, أنهم قالوا في قوله {قل العفو} يعني الفضل, وعن طاوس: اليسير من كل شيء. وعن الربيع أيضاً: أفضل مالك وأطيبه والكل يرجع إلى الفضل. وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هوذة بن خليفة, عن عوف, عن الحسن, في الاَية {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} قال, ذلك ألا يجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس, ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير: حدثنا علي بن مسلم, حدثنا أبو عاصم عن ابن عجلان, عن المقبري, عن أبي هريرة, قال: قال رجل: يا رسول الله, عندي دينار, قال «أنفقه على نفسك» قال: عندي آخر, قال:«أنفقه على أهلك» قال: عندي آخر: قال «أنفقه على ولدك» قال: عندي آخر, قال «فأنت أبصر»¹ وقد رواه مسلم في صحيحه وأخرجه مسلم أيضاً عن جابر, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل «ابدأ بنفسك فتصدق عليها, فإن فضل شيء فلأهلك, فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك, فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا». وعنده عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى, واليد العليا خير من اليد السفلى, وابدأ بمن تعول» وفي الحديث أيضاً «ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك, وإن تمسكه شر لك, ولا تلام على كفاف» ثم قد قيل إنها منسوخة بآية الزكاة, كما رواه علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس, وقاله عطاء الخراساني والسدي, وقيل مبينة بآية الزكاة, قاله مجاهد وغيره, وهو أوجه.
وقوله {كذلك يبين الله لكم الاَيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والاَخرة} أي كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها كذلك يبين لكم سائر الاَيات في أحكامه ووعده ووعيده, لعلكم تتفكرون في الدنيا والاَخرة. قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: يعني في زوال الدنيا وفنائها, وإقبال الاَخرة وبقائها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا علي بن محمد الطنافسي, حدثنا أبو أسامة عن الصعق العيشي, قال: شهدت الحسن وقرأ هذه الاَية من البقرة {لعلكم تتفكرون في الدنيا والاَخرة} قال: هي والله لمن تفكر فيها ليعلم أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء, وليعلم أن الاَخرة دار جزاء ثم دار بقاء, وهكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما, وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: لتعلموا فضل الاَخرة على الدنيا. وفي رواية عن قتادة: فآثروا الاَخرة على الأولى.
وقوله {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم} الاَية, قال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع, حدثنا جرير عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما نزلت {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن} و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً} انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه, فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد, فاشتد ذلك عليهم, فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب به. وكذا رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس, وكذا رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح, عن ابن عباس, وعن مرة عن ابن مسعود بمثله, وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الاَية كمجاهد وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى وقتادة وغير واحد من السلف والخلف, قال وكيع بن الجراح: حدثنا هشام صاحب الدستوائي, عن حماد, عن إبراهيم, قال: قالت عائشة رضي الله عنها: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة, حتى أخلط طعامه بطعامي, وشرابه بشرابي, فقوله {قل إصلاح لهم خير} أي على حدة, {وإن تخالطوهم فإخوانكم} أي وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم, لأنهم إخوانكم في الدين, ولهذا قال {والله يعلم المفسد من المصلح} أي يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح, وقوله {ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم} أي ولو شاء الله لضيق عليكم وأحرجكم, ولكنه وسع عليكم, وخفف عنكم, وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن, قال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} بل جوز الأكل منه للفقير بالمعروف, إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر, أو مجاناً كما سيأتي بيانه في سورة النساء, إن شاء الله وبه الثقة=== ==== وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتّىَ يُؤْمِنّ وَلأمَةٌ مّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتّىَ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيّنُ آيَاتِهِ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ
هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين, أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان, ثم إن كان عمومها مراداً, وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية, فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين} قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب, وهكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول والحسن والضحاك وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وغيرهم. وقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان, ولم يرد أهل الكتاب بالكلية, والمعنى قريب من الأول, والله أعلم. فأما ما رواه ابن جرير: حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني, حدثنا أبي, حدثني عبد الحميد بن بهرام الفزاري, حدثنا شهر بن حوشب, قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء, إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير الإسلام. قال الله عز وجل: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} وقد نكح طلحة بن عبد الله يهودية, ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية, فغضب, عمر بن الخطاب غضباً شديداً حتى هم أن يسطو عليهما فقالا نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب فقال: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن, ولكني أنتزعهن منكم صغرة قمأة, فهو حديث غريب جداً, وهذا الأثر غريب عن عمر أيضاً, قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله: بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات, وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني. كما حدثنا أبو كريب, حدثنا ابن إدريس, حدثنا الصلت بن بهرام عن شقيق, قال: تزوج حذيفة يهودية, فكتب إليه عمر: خلّ سبيلها, فكتب إليه: أتزعم أنها حرام, فأخلي سبيلها ؟ فقال: لا أزعم أنها حرام, ولكني أخاف أن تعاطوا المؤمنات منهن, وهذا إسناد صحيح, وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل, عن وكيع, عن الصلت, نحوه, وقال ابن جرير: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي, حدثنا محمد بن بشر, حدثنا سفيان بن سعيد عن يزيد بن أبي زياد, عن زيد بن وهب, قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية, ولا يتزوج النصراني المسلمة, قال: وهذا أصح إسناداً من الأول, ثم قال: وقد حدثنا تميم بن المنتصر, أخبرنا إسحاق الأزرقي عن شريك, عن أشعث بن سوار, عن الحسن, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه, فالقول به لإجماع الجميع من الأمة عليه, كذا قال ابن جرير رحمه الله. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي, حدثنا وكيع عن جعفر بن برقان, عن ميمون بن مهران, عن ابن عمر, أنه كره نكاح أهل الكتاب, وتأول {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ}. وقال البخاري: وقال ابن عمر: لا أعلم شركاً أعظم من أن تقول: ربها عيسى, وقال أبو بكر الخلال الحنبلي: حدثنا محمد بن هارون, حدثنا إسحاق بن إبراهيم وأخبرني محمد بن علي, حدثنا صالح بن أحمد, أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ} قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام. وقوله {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة, كانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها, ثم فزع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهما, فقال له «ماهي ؟» قال: تصوم وتصلي, وتحسن الوضوء, وتشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله, فقال «يا أبا عبد الله هذه مؤمنة». فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها, ففعل, فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمته وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين, وينكحوهم رغبة في أحسابهم, فأنزل الله {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم * ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} وقال عبد بن حميد: حدثنا جعفر بن زياد الإفريقي عن عبد الله بن يزيد, عن عبد الله بن عمرو, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن, ولا تنكحوهن عن أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن, وأنكحوهن على الدين, فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل» والإفريقي ضعيف, وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها, فاظفر بذات الدين, تربت يداك» ولمسلم عن جابر مثله, وله عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الدنيا متاع, وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» وقوله {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} أي لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات, كما قال تعالى: {لا هن حلّ لهم, ولا هم يحلون لهن} ثم قال تعالى: {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} أي ولرجل مؤمن ـ ولو كان عبداً حبشياً ـ خير من مشرك, وإن كان رئيساً سرياً {أولئك يدعون إلى النار} أي معاشرتهم ومخالطتهم, تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الاَخرة, وعاقبة ذلك وخيمة {والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه} أي بشرعه وما أمر به وما نهى عنه {ويبين الله آياته للناس لعلهم يتذكرون}.
** وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنّ حَتّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ يُحِبّ التّوّابِينَ وَيُحِبّ الْمُتَطَهّرِينَ * نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنّىَ شِئْتُمْ وَقَدّمُواْ لأنْفُسِكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوَاْ أَنّكُمْ مّلاَقُوهُ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت, عن أنس, أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله عز وجل {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} حتى فرغ من الاَية, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً, إلا خالفنا فيه, فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر, فقالا: يا رسول الله, إن اليهود قالت: كذا وكذا, أفلا نجامعهن ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما, فخرجا فاستقبلنهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما, رواه مسلم من حديث حماد بن زيد بن سلمة, فقوله {فاعتزلوا النساء في المحيض} يعني الفرج, لقوله «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم, إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج, قال أبو داود أيضاً: حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد عن أيوب, عن عكرمة, عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم, كان إذا أراد من الحائض شيئاً يلقي على فرجها ثوباً, وقال أبو داود أيضاً: حدثنا القعنبي, حدثنا عبد الله يعني ابن عمر بن غانم, عن عبد الرحمن يعني ابن زياد, عن عمارة بن غراب أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة قال: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد, قالت: أخبرك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم, دخل فمضى إلى مسجده, قال أبو داود: تعني مسجد بيتها فما انصرف حتى غلبتني عيني فأوجعه البرد فقال «ادني مني» فقلت: إني حائض, فقال «اكشفي عن فخذيك» فكشفتُ فخذي, فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفىء ونام صلى الله عليه وسلم, وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا عبد الوهاب, حدثنا أيوب عن كتاب أبي قلابة, أن مسروقاً ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهله, فقالت عائشة: مرحباً مرحباً, فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي, فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني, فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض ؟ فقالت له: كل شيء إلا فرجها. ورواه أيضاً عن حميد بن مسعدة, عن يزيد بن زريع, عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن, عن مروان الأصفر, عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً ؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. وهذا قول ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة, وروى ابن جرير أيضاً عن أبي كريب عن ابن أبي زائدة, عن حجاج, عن ميمون بن مهران, عن عائشة, قالت له: ما فوق الإزار. (قلت) ويحل مضاجعتها ومواكلتها بلا خلاف, قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم, يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض, وكان يتكىء في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن. وفي الصحيح عنها, قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم, فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه, وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه, وقال أبو داود: حدثنا مسدد, حدثنا يحيى عن جابر بن صبح, سمعت خلاساً الهجري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعار الواحد وأنا حائض طامث, فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يعده وإن أصابه ـ يعني ثوبه ـ شيء غسل مكانه لم يعده وصلى فيه, فأما ما رواه أبو داود حدثنا سعيد بن الجبار, حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد, عن أبي اليمان, عن أم ذرة, عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير, فلم نقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندن منه حتى نطهر, فهو محمول على التنزه والاحتياط. وقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار, كما ثبت في الصحيحين عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض, وهذا لفظ البخاري, ولهما عن عائشة نحوه, وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث العلاء, عن حزام بن حكيم, عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال: ما فوق الإزار. ولأبي داود أيضاً عن معاذ بن جبل, قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال: ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل» وهو رواية عن عائشة كما تقدم وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح. فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل ما فوق الإزار منها, وهو أحد القولين في مذهب الشافعي رحمه الله, الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم, ومأخذهم أنه حريم الفرج فهو حرام لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله عز وجل الذي أجمع العلماء على تحريمه وهو المباشرة في الفرج, ثم من فعل ذلك فقد أثم, فيستغفر الله ويتوب إليه, وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا ؟ فيه قولان: (أحدهما) نعم, لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض, يتصدق بدينار أو نصف دينار, وفي لفظ للترمذي «إذا كان دماً أحمر فدينار, وإن كان دماً أصفر فنصف دينار» وللإمام أحمد أيضاً عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, جعل في الحائض تصاب ديناراً, فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل, فنصف دينار. (والقول الثاني) وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور أنه لا شيء في ذلك, بل يستغفر الله عز وجل لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث, فإنه قد روي مرفوعاً كما تقدم, وموقوفاً وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث, فقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} تفسير قوله {فاعتزلوا النساء في المحيض} ونهى عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجوداً, ومفهومه حله إذا انقطع. قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث} الاَية, الطهر يدل على أن يقربها, فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتزرت ودخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعاره, دل ذلك على أنه إنما أراد الجماع.
وقوله {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة لقوله {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} وليس له في ذلك مستند, لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول منهم من يقول إنه على الوجوب كالمطلق, هؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم, ومنهم من يقول: إنه للإباحة, ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له من الوجوب, وفيه نظر, والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد عليه الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي, فإن كان واجباً, فواجب كقوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} أو مباحاً فمباح كقوله {وإذا حللتم فاصطادوا} {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} وعلى هذا القول تجتمع الأدلة, وقد حكاه الغزالي وغيره, فاختاره بعض أئمة المتأخرين وهو الصحيح, وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه, إلا أن أبا حنيفة رحمه الله يقول, فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده: أنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل, والله أعلم, وقال ابن عباس {حتى يطهرن} أي من الدم {فإذا تطهرن} أي بالماء, وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن ومقاتل بن حيان والليث بن سعد وغيرهم.
وقوله {من حيث أمركم الله} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني الفرج. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {فأتوهن من حيث أمركم الله} يقول: في الفرج ولا تعدوه إلى غيره, فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة {من حيث أمركم الله} أي تعتزلوهن, وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر, كما سيأتي تقريره قريباً إن شاء الله تعالى. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد {فأتوهن من حيث أمركم الله} يعني طاهرات غير حيّض, ولهذا قال {إن الله يحب التوابين} أي من الذنب وإن تكرر غشيانه {ويحب المتطهرين} أي المتنزهين عن الأقذار والأذى, وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض أو في غير المأتى.
وقوله {نساؤكم حرث لكم} قال ابن عباس: الحرث موضع الولد {فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي كيف شئتم, قال: سمعت جابراً قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول, فنزلت {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} ورواه مسلم وأبو داود من حديث سفيان الثوري به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب, أخبرني مالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن سعيد الثوري: أن محمد بن المنكدر حدثهم: أن جابر بن عبد الله أخبره أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول, فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج» وفي حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري, عن أبيه, عن جده, أنه قال: يا رسول الله, نساؤنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال «حرثك ائت حرثك أنى شئت, غير أن لا تضرب الوجه, ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت» الحديث, رواه أحمد وأهل السنن.
(حديث آخر) ـ قال ابن أبي حاتم حدثنا يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب, عن عامر بن يحيى, عن حنش بن عبد الله, عن عبد الله بن عباس, قال: أتى ناس من حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسألوه عن أشياء, فقال له رجل: إني أحب النساء فكيف ترى في ؟ فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} ورواه الإمام أحمد, حدثنا يحيى بن غيلان, حدثنا رشدين, حدثني الحسن بن ثوبان عن عامر بن يحيى المغافري عن حنش, عن ابن عباس, قال: أنزلت هذه الاَية {نساؤكم حرث لكم} في أناس من الأنصار أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ائتها على كل حال إذا كان في الفرج».
(حديث آخر) ـ قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن موسى, حدثنا يعقوب بن كاسب, حدثنا عبد الله بن نافع عن هشام بن سعد, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد الخدري, أن رجلاً أصاب امرأة في دبرها, فأنكر الناس عليه ذلك, فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم} الاَية, ورواه ابن جرير عن يونس, عن يعقوب, ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن الحارث بن شريح, عن عبد الله بن نافع به.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا وهيب, حدثنا عبيد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الله بن سابط, قال: دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر, فقلت: إني لسائلك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك, قالت: فلا تستحي يا ابن أخي, قال: عن إتيان النساء في أدبارهن ؟ قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا يحبون النساء وكانت اليهود تقول: إنه من أحبى امرأته, كان ولده أحول, فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فأحبوهن, فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك, فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم, استحت الأنصارية أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فخرجت فسألته أم سلمة, فقال: ادعي «الأنصارية» فدعتها, فتلا عليها هذه الاَية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} «صماماً واحداً». ورواه الترمذي عن بندار, عن ابن مهدي, عن سفيان, عن أبي خثيم به, وقال حسن. (قلت) وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة عن أبيه, عن ابن خثيم, عن يوسف بن ماهك, عن حفصة أم المؤمنين ان امرأة أتتها, فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة فكرهته, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال «لا بأس إذا كان في صمام واحد».
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا يعقوب يعني القمي, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله هلكت, قال ما الذي أهلكك ؟ قال: حولت رحلي البارحة, قال, فلم يرد عليه شيئاً. قال: فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاَية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} «أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة». ورواه الترمذي عن عبد بن حميد, عن حسن بن موسى الأشيب به, وقال: حسن غريب. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن شريح, حدثنا عبد الله بن نافع, حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد, قال: أثفر رجل امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أثفر فلان امرأته, فأنزل الله عز وجل: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ, قال: حدثني محمد يعني ابن سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن أبان بن صالح, عن مجاهد عن ابن عباس, قال: إن ابن عمر قال ـ والله يغفر له ـ أوهم وإنما كان الحي من الأنصار, وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود, وهم أهل كتاب, وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم, فكانوا يقتدون كثيراً من فعلهم, وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة, فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم, وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً, ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات, فلما قدم المهاجرون المدينة, تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار, فذهب يصنع بها ذلك, فأنكرته عليه, وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف, فأصنع ذلك, وإلا فاجتنبني, فسرى أمرهما فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضوع الولد, تفرد به أبو داود, ويشهد له بالصحة ما تقدم له من الأحاديث ولا سيما رواية أم سلمة, فإنها مشابهة لهذا السياق, وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني من طريق محمد بن إسحاق, عن أبان بن صالح, عن مجاهد, قال, عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته, أوقفه عند كل آية منه, وأسأله عنها, حتى انتهيت إلى هذه الاَية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهن, فذكر القصة بتمام سياقها, وقول ابن عباس إن ابن عمر ـ والله يغفر له ـ أوهم, كأنه يشير إلى ما رواه البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا النضر بن شميل, أخبرنا ابن عون عن نافع, قال, كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه, فأخذت عنه يوماً فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت ؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا, ثم مضى, وعن عبد الصمد قال, حدثني أبي, حدثنا أيوب عن نافع, عن ابن عمر {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: أن يأتيها في... هكذا رواه البخاري, وقد تفرد به من هذا الوجه. وقال ابن جرير, حدثني يعقوب, حدثنا ابن عون عن نافع, قال قرأت ذات يوم {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال ابن عمر أتدري فيم نزلت ؟ قلت: لا. قال: نزلت في إيتان النساء في أدبارهن. وحدثني أبو قلابة. حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث, حدثني أبي عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: في الدبر. وروي من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر ولا يصح. وروى النسائي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, عن أبي بكر بن أبي أويس, عن سليمان بن بلال, عن زيد بن أسلم, عن ابن عمر, أن رجلاً أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً, فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. قال أبو حاتم الرازي, لو كان هذا عند زيد بن أسلم عن ابن عمر, لما أولع الناس بنافع, وهذا تعليل منه لهذا الحديث. وقد رواه عبد الله بن نافع عن داود بن قيس, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن ابن عمر, فذكره, وهذا الحديث محمول على ما تقدم وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها, لما رواه النسائي عن علي بن عثمان النفيلي عن سعيد بن عيسى, عن الفضل بن فضالة عن عبد الله بن سليمان الطويل, عن كعب بن علقمة, عن أبي النضر, أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر, أنه قد أكثر عليك القول, أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن, قال: كذبوا عليّ, ولكن سأحدثك كيف كان الأمر, إن ابن عمر عرض المصحف يوماً وأنا عنده حتى بلغ {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال: يا نافع, هل تعلم من أمر هذه الاَية ؟ قلت: لا. قال, إنا كنا معشر قريش نجبي النساء, فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردن منها مثل ما كنا نريد, فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن, فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} وهذا إسناد صحيح, وقد رواه ابن مردويه عن الطبراني, عن الحسين بن إسحاق, عن زكريا بن يحيى الكاتب العمري, عن مفضل بن فضالة, عن عبد الله بن عياش, عن كعب بن علقمة, فذكره, وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحاً, وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي, وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم, وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب السر, وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك رحمه الله. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه, فقال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش عن سهيل بن أبي صالح, عن محمد بن المنكدر, عن جابر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «استحيوا إن الله لا يستحي من الحق, لا يحل أن تأتوا النساء في حشوشهن». وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن, حدثنا سفيان عن عبد الله بن شداد, عن خزيمة بن ثابت, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها.
(طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا يعقوب, سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد, أن عبيد الله بن الحصين الوالبي حدثه أن عبد الله الواقفي, حدثه أن خزيمة بن ثابت الخطمي, حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «استحيوا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن» رواه النسائي وابن ماجه من طريق عن خزيمة بن ثابت وفي إسناده اختلاف كثير.
(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي والنسائي: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان, عن مخرمة بن سليمان عن كريب, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر» ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب, وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه, وصححه ابن حزم أيضاً, ولكن رواه النسائي أيضاً عن هناد, عن وكيع, عن الضحاك به موقوفاً. وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن ابن طاوس, عن أبيه, أن رجلاً سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها, قال: تسألني عن الكفر, إسناده صحيح, وكذا رواه النسائي من طريق ابن المبارك عن معمر به نحوه, وقال عبد أيضاً في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحاكم عن أبيه عن عكرمة, قال, جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها, وسمعت قول الله {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فظننت أن ذلك لي حلال, فقال: يا لكع إنما قوله: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن لا تعدوا ذلك إلى غيره.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا قتادة عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى» وقال عبد الله بن أحمد: حدثني هدبة, حدثنا همام, قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها, فقال قتادة: أخبرنا عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده, أن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «هي اللوطية الصغرى». قال قتادة: وحدثني عقبة بن سعيد القطان عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن أبي أيوب, عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله, وهذا أصح, والله أعلم. وكذلك رواه عبد بن حميد عن يزيد بن هارون, عن حميد الأعرج, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن عبد الله بن عمرو موقوفاً من قوله.
(طريق أخرى) قال جعفر الفريابي: حدثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم, عن أبي عبد الرحمن الحبلي, عن عبد الله بن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة, ولا يزكيهم, ويقول ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل, والمفعول به, والناكح يده, وناكح البهيمة, وناكح المرأة في دبرها, وجامع بين المرأة وابنتها, والزاني بحليلة جاره, ومؤذي جاره حتى يلعنه» ابن لهيعة وشيخه ضعيفان.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا سفيان عن عاصم, عن عيسى بن حطان, عن مسلم بن سلام, عن علي بن طلق, قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤتى النساء في أدبارهن, فإن الله لا يستحي من الحق, وأخرجه أحمد أيضاً عن أبي معاوية وأبي عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضاً, عن عاصم الأحول به, وفيه زيادة, وقال: هو حديث حسن, ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل, والصحيح أنه علي بن طلق.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح, عن الحارث بن مخلد, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه». وقال أحمد أيضاً حدثنا عفان, حدثنا وهيب, حدثنا سهيل عن الحارث بن مخلد, عن أبي هريرة يرفعه, قال «لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها», وكذا رواه ابن ماجه من طريق سهيل وقال أحمد أيضاً: حدثنا وكيع عن سهيل بن أبي صالح. عن الحارث بن مخلد, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ملعون من أتى امرأته في دبرها», وهكذا رواه أبو داود والنسائي من طريق وكيع به.
(طريق أخرى) قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: أخبرنا أحمد بن القاسم بن الريان, حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي, حدثنا هناد ومحمد بن إسماعيل واللفظ له, قالا: حدثنا وكيع, حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح, عن أبيه, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ملعون من أتى امرأة في دبرها» ليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي, وإنما الذي فيه عن سهيل عن الحارث بن مخلد كما تقدم, قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند, وهم منه وقد ضعفوه.
(طريق أخرى) ـ رواها مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ملعون من أتى النساء في أدبارهن» ومسلم بن خالد فيه كلام, والله أعلم.
(طريق أخرى) ـ رواها الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم, عن أبي تميمة الهجيمي, عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه, فقد كفر بما أنزل على محمد» وقال الترمذي: ضعف البخاري هذا الحديث, والذي قاله البخاري في حديثالترمذي عن أبي تيمية: لا يتابع على حديثه.
(طريق أخرى) ـ قال النسائي: حدثنا عثمان بن عبد الله, حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه عن عبد الملك بن محمد الصنعاني, عن سعيد بن عبد العزيز, عن الزهري, عن أبي سلمة رضي الله عنه, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «استحيوا من الله حق الحياء لا تأتوا النساء في أدبارهن» تفرد به النسائي من هذا الوجه. قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري ومن حديث أبي سلمة ومن حديث سعيد فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد, فإنما سمعه بعد الاختلاف, وقد رواه الترمذي عن أبي سلمة أنه كان ينهي عن ذلك, فأما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم, فلا, انتهى كلامه, وقد أجاد وأحسن الانتقاد, إلا أن عبد الملك بن محمد الصنعاني لا يعرف أنه اختلط, ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة عن الكناني وهو ثقة, ولكن تكلم فيه دحيم وأبو حاتم وابن حبان, وقال: لا يجوز الاحتجاج به, والله أعلم. وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد عن سعيد بن عبد العزيز. وروي من طريقين آخرين عن أبي سلمة, ولا يصح منها كل شيء.
(طريق أخرى) ـ قال النسائي: حدثنا إسحاق بن منصور, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, عن سفيان الثوري, عن ليث بن أبي سليم, عن مجاهد, عن أبي هريرة, قال: إتيان الرجال النساء في أدبارهن كفر, ثم رواه النسائي من طريق الثوري عن ليث, عن مجاهد, عن أبي هريرة مرفوعاً, وكذا رواه من طريق علي بن نديمة عن مجاهد, عن أبي هريرة موقوفاً, ورواه بكر بن خنيس عن ليث, عن مجاهد, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «من أتى شيئاً من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر» والموقف أصح, وبكر بن خنيس ضعفه غير واحد من الأئمة, وتركه آخرون.
(حديث آخر) ـ قال محمد بن أبان البلخي: حدثنا وكيع, حدثني زمعة بن صالح عن ابن طاوس, عن أبيه, وعن عمرو بن دينار, عن عبيد الله بن يزيد بن الهاد, قالا: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله لا يستحي من الحق, لا تأتوا النساء في أدبارهن» وقد رواه النسائي, حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني عن عثمان بن اليمان عن زمعة بن صالح, عن ابن طاوس عن أبيه, عن ابن الهاد, عن عمر, قال: لا تأتوا النساء في أدبارهن وحدثنا إسحاق بن إبراهيم, حدثنا يزيد بن أبي حكيم عن زمعة بن صالح, عن عمرو بن دينار, عن طاوس, عن عبد الله بن الهاد الليثي, قال: قال عمر رضي الله عنه: استحيوا من الله فإن الله لا يستحي من الحق, لا تأتوا النساء في أدبارهن, والموقوف أصح.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا غندر ومعاذ بن معاذ, قالا: حدثنا شعبة عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان, عن مسلم بن سلام, عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله لا يستحي من الحق, لا تأتوا النساء في أستاههن» وكذا رواه غير واحد عن شعبة, ورواه عبد الرزاق عن معمر, عن عاصم الأحول, عن عيسى بن حطان, عن مسلم بن سلام, عن طلق بن علي, والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم, والله أعلم.
(حديث آخر) ـ قال أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا أبو مسلم الحرمي, حدثنا أخو أنيس بن إبراهيم, أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره عن أبيه أبي القعقاع, عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «محاش النساء حرام» وقد رواه إسماعيل بن عليه وسفيان الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي عبد الله الشقري واسمه سلمة بن تمام ثقة, عن أبي القعقاع عن ابن مسعود موقوفاً وهو أصح.
(طريق أخرى) ـ قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي, حدثنا سعيد بن يحيى الثوري, حدثنا محمد بن حمزة, عن زيد بن رفيع, عن أبي عبيدة, عن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تأتوا النساء في أعجازهن» محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال. وقد روي من حديث أبي بن كعب والبراء بن عازب وعقبة بن عامر وأبي ذر وغيرهم, وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث, والله أعلم. وقال الثوري, عن الصلت بن بهرام, عن أبي المعتمر, عن أبي جويرية, قال: سأل رجل علياً عن إتيان المرأة في دبرها, فقال: سفلت, سفل الله بك, ألم تسمع قول الله عز وجل: {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين}. وقد تقدم قول ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه يحرمه. قال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح, حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب, عن سعيد بن يسار أبي الحباب, قال: قلت: لابن عمر: ما تقول في الجواري أيحمض لهن ؟ قال: وما التحميض ؟ فذكر الدبر, فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين ؟ وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث به وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك. فكل ما ورد عنه مما يحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم. قال ابن جرير: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم, حدثنا أبو زيد أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي العمر, حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس, أنه قيل له: يا أبا عبد الله, إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج علي أبي عبد الله قال مالك أشهد علىَ يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال له يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن ؟ فقال وما التحميض ؟ فذكر له الدبر, فقال: ابن عمر: أف أف! وهل يفعل ذلك مؤمن, أو قال مسلم ؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع. وروى النسائي عن الربيع بن سليمان, عن أصبغ بن الفرج الفقيه, حدثنا عبد الرحمن بن القاسم, قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن ؟ قال: وما التحميض ؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن فقال أف أف أو يعمل هذا مسلم فقال لي مالك فأشهد على سعيد بن يسار, أنه سأل ابن عمر, فقال: لا بأس به. وروى النسائي أيضاً من طريق يزيد بن رومان, عن عبيد الله بن عبد الله: أن ابن عمر كان لا يرى بأساً أن يأتي الرجل المرأة في دبرها. وروى معمر بن عيسى عن مالك أن ذلك حرام. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حسين, حدثني إسرائيل بن روح, سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن ؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب, هل يكون الحرث إلا موضع الزرع, لا تعدوا الفرج, قلت: يا أبا عبد الله, إنهم يقولون إنك تقول ذلك. قال: يكذبون علي يكذبون علي, فهذا هو الثابت عنه, وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة, وهو قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعكرمة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد بن جبر والحسن وغيرهم من السلف, أنهم أنكروا ذلك أشد الأنكار, ومنهم من يطلق على فعله الكفر وهو مذهب جمهور العلماء, وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة حتى حكوه عن الإمام مالك, وفي صحته نظر, قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم, قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك أنه حلال, يعني وطء المرأة في دبرها, ثم قرأ {نساؤكم حرث لكم} ثم قال: فأي شيء أبين من هذا ؟ هذه حكاية الطحاوي, وقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك, ولكن في الأسانيد ضعف شديد, وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك, والله أعلم. وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي عن أبي العباس الأصم سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول, فذكره, قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف بالله لا إله إلا هو, لقد كذب ـ يعني ابن عبد الحكم ـ على الشافعي في ذلك, لأن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه, والله أعلم.
وقوله {وقدموا لأنفسكم} أي من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات, ولهذا قال {واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} أي فيحاسبكم على أعمالكم جميعها {وبشر المؤمنين} أي المطيعين الله فيما أمرهم, التاركين ما عنه زجرهم. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثني محمد بن عبد الله بن واقد, عن عطاء, قال: أراه عن ابن عباس {وقدموا لأنفسكم} قال: تقول باسم الله التسمية عند الجماع, وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله, قال: باسم الله, اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا, فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك, لن يضره الشيطان أبداً».
** وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَن تَبَرّواْ وَتَتّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * لاّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِالّلغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَـَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها, كقوله تعالى: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يعفر الله لكم} فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها بالتكفير, كما قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم, أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن همام بن منبه, قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «نحن الاَخرون السابقون يوم القيامة» وقال رسول صلى الله عليه وسلم «والله لأن يلجّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه» وهكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به, ورواه أحمد عنه به, ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور, حدثنا يحيى بن صالح, حدثنا معاوية هو ابن سلام, عن يحيى وهو ابن أبي كثير, عن عكرمة عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من استلجّ في أهله بيمين فهو أعظم إثماً, ليس تغني الكفارة» وقال علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} قال: لا تجعلن عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير, ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير, وكذا قال مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومكحول والزهري والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي رحمهم الله, ويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني والله إن شاء الله, لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» وثبت فيهما أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال لعبد الرحمن بن سمرة «يا عبد الرحمن بن سمرة, لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها, وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها, إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير, وكفر عن يمينك» وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه, وليفعل الذي هو خير» وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم, حدثنا خليفة بن خياط, حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها, فتركها كفارتها» ورواه أبو داود من طريق أبي عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ولا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم, ولا في معصية الله, ولا في قطيعة رحم, ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليدعها وليأت الذي هو خير, فإن تركها كفارتها» ثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها «فليكفر عن يمينه» وهي الصحاح.
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سعيد الكندي, حدثنا علي بن مسهر عن حارثة بن محمد, عن عمرة, عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حلف على يمين قطيعة رحم ومعصية فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه» وهذا حديث ضعيف, ثم روى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ومسروق والشعبي أنهم قالوا: لا يمين في معصية ولا كفارة عليها.
وقوله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} أي لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية, وهي التي لا يقصدها الحالف بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد, كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «من حلف فقال في حلفه باللات والعزى, فليقل لا إله إلا الله» فهذا قاله لقوم حديثي عهد بجاهلية, قد أسلموا وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد, فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد لتكون هذه بهذه, ولهذا قال تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} الاَية, وفي الاَية الأخرى {بما عقدتم الأيمان}. قال أبوداود (باب لغو اليمين) حدثنا حميد بن مسعدة الشامي, حدثنا حيان يعني ابن إبراهيم, حدثنا إبراهيم يعني الصائغ, عن عطاء: في اللغو في اليمين, قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا والله, وبلى والله» ثم قال أبو داود: رواه دواد بن الفرات عن إبراهيم الصائغ, عن عطاء عن عائشة موقوفاً, ورواه الزهري وعبد الملك ومالك بن مغول كلهم عن عطاء عن عائشة موقوفاً أيضاً. (قلت) وكذا رواه ابن جريج وابن ليلى عن عطاء عن عائشة موقوفاً, ورواه ابن جرير عن هناد عن وكيع وعبدة وأبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} لا والله وبلى والله, ثم رواه عن محمد بن حميد عن سلمة, عن ابن إسحاق, عن هشام, عن أبيه عنها, وبه عن ابن إسحاق عن الزهري عن القاسم عنها, وبه عن سلمة عن ابن أبي نجيح عن عطاء عنها, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة في قوله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} قالت: هم القوم يتدارؤون في الأمر, فيقول هذا: لا والله, بلى والله, وكلا والله, يتدارؤون في الأمرلا تعقد عليه قلوبهم, وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني, حدثنا عبدة يعني ابن سليمان, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة في قول الله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} قالت: هو قول الرجل: لا والله, وبلى والله. وحدثنا أبي, حدثنا أبو صالح كاتب الليث, حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة, قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل, وهو قول الرجل: لا والله, وبلى والله, فذاك لا كفارة فيه, إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله, ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وابن عباس في أحد قوليه, والشعبي وعكرمة في أحد قوليه, وعروة بن الزبير وأبي صالح والضحاك في أحد قوليه, وأبي قلابة والزهري نحو ذلك. (الوجه الثاني) قرىء على يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب, أخبرني الثقة عن ابن شهاب عن عروة, عن عائشة أنها كانت تتأول هذه الاَية, يعني قوله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} وتقول: هو الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه, ثم قال: وروي عن أبي هريرة وابن عباس في أحد قوليه, وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد في أحد قوليه, وإبراهيم النخعي في أحد قوليه, والحسن وزرارة بن أوفى وأبي مالك وعطاء الخراساني وبكر بن عبد الله, وأحد قولي عكرمة وحبيب بن أبي ثابت والسدي ومكحول ومقاتل وطاوس وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن سعيد وربيع نحو ذلك. وقال ابن جرير حدثنا محمد بن موسى الحرشي, حدثنا عبد الله بن ميمون المرادي, حدثنا عوف الأعرابي عن الحسن بن أبي الحسن قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون, يعني يرمون, ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه, فقام رجل من القوم فقال: أصبت والله, وأخطأت والله, فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم للنبي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله, قال «كلا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» هذا مرسل حسن عن الحسن. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعاً, حدثنا عصام بن رواد, أنبأنا آدم, حدثنا شيبان عن جابر, عن عطاء بن أبي رباح, عن عائشة, قالت: هو قوله: لا والله, وبلى والله, وهو يرى أنه صادق ولا يكون كذلك. (أقوال أخر) ـ قال عبد الرزاق, عن هشيم عن مغيرة, عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه. وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا, أخرجني الله من مالي إن لم آتك غداً, فهو هذا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا مسدد بن خالد, حدثنا خالد, حدثنا عطاء عن طاوس, عن ابن عباس, قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. وأخبرني أبي: حدثنا أبو الجماهر, حدثنا سعيد بن بشير, حدثني أبو بشر عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك فذلك ما ليس عليك فيه كفارة, وكذا روي عن سعيد بن جبير. وقال أبو داود (باب اليمين في الغضب) حدثنا محمد بن المنهال, أنبأنا يزيد بن زريع, حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب, عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث, فسأل أحدهما صاحبه القسمة, فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل ما لي في رتاج الكعبة, فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك, كفر عن يمينك, وكلم أخاك, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب عز وجل, ولا في قطيعة الرحم, ولا فيما لا تملك». وقوله {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب, قال مجاهد وغيره, وهي كقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} الاَية. {والله غفور حليم} أي غفور لعباده حليم عليهم. == لّلّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَآئِهِمْ تَرَبّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطّلاَقَ فَإِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
الإيلاء الحلف, فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة, فلا يخلو إما أن يكون أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها, فإن كانت أقل, فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته, وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة, وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, آلى من نسائه شهراً فنزل لتسع وعشرين, وقال «الشهر تسع وعشرون» ولهما عن عمر بن الخطاب نحوه, فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر, إما أن يفيء أي يجامع, وإما أن يطلق فيجبره الحاكم على هذا, وهذا لئلا يضر بها, ولهذا قال تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} أي يحلفون على ترك الجماع عن نسائهم, فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور {تربص أربعة أشهر} أي ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف, ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق, ولهذا قال {فإن فاءوا} أي رجعوا إلى ما كانوا عليه وهو كناية عن الجماع, قاله ابن عباس ومسروق والشعبي وسعيد بن جبير وغير واحد ومنهم ابن جرير رحمه الله {فإن الله غفور رحيم} لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين, قوله {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} فيه دلالة لأحد قولي العلماء, وهو القديم عن الشافعي أن المولى إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه, ويعتضد بما تقدم في الحديث عند الاَية التي قبلها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراُ منها, فتركها كفارتها» كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي, والذي عليه الجمهور وهو الجديد من مذهب الشافعي أن عليه التكفير لعموم وجوب التكفير على كل حالف, كما تقدم أيضاً في الأحاديث الصحاح, والله أعلم.
وقوله {وإن عزموا الطلاق} فيه دلالة على أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة أشهر, كقول الجمهور من المتأخرين, وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي أربعة أشهر تطليقة, وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت, وبه يقول ابن سيرين ومسروق والقاسم وسالم والحسن وأبو سلمة وقتادة وشريح القاضي وقبيصة بن ذؤيب وعطاء وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن طرخان التيمي وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس والسدي, ثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية, قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ومكحول وربيعة والزهري ومروان بن الحكم, وقيل: إنها تطلق طلقة بائنة, روي عن علي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت, وبه يقول عطاء وجابر بن زيد ومسروق وعكرمة والحسن وابن سيرين ومحمد بن الحنفية وإبراهيم وقبيصة بن ذؤيب وأبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح, فكل من قال: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عيها العدة, إلا ما روي عن ابن عباس وأبي الشعثاء: أنها إن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدة عليها, وهو قول الشافعي, والذي عليه الجمهور من المتأخرين أن يوقف فيطالب إما بهذا وإما بهذا ولا يقع عليها بمجرد مضيها طلاق, وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف, فإما أن يطلق وإما أن يفيء, وأخرجه البخاري. وقال الشافعي رحمه الله: أخبرنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد, عن سليمان بن يسار, قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يوقف المولى, قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر, ورواه الشافعي عن علي رضي الله عنه أنه يوقف المولى, ثم قال: وهكذا نقول, وهو موافق لما رويناه عن عمر وابن عمر وعائشة وعثمان وزيد بن ثابت وبضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, هكذا قال الشافعي رحمه الله. قال ابن جرير: حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا يحيى بن أيوب, عن عبيد الله بن عمر, عن سهيل بن أبي صالح, عن أبيه, قال: سألت اثني عشر رجلاً من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته, فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة أشهر فيوقف, فإن فاء وإلا طلق, ورواه الدارقطني من طريق سهيل. (قلت) وهو يروى عن عمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة أم المؤمنين وابن عمر وابن عباس, وبه يقول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وطاوس ومحمد بن كعب والقاسم, وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم رحمهم الله, وهو اختيار ابن جرير أيضاً, وهو قول الليث وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور وداود, وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفىء ألزم بالطلاق, فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم, والطلقة تكون رجعية, لها رجعتها في العدة, وانفرد مالك بأن قال, لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة وهذا غريب جداً.
قد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر, الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس رحمه الله في الموطأ, عن عبد الله بن دينار, قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل, فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبهوأرقني أن لا خليل ألا عبهفو الله لولا الله أني أراقبهلحرك من هذا السرير جوانبه
فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المراة عن زوجها ؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر, فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك وقال محمد بن إسحاق, عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, قال: ما زلت أسمع حديث عمرأنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة, وكان يفعل ذلك كثيراً إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها, تقول:
تطاول هذا الليل وازور جانبهوأرّقني أن لا ضجيع ألا عبه) ألا عبه طوراً وطوراً كأنمابدا قمراً في ظلمة الليل حاجبه) يسر به من كان يلهو بقربهلطيف الحشا لا يحتويه أقاربه) فو الله لولا الله لا شيء غيرهلنقض من هذا السرير جوانبه) ولكنني أخشى رقيباً موكلابأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه) مخافة ربي والحياء يصدنيوإكرام بعلي أن تنال مراكبه) ثم ذكر بقية ذلك, كما تقدم أو نحوه, وقد روي هذا من طرق وهو من المشهورات.
** وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلّ لَهُنّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِيَ أَرْحَامِهِنّ إِن كُنّ يُؤْمِنّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَبُعُولَتُهُنّ أَحَقّ بِرَدّهِنّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوَاْ إِصْلاَحاً وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ
هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء, بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء, أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء, ثم تتزوج إن شاءت, وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت, فإنها تعتد عندهم بقرأين لأنها على نصف من الحرة, والقرء لا يتبعض فكمل لها قرآن, ولما رواه ابن جرير عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني, عن القاسم, عن عائشة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «طلاق الأمة تطليقتان, وعدتها حيضتان» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه, ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية, وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيح أنه من قول القاسم بن محمد نفسه, ورواه ابن ماجه من طريق عطية العوفي عن ابن عمر مرفوعاً, قال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع عن ابن عمر قوله, وهكذا روي عن عمر بن الخطاب. قالوا: ولم يعرف بين الصحابة خلاف, وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة لعموم الاَية, ولأن هذا أمر جبلي, فكان الحرائر والإماء في هذا سواء, حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر, عن محمد بن سيرين وبعض أهل الظاهر وضعفه. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان, حدثنا إسماعيل, يعني ابن عياش, عن عمرو بن مهاجر, عن أبيه, أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية, قالت: طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يكن للمطلقة عدة, فأنزل الله عز وجل حين طلقت أسماء العدة للطلاق, فكانت من هذا الوجه فيها العدة للطلاق يعني {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}, وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين: حدهما) أن المراد بها الأطهار, وقال مالك في الموطأ عن ابن شهاب, عن عروة, عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة, فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن, فقالت: صدق عروة, وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه {ثلاثة قروء}. فقالت عائشة: صدقتم, وتدرون ما الأقراء ؟ إنما الأقراء الأطهار, وقال مالك, عن ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك, يريد قول عائشة, وقال مالك عن نافع, عن عبد الله بن عمر, أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته, فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرىء منها, وقال مالك: وهو الأمر عندنا وروى مثله عن ابن عباس وزيد بن ثابت وسالم والقاسم وعروة وسليمان بن يسار, وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وبقية الفقهاء السبعة وهو مذهب مالك والشافعي وغير واحد وداود وأبي ثور, وهو رواية عن أحمد واستدلوا عليه بقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} أي في الأطهار ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسباً , دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها ولهذا قال هؤلاء: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة, وأقل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان, واستشهد أبو عبيد وغيره على ذلك بقول الشاعر وهو الأعشى:
ففي كل عام أنت جاشم غزوةتشد لأقصاها عزيم عزائكا) مورثة مالاً وفي الأصل رفعةلما ضاع فيها من قروء نسائكا) يمدح أميراً من أمراء العرب آثر الغزو على المقام, حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيه. القول الثاني) ـ أن المراد بالأقراء, الحيض, فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة, زاد آخرون: وتغتسل منها, وأقل وقت تصدق فيه المرأة في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يوماً ولحظة, قال الثوري: عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين فجاءني وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي, فقال عمر لعبد الله بن مسعود: أراها امرأته ما دون أن تحل لها الصلاة قال: وأنا أرى ذلك, وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وابن مسعود ومعاذ, وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وابن عباس وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وإبراهيم ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة والشعبي والربيع ومقاتل بن حيان والسدي ومكحول والضحاك وعطاء الخراساني أنهم قالوا: الأقراء الحيض وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأصح الروايتين عن الإمام. أحمد بن حنبل, وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: الأقراء الحيض, وهو مذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح ابن حي وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه, ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من طريق المنذر بن المغيرة عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها «دعي الصلاة أيام أقرائك» فهذا لو صح لكان صريحاً في أن القرء هو الحيض, ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور وذكره ابن حبان في الثقات, وقال ابن جرير: أصل القرء في كلام العرب الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركاً بين هذا وهذا, وقد ذهب إليه بعض الأصوليين, والله أعلم. وهذا قول الأصمعي أن القرء هو الوقت. وقال أبو عمرو بن العلاء: العرب تسمي الحيض قرءاً, وتسمي الطهر قرءاً وتسمي الطهر والحيض جميعاً قرءاً. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض, ويراد به الطهر, وإنما اختلفوا في المراد من الاَية ما هو على قولين. ـ وقوله: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} أي من حبل أو حيض, قاله ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي والحكم بن عيينة والربيع بن أنس والضحاك وغير واحد, وقوله: {إن كن يؤمن بالله واليوم الاَخر} تهديد لهن على خلاف الحق, دل هذا على أن المرجع في هذا إليهن لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن ويتعذر إقامة البينة غالباً على ذلك, فرد الأمر إليهن وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق, إما استعجالاً منها لانقضاء العدة أو رغبة منها في تطويلها لما لها في ذلك من المقاصد, فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان. ـ وقوله: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً} أي وزوجها الذي طلقها أحق بردها, ما دامت في عدتها, إذا كان مراده بردها الإصلاح والخير, وهذا في الرجعيات, فأما المطلقات البوائن, فلم يكن حال نزول هذه الاَية مطلقة بائن, وإنما كان ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث, فأما حال نزول هذه الاَية, فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة, فلما قصروا في الاَية التي بعدها على ثلاث تطليقات, صار للناس مطلقة بائن, وغير بائن وإذا تأملت هذا, تبين لك ضعف ما سلكه بعض الأصوليين من استشهادهم على مسألة عود الضمير, هل يكون مخصصاً لما تقدمه من لفظ العموم أم لا بهذه الاَية الكريمة, فإن التمثيل بها غير مطابق لما ذكروه, الله أعلم. ـ وقوله {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} أي ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن, فليؤد كل واحد منهما إلى الاَخر, ما يجب عليه بالمعروف, كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال في خطبته في حجة الوداع «فاتقوا الله في النساء, فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله, ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه, فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح, ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» وفي حديث بهز بن حكيم عن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا ؟ قال «أن تطعمها إذا طعمت, وتكسوها إذا اكتسيت, ولا تضرب الوجه, ولا تقبح, ولا تهجر إلا في البيت» وقال وكيع, عن بشير بن سليمان, عن عكرمة عن ابن عباس, قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة, لأن الله يقول {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم, وقوله {وللرجال عليهن درجة} أي في الفضيلة في الخلق والخلق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والاَخرة, كما قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}. وقوله {والله عزيز حكيم} أي عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره, حكيم في أمره وشرعه وقدره.
** الطّلاَقُ مَرّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمّآ آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئاً إِلاّ أَن يَخَافَآ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ * فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
هذه الاَية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة, فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طلقات, وأباح الرجعة في المرة والثنتين, وأبانها بالكلية في الثالثة, فقال {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} قال أبو داود رحمه الله في سننه (باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث). حدثنا أحمد بن محمد المروزي, حدثني علي بن الحسين بن واقد عن أبيه, عن يزيد النحوي, عن عكرمة, عن ابن عباس {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} الاَية, ودل أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً, فنسخ ذلك فقال {الطلاق مرتان} الاَية, ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم عن علي بن الحسين به, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق, حدثنا عبدة يعني ابن سليمان, عن هشام بن عروة, عن أبيه, أن رجلاً قال لامرأته: لا أطلقك أبداً ولا آويك أبداً, قالت: كيف ذلك ؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك, فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكرت ذلك له, فأنزل الله عز وجل {الطلاق مرتان}, وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس, ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون, كلهم عن هشام عن أبيه, قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء ما دامت في العدة, وإن رجلاً من الأنصار غضب على امرأته, فقال: والله لا آويك ولا أفارقك, قالت: وكيف ذلك ؟ قال: أطلقك, فإذا دنا أجلك راجعتك, ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله عز وجل {الطلاق مرتان} قال: فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق. وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان عن يعلىَ بن شبيب مولى الزبير, عن هشام, عن أبيه, عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي عن قتيبة, عن يعلى بن شبيب به, ثم رواه عن أبي كريب, عن ابن إدريس, عن هشام. عن أبيه مرسلاً, وقال: هذا أصح. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب عن يعلى بن شبيب به, وقال: صحيح الإسناد. ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا إسماعيل بن عبد الله, حدثنا محمد بن حميد, حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق, عن هشام بن عروة, عن عائشة, قالت: لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة, وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس, فقال: والله لأتركنك لا أيماً ولا ذات زوج, فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها, ففعل ذلك مراراً, فأنزل الله عز وجل فيه {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} فوقت الطلاق ثلاثاً لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجاً غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلاً, ذكره السدي وابن زيد وابن جرير كذلك, واختار أن هذا تفسير هذه الاَية. وقوله {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} أي إذا طلقتها واحدة أو اثنتين, فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية بين أن تردها إليك ناوياً الإصلاح بها والإحسان إليها, وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك وتطلق سراحها محسناً إليها, لا تظلمها من حقها شيئاً ولا تضار بها. وقال علي بن أبي طلحة. عن ابن عباس, قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين, فليتق الله في ذلك, أي في الثالثة, فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها, أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئاً. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة, أخبرنا ابن وهب, أخبرني سفيان الثوري, حدثني إسماعيل بن سميع, قال: سمعت أبا رزين يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, أرأيت قول الله عز وجل {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} أين الثالثة ؟ قال: «التسريح بإحسان» ورواه عبد بن حميد في تفسيره ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم عن سفيان عن إسماعيل بن سميع, أن أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول الله, أرأيت قوله الله {الطلاق مرتان} فأين الثالثة ؟ قال «التسريح بإحسان الثالثة» ورواه الإمام أحمد أيضاً. وهكذا رواه سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله, عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية, عن إسماعيل بن سميع, عن أبي رزين به وكذا رواه ابن مردويه أيضاً من طريق قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين به مرسلاً ورواه ابن مردويه أيضاً من طريق عبد الواحد بن زياد, عن إسماعيل بن سميع, عن أنس بن مالك, عن النبي صلى الله عليه وسلم, فذكره, ثم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم, حدثنا أحمد بن يحيى, حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة, حدثنا ابن عائشة, حدثنا حماد بن سلمة بن قتادة, عن أنس بن مالك, قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, ذكر الله الطلاق مرتين, فأين الثالثة ؟ قال: {إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.
وقوله: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً} أي لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن, ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه, كما قال تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} فأما إن وهبته المرأة شيئاً عن طيب نفس منها, فقد قال تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} وأما إذا تشاقق الزوجان, ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته, فلها أن تفتدي منه بما أعطاها, ولا حرج عليها في بذلها له, ولا حرج عليه في قبول ذلك منها, ولهذا قال تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} الاَية, فأما إذا لم يكن لها عذر, وسألت الافتداء منه, فقد قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الوهاب ح وحدثني يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية, قالا جميعاً: حدثنا أيوب عن أبي قلابة, عمن حدثه عن ثوبان, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس, فحرام عليها رائحة الجنة». وهكذا رواه الترمذي عن بندار, عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به, وقال حسن: قال ويروى عن أيوب, عن أبي قلابة, عن أبي أسماء, عن ثوبان, ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإسناد ولم يرفعه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن, حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة, قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة». وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه وابن جرير من حديث حماد بن زيد به.
(طريق أخرى) ـ قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم, حدثنا المعتمر بن سليمان, عن ليث بن أبي إدريس, عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس حرم الله عليها رائحة الجنة» وقال: «المختلعات هن المنافقات». ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعاً, عن أبي كريب, عن مزاحم بن داود بن علية, عن أبيه, عن ليث هو ابن أبي سليم, عن أبي الخطاب, عن أبي زرعة, عن أبي إدريس, عن ثوبان, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المختلعات هن المنافقات». ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي.
(حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا أيوب, حدثنا حفص بن بشر, حدثنا قيس بن الربيع, عن أشعث بن سوار, عن الحسن, عن ثابت بن يزيد, عن عقبة بن عامر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات» غريب من هذا الوجه ضعيف.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا وهيب, حدثنا أيوب عن الحسن, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «المختلعات والمنتزعات هن المنافقات».
(حديث آخر) ـ قال ابن ماجه: حدثنا بكر بن خلف أبو بشر, حدثنا أبو عاصم عن جعفر بن يحيى بن ثوبان, عن عمه عمارة بن ثوبان, عن عطاء عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه, فتجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً». ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية, واحتجوا بقوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة, فلا يجوز في غيرها إلا بدليل, والأصل عدمه, ممن ذهب إلى هذا ابن عباس وطاوس وإبراهيم وعطاء والحسن والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئاً وهو مضار لها, وجب رده إليها, وكان الطلاق رجعياً قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه, وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى, وهذا قول جميع أصحابه قاطبة, وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستذكار له عن بكر بن عبد الله المزني, أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: {وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} ورواه ابن جرير عنه, وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله, وقد ذكر ابن جرير رحمه الله أن هذه الاَية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس وامرأته حبيبة بنت عبد الله بن أبي بن سلول, ولنذكر طرق حديثها واختلاف ألفاظه, قال الإمام مالك في موطئه, عن يحيى بن سعيد, عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة: أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية, أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم, خرج إلى الصبح, فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من هذه ؟» قالت: أنا حبيبة بنت سهل. «فقال ما شأنك» ؟ فقال: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها, فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر» فقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خذ منها» فأخذ منها وجلست في أهلها. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بإسناده مثله, ورواه أبو داود عن القعنبي عن مالك والنسائي عن محمد بن مسلمة عن ابن القاسم عن مالك.
(حديث آخر) ـ عن عائشة, قال أبو داود وابن جرير: حدثنا محمد بن معمر, حدثنا أبو عامر, حدثنا عمرو السدوسي عن عبد الله بن أبي بكر, عن عمرة, عن عائشة, أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فضربها فانكسر بعضها, فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فاشتكته إليه, فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتاً, فقال «خذ بعض مالها وفارقها» قال: ويصلح ذلك يا رسول الله ؟ قال «نعم» قال إني أصدقتها حديقتين فهما بيدها, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «خذهما وفارقها» ففعل, وهذا لفظ ابن جرير وأبو عمرو السدوسي هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام.
(حديث آخر) فيه, عن ابن عباس رضي الله عنه, قال البخاري: حدثنا أزهر بن جميل, أخبرنا عبد الوهاب الثقفي, حدثنا خالد عن عكرمة, عن ابن عباس, أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس, أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ما أعيب عليه في خلق ولا دين, ولكن أكره الكفر في الإسلام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتردين إليه حديقته» ؟ قالت: نعم, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة». وكذا رواه النسائي عن أزهر بن جميل بإسناده مثله, ورواه البخاري أيضاً به, عن إسحاق الواسطي, عن خالد هو ابن عبد الله الطحان, عن خالد هو ابن مهران الحذاء, عن عكرمة, به نحوه, وهكذا رواه البخاري أيضاً من طرق عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس وفي بعضها أنها قالت: لا أطيقه يعني بغضاً. وهذا الحديث من إفراد البخاري من هذا الوجه, ثم قال: حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا حماد بن زيد عن أيوب, عن عكرمة أن جميلة رضي الله عنها ـ كذا قال ـ والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم, لكن قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثني أبو يوسف يعقوب بن يوسف الطباخ, حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي, حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري, حدثني عبد الأعلى, حدثنا سعيد عن قتادة, عن عكرمة, عن ابن عباس, أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم, فقالت: والله ما أعتب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق, ولكنني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضاً, فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم «تردين عليه حديقته ؟». قالت: نعم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ما ساق ولا يزداد, وقد رواه ابن مردويه في تفسيره عن موسى بن هارون, حدثنا أزهر بن مروان, حدثنا عبد الأعلى مثله, وهكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان بإسناد مثله سواء, وهو إسناد جيد مستقيم, وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا يحيى بن واضح, حدثنا الحسين بن واقد عن ثابت, عن عبد الله بن رباح, عن جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول, أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه, فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال «يا جميلة ما كرهت من ثابت ؟». قالت: والله ما كرهت منه ديناً ولا خلقاً, إلا أني كرهت دمامته, فقال لها, «أتردين عليه الحديقة ؟». قالت: نعم, فردت الحديقة, وفرق بينهما. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنامحمد بن عبد الأعلى, حدثنا المعتمر بن سليمان, قال: قرأت على فضيل عن أبي جرير, أنه سأل عكرمة هل كان للخلع أصل ؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبي, أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبداً, إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة, فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامة, وأقبحهم وجهاً, فقال زوجها: يارسول الله, إني قد أعطيتها أفضل مالي حديقة لي, فإن ردت علي حديقتي, قال «ما تقولين» ؟ قالت: نعم وإن شاء زدته, قال: ففرق بينهما.
(حديث آخر) ـ قال ابن ماجه: حدثنا أبو كريب, حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس, وكان رجلاً دميماً, فقالت يارسول الله, والله لولا مخافة الله إذا دخل عليّ بصقت في وجهه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتردين إليه حديقته» ؟ قالت: نعم, فردت عليه حديقته, قال: ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها, فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية, أخبرنا أيوب عن كثير مولى ابن سمرة أن عمر أتى بامرأة ناشز, فأمر بها إلى بيت كثير الزبل, ثم دعا بها فقال: كيف وجدت ؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني, فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها, ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن كثير مولى ابن سمرة فذكر مثله, وزاد فحبسها فيه ثلاثة أيام, قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة, عن حميد بن عبد الرحمن: أن امرأة أتت عمر بن الخطاب, فشكت زوجها, فأباتها في بيت الزبل, فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك ؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها, وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر, عن عبد الله بن عقيل, أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته, قالت: كان لي زوج يقل علي الخير إذا حضرني, ويحرمني إذا غاب عني, قالت: فكانت مني زلة يوماً فقلت له: أختلع منك بكل شيء أملكه, قال: نعم, قالت: ففعلت, قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان, فأجاز الخلع وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه, أو قالت: ما دون عقاص الرأس, ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير ولا يترك لها سوى عقاص شعرها, وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب والحسن بن صالح وعثمان البتي, وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور, واختاره ابن جرير, وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها, جاز أن يأخذ منها ما أعطاها, ولا يجوز الزيادة عليه, فإن ازداد جاز في القضاء, وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئاً, فإن أخذ, جاز في القضاء. وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها, وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وطاوس والحسن والشعبي وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس, وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها, وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها. (قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة, عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس, فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد, وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة عن سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء, أن النبي صلى الله عليه وسلم, كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها, يعني المختلعة, وحملوا معنى الاَية على معنى {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} أي من الذي أعطاها لتقدم قوله: {ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} أي من ذلك, وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس {فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه} رواه ابن جرير, لهذا قال بعده {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون}.
(فصل) قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع, فأخبرنا سفيان عن عمر بن دينار, عن طاوس, عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد, يتزوجها إن شاء, لأن الله تعالى يقول: {الطلاق مرتان ـ قرأ إلى ـ أن يتراجعا} قال الشافعي: وأخبرنا سفيان عن عمرو, عن عكرمة, قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق, وروى غير الشافعي عن سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن طاوس, عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله قال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه, أيتزوجها ؟ قال: نعم, ليس الخلع بطلاق, ذكر الله الطلاق في أول الاَية وآخرها, والخلع فيما بين ذلك, فليس الخلع بشيء, ثم قرأ {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} وقرأ: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد, حتى تنكح زوجاً غيره} وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما من أن الخلع ليس بطلاق وإنما هو فسخ, هو روايه عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وابن عمر, وهو قول طاوس وعكرمة, وبه يقول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبو ثور وداود بن علي الظاهري, وهو مذهب الشافعي في القديم, وهو ظاهر الاَية الكريمة, والقول الثاني في الخلع: أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك, قال مالك, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن جهمان مولى الأسلميين, عن أم بكر الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله خالد بن أسيد فأتيا عثمان بن عفان في ذلك, فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئاً فهو ما سميت, قال الشافعي: ولا أعرف جهمان, وكذا ضعف أحمد بن جنبل هذا الأثر, والله أعلم. وقد روي نحوه عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر, وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وشريح والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد, وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وأبو عثمان البتي والشافعي في الجديد, غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع تطليقة أو اثنتين أو أطلق, فهو واحدة بائنة, وإن نوى ثلاثا فثلاث, وللشافعي قول آخر في الخلع, وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق, وعري عن البينة, فليس هو بشيء بالكلية.
(مسألة) وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه في رواية عنهما, وهي المشهورة, إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء, إن كانت ممن تحيض, وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر, وبه يقول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة وسالم وأبو سلمة وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وأبو عياض وخلاس بن عمر وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبو العبيد. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم, ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق, فتعتد كسائر الملطقات, والقول الثاني أنها تعتد بحيضة واحدة تستبرى بها رحمها. قال ابن أبي شيبة. حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع, عن ابن عمر: أن الربيع اختلعت من زوجها, فأتى عمها عثمان رضي الله عنه, فقال: تعتد بحيضة. قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض, حتى قال هذا عثمان, فكان ابن عمر يفتي به, ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا. وحدثنا عبدة عن عبيد الله, عن نافع , عن ابن عمر, قال: عدة المختلعة حيضة. وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن ليث, عن طاوس, عن ابن عباس, قال: عدتها حيضة, وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان وكل من تقدم ذكره ممن يقول أن الخلع فسخ يلزمه القول بهذا واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي حيث قال: كل منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي, حدثنا علي بن بحر, أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر, عن عمرو بن مسلم, عن عكرمة, عن ابن عباس, أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم, فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة, ثم قال الترمذي: حسن غريب, وقد رواه عبد الرزاق عن معمر, عن عمرو بن مسلم عن عكرمة مرسلاً.
(حديث آخر) ـ قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان, حدثنا الفضل بن موسى عن سفيان, حدثنا محمد بن عبد الرحمن, وهو مولى آل طلحة, عن سليمان بن يسار, عن الربيع بنت معوذ بن عفراء, أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم, أو أمرت أن تعتد بحيضة قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة.
(طريق أخرى) ـ قال ابن ماجه: حدثنا علي بن سلمة النيسابوري, حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد, حدثنا أبي عن ابن إسحاق, أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الرّبَيّع بنت معوذ بن عفراء, قال: قلت لها: حدثيني حديثك, قالت: اختلعت من زوجي, ثم جئت عثمان فسألت عثمان: ماذا علي من العدة ؟ قال: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك, فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة, قالت: وإنما اتبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية, وكانت تحت ثابت بن قيس, فاختلعت منه¹ وقد روى ابن لهيعة عن ابن الأسود, عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن الربيع بنت معوذ, قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة. (مسألة) وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عن الأئمة الأربعة وجمهور العلماء, لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى وماهان الحنفي وسعيد بن المسيب والزهري أنهم قالوا: إن رد إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها, وهو اختيار أبي ثور رحمه الله. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها, وإن كان يسمى طلاقاً فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة, وبه يقول داود بن علي الظاهري, واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة, وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فرقة: أنه لا يجوز له ذلك كما لا يجوز لغيره, وهو قول شاذ مردود.
(مسألة) وهل له أن يوقع عليها طلاقاً آخر في العدة ؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: (أحدها) ليس له ذلك, لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه, وبه يقول ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. (والثاني) قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقاً من غير سكوت بينهما, وقع, وإن سكت بينهما, لم يقع, قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما وري عن عثمان رضي الله عنه. (والثالث) أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة, وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي, وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وإبراهيم والزهري والحاكم والحكم وحماد بن أبي سليمان, وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء, وقال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
وقوله {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون} أي هذه الشرائع التي شرعها لكم. هي حدوده فلا تتجاوزوها, كما ثبت في الحديث الصحيح «إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها, وفرض فرائض فلا تضيعوها, وحرم محارم فلا تنتهكوها, وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها». وقد يستدل بهذه الاَية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام, كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم, وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة لقوله {الطلاق مرتان} ثم قال {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون} ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه حيث قال: حدثنا سليمان بن داود, أخبرنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير, عن أبيه, عن محمود بن لبيد, قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً, فقام غضبان ثم قال «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم» ؟ حتى قام رجل فقال: يارسول الله, ألا أقتله ـ فيه انقطاع ـ.
وقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} أي أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين, فإنها تحرم عليه {حتى تنكح زوجاً غيره}, أي حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح, فلو وطئها واطىء في غير نكاح ولو في ملك اليمين, لم تحل للأول, لأنه ليس بزوج, وهكذا لو تزوجت ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول, واشتهر بين كثير من الفقهاء عن سعيد بن المسيب رحمه الله أنه يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأول بمجرد العقد على الثاني, وفي صحته عنه نظر, على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البرقد حكاه عنه في الاستذكار, والله أعلم. وقد قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة, عن علقمة بن مرثد, عن سالم بن رزين عن سالم بن عبد الله, عن سعيد بن المسيب, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم, في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة, فيتزوجها زوج آخر, فيطلقها قبل أن يدخل بها, أترجع إلى الأول ؟ قال «لا, حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها» هكذا وقع في رواية ابن جرير, وقد رواه الإمام أحمد فقال: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد, قال: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله يعني ابن عمر, عن سعيد بن المسيب, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم, في الرجل تكون له المرأة فيطلقها ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها, فترجع إلى زوجها الأول, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حتى تذوق العسيلة» وهكذا رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس وابن ماجه, عن محمد بن بشار بندار, كلاهما عن محمد بن جعفر غندر, عن شعبة به, كذلك فهذا من رواية سعيد بن المسيب عن ابن عمرو مرفوعاً على خلاف ما يحكى عنه, فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند, والله أعلم. وقد روى أحمد أيضاً والنسائي وابن جرير هذا الحديث من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد, عن رزين بن سليمان الأحمدي, عن ابن عمر, قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً, فيتزوجها آخر, فيغلق الباب, ويرخي الستر, ثم يطلقها قبل أن يدخل بها, هل تحل للأول ؟ قال «لا, حتى تذوق العسيلة», وهذا لفظ أحمد, وفي رواية لأحمد سليمان بن رزين.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا محمد بن دينار, حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس بن مالك, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً, فتزوجت بعده رجلاً فطلقها قبل أن يدخل بها, أتحل لزوجها الأول ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا, حتى يكون الاَخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته». وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن إبراهيم الأنماطي عن هشام بن عبد الملك, حدثنا محمد بن دينار, فذكره (قلت) ومحمد بن دينار بن صندل أبو بكر الأزدي ثم الطاحي البصري ويقال له ابن أبي الفرات, اختلفوا فيه, فمنهم من ضعفه, ومنهم من قواه وقبله وحسن له, وذكر أبو داود أنه قبل موته, فالله أعلم,
(حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي أياس العسقلاني, حدثنا أبي, حدثنا شيبان, حدثنا يحيى بن أبي كثير, عن أبي الحارث الغفاري عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, في المرأة يطلقها زوجها ثلاثاً, فتتزوج غيره فيطلقها قبل أن يدخل بها, فيريد الأول أن يراجعها. قال «لا, حتى يذوق الاَخر عسيلتها» ثم رواه من وجه آخر عن شيبان وهو ابن عبد الرحمن به ـ وأبو الحارث غير معروف ـ.
(حديث آخر) ـ قال ابن جرير: حدثنا يحيى عن عبيد الله, حدثنا القاسم عن عائشة: أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً, فتزوجت زوجاً, فطلقها قبل أن يمسها, فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول ؟ فقال «لا, حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول» أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن عبد الله بن عمر العمري عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عمته عائشة به.
(طريق أخرى) ـ قال ابن جرير: حدثنا عبيد الله بن إسماعيل الهباري وسفيان بن وكيع وأبو هشام الرفاعي, قالوا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن إبراهيم, عن الأسود, عن عائشة قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته, فتزوجت رجلاً غيره, فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها, أتحل لزوجها الأول ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الاَخر عسيلتها وتذوق عسيلته», وكذا رواه أبو داود عن مسدد والنسائي عن أبي كريب, كلاهما عن أبي معاوية وهو محمد بن حازم الضرير به.
(طريق أخرى) ـ قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني, حدثنا أبو أسامة عن هشام, عن أبيه, عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها, فتتزوج رجلاً فيطلقها قبل أن يدخل بها, أتحل لزوجها الأول ؟ قال «لا حتى يذوق عسيلتها», قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا أبو فضيل, وحدثنا أبو كريب, حدثنا أبو معاوية جميعاً عن هشام بهذا الإسناد, وقد رواه البخاري من طريق أبي معاوية محمد بن حازم عن هشام به, وتفرد به مسلم من الوجهين الاَخرين, وهكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة مرفوعاً بنحوه أو مثله ـ وهذا إسناد جيد ـ, وكذا ورواه ابن جرير أيضاً من طريق علي بن زيد بن جدعان عن امرأة أبيه أمينة أم محمد, عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله, وهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري, حدثنا عمرو بن علي, حدثنا يحيى عن هشام بن عروة, حدثني أبي عن عائشة مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم, وحدثنا عثمان بن أبي شيبة, حدثنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه, عن عائشة, أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها, فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له إنه لا يأيتها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب, فقال «لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» تفرد به من هذا الوجه.
(طريق أخرى) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الأعلى عن معمر, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة, قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم, فقالت: إن رفاعة طلقني البتة, وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني, وإنما عنده مثل الهدبة, وأخذت هدبة من جلبابها, وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له, فقال: يا أبا بكر, ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبسم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة, لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك», وهكذا رواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك ومسلم من حديث عبد الرزاق والنسائي من حديث يزيد بن زريع, ثلاثتهم عن معمر به, وفي حديث عبد الرزاق عند مسلم, أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات, وقد رواه الجماعة إلا أبو داود من طريق سفيان بن عيينة والبخاري من طريق عقيل ومسلم من طريق يونس بن يزيد, وعنده آخر ثلاث تطليقات, والنسائي من طريق أيوب بن موسى, ورواه صالح بن أبي الأخضر, كلهم عن الزهري عن عروة عن عائشة به. وقال مالك, عن المسور بن رفاعة القرظي, عنالزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموأل طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً, فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها, فأراد رفاعة بن سموأل أن ينكحها وهو زوجها الأول الذي كان طلقها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن تزوجها, وقال «لا تحل لك حتى تذوق العسيلة» هكذا رواه أصحاب الموطأ عن مالك, وفيه انقطاع وقد رواه إبراهيم بن طهمان وعبد الله بن وهب عن مالك, عن رفاعة, عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير, عن أبيه فوصله.
(فصل) والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغباً في المرأة, قاصداً لدوام عشرتها, كما هو المشروع من التزويج, واشترط الإمام مالك مع ذلك, أن يطأها الثاني وطأً مباحاً, فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض أو نفساء أو الزوج صائم أو محرم أو معتكف لم تحل للأول بهذا الوطء, وكذا لو كان الزوج الثاني ذمياً لم تحل للمسلم بنكاحه, لأن أنكحة الكفار باطلة عنده, واشترط الحسن البصري فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ينزل الزوج الثاني وكأنه تمسك بما فهمه من قوله عليه الصلاة والسلام «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ويلزم على هذا أن تنزل المرأة أيضاً, وليس المراد بالعسيلة المني, لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن العسيلة الجماع» فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول, فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
(الحديث الأول) عن ابن مسعود رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين, حدثنا سفيان عن أبي قيس عن الهزيل عن عبد الله قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والمحَلّل والمحَلّل له وآكل الربا وموكله. ثم رواه أحمد والترمذي والنسائي من غير وجه عن سفيان وهو الثوري عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي عن هزيل بن شرحبيل الأودي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم به, ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة منهم عمر وعثمان وابن عمر, وهو قول الفقهاء من التابعين, ويروى ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس.
(طريق أخرى) عن ابن مسعود. قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي, حدثنا عبيد الله عن عبد الكريم عن أبي الواصل عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله المحَلّل والمحَلّل له».
(طريق أخرى) ـ روى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث الأعور عن عبد الله بن مسعود, قال: آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به, والواصلة والمستوصلة, ولاوي الصدقة والمعتدي فيها, والمرتد على عقبيه أعرابياً بعد هجرته, والمحَلِل والمحَلّل له, ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
(الحديث الثاني) عن علي رضي الله عنه, قال الإمام أحمد, حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن جابر عن الشعبي عن الحارث عن علي قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه, والواشمة والمستوشمة للحسن, ومانع الصدقة, والمحَلّل والمحلّل له, وكان ينهى عن النوح. وكذا رواه عن غندر عن شعبة عن جابر وهو ابن يزيد الجعفي عن الشعبي عن الحارث عن علي به, وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد وحصين بن عبد الرحمن ومجالد بن سعيد وابن عون, عن عامر الشعبي به, وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الشعبي به. ثم قال أحمد: أخبرنا محمد بن عبد الله, أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي, قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الربا وآكله وكاتبه وشاهده, والمحَلّل والمحَلَل له.
(الحديث الثالث) عن جابر رضي الله عنه. قال الترمذي: أخبرنا أبو سعيد الأشج, أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن يزيد الأيامي, حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله, وعن الحارث عن علي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحَلّل والمحَلَل له, ثم قال: وليس إسناده بالقائم. ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم منهم أحمد بن حنبل, قال: ورواه ابن نمير عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن علي, قال: وهذا وهم من ابن نمير, والحديث الأول أصح.
(الحديث الرابع) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه, حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري, أخبرنا أبي, سمعت الليث بن سعد يقول: أبو المصعب مشرح وهو ابن هاعان, قال عقبة بن عامر, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أخبركم بالتيس المستعار» ؟ قالوا: بلى يا رسول صلى الله عليه وسلم, قال: «هو المحَلّل, لعن الله المحَلّل والمحَلَل له» تفرد به ابن ماجه, كذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن عثمان بن صالح عن الليث به, ثم قال: كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكاراً شديداً. (قلت) عثمان هذا أحد الثقات, روى عنه البخاري في صحيحه ثم قد تابعه غيره, فرواه جعفر الفريابي عن العباس المعروف بابن فريق, عن أبي صالح عبد الله بن صالح, عن الليث به فبرىء من عهدته, والله أعلم.
(الحديث الخامس) عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا أبو عامر عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس, قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحَلّل والمحَلَل له.
(طريق أخرى) ـ قال الإمام الحافظ خطيب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي: حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حنيفة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المحَلّل, قال: «لا, إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة, ولا استهزاء بكتاب الله ثم يذوق عسيلتها» ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن حميد عن عبد الرحمن عن موسى بن أبي الفرات عن عمرو بن دينار عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه من هذا, فيتقوى كل من هذا المرسل والذي قبله بالاَخر, والله أعلم.
(الحديث السادس) عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر, حدثنا عبد الله هو ابن جعفر عن عثمان بن محمد المقبري عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحَلّل والمحَلَل له, وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني البيهقي من طريق عبد الله بن جعفر القرشي وقد وثقه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم, وأخرج له مسلم في صحيحه عن عثمان بن محمد الأخنسي وثقه ابن معين عن سعيد المقبري وهو متفق عليه.
(الحديث السابع) عن ابن عمر رضي الله عنهما. قال الحاكم في مستدركه, حدثنا أبو العباس الأصم, حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني, حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو يمان محمد بن مطرف المدني عن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه, هل تحل للأول ؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه, وقد رواه الثوري عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر به, وهذه الصيغة مشعرة بالرفع وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني وحرب الكرماني وأبو بكر الأثرم من حديث الأعمش عن المسيب بن رافع عن قبيصة بن جابر, عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحَلّل ولا محَلَل له إلا رجمتهما, وروى البيهقي من حديث ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار, أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها ففرق بينهما وكذا روي عن علي وابن عباس وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم.
وقوله {فإن طلقها} أي الزوج الثاني بعد الدخول بها {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} أي المرأة والزوج الأول {إن ظنا أن يقيما حدود الله} أي يتعاشرا بالمعروف. قال مجاهد إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة {وتلك حدود الله} أي شرائعه وأحكامه {يبينها} أي يوضحها {لقوم يعلمون}.
وقد اختلف الأئمة رحمهم الله فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين وتركها حتى انقضت عدتها, ثم تزوجت بآخر, فدخل بها ثم طلقها فانقضت عدتها, ثم تزوجها الأول, هل تعود إليه بما بقي من الثلاث, كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل, وهو قول طائفة من الصحابة رضي الله عنهم, أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق, فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث, كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله, وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى, والله أعلم. ======.وَإِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَأَمْسِكُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنّ ضِرَاراً لّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
هذا أمر من الله, عز وجل للرجال, إذا طلق أحدهم المرأة طلاقاً له عليها فيه رجعة, أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها, ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها, فإما أن يمسكها, أي يرتجعها, إلى عصمة نكاحه, بمعروف وهو أن يشهد على رجعتها, وينوي عشرتها بالمعروف, أو يسرحها, أي يتركها حتى تنقضي عدتها ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن, من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح, قال الله تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}, قال ابن عباس, ومجاهد ومسروق والحسن وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة, فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها, ضراراً لئلا تذهب إلى غيره, ثم يطلقها فتعتد, فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة, فنهاهم الله عن ذلك, وتوعدهم عليه, فقال: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} أي بمخالفته أمر الله تعالى.
وقوله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} قال ابن جرير عند هذه الاَية: أخبرنا أبو كريب, أخبرنا إسحاق بن منصور عن عبد السلام بن حرب, عن يزيد بن عبد الرحمن, عن أبي العلاء الأودي, عن حميد بن الرحمن, عن أبي موسى, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب على الأشعريين, فأتاه أبو موسى قال: يا رسول الله, أغضبت على الأشعريين ؟ فقال: «يقول أحدكم قد طلقت, قد راجعت, ليس هذا طلاق المسلمين, طلقوا المرأة في قبل عدتها» ثم رواه من وجه آخر عن أبي خالد الدلال وهو يزيد بن عبد الرحمن, وفيه كلام. وقال مسروق: هو الذي يطلق في غير كنهه, ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها لتطول عليها العدة, وقال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع ومقاتل بن حيان: هو الرجل يطلق ويقول: كنت لاعباً, أو يعتق أو ينكح ويقول: كنت لاعباً, فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} فألزم الله بذلك, وقال ابن مردويه: حدثنا إبراهيم بن محمد, حدثنا أبو أحمد الصيرفي, حدثني جعفر بن محمد السمسار, عن إسماعيل بن يحيى عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب لا يريد الطلاق, فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً} فألزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رواد, حدثنا آدم, حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن هو البصري, قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعباً ويعتق ويقول: كنت لاعباً, وينكح ويقول: كنت لاعباً, فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً}, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلق أو أعتق أو نكح أو أنكح, جاداً أو لاعباً, فقد جاز عليه» وكذا رواه ابن جرير, من طريق الزهري, عن سليمان بن أرقم, عن الحسن مثله, وهذا مرسل, وقد رواه ابن مردويه, عن طريق عمرو ابن عبيد, عن الحسن, عن أبي الدرداء موقوفاً عليه. وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب, حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب, حدثنا يحيى بن عبد الحميد, حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سلمة عن الحسن عن عبادة بن الصامت في قول الله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزواً}. قال: كان الرجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقول للرجل: زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعباً, ويقول: قد أعتقت, ويقول: كنت لاعباً, فأنزل الله {ولا تتخذوا آيات الله هزواً}, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من قالهن لاعباً أو غير لاعب, فهن جائزات عليه: الطلاق والعتاق والنكاح» والمشهور في هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك عن عطاء عن ابن ماهك عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث جدهن جد, وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» وقال الترمذي: حسن غريب.
وقوله {واذكروا نعمة الله عليكم}, أي في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة}, أي السنة {يعظكم به} أي يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم, {واتقوا الله}, أي فيما تأتون وفيما تذرون, {واعلموا أن الله بكل شيء عليم} أي فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية وسيجازيكم على ذلك.
** وَإِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَىَ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: نزلت هذه الاَية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين, فتنقضي عدتها, ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها, وتريد المرأة ذلك فيمنعها أولياؤها من ذلك, فنهى الله أن يمنعوها. وكذا روى العوفي عنه عن ابن عباس أيضاً, وكذا قال مسروق وإبراهيم النخعي والزهري والضحاك: إنها أنزلت في ذلك, وهذا الذي قالوه ظاهر من الاَية, وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها, وأنه لابد في النكاح من ولي, كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الاَية, كما جاء في الحديث «لا تزوج المرأة المرأة, ولا تزوج المرأة نفسها, فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» وفي الأثر الاَخر «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل» وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء, محرر في موضعه من كتب الفروع, وقد قررنا ذلك في كتاب الأحكام, ولله الحمد والمنة.
وقد روي أن هذه الاَية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته, فقال البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح عند تفسير هذه الاَية: حدثنا عبيد الله بن سعيد, حدثنا أبو عامر العقدي, حدثنا عباد بن راشد, حدثنا الحسن, قال: حدثني معقل بن يسار, قال: كانت لي أخت تخطب إلي, قال البخاري: وقال إبراهيم عن يونس, عن الحسن, حدثني معقل بن يسار, وحدثنا أبو معمر, وحدثنا عبد الوارث, حدثنا يونس عن الحسن, أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها, فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها, فأبى معقل, فنزلت {ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه من طرق متعددة عن الحسن, عن معقل بن يسار به, وصححه الترمذي أيضاً, ولفظه عن معقل بن يسار, أنه زوج أخته رجلاً من المسلمين, على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عنده ما كانت, ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها, فهويها وهويته, ثم خطبها مع الخطاب, فقال له: يا لكع بن لكع! أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها, والله لا ترجع إليك إبداً آخر ما عليك, قال: فعلم الله حاجته إليها, وحاجتها إلى بعلها, فأنزل الله {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} إلى قوله {وأنتم لا تعلمون} فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة ثم دعاه, فقال: أزوجك وأكرمك, زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني. وروى ابن جرير, عن ابن جريج, قال: هي جُمْل بنت يسار, كانت تحت أبي البداح. وقال سفيان الثوري, عن أبي إسحاق السبيعي, قال: هي فاطمة بنت يسار. وهكذا ذكر غير واحد من السلف, أن هذه الاَية نزلت في معقل بن يسار وأخته. وقال السدي: نزلت في جابر بن عبد الله وابنة عم له والصحيح الأول والله أعلم.
وقوله {ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الاَخر} أي هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به, ويتعظ به, وينفعل له {من كان منكم} أيها الناس {يؤمن بالله واليوم الاَخر} أي يؤمن بشرع الله, ويخاف وعيد الله وعذابه, في الدار الاَخرة, وما فيها من الجزاء {ذلكم أزكى لكم وأطهر} أي اتباعكم شرع الله, في رد الموليات إلى أزواجهن, وترك الحمية في ذلك أزكى لكم وأطهر لقلوبكم {والله يعلم} أي من المصالح, فيما يأمر به وينهى عنه {وأنتم لا تعلمون} أي الخيرة فيما تأتون, ولا فيما تذرون.
** وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمّ الرّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنّ وَكِسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوَاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلّمْتُم مّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة, وهي سنتان فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك, ولهذا قال {لمن أراد أن يتم الرضاعة} وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين, فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم. قال الترمذي: (باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين) حدثنا قتيبة, حدثنا أبو عوانة عن هشام بن عروة, عن فاطمة بنت المنذر, عن أم سلمة, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» هذا حديث حسن صحيح, والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم, أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين, وما كان بعد الحولين الكاملين, فإنه لا يحرم شيئاً, وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام, وهي امرأة هشام بن عروة. (قلت) تفرد الترمذي برواية هذا الحديث ورجاله على شرط الصحيحين, ومعنى قوله «إلا ما كان في الثدي» أي في محال الرضاعة قبل الحولين, كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن وكيع, وغندر عن شعبة, عن عدي بن ثابت, عن البراء بن عازب, قال: لما مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «إن ابني مات في الثدي, إن له مرضعاً في الجنة», وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة وإنما قال عليه السلام ذلك, لأن ابنه إبراهيم عليه السلام, مات وله سنة وعشرة أشهر, فقال: إن له مرضعاً, يعني تكمل رضاعه, ويؤيده ما رواه الدارقطني من طريق الهيثم بن جميل عن سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين» ثم قال: ولم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل, وهو ثقة حافظ. (قلت) وقد رواه الإمام مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد, عن ابن عباس مرفوعاً, ورواه الدراوردي عن ثور, عن عكرمة, عن ابن عباس, وزاد «وما كان بعد الحولين فليس بشيء» وهذا أصح.
وقال أبو داود الطيالسي, عن جابر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع بعد فصال, ولا يتم بعد احتلام» وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: {وفصاله في عامين أن اشكر لي}, وقال {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين, يروى عن علي وابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وابن عمر وأم سلمة وسعيد بن المسيب وعطاء والجمهور, وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية, وعنه أن مدته سنتان وشهران, وفي رواية: وثلاثة أشهر. وقال أبو حنيفة: سنتان وستة أشهر. وقال زفر بن الهذيل: ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين, وهذا رواية عن الأوزاعي, قال مالك: ولو فطم الصبي دون الحولين, فأرضعته امرأة بعد فصاله, لم يحرم لأنه قد صار بمنزلة الطعام, وهو رواية عن الأوزاعي, وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال, فيحتمل أنهما أرادا الحولين, كقول الجمهور: سواء فطم أو لم يفطم ويحتمل أنهما أرادا الفعل كقول مالك, والله أعلم, وقد روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها, أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم, وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد, وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها, فترضعه, وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي حذيفة أن ترضعه وكان كبيراً, فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة, وأبى ذلك سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم, ورأين ذلك من الخصائص, وهو قول الجمهور, وحجة الجمهور وهم الأئمة الأربعة, والفقهاء السبعة, والأكابر من الصحابة, وسائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم, سوى عائشة ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انظرن من إخوانكم فإنما الرضاعة من المجاعة» وسيأتي الكلام على مسائل الرضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير, عن قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم}.
وقوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} أي وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف, أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار, بحسب قدرته في يساره, وتوسطه وإقتاره, كما قال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً} قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد, فأرضعت له ولده, وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.
وقوله: {لا تضار والدة بولدها} أي بأن تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته, ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالباً, ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت, ولكن إن كانت مضارة لأبيه, فلا يحل لها ذلك, كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها, ولهذا قال: {ولا مولود له بولده} أي بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضراراً بها, قاله مجاهد وقتادة والضحاك والزهري والسدي والثوري وابن زيد وغيرهم.
وقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} قيل: في عدم الضرار لقريبه, قاله مجاهد والشعبي والضحاك, وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها, وهو قول الجمهور, وقد استقصى ذلك ابن جرير في تفسيره, وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض, وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف, ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعاً «من ملك ذا رحم محرم, عتق عليه» وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد إما في بدنه أو في عقله. وقال سفيان الثوري, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة: أنه رأى امرأة ترضع بعد الحولين, فقال: لا ترضعيه.
وقوله: {فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} أي فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين, ورأيا في ذلك مصلحة له, وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه, فلا جناح عليهما في ذلك, فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الاَخر لا يكفي, ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الاَخر, قاله الثوري وغيره, وهذا فيه احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره, وهو من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما, وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه, كما قال في سورة الطلاق {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهنّ وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى}.
وقوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} أي إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد إما لعذر منها أو العذر له, فلا جناح عليهما في بذله, ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن, واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف, قاله غير واحد. وقوله: {واتقوا الله} أي في جميع أحوالكم {واعلموا أن الله بما تعملون بصير} أي فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم.== ========== = وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن, أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال, وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع, ومستنده في غير المدخول بها عموم الاَية الكريمة, وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها, ولم يدخل بها ولم يفرض لها, فترددوا إليه مراراً في ذلك, فقال أقول فيها برأيي, فإن يك صواباً فمن الله, وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان, والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملاً, وفي لفظ: لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط, وعليها العدة, ولها الميراث, فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم, قضى به في بروع بنت واشق ففرح عبد الله بذلك فرحاً شديداً, وفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بروع بنت واشق. ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها, وهي حامل, فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله: {وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ} وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع, أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الاَيتين, وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي, لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية المخرج في الصحيحين من غير وجه, أنها توفي عنها زوجها سعد بن خولة وهي حامل, فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته, وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال, فلما تعلت من نفاسها, تجملت للخطاب, فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك, فقال لها: ما لي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح ؟ والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك, جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت, فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك, فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي, وأمرني بالتزويج إن بدا لي, قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث سبيعة, يعني لما احتج عليه به, قال: ويصحح ذلك عنه, أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة كما هو قول أهل العلم قاطبة. وكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أمة, فإن عدتها على النصف من عدة الحرة, شهران وخمس ليال على قول الجمهور, لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحد, فكذلك فلتكن على النصف منها في العدة. ومن العلماء كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية من يسوي بين الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام لعموم الاَية, ولأن العدة من باب الأمور الجبلية التي تستوي فيها الخليقة, وقد ذكر سعيد بن المسيب, وأبو العالية وغيرهما, أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً, لاحتمال اشتمال الرحم على حمل, فإذا انتظر به هذه المدة, ظهر إن كان موجوداً, كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة, ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح» فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر, والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور, ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه, والله أعلم. قال سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر ؟ قال: فيه ينفخ الروح, وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة ؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح, رواهما ابن جرير, ومن ههنا ذهب الإمام أحمد, في رواية عنه, إلى أن عدة أم الولد عدة الحرة ههنا, لأنها صارت فراشاً كالحرائر, وللحديث الذي رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون, عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة عن رجاء بن حيوة, عن قبيصة بن ذؤيب, عن عمرو بن العاص أنه قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا, عدة أم الولد, إذا توفى عنها سيدها أربعة أشهر وعشر. ورواه أبو داود عن قتيبة, عن غندر, وعن ابن المثنى, عن عبد الأعلى, وابن ماجه عن علي بن محمد, عن الربيع, ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة, عن مطر الوراق, عن رجاء بن حيوة, عن قبيصة, عن عمرو بن العاص, فذكره. وقد روي عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث, وقيل إن قبيصة لم يسمع عمراً, وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف, منهم سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير, والحسن وابن سيرين وأبو عياض والزهري وعمر بن عبد العزيز, وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان, وهو أمير المؤمين, وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في رواية عنه, وقال طاوس وقتادة: عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها نصف عدة الحرة شهران وخمس ليال. وقال أبو حنيفة وأصحابه, والثوري والحسن بن صالح بن حيي: تعتد بثلاث حيض, وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي. وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة, وبه يقول ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور, وقال الليث: ولو مات وهي حائض, أجزأتها. وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض, فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور: شهر وثلاثة أحب إليّ, والله أعلم.
وقوله: {فإذا بلغن أجلهنّ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعلمون خبير} يستفاد من هذا وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين عن غير وجه عن أم حبيبة وزينب بنت جحش أم المؤمنين, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاَخر أن تحد على ميت فوق ثلاث, إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» وفي الصحيحين أيضاً عن أم سملة أن امرأة قالت: يا رسول الله, إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها ؟ فقال «لا» كل ذلك يقول ـ لا ـ مرتين أو ثلاثاً, ثم قال: «إنما هي أربعة أشهر وعشر, وقد كانت إحداكم في الجاهلية تمكث سنة» قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها, دخلت حفشاً ولبست شر ثيابها, ولم تمس طيباً ولا شيئاً حتى تمر بها سنة, ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها, ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به. فقلما تفتض بشيء إلا مات, ومن ههنا ذهب كثيرون من العلماء إلى أن هذه الاَية ناسخة للاَية التي بعدها, وهي قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج} الاَية, كما قاله ابن عباس وغيره, وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره. والغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك, وهو واجب في عدة الوفاة قولاً واحداً, ولا يجب في عدة الرجعية قولاً واحداً, وهل يجب في عدة البائن فيه قولان. ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن, سواء في ذلك الصغيرة والاَيسة والحرة والأمة والمسلمة والكافرة, لعموم الاَية, وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد على الكافرة, وبه يقول أشهب وابن نافع من أصحاب مالك, وحجة قائل هذه المقالة قوله صلى الله عليه وسلم «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاَخر أن تحد على ميت فوق ثلاث, إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» قالوا: فجعله تعبداً, وألحق أبو حنيفة وأصحابه والثوري الصغيرة بها لعدم التكليف, وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأمة المسلمة لنقصها, ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع, والله الموفق للصواب.
وقوله {فإذا بلغن أجلهن} أي انقضت عدتهن, قاله الضحاك والربيع بن أنس, {فلا جناح عليكم} قال الزهري: أي على أوليائها. {فيما فعلن} يعني النساء اللاتي انقضت عدتهن, قال العوفي عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها, فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج, فذلك المعروف. وروي عن مقاتل بن حيان نحوه, وقال ابن جريج عن مجاهد {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} قال: النكاح الحلال الطيب, وروي عن الحسن والزهري والسدي ونحو ذلك.
** وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيَ أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنّ وَلَـَكِن لاّ تُوَاعِدُوهُنّ سِرّاً إِلاّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُوَاْ عُقْدَةَ النّكَاحِ حَتّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
يقول تعالى: {ولا جناح عليكم} أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح, قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به خطبة النساء} قال: التعريض أن يقول: إني أريد التزويج, وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها ـ يعرض لها بالقول بالمعروف ـ وفي رواية: وددت أن الله رزقني امرأة, ونحو هذا, ولا ينتصب للخطبة, وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله, ولوددت أني وجدت امرأة صالحة, ولا ينتصب لها ما دامت في عدتها ورواه البخاري تعليقاً فقال: وقال لي طلق بن غنام, عن زائدة, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} هو أن يقول: إني أريد التزويج, وإن النساء لمن حاجتي, ولوددت أن ييسر لي امرأة صالحة, وهكذا قال مجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وقتادة والزهري ويزيد بن قسيط ومقاتل بن حيان والقاسم بن محمد وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها بالخطبة, وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات, فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم, وقال لها: فإذا حللت فآذنيني, فلما حلت, خطب عليها أسامة بن زيد مولاه, فزوجها إياه, فأما المطلقة فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا التعريض لها, والله أعلم.
وقوله {أو أكننتم في أنفسكم} أي أضمرتم في أنفسكم من خطبتهن, وهذا كقوله تعالى {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} وكقوله {وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} ولهذا قال {علم الله أنكم ستذكرونهن} أي في أنفسكم, فرفع الحرج عنكم في ذلك. ثم قال: {ولكن لا تواعدوهنّ سراً} قال أبو مجلز وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان والسدي: يعني الزنا, وهو معنى الزنا, وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس, واختاره ابن جرير, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {ولكن لا تواعدوهن سراً} لا تقل لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري, ونحو هذا, وكذا روي عن سعيد بن جبير والشعبي وعكرمة وأبي الضحى والضحاك والزهري ومجاهد والثوري, هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره. وعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك, وقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره, فنهى الله عن ذلك, وقدم فيه وأحل الخطبة, والقول بالمعروف, وقال ابن زيد {ولكن لا تواعدوهن سراً} هو أن يتزوجها في العدة سراً, فإذا حلت أظهر ذلك, وقد يحتمل أن تكون الاَية عامة في جميع ذلك, لهذا قال {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي والثوري وابن زيد: يعني به ما تقدم من إباحة التعريض كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك, وقال محمد بن سيرين: قلت لعبيدة: ما معنى قوله {إلا أن تقولوا قولاً معروفاً} ؟ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها, يعني لا تزوجها حتى تعلمني, رواه ابن أبي حاتم.
وقوله {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} يعني ولا تعقدوا العقدة بالنكاح حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وقتادة والربيع بن أنس وأبو مالك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان والزهري وعطاء الخراساني والسدي والثوري والضحاك: {حتى يبلغ الكتاب أجله} يعني ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة, وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في العدة. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها, فدخل بها, فإنه يفرق بينهما, وهل تحرم عليه أبداً ؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه, بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها. وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد, واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار, أن عمر رضي الله عنه, قال: أيما امرأة نكحت في عدتها, فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما, ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول, وكان خاطباً من الخطاب, وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول, ثم اعتدت من الاَخر, ثم لم ينكحها أبداً وقالوا: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أحل الله, عوقب بنقيض قصده, فحرمت عليه على التأبيد كالقاتل يحرم الميراث. وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم ورجع عنه في الجديد, لقول علي أنها تحل له. (قلت) قال: ثم هو منقطع عن عمر. وقد روى الثوري عن أشعث, عن الشعبي, عن مسروق, أن عمر رجع عن ذلك, وجعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان.
وقوله: {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}, توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء, وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر, ثم لم يؤيسهم من رحمته, ولم يقنطهم من عائدته, فقال {واعلموا أن الله غفور حليم}.
** لاّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلّقْتُمُ النّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسّوهُنّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنّ فَرِيضَةً وَمَتّعُوهُنّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ
أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها, وقبل الدخول بها. قال ابن عباس وطاوس وإبراهيم والحسن البصري: المس النكاح, بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها, إن كانت مفوضة وإن كان في هذا إنكسار لقلبها, ولهذا أمر تعالى بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله, على الموسع قدره, وعلى المقتر قدره. وقال سفيان الثوري, عن إسماعيل بن أمية عن عكرمة, عن ابن عباس: قال, متعة الطلاق أعلاه الخادم, ودون ذلك الورق, ودون ذلك الكسوة. وقال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: إن كان موسراً متعها بخادم أو نحو ذلك, وإن كان معسراً أمتعها بثلاثة أثواب. وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب, قال: وكان شريح يمتع بخمسمائه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب بن سيرين, قال: كان يمتع بالخادم أو بالنفقة أو بالكسوة. قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف, ويروى أن المرأة قالت: متاع قليل من حبيب مفارق. وذهب أبو حنيفة إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها. وقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة, وأحب ذلك إليّ اني أستحسن ثلاثين درهماً, كما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقد اختلف العلماء أيضاً: هل تجب المتعة لكل مطلقة أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها, على أقوال: أحدها أنها تجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} ولقوله تعالى: { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكنّ سراحاً جميلاً} وقد كن مفروضاً لهن ومدخولاً بهن, وهذا قول سعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري, وهو أحد قولي الشافعي ومنهم من جعله الجديد الصحيح, والله أعلم.
(والقول الثاني) أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس, وإن كانت مفروضاً لها, لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً} قال شعبة وغيره, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, قال: نسخت هذه الاَية التي في الأحزاب الاَية التي في البقرة. وقد روى البخاري في صحيحه, عن سهل بن سعد وأبي أسيد. أنهما قالا: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شرحبيل, فلما أدخلت عليه, بسط يده إليها, فكأنها كرهت ذلك, فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين أزرقين. (القول الثالث) أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها, فإن كان قد دخل بها, وجب لها مهر مثلها إذا كانت وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول, وجب لها عليه شطره, فإن دخل بها استقر الجميع, وكان ذلك عوضاً لها عن المتعة, وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها, فهذه التي دلت هذه الاَية الكريمة على وجوب متعتها, هذا قول ابن عمر ومجاهد, ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول, وهذا ليس بمنكور, عليه تحمل آية التخيير في الأحزاب, ولهذا قال تعالى: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين * وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} ومن العلماء من يقول: إنها مستحبة مطلقاً. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني, حدثنا محمد بن سعيد بن سابق, حدثنا عمرو ـ يعني ابن أبي قيس ـ عن أبي إسحاق, عن الشعبي, قال: ذكروا له المتعة, أيحبس فيها ؟ فقرأ {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} قال الشعبي: والله ما رأيت أحداً حبس فيها, والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة.
** وَإِن طَلّقْتُمُوهُنّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسّوهُنّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النّكَاحِ وَأَن تَعْفُوَاْ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
وهذه الاَية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الاَية الأولى, حيث إنما أوجب في هذه الاَية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول, فإنه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها لا سيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الاَية, والله أعلم. وتشطير الصداق والحالة هذه أمر مجمع عليه بين العلماء, لا خلاف بينهم في ذلك, فإنه متى كان قد سمى لها صداقاً ثم فارقها قبل دخوله بها, فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق, إلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج وإن لم يدخل بها, وهو مذهب الشافعي في القديم, وبه حكم الخلفاء الراشدون, لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد, أخبرنا ابن جريج عن ليث بن أبي سليم, عن طاوس, عن ابن عباس أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق, لأن الله يقول: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} قال الشافعي: بهذا أقول, وهو ظاهر الكتاب. قال البيهقي وليث بن أبي سليم, وإن كان غير محتج به, فقد رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس فهو مقوله.
وقوله: {إلا أن يعفون} أي النساء, عما وجب لها على زوجها, فلا يجب لها عليه شيء, قال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: {إلا أن يعفون} قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها. قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله: روي عن شريح وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والشعبي والحسن ونافع وقتادة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني والضحاك والزهري ومقاتل بن حيان وابن سيرين والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال: {إلا أن يعفون} يعني الرجال, وهو قول شاذ لم يتابع عليه, انتهى كلامه.
وقوله: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} قال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة حدثني عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «ولي عقد النكاح الزوج» وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة به, وقد أسنده ابن جرير عن ابن لهيعة, عن عمرو بن شعيب, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ولم يقل عن أبيه عن جده, فالله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب, حدثنا أبو داود, حدثنا جابر يعني ابن أبي حازم, عن عيسى يعني ابن عاصم, قال: سمعت شريحاً يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح, فقلت له: هو ولي المرأة, فقال علي: لا, بل هو الزوج, ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وشريح في أحد قوليه, وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع ومحمد بن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبي مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان, أنه الزوج (قلت) وهذا هو الجديد من قولي الشافعي, ومذهب أبي حنيفة وأصحابه, والثوري وابن شبرمة والأوزاعي, واختاره ابن جرير, ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة الزوج, فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها, وكما أنه لا يجوز للوليّ, أن يهب شيئاً من مال المولية للغير, فكذلك في الصداق, قال: والوجه الثاني حدثنا أبي حدثنا ابن أبي مريم, حدثنا محمد بن مسلم, حدثنا عمرو بن دينار, عن ابن عباس ـ في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح ـ قال: ذلك أبوها أو أخوها أو من لا تنكح إلا بإذنه. وروي عن علقمة والحسن وعطاء وطاوس والزهري وربيعة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وعكرمة في أحد قوليه, ومحمد بن سيرين في أحد قوليه أنه الولي. وهذا مذهب مالك, وقول الشافعي في القديم, ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها إياه, فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها. وقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن الربيع الرازي, حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة, قال: أذن الله في العفو وأمر به, فأي امرأة عفت جاز عفوها, فإن شحت وضنت عفا وليها جاز عفوه, وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة, وهو مروي عن شريح, لكن أنكر عليه الشعبي, فرجع عن ذلك وصار إلى أنه الزوج وكان يباهل عليه.
وقوله: {وأن تعفو أقرب للتقوى}. قال ابن جرير: قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء, حدثني يونس, أنبأنا ابن وهب, سمعت ابن جريج يحدث عن عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباس {وأن تعفوا أقرب للتقوى} قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو, وكذا روي عن الشعبي وغيره. وقال مجاهد والنخعي والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والثوري: الفضل ـ ههنا ـ أن تعفوا المرأة عن شطرها أو إتمام الرجل الصداق لها, ولهذا قال {ولا تنسوا الفضل بينكم} أي الإحسان, قاله سعيد, وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل المعروف: يعني لا تهملوه بل استعملوه بينكم, وقد قال أبو بكر بن مردويه, حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا موسى بن إسحاق, حدثنا عقبة بن مكرم, حدثنا يونس بن بكير, حدثنا عبد الله بن الوليد الرصافي عن عبد الله بن عبيد, عن علي بن أبي طالب, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليأتين على الناس زمان عضوض, يعض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل, وقد قال الله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} شرار يبايعون كل مضطر» وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وعن بيع الغرر, فإن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكاً إلى هلاكه, فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه. وقال سفيان: عن أبي هارون, قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي, فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء, ويقول صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هماً حين رأيتهم أحسن ثياباً, وأطيب ريحاً, وأحسن مركباً, وجالست الفقراء فاسترحت بهم, وقال {ولا تنسوا الفضل بينكم} إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فليدع له, رواه ابن أبي حاتم {إن الله بما تعملون بصير} أي لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم, وسيجزي كل عامل بعمله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق