سورة النساء
قال العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة. وكذا روى ابن مردويه, عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت, ورَوى من طريق عبد الله بن لهيعة, عن أخيه عيسى, عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حبس» وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب, حدثنا أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر, حدثنا محمد بن بشر العبدي, حدثنا مسعر بن كدام عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه, عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} الاَية, و {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} الاَية, و {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} و{لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك} الاَية, {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} ثم قال: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه فقد اختلف في ذلك, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن ابن مسعود قال: خمس آيات من النساء لهن أحب إلي من الدنيا جميعاً {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} وقوله: {وإن تك حسنة يضاعفها} وقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقوله: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً}, وقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً} رواه ابن جرير. ثم رَوى من طريق صالح المري عن قتادة عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت, أولاهن {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} والثانية {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً} والثالثة {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً} ثم ذكر قول ابن مسعود سواء ـ يعني في الخمسة الباقية ـ وروى الحاكم من طريق أبي نعيم عن سفيان بن عيينة, عن عبيد الله بن أبي يزيد, عن ابن أبي مليكة: سمعت ابن عباس يقول: سلوني عن سورة النساء فإني قرأت القرآن وأنا صغير. ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه.
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
** أَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
يقول تعالى آمراً خلقه بتقواه, وهي عبادته وحده لا شريك له, ومنبهاً لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة, وهي آدم عليه السلام {وخلق منها زوجها} وهي حواء عليها السلام خلقت من ضلعه الأيسر, من خلفه وهو نائم, فاستيقظ فرآها فأعجبته, فأنس إليها وأنست إليه, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن مقاتل, حدثنا وكيع عن أبي هلال عن قتادة, عن ابن عباس, قال: خلقت المرأة من الرجل فجعل نهمتها في الرجل وخلق الرجل من الأرض فجعل نهمته في الأرض, فاحبسوا نساءكم. وفي الحديث الصحيح: «إن المرأة خلقت من ضلع, وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه, فإن ذهبت تقيمه كسرته, وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج». وقوله: {وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} أي وذرأ منهما أي من آدم وحواء رجالاً كثيراً ونساء, ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم, ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر. ثم قال تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} أي واتقوا الله بطاعتكم إياه. قال إبراهيم ومجاهد والحسن {الذي تساءلون به} أي كما يقال: أسألك بالله وبالرحم, وقال الضحاك: واتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به, واتقوا الأرحام أن تقطعوها ولكن بروها وصلوها, قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن والضحاك والربيع وغير واحد وقرأ بعضهم: والأرحام بالخفض على العطف على الضمير في به أي تساءلون بالله وبالأرحام, كما قال مجاهد وغيره. وقوله: {إن الله كان عليكم رقيباً} أي هو مراقب لجميع أحولكم وأعمالكم, كما قال: {والله على كل شيء شهيد}. وفي الحديث الصحيح «اعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه, فإنه يراك» وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب. ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة ليعطف بعضهم على بعض, ويحننهم على ضعفائهم. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مضر وهم مجتابو النّمار ـ أي من عريهم وفقرهم ـ قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة}, حتى ختم الاَية. وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد}, ثم حضهم على الصدقة فقال: «تصدق رجل من ديناره, من درهمه, من صاع بره, من صاع تمره» وذكر تمام الحديث, وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة, وفيها ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها {يا أيها الناس اتقوا ربكم} الاَية.
** وَآتُواْ الْيَتَامَىَ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىَ أَمْوَالِكُمْ إِنّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَىَ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَآءِ مَثْنَىَ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَىَ أَلاّ تَعُولُواْ * وَآتُواْ النّسَآءَ صَدُقَاتِهِنّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مّرِيئاً
يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة, وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم, ولهذا قال: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} قال سفيان الثوري عن أبي صالح: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك. وقال سعيد بن جبير: لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم, يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام. وقال سعيد بن المسيب والزهري: لا تعط مهزولاً وتأخذ سميناً. وقال إبراهيم النخعي والضحاك: لا تعط زائفاً وتأخذ جيداً. وقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم, ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة, ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف ويقول درهم بدرهم. وقوله {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} قال مجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والسدي وسفيان بن حسين: أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعاً. وقوله: {إنه كان حوباً كبيراً} قال ابن عباس: أي إثماً كبيراً عظيماً. وروى ابن مردويه عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {حوباً كبيراً} قال: «إثماً كبيراً» ولكن في إسناده محمد بن يوسف الكُدَيْمي وهو ضعيف وروي هكذا عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وأبي مالك وزيد بن أسلم وأبي سنان مثل قول ابن عباس وفي الحديث المروي في سنن أبي داود «اغفر لنا حوبنا وخطايانا». وروى ابن مردويه بإسناده إلى واصل مولى أبي عيينة عن ابن سيرين عن ابن عباس, أن أبا أيوب طلق امرأته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا أيوب إن طلاق أم أيوب كان حوباً» قال ابن سيرين: الحوب الإثم, ثم قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي حدثنا بشر بن موسى, حدثنا هَوْذة بن خليفة, حدثنا عوف عن أنس أن أبا أيوب أراد طلاق أم أيوب, فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن طلاق أم أيوب لحوب» فأمسكها, ثم روى ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث علي بن عاصم عن حميد الطويل, سمعت أنس بن مالك أيضاً يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق أم سليم امرأته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن طلاق أم سليم لحوب» فكف. والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه. وقوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى}, أي إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النساء, فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج, أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق, وكان يمسكها عليه, ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه {وإن خفتم ألا تقسطوا} أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. ثم قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله. حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى}, قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها, فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره, فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن. ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق, وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الاَية فأنزل الله {ويستفتونك في النساء}, قالت عائشة: وقول الله في الاَية الأخرى {وترغبون أن تنكحوهن} رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال, فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. وقوله: {مثنى وثلاث ورباع} أي انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم ثنتين وإن شاء ثلاثاً, وإن شاء أربعاً. كما قال الله تعالى: {جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} أي منهم من له جناحان, ومنهم من له ثلاثة, ومنهم من له أربعة, ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه, بخلاف قصر الرجال على أربع, فمن هذه الاَية كما قال ابن عباس وجمهور العلماء, لأن المقام مقام امتنان وإباحة, فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره. قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة, وهذا الذي قاله الشافعي رحمه الله مجمع عليه بين العلماء إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة, أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع. وقال بعضهم: بلا حصر. وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيحين, وأما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري: وقد علقه البخاري وقد روينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بخمس عشرة امرأة, ودخل منهن بثلاث عشرة, واجتمع عنده إحدى عشرة, ومات عن تسع. وهذا عند العلماء من خصائصه دون غيره من الأمة لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع, ولنذكر الأحاديث في ذلك, قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا معمر عن الزهري, قال ابن جعفر في حديثه: أنبأنا ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «اختر منهن أربعاً» فلما كان في عهد عمر طلق نساءه, وقسم ماله بين بنيه, فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك, ولعلك لا تمكث إلا قليلا. وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن في مالك أو لأورثهن منك ولاَمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال. وهكذا رواه الشافعي والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وغيرهم, من طرق عن إسماعيل بن علية وغندر ويزيد بن زريع وسعيد بن أبي عروبة وسفيان الثوري وعيسى بن يونس, وعبد الرحمن بن محمد المحاربي, والفضل بن موسى وغيرهم من الحفاظ, عن معمر بإسناده مثله إلى قوله: «اختر منهن أربعاً» وباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد, وهي زيادة حسنة وهي مُضَعّفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي حيث قال بعد روايته له سمعت البخاري يقول: هذا الحديث غير محفوظ. والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهري. حُدّثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة ـ فذكره. قال البخاري: وإنما حديث الزهري عن سالم, عن أبيه أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال. وهذا التعليل فيه نظر, والله أعلم ـ وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري مرسلاً. وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلاً. قال أبو زرعة: وهو أصح. وقال البيهقي: ورواه عقيل عن الزهري: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد. وقال أبو حاتم: وهذا وهم إنما هو الزهري, عن محمد بن سويد. بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فذكره. قال البيهقي: ورواه يونس وابن عيينة عن الزهري عن محمد بن أبي سويد وهذا كما علله البخاري وهذا الإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد, رجاله ثقات على شرط الشيخين ثم قد روي من غير طريق معمر بل والزهري. قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ, حدثنا أبو علي الحافظ, حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي, حدثنا أبو بُرَيد عمرو بن يزيد الجرمي, أخبرنا سيف بن عبيد الله حدثنا سرار بن مجشر, عن أيوب, عن نافع وسالم, عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلمن معه, فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً. هكذا أخرجه النسائي في سننه, قال أبو علي بن السكن: تفرد به سرار بن مجشر وهو ثقة. وكذا وثقه ابن معين قال أبو علي: وكذا رواه السميدع بن واهب عن سرار. قال البيهقي: وروينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس, وعروة بن مسعود الثقفي وصفوان بن أمية يعني حديث غيلان بن سلمة. فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن معه فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال, فإذا كان هذا في الدوام, ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى, والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب, (حديث آخر في ذلك) روى أبو داود وابن ماجه في سننهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حُمَيْضة بن الشمردل وعند ابن ماجه بنت الشمردل, حكى أبو داود أن منهم من يقول الشمرذل بالذال المعجمة عن قيس بن الحارث, وعند أبي داود في رواية الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اختر منهن أربعاً», وهذا الإسناد حسن: ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثله لما للحديث من الشواهد. (حديث آخر في ذلك) قال الشافعي في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد يقول أخبرني عبد المجيد بن سُهيل بن عبد الرحمن عن عوف بن الحارث عن نوفل بن معاوية الديلي رضي الله عنه, قال: أسلمت وعندي خمس نسوة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اختر أربعاً أيتهن شئت وفارق الأخرى» فعمدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها. فهذه كلها شواهد بصحة ما تقدم من حديث غيلان كما قاله البيهقي رحمه الله. وقوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم}, أي فإن خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن, كما قال تعالى, {ولن تستطيعو أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة أو على الجواري السراري فإنه لا يجب قسم بينهن, ولكن يستحب فمن فعل فحسن, ومن لا فلا حرج, وقوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا} قال بعضهم ذلك أدنى ألا تكثر عيالكم, قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي رحمهم الله, وهو مأخوذ من قوله تعالى: {وإن خفتم عيلة} أي فقراً {فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} وقال الشاعر:
فما يدري الفقير متى غناهوما يدري الغني متى يعيل
وتقول العرب: عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر ولكن في هذا التفسير ههنا نظر, فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر كذلك يخشى من تعداد السراري أيضاً والصحيح قول الجمهور {ذلك أدنى ألا تعولوا} أي لا تجوروا, يقال: عال في الحكم إذا قسط وظلم وجار, وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
بميزان قسط لا يخيس شعيرةله شاهد من نفسه غير عائل
وقال هشيم عن أبي إسحاق قال: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول. رواه ابن جرير, وقد روى ابن أبي حاتم وأبو حاتم ابن مردويه وابن حبان في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم, حدثنا محمد بن شعيب عن عمر بن محمد بن زيد عن عبد الله بن عمر عن هشام بن عروة, عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ذلك أدنى ألا تعولوا} قال: «لا تجوروا» قال ابن أبي حاتم: قال أبي, هذا حديث خطأ, والصحيح: عن عائشة موقوف, وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس وعائشة ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي مالك وأبي رزين والنخعي والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: لا تميلوا, وقد استشهد عكرمة رحمه الله ببيت أبي طالب الذي قدمناه, ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة, وقد رواه ابن جرير ثم أنشده جيداً واختار ذلك. وقوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: النحلة المهر, وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة: نحلة فريضة, وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة أي فريضة. زاد ابن جريج: مسماة, وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب, يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها, وليس ينبغي لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب, ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذباً بغير حق, ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتماً, وأن يكون طيب النفس بذلك كما يمنع المنيحة ويعطي النحلة طيباً بها كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيباً بذلك فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالاً طيباً, ولهذا قال: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن السدي عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك فليبتع بها عسلاً ثم ليأخذ ماء السماء فيجتمع هنيئاً مريئاً شفاء مباركاً. وقال هشيم عن سيار عن أبيصالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك, ونزل {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} رواه ابن أبي حاتم وابن جرير, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي, حدثنا وكيع عن سفيان عن عمير الخثعمي عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن عبد الرحمن بن البَيْلماني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قالوا: يا رسول الله فما العلائق بينهم ؟ قال: «ما تراضى عليه أهلوهم» وقد روى ابن مردويه من طريق حجاج بن أرطأة عن عبد الملك بن المغيرة عن عبد الرحمن بن البَيْلماني عن عمر بن الخطاب قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنكحوا الأيامى ـ ثلاثا ـ» فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله ما العلائق بينهم ؟ قال: «ماتراضى عليه أهلوهم» ابن البَيْلماني ضعيف ثم فيه انقطاع أيضاً.
** وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مّعْرُوفاً * وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ حَتّىَ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىَ بِاللّهِ حَسِيباً
ينهى سبحانه وتعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياماً, أي تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها ومن ههنا يؤخذ الحجر على السفهاء وهم أقسام, فتارة يكون الحجر للصغر, فإن الصغير مسلوب العبارة, وتارة يكون الحجر للجنون, وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين, وتارة للفلس, وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها, فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه, حجر عليه, وقال الضحاك عن ابن عباس, في قوله {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} قال: هم بنوك والنساء, وكذا قال ابن مسعود والحكم بن عيينة والحسن والضحاك: هم النساء والصبيان, وقال سعيد بن جبير: هم اليتامى, وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: هم النساء, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا صدقة بن خالد, حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وإن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها» ورواه ابن مردويه مطولاً وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم, حدثنا حرب بن سُريح, عن معاوية بن قرة, عن أبي هريرة {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} قال: هم الخدم, وهم شياطين الإنس, وقوله: {وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً}. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس, يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تنظر إلى ما في أيديهم ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤونتهم ورزقهم, وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن فراس, عن الشعبي, عن أبي بردة, عن أبي موسى, قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها, ورجل أعطى ماله سفيهاً, وقد قال: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}, ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهِد عليه, وقال مجاهد: {وقولوا لهم قولاً معروفاً}, يعني في البر والصلة, وهذه الاَية الكريمة تضمنت الإحسان إلى العائلة ومن تحت الحجر بالفعل من الإنفاق في الكساوي والأرزاق والكلام الطيب وتحسين الأخلاق, وقوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل بن حيان: أي اختبروهم {حتى إذا بلغوا النكاح} قال مجاهد: يعني الحلم, قال الجمهور من العلماء البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم, وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد, وفي سنن أبي داود عن علي قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل» وفي الحديث الاَخر عن عائشة وغيرها من الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة, عن الصبي حتى يحتلم, وعن النائم حتى يستقيظ, وعن المجنون حتى يفيق», أو يستكمل خمس عشرة سنة وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عمر, قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني, وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني, فقال عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير واختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج, وهي الشعرة, هل تدل على بلوغ أم لا ؟ على ثلاثة أقوال, يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين فلا يدل على ذلك لاحتمال المعالجة, وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغاً في حقهم لأنه لا يتعجل بها إلى ضرب الجزية عليه. فلا يعالجها, والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس واحتمال المعالجة بعيد, ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عطية القرظي رضي الله عنه, قال: عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة, فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلى سبيله, فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي, وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه, وقال الترمذي: حسن صحيح وإنما كان كذلك لأن سعد بن معاذ كان قدحكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية, وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب: حدثنا ابن علية عن إسماعيل بن أمية, عن محمد بن يحيى بن حبان, عن عمر, أن غلاماً ابتهر جارية في شعره, فقال عمر رضي الله عنه: انظروا إليه فلم يوجد أنبت فدرأ عنه الحد, قال أبو عبيد: ابتهرها أي قذفها, والابتهار أن يقول فعلت بها وهو كاذب, فإن كان صادقاً فهو الابتيار, قال الكميت في شعره:
قبيح بمثلي نعت الفتاةإما ابتهاراً وإما ابتياراً
وقوله عز وجل: {فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم} قال سعيد بن جبير: يعني صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم. وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة وهكذا قال الفقهاء: متى بلغ الغلام مصلحاً لدينه وماله انفك الحجر عنه فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه, وقوله: {ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا} ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية {إسرافاً وبداراً} أي مبادرة قبل بلوغهم, ثم قال تعالى: {ومن كان غنياً فليستعفف} من كان في غنى عن مال اليتيم فليستعفف عنه ولا يأكل منه شيئاً, وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} قال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج, حدثنا عبد الله بن سليمان, حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة, {ومن كان غنياً فليستعفف} نزلت في مال اليتيم, وحدثنا الأشج وهارون بن إسحاق قالا: حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام عن أبيه عن عائشة: {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجاً أن يأكل منه, وحدثنا أبي, حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني, حدثنا علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: أنزلت هذه الاَية في والي اليتيم {ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} بقدر قيامه عليه. ورواه البخاري عن إسحاق عن عبد الله بن نمير عن هشام به, قال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجرة مثله أو قدر حاجته, واختلفوا هل يرد إذا أيسر ؟ على قولين (أحدهما) لا, لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيراً, وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي, لأن الاَية أباحت الأكل من غير بدل, قال أحمد: حدثنا عبد الوهاب, حدثنا حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال ولي يتيم ؟ فقال: «كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالاً ومن غير أن تقي مالك ـ أو قال ـ تفدي مالك بماله» شك حسين, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو خالد الأحمر, حدثنا حسين المكتب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي يتيماً عنده مال وليس عنده شيء ما. آكل من ماله ؟ قال: «بالمعروف غير مسرف» ورواه أبو دواد والنسائي وابن ماجه من حديث حسين المعلم به وروى ابن حبان في صحيحه وابن مردويه في تفسيره من حديث يعلى بن مهدي عن جعفر بن سليمان عن أبي عامر الخزاز, عن عمرو بن دينار, عن جابر أن رجلاً قال: يا رسول الله فيم أضرب يتيمي ؟ قال: «ما كنت ضارباً منه ولدك غير واق مالك بماله ولا متأثل منه مالاً» وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى, أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً وإن لهم إبلاً ولي إبل, وأنا أمنح في إبلي وأفْقر, فماذا يحل لي من ألبانها ؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حوضها وتسقي عليها فاشرب غير مضر بنسل, ولا ناهك في الحلب, ورواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد به, وبهذا القول وهو عدم أداء البدل, يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري. (والثاني) نعم, لأن مال اليتيم على الحظر, وإنما أبيح للحاجة فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة, وقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا ابن خيثمة, حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل, عن أبي إسحاق, عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم, إن استغنيت استعففت, وإن احتجت استقرضت, فإذا أيسرت قضيت.
(طريق أخرى) قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: قال عمر رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم, إن احتجت أخذت منه, فإذا أيسرت رددته, وإن استغنيت استعففت, إسناد صحيح وروى البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك, وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} يعني القرض, قال وروي عن عبيدة وأبي العالية, وأبي وائل, وسعيد بن جبير في إحدى الروايات ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك, وروي من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله {فليأكل بالمعروف} قال: يأكل بثلاث أصابع, ثم قال: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} قال: يأكل من ماله يقوت على يتيمه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم, قال وروي عن مجاهد وميمون بن مهران في إحدى الروايات والحكم نحو ذلك, وقال عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة فإن أكل منه قضاه, رواه ابن أبي حاتم وقال ابن وهب: حدثنا نافع بن أبي نعيم القارى قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله تعالى: {ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} الاَية, فقالا: ذلك في اليتيم إن كان فقيراً أنفق عليه بقدر فقره, ولم يكن للولي منه شيء, وهذا بعيد من السياق, لأنه قال {ومن كان غنيا فليستعفف} يعني من الأولياء. {ومن كان فقيراً} أي منهم {فليأكل بالمعروف} أي بالتي هي أحسن كما قال في الاَية الأخرى {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} أي لا تقربوه إلا مصلحين له, فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف وقوله: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم} يعني بعد بلوغهم الحلم وإيناسكم الرشد منهم فحينئذٍ سلموا إليهم أموالهم فإذا دفعتم إليهم أموالهم {فأشهدوا عليهم} وهذا أمر من الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه, ثم قال: {وكفى بالله حسيباً} أي وكفى بالله محاسباً وشهيداً ورقيباً على الأولياء في حال نظرهم للأيتام وحال تسليمهم للأموال هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة مدخلة, مروج حسابها, مدلس أمورها ؟ الله عالم بذلك كله , ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم================================** لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنّسَآءِ نَصِيبٌ مّمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمّا قَلّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مّفْرُوضاً * وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مّعْرُوفاً * وَلْيَخْشَ الّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتّقُواّ اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً * إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىَ ظُلْماً إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئاً, فأنزل الله: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الاَية, أي الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى, يستوون في أصل الوراثة, وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة, أو زوجية, أو ولاء, فإنه لحمة كلحمة النسب. وقد روى ابن مردويه من طريق ابن هراسة عن سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: جاءت أم كُجّة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن لي ابنتين قد مات أبوهما وليس لهما شيء, فأنزل الله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الاَية, وسيأتي هذا الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر, والله أعلم, وقوله {وإذا حضر القسمة} الاَية, قيل: المراد وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث {واليتامى والمساكين} فليرضخ لهم من التركة نصيب, وإن ذلك كان واجباً في ابتداء الاسلام, وقيل يستحب. واختلفوا هل هو منسوخ أم لا على قولين, فقال البخاري: حدثنا أحمد بن حميد, أخبرنا عُبيد الله الأشجعي عن سفيان عن الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين}. قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. تابعه سعيد عن ابن عباس. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثنا عباد بن العوام عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: هي قائمة يعمل بها, وقال الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الاَية, قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم, وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي موسى وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي والحسن, وقال ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر: إنها واجبة, وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج, عن إسماعيل ابن علية عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين قال: ولي عبيدة وصية فأمر بشاة فذبحت فأطعم أصحاب هذه الاَية وقال: لولا هذه الاَية لكان هذا من مالي, وقال مالك فيما يروى عنه من التفسير في جزء مجموع عن الزهري: أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله, وقال الزهري: هي محكمة. وقال مالك: عن عبد الكريم عن مجاهد قال: هي حق واجب ما طابت به الأنفس.
ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم
قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج, أخبرني ابن أبي مليكة: أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد أخبراه أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر, قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حية, قالا: فلم يدع في الدار مسكيناً ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه, قالا: وتلا {وإذا حضر القسمة أولوا القربى}, قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس, فقال: ما أصاب, ليس ذلك له إنما ذلك إلى الوصية وإنما هذه الاَية في الوصية يريد الميت يوصي لهم, رواه ابن أبي حاتم.
ذكر من قال هذه الاَية منسوخة بالكلية
قال سفيان الثوري, عن محمد بن السائب الكلبي, عن أبي صالح, عن ابن عباس رضي الله عنهما {وإذا حضر القسمة} قال: منسوخة, وقال إسماعيل بن مسلم المكي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس, قال في هذه الاَية {وإذا حضر القسمة أولوا القربى} نسختها الاَية التي بعدها {يوصيكم الله في أولادكم}. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الاَية {وإذا حضر القسمة أولوا القربى} كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض, فأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه, فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى, رواهن ابن مردويه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح, حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء, عن ابن عباس في قوله: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين} نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر. وحدثنا أسيد بن عاصم, حدثنا سعيد بن عامر عن همام, حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: إنها منسوخة, كانت قبل الفرائض كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوي القربى إذا حضروا القسمة ثم نسخ بعد ذلك نسختها المواريث فألحق الله بكل ذي حق حقه, وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء. وقال مالك, عن الزهري, عن سعيد بن المسيب: هي منسوخة, نسختها المواريث والوصية. وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد وأبي صالح وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهم قالوا: إنها منسوخة, وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم, وقد اختار ابن جرير ههنا قولاً غريباً جداً وحاصله أن معنى الاَية عنده {وإذا حضر القسمة} أي وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت {فارزقوهم منه وقولوا} لليتامى والمساكين إذا حضروا {قولاً معروفاً} هذا مضمون ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار, وفيه نظر, والله أعلم. وقال العوفي عن ابن عباس {وإذا حضر القسمة} هي قسمة الميراث, وهكذا قال غير واحد, والمعنى على هذا لا على ما سلكه ابن جرير رحمه الله, بل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل, فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ, وهم يائسون لا شيء يعطونه, فأمر الله تعالى وهو الرؤوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون براً بهم وصدقة عليهم, وإحساناً إليهم وجبراً لكسرهم. كما قال الله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} وذم الذين ينقلون المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة. كما أخبر عن أصحاب الجنة {إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين} أي بليل. وقال {فانطلقوا وهم يتخافتون * أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين} فـ {دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها} فمن جحد حق الله عليه عاقبه في أعز ما يملكه, ولهذا جاء في الحديث «ما خالطت الصدقة مالاً إلا أفسدته» أي منعها يكون سبب محق ذلك المال بالكلية, وقوله تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم} الاَية. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت, فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته, فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب. فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذاخشي عليهم الضيعة, وهكذا قال مجاهد وغير واحد, وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده, قال: يا رسول الله, إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة, أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال «لا». قال: فالشطر ؟ قال «لا». قال: فالثلث ؟ قال: «الثلث, والثلث كثير». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الثلث, والثلث كثير» قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء, استحب للميت أن يستوفي في وصيته الثلث, وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث, وقيل: المراد بالاَية فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى {ولا يأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا}, حكاه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس, وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلماً, أي كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك, فعامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم, ثم أعلمهم أن من أكل أموال اليتامى ظلماً, فإنما يأكل في بطنه ناراً¹ ولهذا قال {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً} أي إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب فإنما يأكلون ناراً تتأجج في بطونهم يوم القيامة 0 وفي الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن ثور بن زيد, عن سالم أبي الغيث, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قيل: يا رسول الله, وما هن ؟ قال: «الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات الؤمنات الغافلات» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبيدة, أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العَمّي, حدثنا أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري, قال: قلنا: يا رسول الله, ما رأيت ليلة أسري بك ؟ قال «انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير. رجال كل رجل منهم له مشفران كمشفري البعير, وهو موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم, ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في فيّ أحدهم حتى يخرج من أسفله, ولهم جوار وصراخ, قلت: يا جبريل, من هؤلاء ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً, إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً» وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه, يعرفه كل من رآه بأكل مال اليتيم. وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد, حدثنا أحمد بن عمرو, حدثنا عقبة بن مكرم, حدثنا يونس بن بكير, حدثنا زياد بن المنذر عن نافع بن الحارث, عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً» قيل «يا رسول الله, من هم ؟ قال «ألم تر أن الله قال {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} الاَية», رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة, عن عقبة بن مكرم, وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أحمد بن علي بن المثنى عن عقبة بن مكرم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر, حدثنا أحمد بن عصام, حدثنا أبو عامر العبدي, حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري, عن عثمان بن محمد, عن المقبري, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أحرج مال الضعيفين المرأة واليتيم» أي أوصيكم باجتناب مالهما, وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: لما نزلت {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً} الاَية, انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه, فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد, فاشتد ذلك عليهم, فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} الاَية, قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.
** يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لّمْ يَكُنْ لّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُمّهِ الثّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُمّهِ السّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
هذه الاَية الكريمة والتي بعدها والاَية التي هي خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض, وهو مستنبط من هذه الاَيات الثلاث ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك. ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك. وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة, والحجاج بين الأئمة, فموضعه كتب الأحكام, والله المستعان. وقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك, وقد روى أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي, عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العلم ثلاثة, وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة, أو سنة قائمة, أو فريضة عادلة» وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أبا هريرة تعلموا الفرائض وعلموه فإنه نصف العلم, وهو ينسى, وهو أول شيء ينزع من أمتي» رواه ابن ماجه وفي إسناده ضعف. وقد روي من حديث ابن مسعود وأبي سعيد, وفي كل منهما نظر. قال ابن عيينة: إنما سمّى الفرائض نصف العلم, لأنه يبتلى به الناس كلهم. وقال البخاري عند تفسير هذه الاَية: حدثنا إبراهيم بن موسى. حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين, فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئاً, فدعا بماء فتوضأ منه, ثم رش علي فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج به, ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر.
(حديث آخر عن جابر في سبب نزول الاَية) قال أحمد: حدثنا زكريا بن عدي, حدثنا عبيد الله هو ابن عمرو الرقي, عن عبد الله بن محمد بن عقيل, عن جابر, قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع, قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيداً, وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا, ولا ينكحان إلا ولهما مال, قال: فقال «يقضي الله في ذلك» فنزلت آية الميراث, فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين, وأمهما الثمن, وما بقي فهو لك». وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل به, قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه. والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسبب الاَية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي, فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات, ولم يكن له بنات, وإنما كان يورث كلالة, ولكن ذكرنا الحديث ههنا تبعاً للبخاري رحمه الله فإنه ذكره ههنا, والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الاَية, والله أعلم.
فقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} أي يأمركم بالعدل فيهم, فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث, فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث, وفاوت بين الصنفين, فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين, وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤونة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق, فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى, وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها, حيث أوصى الوالدين بأولادهم, فعلم أنه أرحم بهم منهم, كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأة من السبي فرق بينها وبين ولدها, فجعلت تدور على ولدها, فلما وجدته من السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك» ؟ قالوا: لا يارسول الله. قال «فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها» وقال البخاري ههنا: حدثنا محمد بن يوسف عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, عن ابن عباس, قال: كان المال للولد, وكانت الوصية للوالدين, فنسخ الله من ذلك ما أحب, فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين, وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث, وجعل للزوجة الثمن والربع, وللزوج الشطر والربع. وقال العوفي عن ابن عباس قوله {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} وذلك لما أنزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين, كرهها الناس أو بعضهم وقالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن, وتعطى البنت النصف, ويعطى الغلام الصغير, وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم, ولا يحوز الغنيمة, اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه, أو نقول له فيغير, فقال بعضهم: يا رسول الله تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها, وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم, ويعطى الصبي الميراث وليس يغني شيئاً وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير أيضاً. وقوله {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} قال بعض الناس: قوله {فوق} زائدة, وتقديره فإن كن نساء اثنتين, كما في قوله {فاضربوا فوق الأعناق} وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك. فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه, وهذا ممتنع, ثم قوله {فلهن ثلثا ما ترك} لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلث ما ترك وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الاَية الأخيرة, فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين. وإذا ورثت الأختان الثلثين فلأن ترث البنتان الثلثين بالطريق الأولى. وقد تقدم في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم, حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين, فدل الكتاب والسنة على ذلك, وأيضاً فإنه قال {وإن كانت واحدة فلها النصف} فلو كان للبنتين النصف لنص عليه أيضاً, فلما حكم به للواحدة على انفرادها, دل على أن البنتين في حكم الثلاث, والله أعلم. وقوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس} إلى آخره, الأبوان لهما في الإرث أحوال (أحدها) أن يجتمعا مع الأولاد فيفرض لكل واحد منهما السدس, فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة, فرض لها النصف, وللأبوين لكل واحد منهما السدس¹ وأخذ الأب السدس الاَخر بالتعصيب, فيجمع له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب. (الحال الثاني) أن ينفرد الأبوان بالميراث, فيفرض للأم والحالة هذه الثلث, ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض, ويكون قد أخذ ضعفي ما فرض للأم, وهو الثلثان, فلو كان معهما ـ والحالة هذه ـ زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع. ثم اختلف العلماء ماذا تأخذ الأم بعد فرض الزوج والزوجة, على ثلاثة أقوال: (أحدها) أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين, لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما. وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب. فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ الأب ثلثيه, هذا قول عمر وعثمان, وأصح الروايتين عن علي, وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت, وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور العلماء. (والثاني) أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} فإن الاَية أعم من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا, وهو قول ابن عباس. وروي عن علي ومعاذ بن جبل نحوه. وبه يقول شريح وداود الظاهري. واختاره أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري في كتابه الإيجاز في علم الفرائض وهذا فيه نظر, بل هو ضعيف, لأن ظاهر الاَية إنما هو إذا استبد بجميع التركة, وأما هنا فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض ويبقى الباقي كأنه جميع التركة فتأخذ ثلثه كما تقدم (والقول الثالث) أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة خاصة, فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر, وتأخذ الأم الثلث وهو أربعة, فيبقى خمسة للأب, وأما في مسألة الزوج فتأخذ ثلث الباقي لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال, فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة وللأم ثلث الباقي بعد ذلك وهو سهم, وللأب الباقي بعد ذلك)وهو سهمان. ويحكى هذا عن ابن سيرين, وهو قول مركب من القولين الأولين, موافق كلاً منهما في صورة وهو ضعيف أيضاً, والصحيح الأول, والله أعلم. (والحال الثالث من أحوال الأبوين) وهو اجتماعهما مع الإخوة, سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم, فإنهم لا يرثون مع الأب شيئاً, ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس, فيفرض لها مع وجودهم السدس, فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب, أخذ الأب الباقي. وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور. وقد روى البيهقي من طريق شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه دخل على عثمان, فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث, قال الله تعالى: {فإن كان له إخوة} فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة, فقال عثمان: لا أستطيع تغيير ما كان قبلي, ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. وفي صحة هذا الأثر نظر, فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس, ولو كان هذا صحيحاً عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به, والمنقول عنهم خلافه, وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد عن خارجة بن زيد عن أبيه أنه قال: الأخوان تسمى إخوة, وقد أفردت لهذه المسألة جزءاً على حدة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبد العزيز بن المغيرة, حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد, عن قتادة قوله {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} أضروا بالأم ولا يرثون, ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك, وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم, ونفقته عليهم دون أمهم, وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم¹ وهذا قول شاذ رواه ابن جرير في تفسيره فقال: حدثنا الحسن بن يحيى, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن ابن طاوس, عن أبيه, عن ابن عباس, قال: السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم, إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم, ثم قال ابن جرير: وهذا قول مخالف لجميع الأمة. وقد حدثني يونس, أخبرنا سفيان, أخبرنا عمرو عن الحسن بن محمد, عن ابن عباس أنه قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.
وقوله {من بعد وصية يوصي بها أو دين} أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الاَية الكريمة. وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير من حديث أبي إسحاق عن الحارث بن عبد الله الأعور, عن علي بن أبي طالب, قال: إنكم تقرؤون {من بعد وصية يوصي بها أو دين} وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية, وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات, يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث, وقد تكلم فيه بعض أهل العلم. (قلت) لكن كان حافظاً للفرائض معتنياً بها وبالحساب, فالله أعلم.
وقوله {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} أي إنما فرضنا للاَباء والأبناء, وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللأبوين الوصية, كما تقدم عن ابن عباس, إنما نسخ الله ذلك إلى هذا ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم, لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه, وقد يكون بالعكس, ولذا قال {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً} أي كأن النفع متوقع ومرجو من هذا كما هو متوقع ومرجو من الاَخر, فلهذا فرضنا لهذا وهذا, وساوينا بين القسمين في أصل الميراث, والله أعلم.
وقوله {فريضة من الله} أي هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض, هو فرض من الله حكم به وقضاه, والله عليم حكيم الذي يضع الأشياء في محالها, ويعطي كلاّ ما يستحقه=================================وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لّمْ يَكُنْ لّهُنّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنّ الرّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِن لّمْ يَكُنْ لّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنّ الثّمُنُ مِمّا تَرَكْتُم مّن بَعْدِ وَصِيّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصَىَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرّ وَصِيّةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
يقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا متن من غير ولد, فإن كان لهن ولد, فلكم الربع مما تركن من بعد الوصية أو الدين. وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية, وبعده الوصية ثم الميراث, وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب ثم قال {ولهن الربع مما تركتم} إلى آخره وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان الاثنتان والثلاث والأربع يشتركن فيه. وقوله: {من بعد وصية} الخ الكلام عليه كما تقدم, وقوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة} الكلالة مشتقة من الإكليل, وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه, والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه, كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة, فقال: أقول فيها برأيي, فإن يكن صواباً فمن الله, وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان, والله ورسوله بريئان منه, الكلالة من لا ولد له ولا والد, فلما ولي عمر قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه, رواه ابن جرير وغيره. وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان, عن سليمان الأحول, عن طاوس, قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت آخر الناس عهداً بعمر, فسمعته يقول: القول ما قلت وما قلت وما قلت, قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد وهكذا قال علي وابن مسعود وصح عن غير وجه عن ابن عباس وزيد بن ثابت, وبه يقول الشعبي والنخعي والحسن وقتادة وجابر بن زيد والحكم, وبه يقول أهل المدينة وأهل الكوفة والبصرة, وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف, بل جميعهم, وقد حكى الإجماع عليه غير واحد, وورد فيه حديث مرفوع, قال أبو الحسين بن اللبان وقد روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك, وهو أنه من لا ولد له, والصحيح عنه الأول, ولعل الراوي ما فهم عنه ما أراد. وقوله تعالى: {وله أخ أو أخت} أي من أم كما هو في قراءة بعض السلف, منهم سعد بن أبي وقاص, وكذا فسرها أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه {فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه (أحدها) أنهم يرثون مع من أدلوا به, وهي الأم. (الثاني) أن ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء. (الثالث) أنهم لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة, فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ابن. (الرابع) أنهم لا يزادون على الثلث, وإن كثر ذكورهم وإناثهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس, حدثنا ابن وهب, أخبرنا يونس عن الزهري, قال: قضى عمر أن ميراث الإخوة من الأم بينهم للذكر مثل الأنثى, قال الزهري: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم, لهذه الاَية هي التي قال الله تعالى فيها {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} واختلف العلماء في المسألة المشتركة, وهي زوج وأم أو جدة واثنان من ولد الأم وواحد أو أكثر من ولد الأبوين, فعلى قول الجمهور للزوج النصف, وللأم أو الجدة السدس ولولد الأم الثلث ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوة الأم, وقد وقعت هذه المسألة في زمن أمير المؤمنين عمر, فأعطى الزوج النصف, والأم السدس, وجعل الثلث لأولاد الأم, فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين, هب أن أبانا كان حماراً, ألسنا من أم واحدة ؟ فشرك بينهم وصح التشريك عنه وعن عثمان, وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس رضي الله عنهم, وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ومسروق وطاوس ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز والثوري وشريك, وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه, وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم, بل يجعل الثلث لأولاد الأم, ولا شيء لأولاد الأبوين, والحالة هذه لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في ذلك. وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري. وهو المشهور عن ابن عباس. وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وزفر بن الهُذيل والإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري, واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي رحمه الله في كتابه الإيجاز. وقوله: {من بعد وصية يوصَى بها أو دين غير مضار} أي لتكون وصيته على العدل لا على الإضرار والجور والحيف بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه, أو يزيده على ما قدّر الله له من الفريضة, فمن سعى في ذلك, كان كمن ضاد الله في حكمته, وقسمته. ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو النضر الدمشقي الفراديسي, حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «الإضرار في الوصية من الكبائر» وكذا رواه ابن جرير من طريق عمر بن المغيرة هذا, وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة, قال أبو القاسم ابن عساكر: ويعرف بمفتي المساكين, وروى عنه غير واحد من الأئمة, وقال فيه أبو حاتم الرازي: هو شيخ, وقال علي بن المديني هو مجهول لا أعرفه, لكن رواه النسائي في سننه عن علي بن حجر عن علي بن مسهر, عن داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس موقوفاً «الإضرار في الوصية من الكبائر» وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج, عن عائذ بن حبيب, عن داود بن أبي هند, ورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس موقوفاً, وفي بعضها: ويقرأ ابن عباس {غير مضار}. قال ابن جرير: والصحيح الموقوف, ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث, هل هو صحيح أم لا ؟ على قولين (أحدهما) لا يصح لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث». وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة, والقول القديم للشافعي رحمهم الله, وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار. وهو مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز وهو اختيار أبي عبد الله البخاري في صحيحه, واحتج بأن رافع بن خديج أوصى أن لا تكشف الفزارية عما أغلق عليه بابها, قال: وقال بعض الناس لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «إياكم والظن, فإن الظن أكذب الحديث» وقال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فلم يخص وارثاً ولا غيره, انتهى ماذكره. فمتى كان الإقرار صحيحاً مطابقاً لما في نفس الأمر, جرى فيه هذا الخلاف, ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم, فهو حرام بالإجماع وبنص هذه الاَية الكريمة {غير مضار وصية من الله, والله عليم حليم}. ثم قال تعالى:)
** تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مّهِينٌ
أي هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه, هي حدود الله, فلا تعتدوها ولا تجاوزوها, ولهذا قال {ومن يطع الله ورسوله} أي فيها فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضها بحيلة ووسيلة, بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين} أي لكونه غير ما حكم الله به وضاد الله في حكمه, وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به, ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن أيوب عن أشعث بن عبد الله, عن شهر بن حوشب, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة, فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم بشر عمله فيدخل النار, وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة, فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة» قال: ثم يقول أبو هريرة, اقرؤوا إن شئتم {تلك حدود الله ـ إلى قوله ـ عذاب مهين} قال أبو داود في باب الإضرار في الوصية من سننه: حدثنا عَبْدَة بن عبد الله, أخبرنا عبد الصمد, حدثنا نصر بن علي الحُدّاني, حدثنا الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني, حدثني شهر بن حوشب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت, فيُضارّان في الوصية, فتجب لهما النار» وقال قرأ عليّ أبو هريرة من ههنا {من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ـ حتى بلغ ـ ذلك الفوز العظيم} وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عبد الله بن جابر الحداني به, وقال الترمذي: حسن غريب, وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل.==================================وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنّ فِي الْبُيُوتِ حَتّىَ يَتَوَفّاهُنّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً * وَاللّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنّ اللّهَ كَانَ تَوّاباً رّحِيماً
كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة, حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت, ولهذا قال {واللاتي يأتين الفاحشة} يعني الزنا {من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم, فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً} فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك, قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور, فنسخها بالجلد أو الرجم, وكذا رُوى عن عكرمة, وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك, أنها منسوخة, وهو أمر متفق عليه ـ قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا سعيد عن قتادة, عن الحسن, عن حطان بن عبد الله الرقاشي, عن عبادة بن الصامت, قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي, أثر عليه, وكرب لذلك, وتَرَبّد وجهه, فأنزل الله عز وجل عليه ذات يوم, فلما سري عنه, قال: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً, الثيب بالثيب, والبكر بالبكر, الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة, والبكر جلد مائة ثم نفي سنة», وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة, عن الحسن, عن حطان, عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه «خذوا عني خذوا عني, قد جعل الله لهن سبيلاً, البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام, والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي عن مبارك ابن فضالة, عن الحسن, عن حطان بن عبد الله الرقاشي, عن عبادة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي, عرف ذلك في وجهه, فلما أنزلت {أو يجعل الله لهن سبيلاً} فلما ارتفع الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خذوا خذوا قد جعل الله لهن سبيلا, البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة, والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة». وقد روى الإمام أحمد أيضاً هذا الحديث عن وكيع بن الجراح, حدثنا الفضل بن دلهم عن الحسن عن قبيصة بن حُرَيث, عن سلمة بن المحبق, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خذوا عني خذوا عني, قد جعل الله لهن سبيلاً, البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة, والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». وكذا رواه أبو داود مطولاً من حديث الفضل بن دلهم, ثم قال: وليس هو بالحافظ, كان قصاباً بواسط.
(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا عباس بن حمدان, حدثنا أحمد بن داود حدثنا عمرو بن عبد الغفار, حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي, عن مسروق, عن أبي كعب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «البكران يجلدان وينفيان, والثيبان يجلدان ويرجمان, والشيخان يرجمان» هذا حديث غريب من هذا الوجه ـ وروى الطبراني من طريق ابن لهيعة عن أخيه عيسى بن لهيعة, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: لما نزلت سورة النساء, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا حبس بعد سورة النساء». وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث, وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني, وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد, قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية واليهوديين, ولم يجلدهم قبل ذلك, فدل على أن الرجم ليس بحتم, بل هو منسوخ على قولهم, والله أعلم وقوله تعالى: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} أي واللذان يأتيان الفاحشة فآذوهما, قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وغيرهما: أي بالشتم والتعيير والضرب بالنعال, وكان الحكم كذلك, حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم, وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا. وقال السدي: نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا. وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا ـ لا يكنى, وكأنه يريد اللواط ـ والله أعلم, وقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط, فاقتلوا الفاعل والمفعول به». وقوله: {فإن تابا وأصلحا} أي أقلعا ونزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالهما وحسنت, {فأعرضوا عنهما} أي لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك, لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له {إن الله كان تواباً رحيماً}. وقد ثبت في الصحيحين «إذا زنت أمة أحدكم, فليجلدها الحد ولا يثرب عليها» أي ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت.
** إِنّمَا التّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التّوْبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ حَتّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّي تُبْتُ الاَنَ وَلاَ الّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُوْلَـَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
يقول سبحانه وتعالى: إنما يتقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب ولو قبل معاينة الملك روحه قبل الغرغرة. قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى الله خطأ أو عمداً, فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب, وقال قتادة عن أبي العالية أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة, رواه ابن جرير. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة, قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصي الله به, فهو جهالة عمداً كان أو غيره. وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير عن مجاهد, قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها قال ابن جريج: وقال لي عطاء بن أبي رباح, نحوه. وقال أبو صالح عن ابن عباس: من جهالته عمل السوء, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {ثم يتوبون من قريب} قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته, وهو مروي عن ابن عباس. وقال الحسن البصري {ثم يتوبون من قريب}, مالم يغرغر. وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب.
ذكر الأحاديث في ذلك
قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عياش, وعصام بن خالد, قالا: حدثنا ابن ثوبان عن أبيه, عن مكحول, عن جبير بن نفير, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر» رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به, وقال الترمذي: حسن غريب. ووقع في سنن ابن ماجه, عن عبد الله بن عمرو وهو وهم إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(حديث آخر) عن ابن عمر قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن معمر, حدثنا عبدالله بن الحسن الخراساني, حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي, حدثنا أيوب بن نهيك الحلبي, سمعت عطاء بن أبي رباح, قال: سمعت عبد الله بن عمر, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه وأدنى من ذلك, وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإخلاص إليه إلا قبل منه».
(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن إبراهيم بن ميمونة, أخبرني رجل من ملحان يقال له أيوب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: من تاب قبل موته بعام تيب عليه, ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه, ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه, ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه, ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه, فقلت له: إنما قال الله {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} فقال: إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي وأبو عمر الحوضي وأبو عامر العقدي عن شعبة.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا محمد بن مطرف, عن زيد بن اسلم, عن عبد الرحمن بن البَيْلماني, قال: اجتمع أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: أحدهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم», فقال الاَخر: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم», فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة», قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر بنفسه». وقد رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي, عن زيد بن أسلم, عن عبد الرحمن بن البَيْلماني, فذكر قريباً منه.
(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد, حدثنا عمران بن عبد الرحيم, حدثنا عثمان بن الهيثم, حدثنا عوف عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله يقبل توبة عبده مالم يغرغر».
أحاديث في ذلك مرسلة
قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا ابن أبي عدي عن عوف, عن الحسن, قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال«إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر», هذا مرسل حسن عن الحسن البصري رحمه الله. وقد قال ابن جرير أيضاً رحمه الله: حدثنا ابن بشار, حدثنا معاذ بن هشام, حدثني أبي عن قتادة, عن العلاء بن زياد, عن أبي أيوب بشير بن كعب أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر», وحدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الأعلى عن سعيد, عن قتادة, عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال, فذكر مثله.
(أثر آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا أبو داود, حدثنا عمران عن قتادة, قال: كنا عند أنس بن مالك وثم أبو قلابة, فحدث أبو قلابة فقال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة, فقال: وعزتك وجلالك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح, فقال الله عز وجل: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. وقد ورد هذا في حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري, كلاهما عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «قال إبليس: وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم, فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله عز وجل وهو يرجو الحياة, فإن توبته مقبولة, ولهذا قال تعالى {فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً} وأما متى وقع الإياس من الحياة, وعاين الملك, وحشرجت الروح في الحلق وضاق بها الصدر, وبلغت الحلقوم, وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم, فلا توبة مقبولة حينئذ, ولات حين مناص, ولهذا قال {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الاَن} وهذا كما قال تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} الاَيتين, وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل, أو كسبت في إيمانها خيراً} الاَية, وقوله {ولا الذين يموتون وهم كفار} يعني أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته, ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض. قال ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس {ولا الذين يموتون وهم كفار} قالوا: نزلت في أهل الشرك. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود, قال: حدثنا عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان, قال: حدثني أبي عن مكحول أن عمر بن نعيم حدثه عن أسامة بن سلمان أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده مالم يقع الحجاب». قيل: وما وقوع الحجاب ؟ قال «أن تخرج النفس وهي مشركة», ولهذا قال الله تعالى: {أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً} أي موجعاً شديداً مقيماً. =====================================يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنّ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنّ فَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً * وَإِنْ أَرَدْتّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىَ بَعْضُكُمْ إِلَىَ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَاقاً غَلِيظاً * وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مّنَ النّسَآءِ إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً
قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل, حدثنا أسباط بن محمد, حدثنا الشيباني عن عكرمة, عن ابن عباس, ـ قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي, ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس ـ {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} قال: كانوا إذا مات الرجل, كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها, وإن شاؤوا زوجوها, وإن شاؤوا لم يزوجوها, فهم أحق بها من أهلها, فنزلت هذه الاَية {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} هكذا رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث أبي إسحاق الشيباني واسمه سليمان بن أبي سليمان, عن عكرمة, وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء, كوفي أعمى, كلاهما عن ابن عباس بما تقدم. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي, حدثني علي بن حسين عن أبيه, عن يزيد النحوي, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها, فأحكم الله تعالى عن ذلك, أي نهى عن ذلك, تفرد به أبو داود, وقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك. فقال وكيع عن سفيان, عن علي بن بذيمة, عن مقسم, عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها, فجاء رجل فألقى عليها ثوباً كان أحق بها, فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية, ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها, وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها, وروى العوفي عنه: كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم, ألقى ثوبه على امرأته, فورث نكاحها, ولم ينكحها أحد غيره, وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية, فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}. وقال زيد بن أسلم في الاَية: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية, ورث امرأته من يرث ماله, وكان يعضلها حتى يرثها, أو يزوجها من أراد, وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها, ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها, فنهى الله المؤمنين عن ذلك, رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا موسى بن إسحاق, حدثنا علي بن المنذر, حدثنا محمد بن فضيل, عن يحيى بن سعيد, عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف, عن أبيه, قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت, أراد ابنه أن يتزوج امرأته, وكان لهم ذلك في الجاهلية, فأنزل الله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} ورواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل به. ثم روى من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة, حبسها أهله على الصبي يكون فيهم, فنزلت {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} الاَية. وقال ابن جريج: قال مجاهد: كان الرجل إذا توفي, كان ابنه أحق بامرأته ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها, أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه. وقال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن)عاصم من الأوس, توفي عنها أبو قيس بن الأسلت, فجنح عليها ابنه, فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: يا رسول الله, لا أنا ورثت زوجي, ولا أنا تركت فأنكح, فأنزل الله هذه الاَية. وقال السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها, جاء وليه فألقى عليها ثوباً, فإن كان له ابن صغير, أو أخ, حبسها حتى يشب, أو تموت فيرثها, فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوباً, نجت, فأنزل الله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}. وقال مجاهد في هذه الاَية: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها, فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها أو يزوجها ابنه, رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: وروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وأبي مجلز والضحاك والزهري وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان, نحو ذلك. قلت: فالاَية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية وما ذكره مجاهد, ومن وافقه, وكل ما كان فيه نوع من ذلك, والله أعلم. وقوله {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} أي لا تُضَارّوهن في العشرة, لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقاً من حقوقها عليك, أو شيئاً من ذلك على وجه القهر لها والإضطهاد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {ولا تعضلوهن} يقول: ولا تقهروهن {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} يعني الرجل, تكون له امرأة وهو كاره لصحبتها, ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي, وكذا قال الضحاك وقتادة, واختاره ابن جرير, وقال ابن المبارك وعبد الرزاق: أخبرنا معمر, قال أخبرني سماك بن الفضل عن ابن البَيْلماني, قال: نزلت هاتان الاَيتان, إحداهما في أمر الجاهلية, والأخرى في أمر الإسلام. قال عبد الله بن المبارك: يعني قوله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} في الجاهلية, {ولا تعضلوهن} في الإسلام. وقوله {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والضحاك وأبو قلابة وأبو صالح والسدي وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنا, يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها, وتضاجرها حتى تتركه لك, وتخالعها, كما قال تعالى في سورة البقرة: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله} الاَية, وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان, واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله الزنا والعصيان, والنشوز وبذاء اللسان, وغير ذلك. يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها, وهذا جيد, والله أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود منفرداً به من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبيّنة} قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت, أو ترد إليه صداقها, فأحكم الله عن ذلك, أي نهى عن ذلك. قال عكرمة والحسن البصري: وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية, ولكن نهي المسلمون عن فعله في الإسلام, وقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة ينكح الرجل المرأة الشريفة, فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه, فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد, فإذا خطبها الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها قال: فهذا قوله {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} الاَية, وقال مجاهد في قوله {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} هو كالعضل في سورة البقرة. وقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} أي طيبوا أقوالكم لهن, وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها, فافعل أنت بها مثله, كما قال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خيركم خيركم لأهله, وأنا خيركم لأهلي» وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة دائم البشر, يداعب أهله, ويتلطف بهم ويوسعهم نفقته, ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها, يتودد إليها بذلك, قالت: سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته, وذلك قبل أن أحمل اللحم, ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني, فقال «هذه بتلك» ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان, ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها, وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد, يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار, وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام, يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الأحكام, ولله الحمد.
وقوله تعالى {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} أي فعسى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن فيه, خير كثير لكم في الدنيا والاَخرة, كما قال ابن عباس في هذه الاَية: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولداً, ويكون في ذلك الولد خير كثير, وفي الحديث الصحيح «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقاً رضي منها آخر».
وقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً} أي إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئاً ولو كان قنطاراً من المال, وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته ههنا. وفي هذه الاَية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل, وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق, ثم رجع عن ذلك, كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل, حدثنا سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين, قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي, قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تَغّلوا في صداق النساء, فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله, كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم, ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية, وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة, ثم رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء واسمه هرم بن مُسَيب البصري, وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(طريق أخرى عن عمر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة, حدثنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا أبي عن ابن إسحاق, حدثني محمد بن عبد الرحمن عن المجالد بن سعيد, عن الشعبي, عن مسروق, قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس, ما إكثاركم في صُدُق النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصّدُقات فيما بينهم أربعمائة درهم, فما دون ذلك, ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل, فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين, نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم, قال: نعم, فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال: وأي ذلك ؟ فقالت: أما سمعت الله يقول {وآتيتم إحداهن قنطاراً} الاَية ؟ قال: فقال: اللهم غفراً, كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم, فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل, إسناده جيد قوي.
(طريق أخرى) قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق, عن قيس بن ربيع, عن أبي حصين, عن أبي عبد الرحمن السلمي, قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء, فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر, إن الله يقول: {وآتيتم إحداهن قنطاراً} ـ من ذهب ـ قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود, {فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئاً}, فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته.
(طريق أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي الغُصّة ـ يعني يزيد بن الحصين الحارثي ـ فمن زاد, ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة من صفة النساء طويلة, في أنفها فطس: ما ذاك لك. قال: ولم ؟ قالت: لأن الله قال {وآتيتم إحداهن قنطاراً} الاَية, فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ ولهذا قال منكراً {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} أي وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضت إليك ؟ قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع ـ وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما «الله يعلم أن أحدكما كاذب. فهل منكما تائب ؟» قالها ثلاثاً, فقال الرجل: يا رسول الله مالي ؟ ـ يعني ما أصدقها ـ قال «لا مال لك. إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها, وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها». في سنن أبي داود وغيره عن بصرة بن أكتم أنه تزوج امرأة بكراً في خدرها, فإذا هي حامل من الزنا, فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له, فقضى لها بالصداق, وفرق بينهما, وأمر بجلدها, وقال «الولد عبد لك. فالصداق في مقابلة البضع» ولهذا قال تعالى {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض}.
وقال تعالى: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير, أن المراد بذلك العقد. وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس في قوله {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والحسن وقتادة ويحيى بن أبي كثير والضحاك والسدي, نحو ذلك. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في الاَية: هو قوله «أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله» فإن كلمة الله هي التشهد في الخطبة, قال: وكان فيما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به, قال له «جعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» رواه ابن أبي حاتم, وفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها «واستوصوا بالنساء خيراً فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله».
وقال تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الاَية, يحرم الله تعالى زوجات الاَباء تكرمة لهم, وإعظاماً واحتراماً أن توطأ من بعده, حتى إنها لتحرم عن الابن بمجرد العقد عليها, وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا مالك بن إسماعيل, حدثنا قيس بن الربيع حدثنا أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت, عن رجل من الأنصار, قال: لما توفي أبو قيس ـ يعني ابن الأسلت ـ وكان من صالحي الأنصار, فخطب ابنه قيس امرأته, فقالت: إنما أعدك ولداً وأنت من صالحي قومك, ولكن آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: إن أبا قيس توفي, فقال «خيراً» ثم قالت: إن ابنه قيساً خطبني, وهو من صالحي قومه. وإنما كنت أعده ولداً فما ترى ؟ فقال لها «ارجعي إلى بيتك», قال: فنزلت {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الاَية, وقال ابن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا حسين, حدثنا حجاج عن ابن جريج, عن عكرمة في قوله {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف على أم عبيد الله بنت صخرة, وكانت تحت الأسلت أبيه وفي الأسود بن خلف, وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار, وكان عند أبيه خلف, وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد كانت عند أمية بن خلف, فخلف عليها صفوان بن أمية. وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الاَباء كان معمولاً به في الجاهلية, ولهذا قال {إلا ما قد سلف} كما قال {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة, تزوج بامرأة أبيه, فأولدها ابنه النضر بن كنانة, قال: وقد قال صلى الله عليه وسلم «ولدت من نكاح لا من سفاح» قال: فدل على أنه كان سائغاً لهم ذلك, فإن أراد أنهم كانوا يعدونه نكاحاً فيما بينهم. فقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي, حدثنا قراد, حدثنا ابن عيينة عن عمرو, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين, فأنزل الله تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} {وأن تجمعوا بين الأختين}, وهكذا قال عطاء وقتادة, ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر, والله أعلم, وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الاَية, مبشع غاية التبشع, ولهذا قال تعالى: {إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً} وقال {ولاتقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} وقال {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} فزاد ههنا {ومقتاً} أي بغضاً أي هو أمر كبير في نفسه, ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته, فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله, ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهو كالأب, بل حقه أعظم من حق الاَباء بالإجماع, بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه . وقال عطاء بن أبي رباح في قوله {ومقتاً} أي يمقت الله عليه, {وساء سبيلاً} أي وبئس طريقاً لمن سلكه من الناس, فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه, فيقتل ويصير ماله فيئاً لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب, عن خاله أبي بردة ـ وفي رواية: ابن عمر, وفي رواية: عن عمه ـ أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم, حدثنا أشعث عن عدي بن ثابت, عن البراء بن عازب, قال: مر بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: أي عم أين بعثك النبي ؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه.
(مسألة) وقد أجمع العلماء على تحريم من وطئها الأب بتزويج أو ملك أو شبهة, واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع, أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية, فعن الإمام أحمد رحمه الله أنها تحرم أيضاً بذلك, وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية قال: اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة, فأدخلها عليه مجردة وبيده قضيب, فجعل يهوي به إلى متاعها, ويقول: هذا المتاع, لو كان له متاع اذهب بها إلى يزيد بن معاوية, ثم قال: لا, ادع لي ربيعة بن عمرو الجُرسي, وكان فقيهاً, فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك, وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد, فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنها لا تصلح له, ثم قال: نعم ما رأيت, ثم قال ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري, فدعوته وكان آدم شديد الأدمة, فقال: دونك هذه بيض بها ولدك, قال: وكان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة فربته, ثم أعتقته, ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس على علي رضي الله عنه.
** حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الاُخْتِ وَأُمّهَاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مّنَ الرّضَاعَةِ وَأُمّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مّن نّسَآئِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ فَإِن لّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاخْتَيْنِ إَلاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَآءِ إِلاّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
هذه الاَية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر, كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بن حبيب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: حرمت عليكم سبع نسباً وسبع صهراً, وقرأ {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم} الاَية¹ وحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد, حدثنا أبو أحمد, حدثنا سفيان عن الأعمش, عن إسماعيل بن رجاء عن عمير, مولى ابن عباس, عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع, ثم قرأ {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} فهن النسب. وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: {وبناتكم} فإنها بنت, فتدخل في العموم كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل, وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها لأنها ليست بنتاً شرعية, فكما لم تدخل في قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} فإنها لا ترث بالإجماع, فكذلك لا تدخل في هذه الاَية, والله أعلم, وقوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} أي كما يحرم عليك أمك التي ولدتك, كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك, ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم, عن عمرة بنت عبد الرحمن, عن عائشة أم المؤمنين, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة», وفي لفظ لمسلم «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب», وقال بعض الفقهاء: كل ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاعة إلا في أربع صور, وقال بعضهم: ست صور هي مذكورة في كتب الفروع والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك, لأنه يوجد مثل بعضها من النسب, وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر فلا يرد على الحديث شيء أصلاً البتة, ولله الحمد وبه الثقة. ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة, فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الاَية, وهذا قول مالك, ويروى عن ابن عمر, وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري. وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات, لما ثبت في صحيح مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه, عن عائشة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «لا تحرم المصة ولا المصتان» وقال قتادة, عن أبي الخليل, عن عبد الله بن الحارث, عن أم الفضل, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان, والمصة ولا المصتان», وفي لفظ آخر «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» رواه مسلم. وممن ذهب إلى هذا القول: الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه, وأبو عبيد وأبو ثور, وهو مروي عن علي وعائشة وأم الفضل وابن الزبير وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير رحمهم الله. وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات, لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر, عن عَمْرة, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: كان فيما أنزل من القرآن «عشر رضعات معلومات يحرمن» ثم نسخن بخمس معلومات, فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن, وروى عبد الرزاق عن معمر, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة, نحو ذلك. وفي حديث سهلة بنت سهيل, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة خمس رضعات, وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات, وبهذا قال الشافعي وأصحابه, ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وكما قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة عند قوله {يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} ثم اختلفوا هل يحرم لبن الفحول, كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم, أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط, ولا ينتشر إلى ناحية الأب, كما هو قول لبعض السلف ؟ على قولين, تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير. وقوله {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن, فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم}, أما أم المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها, سواء دخل بها أو لم يدخل, وأما الربيبة وهي بنت المرأة فلا تحرم بمجرد العقد على أمها حتى يدخل, فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بنتها, ولهذا قال {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن, فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} في تزويجهن, فهذا خاص بالربائب وحدهن. وقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمهات والربائب, فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها, لقوله {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم}. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى عن سعيد, عن قتادة, عن خلاس بن عمرو, عن علي رضي الله تعالى عنه, في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها, أيتزوج أمها ؟ قال: هي بمنزلة الربيبة, وحدثنا ابن بشار, حدثنا يحيى بن سعيد عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن زيد بن ثابت, قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها. وفي رواية عن قتادة, عن سعيد, عن زيد بن ثابت, أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها, فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل. وقال ابن المنذر: حدثنا إسحاق عن عبد الرزاق, عن ابن جريج, قال: أخبرني أبو بكر بن حفص عن مسلم بن عويمر الأجدع, أن بكر بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف, قال: فلم أجامعها حتى توفى عمي عن أمها, وأمها ذات مال كثير, فقال أبي: هل لك في أمها ؟ قال: فسألت ابن عباس وأخبرته الخبر, فقال: انكح أمها ؟ قال: وسألت ابن عمر, فقال: لا تنكحها, فأخبرت أبي بما قالا, فكتب إلى معاوية فأخبره بما قالا, فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله, ولا أحرم ما أحل الله, وأنت وذاك والنساء سواها كثير. فلم ينه ولم يأذن لي فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحها. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سماك بن الفضل عن رجل عن عبد الله بن الزبير, قال: الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة, وفي إسناده رجل مبهم لم يسم. وقال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد أن مجاهداً قال له {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم} أراد بهما الدخول جميعاً, فهذا القول كما ترى مروي عن علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس, وقد توقف فيه معاوية. وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني فيما نقله الرافعي عن العبادي. وقد روي عن ابن مسعود مثله, ثم رجع عنه, قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري, حدثنا عبد الرزاق عن الثوري, عن أبي فروة, عن أبي عمرو الشيباني, عن ابن مسعود: أن رجلاً من بني كمخ من فزارة تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته. فاستفتى ابن مسعود, فأمره أن يفارقها ثم تزوج أمها, فتزوجها وولدت له أولاداً, ثم أتى ابن مسعود المدينة, فسئل عن ذلك, فأخبر أنها لا تحل له, فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنها عليك حرام ففارقها. وجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد على الأم بخلاف الأم, فإنها تحرم بمجرد العقد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن محمد ابن هارون بن عَزْرة, حدثنا عبد الوهاب عن سعيد, عن قتادة, عن عكرمة, عن ابن عباس, أنه كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها, وروي أنه قال: إنها مبهمة, فكرهها. ثم قال:وروي عن ابن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وطاوس وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وابن سيرين وقتادة والزهري نحو ذلك. وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة, وجمهور الفقهاء قديماً وحديثاً, ولله الحمد والمنة ـ قال ابن جرير: والصواب قول من قال: الأم من المبهمات, لأن الله لم يشترط معهن الدخول كما اشترطه مع أمهات الربائب, مع أن ذلك أيضاً إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر غير أن في إسناده نظراً, وهو ما حدثني به المثنى, حدثنا حبان بن موسى, حدثنا ابن المبارك, أخبرنا المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها, دخل بالبنت أو لم يدخل, وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلقها, فإن شاء تزوج الابنة», ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه, فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وأما قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} فالجمهور على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل, أو لم تكن في حجره, قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له, كقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا}. وفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله أنكح أختي بنت أبي سفيان, وفي لفظ لمسلم عزة بنت أبي سفيان, قال «أو تحبين ذلك» ؟ قالت: نعم لست لك بمخلية, وأحب من شاركني في خير أختي, قال «فإن ذلك لا يحل لي». قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة, قال «بنت أم سلمة» ؟ قالت: نعم. قال «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي, إنها لبنت أخي من الرضاعة, أرضعتني وأبا سلمة ثويبة, فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن» وفي رواية للبخاري «إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي», فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة, وحكم بالتحريم لذلك, وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف وقد قيل: بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل, فإذا لم تكن كذلك فلا تحرم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا إبراهيم بن موسى, أنبأنا هشام ـ يعني ابن يوسف ـ عن ابن جريج, حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة, أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان, قال: كانت عندي امرأة فتوفيت, وقد ولدت لي فوجدت عليها, فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك ؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة ؟ قلت: نعم وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك ؟ قلت: لا, هي بالطائف قال: فانكحها, قلت: فأين قول الله {وربائبكم اللاتي في حجوركم} ؟ قال: إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك, هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم, وهو قول غريب جداً, وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك رحمه الله, واختاره ابن حزم, وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله, فاستشكله وتوقف في ذلك, والله أعلم. وقال ابن المنذر, حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا الأثرم عن أبي عبيدة قوله {اللاتي في حجوركم}, قال: في بيوتكم, وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس, عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين, توطأ إحداهما بعد الأخرى ؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعاً يريد أن أطأهما جميعاً بملك يميني, وهذا منقطع. وقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا أبو الأحوص, عن طارق بن عبد الرحمن, عن قيس, قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له ؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية, ولم أكن لأفعله. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين, لأن الله حرم ذلك في النكاح, قال {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم} وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن عمر وابن عباس, وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. وروى هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة, وكذا قال قتادة عن أبي العالية, ومعنى قوله {اللاتي دخلتم بهن} أي نكحتموهن, قاله ابن عباس وغير واحد. وقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها. وقلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها ؟ قال: هو سواء, وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها. وقال ابن جرير: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا يحرّم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع.
وقوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} أي وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم, يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية. كما قال تعالى: {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائكم} الاَية, وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم}. قال: كنا نحدث ـ والله أعلم ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد, قال المشركون بمكة في ذلك, فأنزل الله عز وجل: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} ونزلت {وما جعل أدعياءكم أبناءكم}, ونزلت {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم}, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي, حدثنا الجرح بن الحارث عن الأشعث, عن الحسن بن محمد: أن هؤلاء الاَيات مبهمات {وحلائل أبنائكم} {وأمهات نسائكم}, ثم قال: وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول, نحو ذلك. (قلت) معنى مبهمات أي عامة في المدخول بها وغير المدخول, فتحرم بمجرد العقد عليها, وهذا متفق عليه, فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة كما هو قول الجمهور, ومن الناس من يحكيه إجماعاً وليس من صلبه, فالجواب من قوله صلى الله عليه وسلم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} الاَية. أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين معاً في التزويج, وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف, كما قال {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبداً, وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديماً وحديثاً على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح, ومن أسلم وتحته أختان, خيّر فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود, حدثنا ابن لهيعة عن أبي وهب الجَيْشاني, عن الضحاك بن فيروز, عن أبيه, قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان, فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق أحداهما. ثم رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن لهيعة, وأخرجه أبو داود والترمذي أيضاً من حديث يزيد بن أبي حبيب, كلاهما عن أبي وهب الجَيْشاني, قال الترمذي واسمه ديلم بن الهوشع. عن الضحاك بن فيروز الديلمي, عن أبيه به, وفي لفظ للترمذي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم «اختر أيتهما شئت», ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن ماجه أيضاً بإسناد آخر فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة, عن أبي وهب الجَيْشاني عن أبي خراش الرعيني, قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية, فقال «إذا رجعت فطلق إحداهما» قلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز, ويحتمل أن يكون غيره, فيكون أبو وهب قد)رواه عن اثنين عن فيروز الديلمي, والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى, حدثنا أحمد بن يحيى الخولاني, حدثنا هيثم بن خارجة, حدثنا يحيى بن إسحاق عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة, عن رُزَيق بن حكيم, عن كثير بن مرة, عن الديلمي, قال: قلت: يا رسول الله, إن تحتي أختين, قال «طلق أيهما شئت», فالديلمي المذكور أولاً هو الضحاك بن فيروز الديلمي قال أبو زرعة الدمشقي: كان يصحب عبد الملك بن مروان, والثاني هو أبو فيروز الديلمي رضي الله عنه, وكان من جملة الأمراء باليمن الذين وَلُوا قتل الأسود العنسي المتنبىء لعنه الله, وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضاً لعموم الاَية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة, عن عبد الله بن أبي عنبة أو عتبة عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين, فكرهه فقال له ـ يعني السائل: يقول الله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وبعيرك مما ملكت يمينك. وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم, وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. قال الإمام مالك, عن ابن شهاب, عن قبيصة بن ذؤيب: أن رجلاً سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين, هل يجمع بينهما ؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية, وما كنت لأصنع ذلك, فخرج من عنده, فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك, فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً. قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك. قال ابن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب الاستذكار: إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طاب لصحبته عبد الملك بن مروان, وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه, ثم قال أبو عمر: حدثني خلف بن أحمد قراءة عليه: أن خلف بن مطرف حدثهم: حدثنا أيوب بن سليمان وسعيد بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة, قالوا: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم, حدثنا أبو عبد الرحمن المقري عن موسى بن أيوب الغافقي, حدثني عمي إياس بن عامر, قال: سألت علي بن أبي طالب فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني, اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولاداً ثم رغبت في الأخرى فما أصنع ؟ فقال علي رضي الله عنه: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى, قلت: فإن ناساً يقولون: بل تزوجها ثم تطأ الأخرى, فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها, أليس ترجع إليك ؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله عز وجل من الحرائر إلا العدد, أو قال: إلا الأربع, ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب, ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة, لو لم يصب الرجل من أقصى المغرب أو المشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته. قلت: وقد روي عن علي نحو ما روي عن عثمان. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا محمد بن العباس, حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي, حدثنا عبد الرحمن بن غزوان, حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرمتهما آية وأحلتهما آية ـ يعني الأختين ـ قال ابن عباس: يحرمهن عليّ قرابتي منهن ولا يحرمهن عليّ قرابة بعضهن من بعض, يعني الإماء وكانت الجاهلية يحرمون ما تحرمون إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. فلما جاء الإسلام أنزل الله {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} يعني في النكاح, ثم قال أبو عمر: روى الإمام أحمد بن حنبل, حدثنا محمد بن سلمة عن هشام, عن ابن سيرين, عن ابن سيرين, قال: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد, وعن ابن مسعود والشعبي نحو ذلك. قال أبو عمر: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس, ولكنهم اختلف عليهم, ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز ولا العراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام ولا المغرب, إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس, وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه, وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم} إلى آخر الاَية, أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء, فكذلك يجب أن يكون نظراً وقياساً الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب. وكذلك هو عند جمهورهم, وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. وقوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} أي وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات, وهن المزوجات {إلا ما ملكت أيمانكم}, يعني إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن, فإن الاَية نزلت في ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا سفيان هو الثوري عن عثمان البتي, عن أبي الخليل, عن أبي سعيد الخدري, قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس, ولهن أزواج, فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج, فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم, فنزلت هذه الاَية {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} فاستحللنا بها فروجهن, وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن هشيم, ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج, ثلاثتهم عن عثمان البتي, ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سوراي عن عثمان البتي, ورواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة, كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم, عن أبي سعيد الخدري, فذكره, وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر, عن قتادة, عن أبي الخليل, عن أبي سعيد الخدري به. وقد روي من وجه آخر عن أبي الخليل, عن أبي علقمة الهاشمي, عن أبي سعيد الخدري, قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد, عن قتادة, عن أبي الخليل, عن أبي علقمة, عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس, لهن أزواج من أهل الشرك, فكأن أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن, قال: فنزلت هذه الاَية في ذلك {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة, زاد مسلم: وشعبة, ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى, ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن, ولا أعلم أن أحداً ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة ـ كذا قال ـ وقد تابعه سعيد وشعبة, والله أعلم.وقد روى الطبراني من حديث الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في سبايا خيبر, وذكر مثل حديث أبي سعيد, وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقاً لها من زوجها أخذاً بعموم هذه الاَية, وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى, حدثنا محمد بن جعفر, عن شعبة, عن مغيرة, عن إبراهيم أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج ؟ قال: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها. ويتلو هذه الاَية {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وكذا رواه سفيان عن منصور ومغيرة والأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود, قال: بيعها طلاقها وهو منقطع, ورواه سفيان الثوري عن خالد, عن أبي قلابة, عن ابن مسعود, قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج, فسيدها أحق ببضعها. ورواه سعيد عن قتادة, قال: إن أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس, قالوا: بيعها طلاقها. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب ابن علية عن خالد, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: طلاق الأمة ست: بيعها طلاقها, وعتقها طلاقها, وهبتها طلاقها, وبراءتها طلاقها, وطلاق زوجها طلاقها, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قوله {والمحصنات من النساء} قال: هُنّ ذوات الأزواج حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك, فبيعها طلاقها. قال معمر: وقال الحسن مثل ذلك, وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن الحسن في قوله {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} قال إذا كان لها زوج, فبيعها طلاقها. وروى عوف عن الحسن: بيع الأمة طلاقها, وبيعه طلاقها, فهذا قول هؤلاء من السلف, وقد خالفهم الجمهور قديماً وحديثاً, فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقاً لها لأن المشتري نائب عن البائع, والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها, واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما, فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجزّت عتقها, ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث, بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم, بين الفسخ والبقاء, فاختارت الفسخ وقصتها مشهورة, فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم, فلما خيرها دل على بقاء النكاح, وأن المراد من الاَية المسبيات فقط, والله أعلم. وقد قيل: المراد بقوله {والمحصنات من النساء} يعني العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي, واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً, حكاه ابن جرير عن أبي العالية وطاوس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة {والمحصنات من النساء} ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم.
وقوله تعالى: {كتاب الله عليكم} أي هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم, فالزموا كتابه, ولا تخرجوا عن حدوده, والزموا شرعه وما فرضه. وقال عبيدة وعطاء والسدي في قوله {كتاب الله عليكم} يعني الأربع. وقال إبراهيم {كتاب الله عليكم} يعني ما حرم عليكم. وقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} أي ما عدا من ذكرن من المحارم, هن لكم حلال, قاله عطاء وغيره. وقال عبيدة والسدي {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ما دون الأربع, وهذا بعيد, والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} يعني ما ملكت أيمانكم, وهذه الاَية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين, وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية, وقوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} أي تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع, أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي, ولهذا قال {محصنين غير مسافحين}. وقوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} أي كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك, كما قال تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} وكقوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}, وكقوله {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً} وقد استدل بعموم هذه الاَية على نكاح المتعة, ولا شك أنه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام, ثم نسخ بعد ذلك, وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ مرتين. وقال آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة ثم نسخ مرة, ثم نسخ, ولم يبح بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة, وهو وراية عن الإمام أحمد, وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة}, وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة, ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة, وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب الأحكام. وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني, عن أبيه, أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة, فقال «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء, وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة, فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله, ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً» وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع, وله ألفاظ موضعها كتاب الأحكام, وقوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} من حمل هذه الاَية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى, قال: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تراضوا على زيادة به, وزيادة للجعل, قال السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى, يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما, فقال: أتمتع منك أيضاً بكذا وكذا, فازاد قبل أن يستبرىء رحمها يوم تنقضي المدة, وهو قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة}. قال السدي: إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل, وهي منه بريئة وعليها أن تستبرىء ما في رحمها, وليس بينهما ميراث, فلا يرث واحد منهما صاحبه, ومن قال بهذا القول الأول جعل معناه كقوله {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} الاَية, أي إذا فرضت لها صداقاً فأبرأتك منه أو عن شيء منه, فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن الأعلى, حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه, قال: زعم الحضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر, ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة, فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. يعني إن وضعت لك منه شيئاً فهو لك سائغ. واختار هذا القول ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها, يعني في المقام أو الفراق. وقوله تعالى: {إن الله كان عليماً حكيماً} مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات. =====================================يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنّ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنّ فَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً * وَإِنْ أَرَدْتّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىَ بَعْضُكُمْ إِلَىَ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَاقاً غَلِيظاً * وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مّنَ النّسَآءِ إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً
قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل, حدثنا أسباط بن محمد, حدثنا الشيباني عن عكرمة, عن ابن عباس, ـ قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي, ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس ـ {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} قال: كانوا إذا مات الرجل, كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها, وإن شاؤوا زوجوها, وإن شاؤوا لم يزوجوها, فهم أحق بها من أهلها, فنزلت هذه الاَية {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} هكذا رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث أبي إسحاق الشيباني واسمه سليمان بن أبي سليمان, عن عكرمة, وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء, كوفي أعمى, كلاهما عن ابن عباس بما تقدم. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي, حدثني علي بن حسين عن أبيه, عن يزيد النحوي, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها, فأحكم الله تعالى عن ذلك, أي نهى عن ذلك, تفرد به أبو داود, وقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك. فقال وكيع عن سفيان, عن علي بن بذيمة, عن مقسم, عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها, فجاء رجل فألقى عليها ثوباً كان أحق بها, فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية, ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها, وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها, وروى العوفي عنه: كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم, ألقى ثوبه على امرأته, فورث نكاحها, ولم ينكحها أحد غيره, وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية, فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}. وقال زيد بن أسلم في الاَية: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية, ورث امرأته من يرث ماله, وكان يعضلها حتى يرثها, أو يزوجها من أراد, وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها, ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها, فنهى الله المؤمنين عن ذلك, رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا موسى بن إسحاق, حدثنا علي بن المنذر, حدثنا محمد بن فضيل, عن يحيى بن سعيد, عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف, عن أبيه, قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت, أراد ابنه أن يتزوج امرأته, وكان لهم ذلك في الجاهلية, فأنزل الله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} ورواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل به. ثم روى من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة, حبسها أهله على الصبي يكون فيهم, فنزلت {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} الاَية. وقال ابن جريج: قال مجاهد: كان الرجل إذا توفي, كان ابنه أحق بامرأته ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها, أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه. وقال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن)عاصم من الأوس, توفي عنها أبو قيس بن الأسلت, فجنح عليها ابنه, فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: يا رسول الله, لا أنا ورثت زوجي, ولا أنا تركت فأنكح, فأنزل الله هذه الاَية. وقال السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها, جاء وليه فألقى عليها ثوباً, فإن كان له ابن صغير, أو أخ, حبسها حتى يشب, أو تموت فيرثها, فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوباً, نجت, فأنزل الله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}. وقال مجاهد في هذه الاَية: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها, فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها أو يزوجها ابنه, رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: وروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وأبي مجلز والضحاك والزهري وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان, نحو ذلك. قلت: فالاَية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية وما ذكره مجاهد, ومن وافقه, وكل ما كان فيه نوع من ذلك, والله أعلم. وقوله {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} أي لا تُضَارّوهن في العشرة, لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقاً من حقوقها عليك, أو شيئاً من ذلك على وجه القهر لها والإضطهاد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {ولا تعضلوهن} يقول: ولا تقهروهن {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} يعني الرجل, تكون له امرأة وهو كاره لصحبتها, ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي, وكذا قال الضحاك وقتادة, واختاره ابن جرير, وقال ابن المبارك وعبد الرزاق: أخبرنا معمر, قال أخبرني سماك بن الفضل عن ابن البَيْلماني, قال: نزلت هاتان الاَيتان, إحداهما في أمر الجاهلية, والأخرى في أمر الإسلام. قال عبد الله بن المبارك: يعني قوله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} في الجاهلية, {ولا تعضلوهن} في الإسلام. وقوله {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والضحاك وأبو قلابة وأبو صالح والسدي وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنا, يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها, وتضاجرها حتى تتركه لك, وتخالعها, كما قال تعالى في سورة البقرة: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله} الاَية, وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان, واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله الزنا والعصيان, والنشوز وبذاء اللسان, وغير ذلك. يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها, وهذا جيد, والله أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود منفرداً به من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبيّنة} قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت, أو ترد إليه صداقها, فأحكم الله عن ذلك, أي نهى عن ذلك. قال عكرمة والحسن البصري: وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية, ولكن نهي المسلمون عن فعله في الإسلام, وقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة ينكح الرجل المرأة الشريفة, فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه, فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد, فإذا خطبها الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها قال: فهذا قوله {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} الاَية, وقال مجاهد في قوله {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} هو كالعضل في سورة البقرة. وقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} أي طيبوا أقوالكم لهن, وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها, فافعل أنت بها مثله, كما قال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خيركم خيركم لأهله, وأنا خيركم لأهلي» وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة دائم البشر, يداعب أهله, ويتلطف بهم ويوسعهم نفقته, ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها, يتودد إليها بذلك, قالت: سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته, وذلك قبل أن أحمل اللحم, ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني, فقال «هذه بتلك» ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان, ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها, وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد, يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار, وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام, يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الأحكام, ولله الحمد.
وقوله تعالى {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} أي فعسى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن فيه, خير كثير لكم في الدنيا والاَخرة, كما قال ابن عباس في هذه الاَية: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولداً, ويكون في ذلك الولد خير كثير, وفي الحديث الصحيح «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقاً رضي منها آخر».
وقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً} أي إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئاً ولو كان قنطاراً من المال, وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته ههنا. وفي هذه الاَية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل, وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق, ثم رجع عن ذلك, كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل, حدثنا سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين, قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي, قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تَغّلوا في صداق النساء, فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله, كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم, ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية, وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة, ثم رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء واسمه هرم بن مُسَيب البصري, وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(طريق أخرى عن عمر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة, حدثنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا أبي عن ابن إسحاق, حدثني محمد بن عبد الرحمن عن المجالد بن سعيد, عن الشعبي, عن مسروق, قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس, ما إكثاركم في صُدُق النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصّدُقات فيما بينهم أربعمائة درهم, فما دون ذلك, ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل, فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين, نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم, قال: نعم, فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال: وأي ذلك ؟ فقالت: أما سمعت الله يقول {وآتيتم إحداهن قنطاراً} الاَية ؟ قال: فقال: اللهم غفراً, كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم, فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل, إسناده جيد قوي.
(طريق أخرى) قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق, عن قيس بن ربيع, عن أبي حصين, عن أبي عبد الرحمن السلمي, قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء, فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر, إن الله يقول: {وآتيتم إحداهن قنطاراً} ـ من ذهب ـ قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود, {فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئاً}, فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته.
(طريق أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي الغُصّة ـ يعني يزيد بن الحصين الحارثي ـ فمن زاد, ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة من صفة النساء طويلة, في أنفها فطس: ما ذاك لك. قال: ولم ؟ قالت: لأن الله قال {وآتيتم إحداهن قنطاراً} الاَية, فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ ولهذا قال منكراً {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} أي وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضت إليك ؟ قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع ـ وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما «الله يعلم أن أحدكما كاذب. فهل منكما تائب ؟» قالها ثلاثاً, فقال الرجل: يا رسول الله مالي ؟ ـ يعني ما أصدقها ـ قال «لا مال لك. إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها, وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها». في سنن أبي داود وغيره عن بصرة بن أكتم أنه تزوج امرأة بكراً في خدرها, فإذا هي حامل من الزنا, فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له, فقضى لها بالصداق, وفرق بينهما, وأمر بجلدها, وقال «الولد عبد لك. فالصداق في مقابلة البضع» ولهذا قال تعالى {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض}.
وقال تعالى: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير, أن المراد بذلك العقد. وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس في قوله {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والحسن وقتادة ويحيى بن أبي كثير والضحاك والسدي, نحو ذلك. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في الاَية: هو قوله «أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله» فإن كلمة الله هي التشهد في الخطبة, قال: وكان فيما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به, قال له «جعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» رواه ابن أبي حاتم, وفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها «واستوصوا بالنساء خيراً فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله».
وقال تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الاَية, يحرم الله تعالى زوجات الاَباء تكرمة لهم, وإعظاماً واحتراماً أن توطأ من بعده, حتى إنها لتحرم عن الابن بمجرد العقد عليها, وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا مالك بن إسماعيل, حدثنا قيس بن الربيع حدثنا أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت, عن رجل من الأنصار, قال: لما توفي أبو قيس ـ يعني ابن الأسلت ـ وكان من صالحي الأنصار, فخطب ابنه قيس امرأته, فقالت: إنما أعدك ولداً وأنت من صالحي قومك, ولكن آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: إن أبا قيس توفي, فقال «خيراً» ثم قالت: إن ابنه قيساً خطبني, وهو من صالحي قومه. وإنما كنت أعده ولداً فما ترى ؟ فقال لها «ارجعي إلى بيتك», قال: فنزلت {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الاَية, وقال ابن جرير: حدثنا القاسم, حدثنا حسين, حدثنا حجاج عن ابن جريج, عن عكرمة في قوله {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف على أم عبيد الله بنت صخرة, وكانت تحت الأسلت أبيه وفي الأسود بن خلف, وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار, وكان عند أبيه خلف, وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد كانت عند أمية بن خلف, فخلف عليها صفوان بن أمية. وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الاَباء كان معمولاً به في الجاهلية, ولهذا قال {إلا ما قد سلف} كما قال {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة, تزوج بامرأة أبيه, فأولدها ابنه النضر بن كنانة, قال: وقد قال صلى الله عليه وسلم «ولدت من نكاح لا من سفاح» قال: فدل على أنه كان سائغاً لهم ذلك, فإن أراد أنهم كانوا يعدونه نكاحاً فيما بينهم. فقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي, حدثنا قراد, حدثنا ابن عيينة عن عمرو, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين, فأنزل الله تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} {وأن تجمعوا بين الأختين}, وهكذا قال عطاء وقتادة, ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر, والله أعلم, وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الاَية, مبشع غاية التبشع, ولهذا قال تعالى: {إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً} وقال {ولاتقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} وقال {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} فزاد ههنا {ومقتاً} أي بغضاً أي هو أمر كبير في نفسه, ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته, فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله, ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهو كالأب, بل حقه أعظم من حق الاَباء بالإجماع, بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه . وقال عطاء بن أبي رباح في قوله {ومقتاً} أي يمقت الله عليه, {وساء سبيلاً} أي وبئس طريقاً لمن سلكه من الناس, فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه, فيقتل ويصير ماله فيئاً لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب, عن خاله أبي بردة ـ وفي رواية: ابن عمر, وفي رواية: عن عمه ـ أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم, حدثنا أشعث عن عدي بن ثابت, عن البراء بن عازب, قال: مر بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: أي عم أين بعثك النبي ؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه.
(مسألة) وقد أجمع العلماء على تحريم من وطئها الأب بتزويج أو ملك أو شبهة, واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع, أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية, فعن الإمام أحمد رحمه الله أنها تحرم أيضاً بذلك, وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية قال: اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة, فأدخلها عليه مجردة وبيده قضيب, فجعل يهوي به إلى متاعها, ويقول: هذا المتاع, لو كان له متاع اذهب بها إلى يزيد بن معاوية, ثم قال: لا, ادع لي ربيعة بن عمرو الجُرسي, وكان فقيهاً, فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك, وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد, فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنها لا تصلح له, ثم قال: نعم ما رأيت, ثم قال ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري, فدعوته وكان آدم شديد الأدمة, فقال: دونك هذه بيض بها ولدك, قال: وكان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة فربته, ثم أعتقته, ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس على علي رضي الله عنه.
** حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الاُخْتِ وَأُمّهَاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مّنَ الرّضَاعَةِ وَأُمّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مّن نّسَآئِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ فَإِن لّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاخْتَيْنِ إَلاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَآءِ إِلاّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
هذه الاَية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر, كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بن حبيب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: حرمت عليكم سبع نسباً وسبع صهراً, وقرأ {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم} الاَية¹ وحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد, حدثنا أبو أحمد, حدثنا سفيان عن الأعمش, عن إسماعيل بن رجاء عن عمير, مولى ابن عباس, عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع, ثم قرأ {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} فهن النسب. وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: {وبناتكم} فإنها بنت, فتدخل في العموم كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل, وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها لأنها ليست بنتاً شرعية, فكما لم تدخل في قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} فإنها لا ترث بالإجماع, فكذلك لا تدخل في هذه الاَية, والله أعلم, وقوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} أي كما يحرم عليك أمك التي ولدتك, كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك, ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم, عن عمرة بنت عبد الرحمن, عن عائشة أم المؤمنين, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة», وفي لفظ لمسلم «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب», وقال بعض الفقهاء: كل ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاعة إلا في أربع صور, وقال بعضهم: ست صور هي مذكورة في كتب الفروع والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك, لأنه يوجد مثل بعضها من النسب, وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر فلا يرد على الحديث شيء أصلاً البتة, ولله الحمد وبه الثقة. ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة, فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الاَية, وهذا قول مالك, ويروى عن ابن عمر, وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري. وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات, لما ثبت في صحيح مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه, عن عائشة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «لا تحرم المصة ولا المصتان» وقال قتادة, عن أبي الخليل, عن عبد الله بن الحارث, عن أم الفضل, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان, والمصة ولا المصتان», وفي لفظ آخر «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» رواه مسلم. وممن ذهب إلى هذا القول: الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه, وأبو عبيد وأبو ثور, وهو مروي عن علي وعائشة وأم الفضل وابن الزبير وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير رحمهم الله. وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات, لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر, عن عَمْرة, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: كان فيما أنزل من القرآن «عشر رضعات معلومات يحرمن» ثم نسخن بخمس معلومات, فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن, وروى عبد الرزاق عن معمر, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة, نحو ذلك. وفي حديث سهلة بنت سهيل, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة خمس رضعات, وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات, وبهذا قال الشافعي وأصحابه, ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وكما قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة عند قوله {يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} ثم اختلفوا هل يحرم لبن الفحول, كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم, أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط, ولا ينتشر إلى ناحية الأب, كما هو قول لبعض السلف ؟ على قولين, تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير. وقوله {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن, فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم}, أما أم المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها, سواء دخل بها أو لم يدخل, وأما الربيبة وهي بنت المرأة فلا تحرم بمجرد العقد على أمها حتى يدخل, فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بنتها, ولهذا قال {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن, فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} في تزويجهن, فهذا خاص بالربائب وحدهن. وقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمهات والربائب, فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها, لقوله {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم}. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى عن سعيد, عن قتادة, عن خلاس بن عمرو, عن علي رضي الله تعالى عنه, في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها, أيتزوج أمها ؟ قال: هي بمنزلة الربيبة, وحدثنا ابن بشار, حدثنا يحيى بن سعيد عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن زيد بن ثابت, قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها. وفي رواية عن قتادة, عن سعيد, عن زيد بن ثابت, أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها, فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل. وقال ابن المنذر: حدثنا إسحاق عن عبد الرزاق, عن ابن جريج, قال: أخبرني أبو بكر بن حفص عن مسلم بن عويمر الأجدع, أن بكر بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف, قال: فلم أجامعها حتى توفى عمي عن أمها, وأمها ذات مال كثير, فقال أبي: هل لك في أمها ؟ قال: فسألت ابن عباس وأخبرته الخبر, فقال: انكح أمها ؟ قال: وسألت ابن عمر, فقال: لا تنكحها, فأخبرت أبي بما قالا, فكتب إلى معاوية فأخبره بما قالا, فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله, ولا أحرم ما أحل الله, وأنت وذاك والنساء سواها كثير. فلم ينه ولم يأذن لي فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحها. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سماك بن الفضل عن رجل عن عبد الله بن الزبير, قال: الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة, وفي إسناده رجل مبهم لم يسم. وقال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد أن مجاهداً قال له {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم} أراد بهما الدخول جميعاً, فهذا القول كما ترى مروي عن علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس, وقد توقف فيه معاوية. وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني فيما نقله الرافعي عن العبادي. وقد روي عن ابن مسعود مثله, ثم رجع عنه, قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري, حدثنا عبد الرزاق عن الثوري, عن أبي فروة, عن أبي عمرو الشيباني, عن ابن مسعود: أن رجلاً من بني كمخ من فزارة تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته. فاستفتى ابن مسعود, فأمره أن يفارقها ثم تزوج أمها, فتزوجها وولدت له أولاداً, ثم أتى ابن مسعود المدينة, فسئل عن ذلك, فأخبر أنها لا تحل له, فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنها عليك حرام ففارقها. وجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد على الأم بخلاف الأم, فإنها تحرم بمجرد العقد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن محمد ابن هارون بن عَزْرة, حدثنا عبد الوهاب عن سعيد, عن قتادة, عن عكرمة, عن ابن عباس, أنه كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها, وروي أنه قال: إنها مبهمة, فكرهها. ثم قال:وروي عن ابن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وطاوس وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وابن سيرين وقتادة والزهري نحو ذلك. وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة, وجمهور الفقهاء قديماً وحديثاً, ولله الحمد والمنة ـ قال ابن جرير: والصواب قول من قال: الأم من المبهمات, لأن الله لم يشترط معهن الدخول كما اشترطه مع أمهات الربائب, مع أن ذلك أيضاً إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر غير أن في إسناده نظراً, وهو ما حدثني به المثنى, حدثنا حبان بن موسى, حدثنا ابن المبارك, أخبرنا المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها, دخل بالبنت أو لم يدخل, وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلقها, فإن شاء تزوج الابنة», ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه, فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وأما قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} فالجمهور على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل, أو لم تكن في حجره, قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له, كقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا}. وفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله أنكح أختي بنت أبي سفيان, وفي لفظ لمسلم عزة بنت أبي سفيان, قال «أو تحبين ذلك» ؟ قالت: نعم لست لك بمخلية, وأحب من شاركني في خير أختي, قال «فإن ذلك لا يحل لي». قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة, قال «بنت أم سلمة» ؟ قالت: نعم. قال «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي, إنها لبنت أخي من الرضاعة, أرضعتني وأبا سلمة ثويبة, فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن» وفي رواية للبخاري «إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي», فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة, وحكم بالتحريم لذلك, وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف وقد قيل: بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل, فإذا لم تكن كذلك فلا تحرم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا إبراهيم بن موسى, أنبأنا هشام ـ يعني ابن يوسف ـ عن ابن جريج, حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة, أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان, قال: كانت عندي امرأة فتوفيت, وقد ولدت لي فوجدت عليها, فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك ؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة ؟ قلت: نعم وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك ؟ قلت: لا, هي بالطائف قال: فانكحها, قلت: فأين قول الله {وربائبكم اللاتي في حجوركم} ؟ قال: إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك, هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم, وهو قول غريب جداً, وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك رحمه الله, واختاره ابن حزم, وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله, فاستشكله وتوقف في ذلك, والله أعلم. وقال ابن المنذر, حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا الأثرم عن أبي عبيدة قوله {اللاتي في حجوركم}, قال: في بيوتكم, وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس, عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين, توطأ إحداهما بعد الأخرى ؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعاً يريد أن أطأهما جميعاً بملك يميني, وهذا منقطع. وقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا أبو الأحوص, عن طارق بن عبد الرحمن, عن قيس, قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له ؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية, ولم أكن لأفعله. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين, لأن الله حرم ذلك في النكاح, قال {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم} وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن عمر وابن عباس, وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. وروى هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة, وكذا قال قتادة عن أبي العالية, ومعنى قوله {اللاتي دخلتم بهن} أي نكحتموهن, قاله ابن عباس وغير واحد. وقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها. وقلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها ؟ قال: هو سواء, وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها. وقال ابن جرير: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا يحرّم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع.
وقوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} أي وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم, يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية. كما قال تعالى: {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائكم} الاَية, وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم}. قال: كنا نحدث ـ والله أعلم ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد, قال المشركون بمكة في ذلك, فأنزل الله عز وجل: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} ونزلت {وما جعل أدعياءكم أبناءكم}, ونزلت {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم}, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي, حدثنا الجرح بن الحارث عن الأشعث, عن الحسن بن محمد: أن هؤلاء الاَيات مبهمات {وحلائل أبنائكم} {وأمهات نسائكم}, ثم قال: وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول, نحو ذلك. (قلت) معنى مبهمات أي عامة في المدخول بها وغير المدخول, فتحرم بمجرد العقد عليها, وهذا متفق عليه, فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة كما هو قول الجمهور, ومن الناس من يحكيه إجماعاً وليس من صلبه, فالجواب من قوله صلى الله عليه وسلم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} الاَية. أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين معاً في التزويج, وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف, كما قال {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبداً, وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديماً وحديثاً على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح, ومن أسلم وتحته أختان, خيّر فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود, حدثنا ابن لهيعة عن أبي وهب الجَيْشاني, عن الضحاك بن فيروز, عن أبيه, قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان, فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق أحداهما. ثم رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن لهيعة, وأخرجه أبو داود والترمذي أيضاً من حديث يزيد بن أبي حبيب, كلاهما عن أبي وهب الجَيْشاني, قال الترمذي واسمه ديلم بن الهوشع. عن الضحاك بن فيروز الديلمي, عن أبيه به, وفي لفظ للترمذي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم «اختر أيتهما شئت», ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن ماجه أيضاً بإسناد آخر فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة, عن أبي وهب الجَيْشاني عن أبي خراش الرعيني, قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية, فقال «إذا رجعت فطلق إحداهما» قلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز, ويحتمل أن يكون غيره, فيكون أبو وهب قد)رواه عن اثنين عن فيروز الديلمي, والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى, حدثنا أحمد بن يحيى الخولاني, حدثنا هيثم بن خارجة, حدثنا يحيى بن إسحاق عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة, عن رُزَيق بن حكيم, عن كثير بن مرة, عن الديلمي, قال: قلت: يا رسول الله, إن تحتي أختين, قال «طلق أيهما شئت», فالديلمي المذكور أولاً هو الضحاك بن فيروز الديلمي قال أبو زرعة الدمشقي: كان يصحب عبد الملك بن مروان, والثاني هو أبو فيروز الديلمي رضي الله عنه, وكان من جملة الأمراء باليمن الذين وَلُوا قتل الأسود العنسي المتنبىء لعنه الله, وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضاً لعموم الاَية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة, عن عبد الله بن أبي عنبة أو عتبة عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين, فكرهه فقال له ـ يعني السائل: يقول الله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وبعيرك مما ملكت يمينك. وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم, وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. قال الإمام مالك, عن ابن شهاب, عن قبيصة بن ذؤيب: أن رجلاً سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين, هل يجمع بينهما ؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية, وما كنت لأصنع ذلك, فخرج من عنده, فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك, فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً. قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك. قال ابن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب الاستذكار: إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طاب لصحبته عبد الملك بن مروان, وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه, ثم قال أبو عمر: حدثني خلف بن أحمد قراءة عليه: أن خلف بن مطرف حدثهم: حدثنا أيوب بن سليمان وسعيد بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة, قالوا: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم, حدثنا أبو عبد الرحمن المقري عن موسى بن أيوب الغافقي, حدثني عمي إياس بن عامر, قال: سألت علي بن أبي طالب فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني, اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولاداً ثم رغبت في الأخرى فما أصنع ؟ فقال علي رضي الله عنه: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى, قلت: فإن ناساً يقولون: بل تزوجها ثم تطأ الأخرى, فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها, أليس ترجع إليك ؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله عز وجل من الحرائر إلا العدد, أو قال: إلا الأربع, ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب, ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة, لو لم يصب الرجل من أقصى المغرب أو المشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته. قلت: وقد روي عن علي نحو ما روي عن عثمان. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا محمد بن العباس, حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي, حدثنا عبد الرحمن بن غزوان, حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرمتهما آية وأحلتهما آية ـ يعني الأختين ـ قال ابن عباس: يحرمهن عليّ قرابتي منهن ولا يحرمهن عليّ قرابة بعضهن من بعض, يعني الإماء وكانت الجاهلية يحرمون ما تحرمون إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. فلما جاء الإسلام أنزل الله {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} يعني في النكاح, ثم قال أبو عمر: روى الإمام أحمد بن حنبل, حدثنا محمد بن سلمة عن هشام, عن ابن سيرين, عن ابن سيرين, قال: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد, وعن ابن مسعود والشعبي نحو ذلك. قال أبو عمر: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس, ولكنهم اختلف عليهم, ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز ولا العراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام ولا المغرب, إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس, وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه, وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم} إلى آخر الاَية, أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء, فكذلك يجب أن يكون نظراً وقياساً الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب. وكذلك هو عند جمهورهم, وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. وقوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} أي وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات, وهن المزوجات {إلا ما ملكت أيمانكم}, يعني إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن, فإن الاَية نزلت في ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا سفيان هو الثوري عن عثمان البتي, عن أبي الخليل, عن أبي سعيد الخدري, قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس, ولهن أزواج, فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج, فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم, فنزلت هذه الاَية {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} فاستحللنا بها فروجهن, وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن هشيم, ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج, ثلاثتهم عن عثمان البتي, ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سوراي عن عثمان البتي, ورواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة, كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم, عن أبي سعيد الخدري, فذكره, وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر, عن قتادة, عن أبي الخليل, عن أبي سعيد الخدري به. وقد روي من وجه آخر عن أبي الخليل, عن أبي علقمة الهاشمي, عن أبي سعيد الخدري, قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد, عن قتادة, عن أبي الخليل, عن أبي علقمة, عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس, لهن أزواج من أهل الشرك, فكأن أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن, قال: فنزلت هذه الاَية في ذلك {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة, زاد مسلم: وشعبة, ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى, ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن, ولا أعلم أن أحداً ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة ـ كذا قال ـ وقد تابعه سعيد وشعبة, والله أعلم.
وقد روى الطبراني من حديث الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في سبايا خيبر, وذكر مثل حديث أبي سعيد, وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقاً لها من زوجها أخذاً بعموم هذه الاَية, وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى, حدثنا محمد بن جعفر, عن شعبة, عن مغيرة, عن إبراهيم أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج ؟ قال: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها. ويتلو هذه الاَية {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وكذا رواه سفيان عن منصور ومغيرة والأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود, قال: بيعها طلاقها وهو منقطع, ورواه سفيان الثوري عن خالد, عن أبي قلابة, عن ابن مسعود, قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج, فسيدها أحق ببضعها. ورواه سعيد عن قتادة, قال: إن أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس, قالوا: بيعها طلاقها. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب ابن علية عن خالد, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: طلاق الأمة ست: بيعها طلاقها, وعتقها طلاقها, وهبتها طلاقها, وبراءتها طلاقها, وطلاق زوجها طلاقها, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قوله {والمحصنات من النساء} قال: هُنّ ذوات الأزواج حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك, فبيعها طلاقها. قال معمر: وقال الحسن مثل ذلك, وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن الحسن في قوله {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} قال إذا كان لها زوج, فبيعها طلاقها. وروى عوف عن الحسن: بيع الأمة طلاقها, وبيعه طلاقها, فهذا قول هؤلاء من السلف, وقد خالفهم الجمهور قديماً وحديثاً, فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقاً لها لأن المشتري نائب عن البائع, والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها, واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما, فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجزّت عتقها, ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث, بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم, بين الفسخ والبقاء, فاختارت الفسخ وقصتها مشهورة, فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم, فلما خيرها دل على بقاء النكاح, وأن المراد من الاَية المسبيات فقط, والله أعلم. وقد قيل: المراد بقوله {والمحصنات من النساء} يعني العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي, واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً, حكاه ابن جرير عن أبي العالية وطاوس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة {والمحصنات من النساء} ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم.
وقوله تعالى: {كتاب الله عليكم} أي هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم, فالزموا كتابه, ولا تخرجوا عن حدوده, والزموا شرعه وما فرضه. وقال عبيدة وعطاء والسدي في قوله {كتاب الله عليكم} يعني الأربع. وقال إبراهيم {كتاب الله عليكم} يعني ما حرم عليكم. وقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} أي ما عدا من ذكرن من المحارم, هن لكم حلال, قاله عطاء وغيره. وقال عبيدة والسدي {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ما دون الأربع, وهذا بعيد, والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} يعني ما ملكت أيمانكم, وهذه الاَية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين, وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية, وقوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} أي تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع, أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي, ولهذا قال {محصنين غير مسافحين}. وقوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} أي كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك, كما قال تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} وكقوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}, وكقوله {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً} وقد استدل بعموم هذه الاَية على نكاح المتعة, ولا شك أنه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام, ثم نسخ بعد ذلك, وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ مرتين. وقال آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة ثم نسخ مرة, ثم نسخ, ولم يبح بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة, وهو وراية عن الإمام أحمد, وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة}, وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة, ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة, وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب الأحكام. وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني, عن أبيه, أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة, فقال «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء, وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة, فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله, ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً» وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع, وله ألفاظ موضعها كتاب الأحكام, وقوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} من حمل هذه الاَية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى, قال: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تراضوا على زيادة به, وزيادة للجعل, قال السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى, يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما, فقال: أتمتع منك أيضاً بكذا وكذا, فازاد قبل أن يستبرىء رحمها يوم تنقضي المدة, وهو قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة}. قال السدي: إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل, وهي منه بريئة وعليها أن تستبرىء ما في رحمها, وليس بينهما ميراث, فلا يرث واحد منهما صاحبه, ومن قال بهذا القول الأول جعل معناه كقوله {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} الاَية, أي إذا فرضت لها صداقاً فأبرأتك منه أو عن شيء منه, فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن الأعلى, حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه, قال: زعم الحضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر, ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة, فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. يعني إن وضعت لك منه شيئاً فهو لك سائغ. واختار هذا القول ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها, يعني في المقام أو الفراق. وقوله تعالى: {إن الله كان عليماً حكيماً} مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات. ======================================وَمَن لّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنّ وَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ
يقول تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولاً} أي سعة وقدرة {أن ينكح المحصنات المؤمنات} أي الحرائر العفائف المؤمنات. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار عن ربيعة {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات} قال ربيعة: الطول الهوى, يعني ينكح الأمة إذا كان هواه فيها, رواه ابن أبي حاتم وابن جرير, ثم أخذ يشنع على هذا القول ويرده {ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} أي فتزوجوا من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون, ولهذا قال {من فتياتكم المؤمنات}, قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين, وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان. ثم اعترض بقوله {والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض} أي هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها, وإنما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور¹ ثم {فانكحوهن بإذن أهلهن} فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه, وكذلك هو ولي عبده ليس له أن يتزوج بغير إذنه, كما جاء في الحديث «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر» أي زان. فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها لما جاء في الحديث «لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها, فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» وقوله تعالى: {وآتوهن أجورهن بالمعروف} أي وادفعوا مهورهن بالمعروف, أي عن طيب نفس منكم, ولا تبخسوا منه شيئاً استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات, وقوله تعالى: {محصنات} أي عفائف عن الزنا لا يتعاطينه, ولهذا قال {غير مسافحات} وهن الزواني اللاتي لا يمنعن من أرادهن بالفاحشة ـ وقوله تعالى: {ولا متخذات أخدان}, قال ابن عباس: المسافحات هن الزواني المعلنات, يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحداً أرادهن بالفاحشة. و {متخذات أخدان} يعني أخلاء, وكذا روي عن أبي هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حيان والسدي, قالوا: أخلاء. وقال الحسن البصري: يعني الصديق. وقال الضحاك أيضاً {ولا متخذات أخدان} ذات الخليل الواحد المقرة به, نهى الله عن ذلك. يعني تزويجها ما دامت كذلك.
وقوله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} اختلف القراء في أحصن, فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يسم فاعله, وقرىء بفتح الهمزة والصاد فعل لازم, ثم قيل: معنى القراءتين واحد, واختلفوا فيه على قولين (أحدهما) أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام, وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي, وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب وهو منقطع, وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي في رواية الربيع, قال: وإنما قلنا ذلك, استدلالاً بالسنة, وإجماع أكثر أهل العلم. وقدروى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً مرفوعاً, قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد, حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله, حدثنا أبي عن أبيه, عن أبي حمزة, عن جابر, عن رجل, عن أبي عبد الرحمن, عن علي بن أبي طالب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {فإذا أحصن} قال «إحصانها إسلامها وعفافها» وقال: المراد به ههنا التزويج. قال: وقال علي: اجلدوهن, ثم قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر. (قلت) وفي إسناده ضعف, وفيه من لم يسم, ومثله لا تقوم به حجة. وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها. وقيل: المراد به ههنا التزويج, وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. ونقله أبو علي الطبري في كتابه الإيضاح عن الشافعي, فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر, وإحصان العبد أن ينكح الحرة, وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس, رواهما ابن جرير في تفسيره. وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي. وقيل: معنى القراءتين متباين. فمن قرأ: أحصن بضم الهمزة فمراده التزويج, ومن قرأ بفتحها فمراده الإسلام. اختاره أبو جعفر بن جرير في تفسيره وقرره ونصره, والأظهر ـ والله أعلم ـ أن المراد بالإحصان ههنا التزويج, لأن سياق الاَية يدل عليه حيث يقول سبحانه وتعالى: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} والله أعلم. والاَية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات فتعين أن المراد بقوله: {فإذا أحصن} أي تزوجن, كما فسره ابن عباس ومن تبعه, وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور, وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة, سواء كانت مسلمة أو كافرة, مزوجة أو بكرا, مع أن مفهوم الاَية يقتضي أنه لاحد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك, فأما الجمهور فقالوا: لاشك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء, فقدمناها على مفهوم الاَية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن, فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت, فأمرني أن أجلدها, فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها, فذكرت ذلك لنبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنت اتركها حتى تماثل», وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه «فإذا تعالت من نفسها حُدّها خمسين» وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها, فليجلدها الحد, ولا يثرب عليها, ثم إن زنت الثانية, فليجلدها الحد, ولا يثرب عليها, ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها. فليبعها ولو بحبل من شعر» ولمسلم «إذا زنت ثلاثاً فليبعها في الرابعة», وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش, فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا.
(الجواب الثاني) جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها, وإنما تضرب تأديباً وهو المحكي عن ابن عباس رضي الله عنه. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه وعمدتهم مفهوم الاَية, وهو من مفاهيم الشرط, وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم, وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ؟ قال: «إن زنت فحدوها, ثم إن زنت فاجلدوها, ثم بيعوها ولو بضفير». قال ابن شهاب: لاأدري بعد الثالثة أو الرابعة وأخرجاه في الصحيحين. وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير الحبل. قالوا: فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة, وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات من العذاب, فوجب الجمع بين الاَية والحديث بذلك, والله أعلم ـ وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن سفيان, عن مسعر, عن عمرو بن مرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس على أمة حد حتى تحصن ـ أو حتى تزوج ـ فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات» وقد رواه ابن خزيمة عن عبد الله بن عمران العابدي عن سفيان به مرفوعاً, وقال رفعه خطأ إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران وقال مثل ما قاله ابن خزيمة. قالوا: وحديث عليٍ وعمر قضايا أعيان, وحديث أبي هريرة عنه أجوبة: (أحدها) أن ذلك محمول على الأمة المزوجة جمعاً بينه وبين هذا الحديث. (الثاني) أن لفظة الحد في قوله «فليجلدها الحد» مقحمة من بعض الرواة بدليل الجواب الثالث, وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط, وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد, وأيضاً فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم عن عمه, وكان قد شهد بدراً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنت الأمة فاجلدوها, ثم إذا زنت فاجلدوها, ثم إذا زنت فاجلدوها, ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير» (الرابع) أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظة الحد في الحديث على الجلد, لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد, أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب, كما أطلق الحد على ضرب من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ, وعلى جلد من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة, وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كأحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة. ورجم الثيب أو اللائط, والله أعلم. وقد روى ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن المثنى, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج, وهذا إسناد صحيح عنه, ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب الأمة أصلاً لاحداً, وكأنه أخذ بمفهوم الاَية ولم يبلغه الحديث, وإن أراد أنها لاتضرب حداً, ولا ينفي ضربها تأديباً فهو كقول ابن عباس رضي الله عنه ومن تبعه في ذلك, والله أعلم.
(الجواب الثالث) أن الاَية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة, فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة, كقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كلٍ واحد منهما مائة جلدة} وكحديث عبادة بن الصامت «خذوا عني, خذوا عني, قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام, والثيب بالثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة» والحديث في صحيح مسلم وغير ذلك من الأحاديث. وهذا القول هو المشهور عن داود بن علي الظاهري وهو في غاية الضعف, لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب, وهو خمسون جلدة, فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال ؟ وهذا الشارع عليه السلام سأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن, فقال: اجلدوها, ولم يقل: مائة, فلو كان حكمها كما زعم داود لوجب بيان ذلك لهم, لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء, وإلا فما الفائدة في قولهم: ولم تحصن لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الاَية نزلت, لكن لما علموا حكم أحد الحكمين سألوا عن حكم الاَخر فبينه لهم, كما في الصحيحين أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه فذكرها لهم, ثم قال «والسلام ما قد علمتم» وفي لفظ لما أنزل الله قوله: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه, فكيف الصلاة عليك وذكر الحديث وهكذا هذا السؤال.
(الجواب الرابع) عن مفهوم الاَية جواب أبي ثور وهو أغرب من قول داود من وجوه, وذلك أنه يقول: فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات المزوجات وهو الرجم, وهو لا ينصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت, وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين, فأخطأ في فهم الاَية, وخالف الجمهور في الحكم, بل قد قال أبو عبد الله الشافعي رحمه الله: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا, وذلك لأن الاَية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب, والألف واللام في المحصنات للعهد, وهن المحصنات المذكورات في أول الاَية: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات} والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض لتزويج غيره, وقوله: {نصف ما على المحصنات من العذاب} يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم, والله أعلم. وقد روى أحمد نصاً في رد مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعيد عن أبيه: إن صفيّة كانت قد زنت برجل من الحمس, فولدت غلاماً, فادعاه الزاني, فاختصما إلى عثمان, فرفعهما إلى علي بن أبي طالب, فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش, وللعاهر الحجر, وجلدهما خمسين خمسين, وقيل: بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى أي إن الإماء على النصف من الحرائر في الحد وإن كن محصنات وليس عليهن رجم أصلاً لا قبل النكاح ولا بعده, وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة, قال ذلك صاحب الإفصاح, وذكر هذا عن الشافعي فيما رواه ابن عبد الحكم عنه, وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والاَثار, وهو بعيد من لفظ الاَية, لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الاَية لا من سواها فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه وهو قول في مذهب أحمد رحمه الله, فأما قبل الإحصان فله ذلك, والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة, وهذا أيضاً بعيد لأنه ليس في لفظ الاَية ما يدل عليه, ولولا هذه لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف, ولوجب دخولهن في عموم الاَية في تكميل الحد مائة, أو رجمهن كما ثبت في الدليل عليه, وقد تقدم عن علي أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن, وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: «إذا زنت أمة أحدكم, فتبين زناها, فليجلدها الحد, ولا يثرب عليها» ملخص الاَية: أنها إذا زنت أقوال: أحدها تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده. وهل تنفى ؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها إنها تنفى عنه. والثاني لا تنفى عنه مطلقاً والثالث أنها تنفى نصف سنة وهو نصف نفي الحرة, وهذا الخلاف في مذهب الشافعي, وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحد, وإنما هو رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء, وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال وأما النساء فلا, لأن ذلك مضاد لصيانتهن وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه, رواه البخاري وذلك مخصوص بالمعنى وهو أن المقصود من النفي الصون, وذلك مفقود في نفي النساء, والله أعلم. والثاني أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان وتضرب تأديباً غير محدود بعدد محصور, وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها لا تضرب قبل الإحصان, وإن أراد نفيه فيكون مذهباً بالتأويل وإلا فهو كالقول الثاني. القول الاَخر أنها تجلد قبل الإحصان مائة, وبعده خمسين, كما هو المشهور عن داود وأضعف الأقوال: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين, وترجم بعده, وهو قول أبي ثور وهو ضعيف أيضاً, والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وقوله تعالى: {ذلك لمن خشي العنت منكم} أي إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا, وشق عليه الصبر عن الجماع, وعنت بسبب ذلك كله, فله حينئذ أن يتزوج بالأمة, وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها إلا أن يكون الزوج عربيّاً, فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي, ولهذا قال {وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم} ومن هذه الاَية الكريمة, استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر ومن خوف العنت لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد, ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن, وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين, فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجاً بحرة, جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضاً سواء كان واجداً لطول حرة أم لا, وسواء خاف العنت أم لا, وعمدتهم فيما ذهبواإليه قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} أي العفائف وهو يعم الحرائر والإماء, وهذه الاَية عامة وهذه أيضاً ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور, والله أعلم.
** يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً
يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما أحل لكم وحرم عليكم مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها, {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها, {ويتوب عليكم} أي من الإثم والمحارم, {والله عليم حكيم} أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله. وقوله: {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً} أي يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلاً عظيماً {يريد الله أن يخفف عنكم} أي في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم, ولهذا أباح الإماء بشروط, كما قال مجاهد وغيره {وخلق الإنسان ضعيفاً} فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا وكيع عن سفيان, عن ابن طاوس, عن أبيه {وخلق الإنسان ضعيفاً} أي في أمر النساء. وقال وكيع: يذهب عقله عندهن. وقال موسى الكليم عليه السلام لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم, ليلة الإسراء حين مر عليه راجعاً من عند سدرة المنتهى, فقال له: ماذا فرض عليكم, فقال: أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة, فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف, فإن أمتك لا تطيق ذلك, فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا, وإن أمتك أضعف أسماعاً وأبصاراً وقلوباً, فرجع, فوضع عشراً. ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمساً, الحديث. ====================================== يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً * إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مّدْخَلاً كَرِيماً
ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضاً بالباطل, أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار, وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل, وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا, حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى, حدثنا عبد الوهاب, حدثنا داود عن عكرمة, عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته, وإلا رددته ورددت معه درهماً, قال: هو الذي قال الله عز وجل فيه {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي, حدثنا ابن فضيل عن داود الأودي, عن عامر, عن علقمة, عن عبد الله في الاَية, قال: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما أنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل, والطعام هو أفضل أموالنا, فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد, فكيف للناس ؟ فأنزل الله بعد ذلك {ليس على الأعمى حرج} الاَية, وكذا قال قتادة, وقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} قرىء تجارة بالرفع وبالنصب وهو استثناء منقطع, كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال, ولكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال, كما قال تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}, وكقوله {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى}. ومن هذه الاَية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول, لأنه يدل على التراضي نصاً بخلاف المعاطاة, فإنها قد لا تدل على الرضى ولا بد, وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم, فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعاً, فصححوا بيع المعاطاة مطلقاً, ومنهم من قال: يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعاً وهو احتياط نظر من محققي المذهب, والله أعلم. وقال مجاهد {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} بيعاً أو عطاء يعطيه أحد أحداً, ورواه ابن جرير, ثم قال: وحدثنا وكيع, حدثنا أبي عن القاسم, عن سليمان الجعفي, عن أبيه, عن ميمون بن مهران, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة, ولا يحل لمسلم أن يغش مسلماً» هذا حديث مرسل. ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس, كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «البيعان بالخيار مالم يتفرقا» وفي لفظ البخاري «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار مالم يتفرقا», وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف, ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه حال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها, كما هو المشهور عن مالك رحمه الله, وصححوا بيع المعاطاة مطلقاً وهو قول في مذهب الشافعي, ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعاً وهو اختيار طائفة من الأصحاب كما هو متفق عليه, وقوله {ولا تقتلوا أنفسكم} أي بارتكاب محارم الله, وتعاطي معاصيه, وأكل أموالكم بينكم بالباطل {إن الله كان بكم رحيماً} أي فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس, عن عبد الرحمن بن جبير, عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم, عام ذات السلاسل, قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد, فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك, فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح, قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ذكرت ذلك له, فقال «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب» قال: قلت: يا رسول الله, إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد, فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك, فذكرت قول الله عز وجل {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} فتيممت ثم صليت, فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً, وهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب به. ورواه أيضاً عن محمد بن أبي سلمة, عن ابن وهب, عن ابن لهيعة وعمر بن الحارث, كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب, عن عمران بن أبي أنس, عن عبد الرحمن بن جبير المصري, عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عنه, فذكر نحوه, وهذا ـ والله أعلم ـ أشبه بالصواب. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي, حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي, حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري, حدثنا يوسف بن خالد, حدثنا زياد بن سعد عن عكرمة, عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب, فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فدعاه فسأله عن ذلك, فقال: يا رسول الله, خفت أن يقتلني البرد, وقد قال الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} الاَية, فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم أورد ابن مردويه عند هذه الاَية الكريمة من حديث الأعمش عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قتل نفسه بحديدة, فحديدته في يده, يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً, ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده, يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن تردّى من جبل فقتل نفسه, فهو مترد في نار جهنم خالداً فيها أبداً» وهذا الحديث ثابت في الصحيحين, وكذلك رواه أبو الزناد عن الأعرج, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, وعن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة» وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة. وفي الصحيحين من حديث الحسن عن جندب بن عبد الله البجلي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكيناً نحر بها يده, فمارقأ الدم حتى مات, قال الله عز وجل «عبدي بادرني بنفسه, حرمت عليه الجنة» ولهذا قال تعالى: {ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً} أي ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه معتدياً فيه ظالماً في تعاطيه أي عالماً بتحريمه متجاسراً على انتهاكه {فسوف نصليه ناراً} الاَية, وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد, فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد. وقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} الاَية, أي إذا اجتنبتم كبائر الاَثام التي نهيتم عنها, كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة, ولهذا قال {وندخلكم مدخلاً كريماً} وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مؤمل بن هشام, حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, حدثنا خالد بن أيوب عن معاوية بن قرة, عن أنس, قال: الذي بلغنا عن ربنا عز وجل, ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر, يقول الله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} الاَية, وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الاَية الكريمة, فلنذكر منها ما تيسر, قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم عن مغيرة عن أبي معشر, عن إبراهيم, عن قَرْثع الضبي, عن سلمان الفارسي, قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «أتدري ما يوم الجمعة ؟» قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم, قال«لكن أدري ما يوم الجمعة, لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره, ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة», وقد روى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى, حدثنا أبو صالح, حدثنا الليث, حدثني خالد عن سعيد بن أبي هلال, عن نعيم المجمر, أخبرني صهيب مولى العُتْواري, أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً, فقال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات, ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري ماذا حلف عليه, ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر, فكان أحب إلينا من حمر النعم, فقال: «ما من عبد يصلي الصلوات الخمس, ويصوم رمضان, ويخرج الزكاة, ويجتنب الكبائر السبع, إلا فتحت له أبواب الجنة, ثم قيل له: ادخل بسلام», وهكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث الليث بن سعد به, ورواه الحاكم أيضاً وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث, عن سعيد بن أبي هلال به ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه.
(تفسير هذه السبع) وذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن ثور بن زيد, عن سالم أبي الغيث, عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «اجتنبوا السبع الموبقات». قيل: يا رسول الله, وما هن ؟ قال «الشرك بالله, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, والسحر, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».
(طريق أخرى عنه) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا فهد بن عوف, حدثنا أبو عوانة عن عمرو بن أبي سلمة, عن أبيه, عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «الكبائر سبع: أولها الإشراك بالله, ثم قتل النفس بغير حقها, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر, والفرار من الزحف, ورمي المحصنات, والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة», فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر, لا ينفي ما عداهن إلا عند من يقول بمفهوم اللقب, وهو ضعيف عند عدم القرينة ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم, كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع, فمن ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال: حدثنا أحمد بن كامل القاضي إملاء, حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد, حدثنا معاذ بن هانيء, حدثنا حرب بن شداد, حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الحميد بن سنان, عن عبيد بن عمير, عن أبيه يعني عمير بن قتادة رضي الله عنه, أنه حدثه وكانت له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع «ألا إن أولياء الله المصلون من يقم الصلوات الخمس التي كتبت عليه, ويصوم رمضان ويحتسب صومه, يرى أنه عليه حق, ويعطي زكاة ماله يحتسبها ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها», ثم إن رجلاً سأله فقال: يارسول الله, ما الكبائر ؟ فقال «تسع: الشرك بالله, وقتل نفس مؤمن بغير حق, وفرار يوم الزحف, وأكل مال اليتيم وأكل الربا, وقذف المحصنة, وعقوق الوالدين المسلمين, واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً, ثم قال: لا يموت رجل لا يعمل هؤلاء الكبائر, ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في دار أبوابها مصاريع من ذهب», هكذا رواه الحاكم مطولاً, وقد أخرجه أبو داود والترمذي مختصراً من حديث معاذ بن هانيء به. وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطاً, ثم قال الحاكم: رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين إلا عبد الحميد بن سنان. (قلت) وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث, وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات. وقال البخاري: في حديثه نظر, وقد رواه ابن جرير عن سليمان بن ثابت الجحدري, عن سلم بن سلام, عن أيوب بن عتبة, عن يحيى بن أبي كثير, عن عبيد بن عمير, عن أبيه فذكره, ولم يذكر في الإسناد عبد الحميد بن سنان, والله أعلم.
(حديث آخر في معنى ما تقدم) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا أحمد بن يونس, حدثنا يحيى بن عبد الحميد, حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد, عن المطلب بن عبد الله بن حنطب, عن ابن عمرو, قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر, فقال «لا أقسم, لا أقسم», ثم نزل فقال: «أبشروا أبشروا, من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر السبع, نودي من أبواب الجنة: ادخل». قال عبد العزيز: لا أعلمه. إلا قال: «بسلام». وقال المطلب: سمعت من سأل عبدالله بن عمرو, أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن ؟ قال: نعم «عقوق الوالدين, وإشراك بالله, وقتل النفس, وقذف المحصنات, وأكل مال اليتيم, والفرار من الزحف, وأكل الربا».
(حديث آخر في معناه) قال أبو جعفر بن جرير في التفسير: حدثنا يعقوب, حدثنا ابن علية, حدثنا زياد بن مخراق عن طيسلة بن مياس, قال: كنت مع النجدات فأصبت ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر, فلقيت ابن عمر, فقلت له: إني أصبت ذنوباً لا أراها إلا من الكبائر, قال: ما هي ؟ قلت: أصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر. قلت: وأصبت كذا وكذا. قال ليس من الكبائر. قال ـ بشي لم يسمه طيسلة ـ قال: هي تسع وسأعدهن عليك «الإشراك بالله, وقتل النفس بغير حقها والفرار من الزحف, وقذف المحصنة, وأكل الربا وأكل مال اليتيم ظلماً. وإلحاد في المسجد الحرام والذي يستسحر, وبكاء الوالدين من العقوق». قال زياد: وقال طيسلة: لما رأى ابن عمر فرقي قال: أتخاف النار أن تدخلها ؟ قلت: نعم. قال: وتحب أن تدخل الجنة ؟ قلت: نعم. قال: أحي والداك ؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام, وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات.
(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا سليمان بن ثابت الجحدري الواسطي, حدثنا سلم بن سلام, حدثنا أيوب بن عتبة عن طيسلة بن علي النهدي, قال: أتيت ابن عمر وهو في ظل أراك يوم عرفة وهو يصب الماء على رأسه ووجهه, قلت: أخبرني عن الكبائر ؟ قال: هي تسع قلت: ما هي ؟ قال: «الإشراك بالله وقذف المحصنة» قال: قلت: قبل القتل ؟ قال: نعم ورغما, وقتل النفس المؤمنة, والفرار من الزحف, والسحر, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, وعقوق الوالدين المسلمين, وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً» هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفاً. وقد رواه علي بن الجعد عن أيوب بن عتبة, عن طيسلة بن علي, قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة, وهو تحت ظل أراكة, وهو يصب الماء على رأسه فسألته عن الكبائر ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هن سبع» قال: قلت: وما هن ؟ قال «الإشراك بالله وقذف المحصنة» قال: قلت: قبل الدم ؟ قال: نعم, ورغماً, وقتل النفس المؤمنة, والفرار من الزحف, والسحر وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, وعقوق الوالدين, وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً». وهكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب عن أيوب بن عتبة اليماني وفيه ضعف, والله أعلم.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي, حدثنا بقية عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان أن أبارهم السمعى حدثهم عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من عبد الله لا يشرك به شيئاً, وأقام الصلاة وآتى الزكاة, وصام رمضان, واجتنب الكبائر فله الجنة ـ أو دخل الجنة ـ» فسأله رجل ما الكبائر ؟ فقال «الشرك بالله, وقتل نفس مسلمة, والفرار يوم الزحف» ورواه أحمد أيضاً, والنسائي من غير وجه عن بقية.
(حديث آخر) روى ابن مردويه في تفسيره من طريق سليمان بن داود اليماني ـ وهو ضعيف ـ عن الزهري, عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم, عن أبيه, عن جده, قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات, وبعث به مع عمرو بن حزم قال: وكان في الكتاب «إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: إشراك بالله, وقتل النفس المؤمنة بغير حق, والفرار في سبيل الله يوم الزحف, وعقوق الوالدين, ورمي المحصنة, وتعلم السحر, وأكل الربا وأكل مال اليتيم».
(حديث آخر فيه ذكر شهادة الزور): قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة, حدثني عُبيد الله بن أبي بكر, قال: سمعت أنس بن مالك: قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر, أو سئل عن الكبائر, فقال «الشرك بالله, وقتل النفس, وعقوق الوالدين», وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قال: قول الزور ـ أو شهادة الزور ـ» قال شعبة: أكبر ظني أنه قال: شهادة الزور. أخرجاه من حديث شعبة به. وقد رواه ابن مردويه من طريقين آخرين غريبين عن أنس بنحوه.
(حديث آخر) أخرجه الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بَكْرة عن أبيه, قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا: بلى يارسول الله. قال «الإشراك بالله, وعقوق الوالدين» وكان متكئاً, فجلس فقال «ألا وشهادة الزور, ألا وقول الزور» فمازال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
(حديث آخر فيه ذكر قتل الولد) وهو ثابت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله, أي الذنب أعظم ؟ وفي رواية أكبر قال «أن تجعل لله نداً وهو خلقك». قلت: ثم أي ؟ قال «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت: ثم أي ؟ قال «أن تزاني حليلة جارك» ثم قرأ {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ـ إلى قوله ـ إلا من تاب}.
(حديث آخر فيه ذكر شرب الخمر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب, حدثني ابن صخر أن رجلاً حدثه عن عمارة بن حزم أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص وهو بالحجر بمكة, وسأله رجل عن الخمر فقال: والله إن عظيماً عند الله الشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذهب فسأله, ثم رجع فقال: سألته عن الخمر, فقال «هي أكبر الكبائر, وأم الفواحش من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته» غريب من هذا الوجه.
(طريق أخرى) رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود بن صالح عن سالم بن عبد الله, عن أبيه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب وأناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ر ضي الله عنهم أجمعين, جلسوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أعظم الكبائر, فلم يكن عندهم ما ينتهون إليه, فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك, فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر, فأتيتهم فأخبرتهم, فأنكروا ذلك, فوثبوا إليه حتى أتوه في داره, فأخبرهم أنهم تحدثوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ملكاً من بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره بين أن يشرب خمراً, أو يقتل نفساً, أو يُزاني أو يأكل لحم خنزير أو يقتله, فاختار شرب الخمر, وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه, وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا مجيباً «ما من أحد يشرب خمراً إلا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة, ولا يموت أحد وفي مثانته منها شيء إلا حرم الله عليه الجنة, فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية» هذا حديث غريب من هذا الوجه جداً, وداود بن صالح هذا هو التمار المدني مولى الأنصار, قال الإمام أحمد: لا أرى به بأساً. وذكره ابن حبان في الثقات ولم أر أحداً جرحه.
(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو وفيه ذكر اليمين الغموس. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن فراس, عن الشعبي, عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «أكبر الكبائر الإشراك بالله, وعقوق الوالدين, أو قتل النفس ـ شعبة الشاك ـ واليمين الغموس» ورواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث شعبة, وزاد البخاري وشيبان كلاهما عن فراس به.
(حديث آخر في اليمين الغموس) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو صالح كاتب الليث, حدثنا الليث بن سعد, حدثنا هشام بن سعد, عن محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ التيمي, عن أبي أمامة الأنصاري, عن عبد الله بن أنيس الجهني, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أكبر الكبائر الشرك بالله, وعقوق الوالدين, واليمين الغموس, وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة», وهكذا رواه أحمد في مسنده وعبد بن حميد في تفسيره, كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث بن سعد به, وأخرجه الترمذي عن عبد بن حميد به, وقال: حسن غريب, وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة ولا يعرف اسمه, وقد روى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني عن محمد بن زيد, عن عبد الله بن أبي أمامة, عن أبيه, عن عبد الله بن أنيس, فزاد عبد الله بن أبي أمامة. (قلت) هكذا وقع في تفسير ابن مردويه وصحيح ابن حبان من طريق عبدالرحمن بن إسحاق كما ذكره شيخنا فسح الله في أجله.
(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو في التسبب إلى شتم الوالدين, قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي, حدثنا وكيع عن مسعر وسفيان, عن سعد بن إبراهيم, عن حميد بن عبد الرحمن, عن عبدالله بن عمرو, رفعه سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ووقفه مسعر على عبد الله بن عمرو, قال «من الكبائر أن يشتم الرجل والديه, قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه ؟ قال «يسب الرجل أبا الرجل, فيسب أباه, ويسب أمه, فيسب أمه» أخرجه البخاري عن أحمد بن يونس, عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف, عن أبيه, عن عمه حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال «يسب الرجل أبا الرجل, فيسب أباه ويسب أمه, فيسب أمه» وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد, ثلاثتهم عن سعد بن إبراهيم به مرفوعاً بنحوه, وقال الترمذي: صحيح, وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر».
(حديث آخر في ذلك) قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دُحيم, حدثنا عمرو بن أبي سلمة, حدثنا زهير بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أكبر الكبائر عرض الرجل المسلم, والسبّتان والسبّة» هكذا روي هذا الحديث, وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن جعفر بن مسافر, عن عمرو بن أبي سلمة, عن زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق, ومن الكبائر السبتان بالسبة» وكذا رواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن العلاء بن زَبْر, عن العلاء, عن أبيه عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله.
(حديث آخر في الجمع بين الصلاتين من غير عذر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا نعيم بن حماد, حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه, عن حنش, عن عكرمة, عن ابن عباس, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر» وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي عن أبي سلمة يحيى بن خلف عن المعتمر بن سليمان به, ثم قال: حنش هو أبو علي الرحبي, وهو حسين بن قيس, وهو ضعيف عند أهل الحديث, ضعفه أحمد وغيره. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح, حدثنا إسماعيل ابن علية عن خالد الحذاء, عن حميد بن هلال, عن أبي قتادة يعني العدوي, قال: قُرىء علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين ـ يعني بغير عذر ـ والفرار من الزحف, والنهبة, وهذا إسناد صحيح. والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر, تقديماً أو تأخيراً, وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية, فإذا تعاطاه أحد بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكباً كبيرة, فما ظنك بترك الصلاة بالكلية, ولهذا روى مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة». وفي السنن مرفوعاً عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة, من تركها فقد كفر», وقال «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله», وقال «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله».
(حديث آخر) فيه اليأس من روح الله, والأمن من مكر الله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل, حدثنا أبي, حدثنا شبيب بن بشر عن عكرمة, عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متكئاً, فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر فقال «الشرك بالله, واليأس من روح الله, والقنوط من رحمة الله, والأمن من مكر الله, وهذا أكبر الكبائر» وقد رواه البزار عن عبد الله بن إسحاق العطار, عن أبي عاصم النبيل, عن شبيب بن بشر, عن عكرمة, عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الكبائر ؟ قال «الإشراك بالله واليأس من روح الله, والقنوط من رحمة الله عز وجل» وفي إسناده نظر, والأشبه أن يكون موقوفاً, فقد روي عن ابن مسعود نحو ذلك. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا هشيم, أخبرنا مطرف عن وبرة بن عبد الرحمن عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله, واليأس من روح الله, والقنوط من رحمة الله, والأمن من مكر الله, وكذا رواه من حديث الأعمش وأبي إسحاق عن وبرة عن أبي الطفيل عن عبد الله به, ثم رواه من طرق عدة عن أبي الطفيل عن ابن مسعود وهو صحيح إليه بلا شك.
(حديث آخر) فيه سوء الظن بالله. قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم بن بندار, حدثنا أبو حاتم بكر بن عبدان, حدثنا محمد بن مهاجر, حدثنا أبو حذيفة البخاري عن محمد بن عجلان, عن نافع, عن ابن عمر أنه قال: أكبر الكبائر سوء الظن بالله عز وجل, حديث غريب جداً.
(حديث آخر) فيه التعرب بعد الهجرة قد تقدم في رواية عمرو بن أبي سلمة, عن أبيه, عن أبي هريرة مرفوعاً قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد, حدثنا أحمد بن رشدين, حدثنا عمرو بن خالد الحراني, حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب, عن محمد بن سهل بن أبي حَثْمة عن أبيه, قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «الكبائر سبع, ألا تسألوني عنهن ؟ الشرك بالله, وقتل النفس والفرار يوم الزحف, وأكل مال اليتيم, وأكل الربا, وقذف المحصنة, والتعرب بعد الهجرة», وفي إسناده نظر, ورفعه غلط فاحش, والصواب ما رواه ابن جرير: حدثنا تميم بن المنتصر, حدثنا يزيد, أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن سهل بن أبي حَثْمة, عن أبيه, قال: إني لفي هذا المسجد, مسجد الكوفة, وعلي رضي الله عنه يخطب الناس على المنبر يقول: يا أيها الناس, الكبائر سبع فأصاخ الناس, فأعادها ثلاث مرات, ثم قال: لم لا تسألوني عنها ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين, ما هي ؟ قال: الإشراك بالله, وقتل النفس التي حرم الله, وقذف المحصنة, وأكل مال اليتيم, وأكل الربا, والفرار يوم الزحف, والتعرب بعد الهجرة. فقلت لأبي: يا أبت, التعرب بعد الهجرة, كيف لحق ههنا ؟ قال يا بني وما أعظم من أن يهاجر الرجل حتى إذا وقع سهمه في الفيء, ووجب عليه الجهاد, خلع ذلك من عنقه, فرجع أعرابياً كما كان.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم, حدثنا أبو معاوية يعني شيبان, عن منصور, عن هلال بن يساف, عن سلمة بن قيس الأشجعي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع «ألا إنما هن أربع أن لا تشركوا بالله شيئاً, ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق, ولا تزنوا, ولا تسرقوا» قال: فما أنا بأشح عليهن مني إذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رواه أحمد أيضاً والنسائي وابن مردويه من حديث منصور بإسناده مثله.
(حديث آخر) تقدم من رواية عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «الإضرار في الوصية من الكبائر» والصحيح ما رواه غيره عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال ابن أبي حاتم: وهو الصحيح عن ابن عباس من قوله.
(حديث آخر في ذلك) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا أحمد بن عبد الرحمن, حدثنا عباد بن عباد, عن جعفر بن الزبير, عن القاسم عن أبي أمامة, أن أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا الكبائر وهو متكىء, فقالوا: الشرك بالله, وأكل مال اليتيم, وفرار من الزحف, وقذف المحصنة, وعقوق الوالدين, وقول الزور, والغلول, والسحر, وأكل الربا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأين تجعلون {الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً}» إلى آخر الاَية. في إسناده ضعف, وهو حسن.
(ذكر أقوال السلف في ذلك)
قد تقدم ما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما في ضمن الأحاديث المذكورة, وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية عن ابن عون, عن الحسن, أن أناساً سألوا عبد الله بن عمرو بمصر, فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله عز وجل أمر أن يعمل بها لا يعمل بها, فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك, فقدم وقدموا معه, فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: متى قدمت ؟ فقال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت ؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه. فقال: يا أمير المؤمنين, إن ناساً لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بهافلا يعمل بها, فأحبوا أن يلقوك في ذلك. قال: فاجمعهم لي. قال: فجمعتهم له. قال ابن عون: أظنه قال: في بهو, فأخذ أدناهم رجلاً فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك, أقرأت القرآن كله ؟ قال: نعم. قال: فهل أحصيته في نفسك ؟ فقال: اللهم لا. قال: ولو قال: نعم, لخصمه. قال: فهل أحصيته في بصرك ؟ فهل أحصيته في لفظك ؟ هل أحصيته في أمرك ؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم قال: فثكلت عمر أمه, أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله, قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات, قال: وتلا {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} الاَية. ثم قال: هل علم أهل المدينة ؟ أو قال: هل علم أحد بما قدمتم ؟ قالوا: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم, إسناد حسن ومتن حسن وإن كان من رواية الحسن عن عمر, وفيها انقطاع إلا أن مثل هذا اشتهر, فتكفي شهرته. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو أحمد يعني الزبيري, حدثنا علي بن صالح عن عثمان بن المغيرة, عن مالك بن جوين, عن علي رضي الله عنه. قال: الكبائر الإشراك بالله, وقتل النفس, وأكل مال اليتيم, وقذف المحصنة, والفرار من الزحف, والتعرب بعد الهجرة, والسحر, وعقوق الوالدين, وأكل الربا, وفراق الجماعة, ونكث الصفقة. وتقدم عن ابن مسعود أنه قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله, واليأس من روح الله, والقنوط من رحمة الله, والأمن من مكر الله عز وجل. وروى ابن جرير من حديث الأعمش عن أبي الضحى, عن مسروق والأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة, كلاهما عن ابن مسعود, قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها, ومن حديث سفيان الثوري وشعبة عن عاصم بن أبي النجود, عن زر بن حبيش, عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها ثم تلا {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} الاَية, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان, حدثنا يعلى بن عبيد, حدثنا صالح بن حيان عن ابن بريدة, عن أبيه, قال: أكبر الكبائر الشرك بالله, وعقوق الوالدين, ومنع فضول الماء بعد الري, ومنع طروق الفحل إلا بجعل.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ», وفيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة, ولا يزكيهم, ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل» وذكر تمام الحديث. وفي مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده مرفوعاً «من منع فضل الماء وفضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي, حدثنا أبو أحمد عن سفيان, عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق, عن عائشة, قالت: ما أخذ على النساء من الكبائر, قال ابن أبي حاتم: يعني قوله تعالى: {على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن} الاَية, وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية, حدثنا زياد بن مخراق عن معاوية بن قرة, قال:)أتينا أنس بن مالك فكان فيما حدثنا قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن ربنا تعالى لم نخرج له عن كل أهل ومال, ثم سكت هُنيهة ثم قال: والله لما كلفنا ربنا أهون من ذلك لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر فما لنا ولها, وتلا {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} الاَية.
أقوال ابن عباس في ذلك
روى ابن جرير من حديث المعتمر بن سليمان عن أيبه, عن طاوس, قال: ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا: هي سبع, فقال: هي أكثر من سبع وسبع, قال: فلا أدري كم قالها من مرة, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا قبيصة, حدثنا سفيان عن ليث عن طاوس, قال: قلت لابن عباس: ما السبع الكبائر ؟ قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. ورواه ابن جرير عن ابن حميد, عن جرير, عن ليث, عن طاوس قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله ؟ قال: هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن طاوس عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع ؟ قال: هن إلى السبعين أقرب, وكذا قال أبو العالية الرياحي رحمه الله. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى, حدثنا أبو حذيفة, حدثنا شبل عن قيس بن سعد, عن سعيد بن جبير: أن رجلاً قال لابن عباس: كم الكبائر سبع ؟ قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع, غير أنه لا كبيرة مع استغفار, ولا صغيرة مع إصرار, وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شبل به, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب, رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي, حدثنا ابن فضيل, حدثنا شبيب عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: الكبائر كل ماوعد الله عليه النار كبيرة, وكذا قال سعيد بن جبير والحسن البصري. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب, حدثنا ابن علية, أخبرنا أيوب عن محمد بن سيرين, قال: نبئت أن ابن عباس كان يقول: كل ما نهى الله عنه كبيرة, وقد ذكرت الطرفة, قال: هي النظرة, وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن حازم, أخبرنا أبو نعيم, حدثنا عبدالله بن معدان عن أبي الوليد, قال: سألت ابن عباس عن الكبائر, فقال كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة.
(أقوال التابعين)
قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية عن ابن عون, عن محمد, قال: سألت عبيدة عن الكبائر فقال: الإشراك بالله, وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها, وفرار يوم الزحف, وأكل مال اليتيم بغير حقه, وأكل الربا, والبهتان. قال: ويقولون: أعرابية بعد هجرة, قال ابن عون: فقلت لمحمد: فالسحر ؟ قال: إن البهتان يجمع شراً كثيراً. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي, حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم, عن أبي إسحاق, عن عبيد بن عمير, قال: الكبائر سبع, ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله, الإشراك بالله منهن {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح} الاَية, و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً} الاَية, و {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} {والذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات}, والفرار من الزحف {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً} الاَية, والتعرب بعد الهجرة {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى}, وقتل المؤمن {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} الاَية, وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضاً في حديث أبي إسحاق عن عبيد بن عمير بنحوه. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى, حدثنا أبو حذيفة, حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح, عن عطاء يعني ابن أبي رباح, قال: الكبائر سبع: قتل النفس, وأكل مال اليتيم, وأكل الربا, ورمي المحصنة, وشهادة الزور, وعقوق الوالدين, والفرار من الزحف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا عثمان بن أبي شيبة, حدثنا جرير عن مغيرة, قال: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائر. قلت: وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير من سب الصحابة, وهو رواية عن مالك بن أنس رحمه الله. وقال محمد بن سيرين: ما أظن أحداً ينتقص أبا بكر وعمر وهو يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, رواه الترمذي. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني عبدالله بن عياش, قال زيد بن أسلم في قول الله عز وجل {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} من الكبائر: الشرك بالله, والكفر بآيات الله ورسله, والسحر, وقتل الأولاد, ومن دعى لله ولداً أو صاحبة ـ ومثل ذلك من الأعمال والقول الذي لا يصلح معه عمل. وأما كل ذنب يصلح معه دين, ويقبل معه عمل, فإن الله يغفر السيئات بالحسنات. وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ, حدثنا يزيد, حدثنا سعيد عن قتادة {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} الاَية: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر¹ وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «اجتنبوا الكبائر, وسددوا, وأبشروا» وقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس وعن جابر مرفوعاً «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي», ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف, إلا ما رواه عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ثابت, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفرداً به من هذا الوجه عن عباس العنبري, عن عبد الرزاق, ثم قال: هذا حديث حسن صحيح, وفي الصحيح شاهد لمعناه وهو قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الشفاعة «أترونها للمؤمنين المتقين ؟ لا ولكنها للخاطئين المتلوثين» وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة, فمن قائل: هي ما عليه حد في الشرع, ومنهم من قال: هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة, وقيل غير ذلك. قال أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه الشرح الكبير الشهير في كتاب الشهادات منه: ثم اختلف الصحابة رضي الله عنهم, فمن بعدهم في الكبائر وفي الفرق بينها وبين الصغائر, ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه (أحدها) أنها المعصية الموجبة للحد. (والثاني) أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة, وهذا أكثر ما يوجد لهم, وهو إلى الأول أميل, لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر. (والثالث) قال إمام الحرمين في الإرشاد وغيره: كل جريمة تنبىء بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة, فهي مبطلة للعدالة. (والرابع) ذكر القاضي أبو سعيد الهروي أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على تحريمه وكل معصية توجب في جنسها حداً من قتل أو غيره, وترك كل فريضة مأمور بها على الفور والكذب في الشهادة والرواية واليمين, هذا ما ذكروه على سبيل الضبط, ثم قال: وفصل القاضي الروياني فقال: الكبائر سبع: قتل النفس بغير الحق, والزنا, واللواطة, وشرب الخمر, والسرقة, وأخذ المال غصباً, والقذف, وزاد في الشامل على السبع المذكورة: شهادة الزور, وأضاف إليها صاحب العدة: أكل الربا والإفطار في رمضان بلا عذر, واليمين الفاجرة, وقطع الرحم, وعقوق الوالدين, والفرار من الزحف, وأكل مال اليتيم, والخيانة في الكيل والوزن, وتقديم الصلاة على وقتها, وتأخيرها عن وقتها بلا عذر, وضرب المسلم بلا حق, والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمداً, وسب أصحابه, وكتمان الشهادة بلا عذر, وأخذ الرشوة, والقيادة بين الرجال والنساء, والسعاية عند السلطان, ومنع الزكاة,. وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة, ونسيان القرآن بعد تعلمه, وإحراق الحيوان بالنار, وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب, واليأس من رحمة الله, والأمن من مكر الله, ويقال: الوقيعة في أهل العلم, وحملة القرآن, ومما يعد من الكبائر: الظهار, وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة, ثم قال الرافعي: وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال. قلت: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي الذي بلغ نحواً من سبعين كبيرة, وإذا قيل: إن الكبيرة ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها, كما قال ابن عباس وغيره وما تُتُبّع ذلك, اجتمع منه شيء كثير, وإذا قيل كل ما نهى الله عنه فكثير جداً, والله أعلم.
** وَلاَ تَتَمَنّوْاْ مَا فَضّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىَ بَعْضٍ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَآءِ نَصِيبٌ مّمّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: قالت أم سلمة: يارسول الله, يغزو الرجال ولا نغزو, ولنا نصف الميراث, فأنزل الله {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}. ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن أم سلمة أنها قالت: قلت: يارسول الله, فذكره, وقال: غريب. ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد أن أم سلمة قالت: يا رسول الله, فذكره. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير, وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله, لا نقاتل فنستشهد, ولا نقطع الميراث, فنزلت الاَية, ثم أنزل الله {أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} الاَية, ثم قال ابن أبي حاتم: وكذا روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح بهذا اللفظ, وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح عن الثوري, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله, وروي عن مقاتل بن حيان وخصيف نحو ذلك, وروى ابن جرير من حديث ابن جريج عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا: أنزلت في أم سلمة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن شيخ من أهل مكة, قال: نزلت هذه الاَية في قول النساء: ليتنا الرجال, فنجاهد كما يجاهدون, ونغزو في سبيل الله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية, حدثني أحمد بن عبد الرحمن, حدثني أبي حدثني أبي, حدثنا الأشعث بن إسحاق عن جعفر يعني ابن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في الاَية, قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله, للذكر مثل حظ الأنثيين, وشهادة امرأتين برجل, فنحن في العمل هكذا, إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة, فأنزل الله هذه الاَية {ولا تتمنوا} الاَية, فإنه عدل مني وأنا صنعته. وقال السدي في الاَية: فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء, كما لنا في السهام سهمان, وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء, فإنا لا نستطيع أن نقاتل, ولو كتب علينا القتال لقاتلنا, فأبى الله ذلك ولكن قال لهم. سلوني من فضلي, قال: ليس بعرض الدنيا, وقد روي عن قتادة نحو ذلك. وقال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في الاَية, قال: ولا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله, فنهى الله عن ذلك, ولكن ليسأل الله من فضله وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك, نحو هذا¹ وهو الظاهر من الاَية ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء», فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الاَية, وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا, والاَية نهت عن تمني عين نعمة هذا, فقال {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} أي في الأمور الدنيوية, وكذا الدينية أيضاً, لحديث أم سلمة وابن عباس. وهكذا قال عطاء بن أبي رباح: نزلت في النهي عن تمني ما لفلان, وفي تمني النساء أن يكن رجالاً فيغزون, رواه ابن جرير, ثم قال {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} أي كل له جزاء على عمله بحسبه إن خيراً فخير, وإن شراً فشر, هذا قول ابن جرير, وقيل: المراد بذلك في الميراث, أي كل يرث بحسبه, رواه الترمذي عن ابن عباس, ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم, فقال {واسئلوا الله من فضله} لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض, فإن هذا أمر محتوم, والتمني لا يجدي شيئاً, ولكن سلوني من فضلي أعطكم, فإني كريم وهاب, وقد روى الترمذي وابن مردويه من حديث حماد بن واقد, سمعت إسرائيل عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله بن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سلوا الله من فضله, فإن الله يحب أن يسأل, وإن أفضل العبادة انتظار الفرج» ثم قال الترمذي: كذا رواه حماد بن واقد, وليس بالحافظ, ورواه أبو نعيم عن إسرائيل, عن حكيم بن جبير, عن رجل, عن النبي صلى الله عليه وسلم, وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح, وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع عن إسرائيل, ثم رواه من حديث قيس بن الربيع عن حكيم بن جبير, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سلوا الله من فضله, فإن الله يحب أن يسأل, وإن أحب عباده إليه الذي يحب الفرج», ثم قال {إن الله كان بكل شيء عليماً} أي هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها, وبمن يستحق الفقر فيفقره, وعليم بمن يستحق الاَخرة فيقيضه لأعمالها, وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه, لهذا قال {إن الله كان بكل شيء عليماً}.
** وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح وقتادة وزيد بن أسلم والسدي والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم, في قوله {ولكل جعلنا موالي} أي ورثة, وعن ابن عباس في رواية: أي عصبة, قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم مولى, كما قال الفضل بن عباس:
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينالا يظهرن لنا ما كان مدفونا
قال: ويعني بقوله {مما ترك الوالدان والأقربون}, من تركة والديه وأقربيه من الميراث, فتأويل الكلام: ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له. وقوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} أي والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم, فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة, إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات, وقد كان هذا في ابتداء الإسلام, ثم نسخ بعد ذلك وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا, ولا ينشئوا بعد نزول هذه الاَية معاقدة. قال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد, حدثنا أبو أسامة عن إدريس, عن طلحة بن مصرف, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس {ولكل جعلنا موالي} قال: ورثة, {والذين عقدت أيمانكم} كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم, فلما نزلت {ولكل جعلنا موالي} نسخت, ثم قال {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصبيهم} من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصى له, ثم قال البخاري: سمع أبو أسامة إدريس, وسمع إدريس عن طلحة, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو أسامة, حدثنا إدريس الأودي, أخبرني طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله {والذين عقدت أيمانكم} الاَية, قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم, فلما نزلت {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} نسخت, ثم قال: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}, وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح, حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء, عن ابن عباس, قال: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول: ترثني وأرثك, وكان الأحياء يتحالفون, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة, ولا عقد ولا حلف في الإسلام» فنسختها هذه الاَية {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}, ثم قال: وروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة والسدي والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان, أنهم قالوا: هم الحلفاء. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا شريك عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس ـ ورفعه ـ قال: ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا حدة شدة». وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا وكيع عن شريك, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, وحدثنا أبو كريب, حدثنا مصعب بن المقدام عن إسرائيل بن يونس, عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة, عن عكرمة, عن ابن عباس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا حلف في الإسلام, وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة, وما يسرني أن لي حمر النعم وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة», هذا لفظ ابن جرير. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري, عن محمد بن جبير بن مطعم, عن أبيه, عن عبد الرحمن بن عوف, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي, فما أحب أن لي حمر النعم, وإني أنكثه» قال الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لم يصب الإسلام حلفاً إلا زاده شدة» قال «ولا حلف في الإسلام», وقد ألف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار. وهكذا رواه الإمام أحمد عن بشر بن المفضل, عن عبد الرحمن بن إسحاق, عن الزهري بتمامه, وحدثني يعقوب بن إبراهيم, حدثنا هشيم, أخبرني مغيرة عن أبيه, عن شعبة بن التوأم, عن قيس بن عاصم: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف, قال: فقال «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به, ولا حلف في الإسلام» وهكذا رواه أحمد عن هشيم, وحدثنا أبو كريب, حدثنا وكيع عن داود بن أبي عبد الله, عن ابن جدعان عن جدته, عن أم سلمة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «لا حلف في الإسلام, وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة». وحدثنا أبو كريب, حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح, قام خطيباً في الناس فقال «يا أيها الناس ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة, ولا حلف في الإسلام» ثم رواه من حديث حسين المعلم وعبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبدالله بن محمد, حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن زكريا, عن سعد ابن إبراهيم, عن أبيه, عن جبير بن مطعم, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة». وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد وهو أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده مثله, ورواه أبو داود عن عثمان, عن محمد بن أبي شيبة, عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة, ثلاثتهم عن زكريا وهو ابن أبي زائدة بإسناده مثله, ورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر به. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا, عن سعد بن إبراهيم, عن نافع بن جبير بن مطعم, عن أبيه به. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم, قال: أخبرنا مغيرة عن أبيه, عن شعبة بن التوأم, عن قيس بن عاصم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف فقال «ما كان حلف في الجاهلية فتمسكوا به, ولا حلف في الإسلام» وكذا رواه شعبة عن مغيرة وهو ابن مقسم عن أبيه به. وقال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين, قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت سعد بن الربيع مع ابن ابنها موسى بن سعد وكانت يتيمة في حجر أبي بكر, فقرأت عليها {والذين عاقدت أيمانكم} فقالت: لا ولكن {والذين عقدت أيمانكم} قالت: إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى أن يسلم, فحلف أبو بكر أن لا يورثه, فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف, أمر الله أن يؤتيه نصيبه, رواه ابن أبي حاتم, وهذا قول غريب, والصحيح الأول, وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك, وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعهود والعقود, والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك, وتقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: لا حلف في الإسلام, وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة, وهذا نص في الرد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم, كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه, ورواية عن أحمد بن حنبل, والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه, ولهذا قال تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} أي ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه, هم يرثونه دون سائر الناس, كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولىَ رجل ذكر» أي اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض, فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة. وقوله {والذين عقدت أيمانكم} أي قبل نزول هذه الاَية فآتوهم نصيبهم, أي من الميراث, فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له, وقد قيل: إن هذه الاَية نسخت الحلف في المستقبل وحكم الحلف الماضي أيضاً, فلا توارث به, كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا أبو أسامة, حدثنا إدريس الأودي, أخبرني طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: {فآتوهم نصيبهم}, قال: من النصرة والنصيحة والرفادة ويوصي له وقد ذهب الميراث. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي أسامة, وكذ روي عن مجاهد وأبي مالك نحو ذلك. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله {والذين عقدت أيمانكم} قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الاَخر, فأنزل الله تعالى {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت, وهذا هو المعروف, وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقوله {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} وقال سعيد بن جبير: {فآتوهم نصيبهم}, أي من الميراث, قال: وعاقد أبو بكر مولى فورثه, رواه ابن جرير. وقال الزهري عن ابن المسيب: نزلت هذه الاَية في الذين كانوا يتبنون رجالاً غير أبنائهم ويورثونهم, فأنزل الله فيهم, فجعل لهم نصيباً في الوصية, ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة, وأبى الله أن يكون للمدعين ميراث ممن ادعاهم وتبناهم, ولكن جعل لهم نصيباً من الوصية, رواه ابن جرير, وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله فآتوهم نصيبهم, أي من النصرة والنصيحة والمعونة, لا أن المراد {فآتوهم نصيبهم} من الميراث حتى تكون الاَية منسوخة, ولا أن ذلك كان حكماً ثم نسخ بل إنما دلت الاَية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط, فهي محكمة لا منسوخة, وهذا الذي قاله فيه نظر, فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة, ومنه ما كان على الإرث كما حكاه غير واحد من السلف, وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه حتى نسخ ذلك, فكيف يقولون إن هذه الاَية محكمة غير منسوخة ؟ والله أعلم. ====================================== الرّجَالُ قَوّامُونَ عَلَى النّسَآءِ بِمَا فَضّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ وَاهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنّ سَبِيلاً إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً
يقول تعالى: {الرجال قوامون على النساء} أي الرجل قيم على المرأة, أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت, {بما فضل الله بعضهم على بعض} أي لأن الرجال أفضل من النساء, والرجل خير من المرأة, ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال, وكذلك الملك الأعظم لقوله صلى الله عليه وسلم «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه, وكذا منصب القضاء وغير ذلك, {وبما أنفقوا من أموالهم} أي من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, فالرجل أفضل من المرأة في نفسه, وله الفضل عليها والإفضال, فناسب أن يكون قيما عليها, كما قال الله تعالى: {وللرجال عليهن درجة} الاَية, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {الرجال قوامون على النساء} يعني أمراء, عليها أن تطيعه فيما أمرها به من طاعته, وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله, وكذا قال مقاتل والسدي والضحاك. وقال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو أن زوجها لطمها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «القصاص», فأنزل الله عز وجل {الرجال قوامون على النساء} الاَية, فرجعت بغير قصاص, ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه, وكذلك أرسل هذا الخبر قتادة وابن جريج والسدي, أورد ذلك كله ابن جرير, وقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر فقال: حدثنا أحمد بن علي النسائي, حدثنا محمد بن عبد الله الهاشمي, حدثنا محمد بن محمد الأشعث حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد, قال: حدثنا أبي عن جدي, عن جعفر بن محمد, عن أبيه, عن علي, قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار بامرأة له, فقالت: يا رسول الله إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري وإنه ضربها فأثر في وجهها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس له ذلك» فأنزل الله تعالى {الرجال قوامون على النساء} أي في الأدب, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أردت أمراً وأراد الله غيره». وقال الشعبي في هذه الاَية {الرجال قوامون على النساء بمافضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} قال: الصداق الذي أعطاها, ألا ترى أنه لو قذفها لا عنها, ولو قذفته جلدت. وقوله تعالى, {فالصالحات} أي من النساء {قانتات} قال ابن عباس وغير واحد: يعني مطيعات لأزواجهن {حافظات للغيب} وقال السدي وغيره: أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله. وقوله {بما حفظ الله} أي المحفوظ من حفظه الله. قال ابن جرير حدثني المثني, حدثنا أبو صالح, حدثنا أبو معشر, حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك, وإذا أمرتها أطاعتك, وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك» قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاَية {الرجال قوامون على النساء} إلى آخرها, ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن حبيب, عن أبي داود الطيالسي, عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب, عن سعيد المقبري به, مثله سواء. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق, حدثنا ابن لهيعة عن عُبيد الله بن أبي جعفر: أن ابن قارظ أخبره أن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا صلت المرأة خمسها, وصامت شهرها, وحفظت فرجها, وأطاعت زوجها, قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت» تفرد به أحمد من طريق عبد الله بن قارظ عن عبد الرحمن بن عوف. وقوله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن} أي والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن, والنشوز هو الارتفاع, فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها, التاركة لأمره, المعرضة عنه, المبغضة له, فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه, فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد, لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها», وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح», ورواه مسلم, ولفظه «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح», ولهذا قال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن}. وقوله {واهجروهن في المضاجع} قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: الهجر هو أن لا يجامعها, ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره, وكذا قال غير واحد. وزاد آخرون منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عباس في رواية: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها. وقال علي بن أبي طلحة أيضاً عن ابن عباس: يعظها فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع, ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها, وذلك عليها شديد. وقال مجاهد والشعبي وإبراهيم ومحمد بن كعب ومقسم وقتادة: الهجر هو أن لا يضاجعها. وقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد, عن أبي حُرة الرقاشي, عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع» قال حماد: يعني النكاح. وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه ؟ قال «أن تطعمها إذا طعمت, وتكسوها إذا اكتسيت, ولا تضرب الوجه, ولا تقبح, ولا تهجر إلا في البيت». وقوله: {واضربوهن}, أي إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران, فلكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح, كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع «واتقوا الله في النساء, فإنهن عندكم عوان, ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه, فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح, ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» وكذا قال ابن عباس وغير واحد: ضرباً غير مبرح, قال الحسن البصري: يعني غير مؤثرو قال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضواً ولا يؤثر فيها شيئاً, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع, فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضرباً غير مبرح, ولا تكسر لها عظماً, فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية. وقال سفيان بن عيينة عن الزهري, عن عبد الله بن عبد الله بن عمر, عن إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تضربوا إماء الله» فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ذئرت النساء على أزواجهن, فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن, فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود يعني أبا داود الطيالسي, حدثنا أبو عوانة عن داود الأودي, عن عبد الرحمن السلمي, عن الأشعث بن قيس, قال: ضفت عمر رضي الله عنه, فتناول امرأته فضربها, فقال: يا أشعث, احفظ عني ثلاثاً حفظتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسأل الرجل فيم ضرب امرأته, ولا تنم إلا على وتر, ونسي الثالثة, وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عوانة, عن داود الأودي به. وقوله تعالى: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً} أي إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها, فلا سبيل له عليها بعد ذلك, وليس له ضربها ولا هجرانها. وقوله {إن الله كان علياً كبيراً} تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب, فإن الله العلي الكبير وليهن, وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.
** وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَآ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً
ذكر الحال الأول وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة. ثم ذكر الحال الثاني وهو إذا كان النفور)من الزوجين, فقال تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} وقال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين, أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ينظر في أمرهما ويمنع الظالم منهما من الظلم, فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما, بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل ليجتمعا فينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق, وتشوف الشارع إلى التوفيق, ولهذا قال تعالى: {إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله عز وجل أن يبثعوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل,. ورجلاً مثله من أهل المرأة, فينظران أيهما المسيء, فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة, وإن كانت المرأة هي المسيئة, قصروها على زوجها ومنعوها النفقة, فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا, فأمرهما جائز, فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الاَخر, ثم مات أحدهما, فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض ولا يرث الكاره الراضي, رواه ابن أبي حاتم وابن جرير, وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس, عن عكرمة بن خالد, عن ابن عباس, قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين, قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما, وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا, وقال: أنبأنا ابن جريج, حدثني ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ؟ فقالت: تصير إلي وأنفق عليك, فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ؟, فقال: على يسارك في النار إذا دخلت, فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت له ذلك, فضحك, فأرسل ابن عباس ومعاوية, فقال ابن عباس, لأفرقن بينهما, فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف, فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا, وقال عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن أيوب, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة قال: شهدت علياً وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس , فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكماً, فقال علي للحكمين: أتدريان ما عليكما ؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما, فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي, وقال الزوج: أما الفرقة فلا, فقال علي: كذبت والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله عز وجل لك وعليك, رواه ابن أبي حاتم, ورواه ابن جرير عن يعقوب عن ابن علية عن أيوب, عن ابن سيرين, عن عبيدة, عن علي مثله, ورواه من وجه آخر عن ابن سيرين, عن عبيدة عن علي به, وقد أجمع جمهور العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة حتى قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاث فعلا, وهو رواية عن مالك, وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع لا في التفرقة, وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم, وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود, ومأخذهم قوله تعالى: {إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} ولم يذكر التفريق, وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف, وقد اختلف الأئمة في الحكمين, هل هما منصوبان من جهة الحاكم, فيحكمان وإن لم يرض الزوجان . أو هما وكيلان من جهة الزوجين ؟ على قولين والجمهور على الأول, لقوله تعالى: {فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} فسماهما حكمين ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه, وهذا ظاهر الاَية, والجديد من مذهب الشافعي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه, الثاني منهما بقول علي رضي الله عنه للزوج حين قال: أماالفرقة فلا, قال: كذبت حتى تقر بما أقرت به, قالوا: فلو كانا حاكمين لماافتقر إلى إقرار الزوج, والله أعلم, قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين إذا اختلف قولهما فلا عبرة بقول الاَخر, وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان, واختلفوا هل ينفذ قولهما في التفرقة, ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضاً من غير توكيل.
** وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً
يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له, فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الاَنات والحالات, فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً من مخلوقاته, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل «أتدري ما حق الله على العباد ؟ قال: الله ورسوله أعلم, قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً», ثم قال: «أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ أن لا يعذبهم» ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين, فإن الله سبحانه جعلهما سببا لخروجك من العدم إلى الوجود وكثيراً ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين, كقوله {أن اشكر لي ولوالديك}, وكقوله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء كما جاء في الحديث «الصدقة على المسكين صدقة, وعلى ذي الرحم صدقة وصلة», ثم قال تعالى: {واليتامى} وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم ثم قال {والمساكين} وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم, فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم وسيأتي الكلام على الفقير والمكسين في سورة براءة, وقوله {والجار ذي القربى والجار الجنب} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {والجار ذي القربى}, يعني الذي بينك وبينه قرابة, {والجار الجنب} الذي ليس بينك وبينه قرابة, وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وميمون بن مهران والضحاك وزيد بن أسلم مقاتل بن حيان وقتادة, وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي في قوله: والجار ذي القربى : يعني الجار المسلم, والجار الجنب يعني اليهودي و النصراني, رواه ابن جرير وابن أبي جاتم, وقال جابر الجعفي عن الشعبي عن علي وابن مسعود: والجار ذي القربى يعني المرأة وقال مجاهد أيضاً في قوله: والجار الجنب يعني الرفيق في السفر, وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار, فلنذكر منها ما تيسر وبالله المستعان.
(الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن عمر بن محمد بن زيد أنه سمع أباه محمداً يحدث عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» أخرجاه في الصحيحين من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر به.
(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن داود بن شابور, عن مجاهد, عن عبد الله بن عَمْرو, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وروى أبو داود والترمذي نحوه من حديث سفيان بن عيينة, عن بشير أبي إسماعيل, زاد الترمذي: وداود بن شابور, كلاهما عن مجاهد به, ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه, وقد روى عن مجاهد عائشة وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(والحديث الثالث) قال أحمد أيضاً: حدثنا عبد الله بن يزيد, أخبرنا حيوة, أخبرنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد, عن عبد الله بن المبارك, عن حيوة بن شريح به, وقال حسن غريب.
(الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا سفيان عن أبيه, عن عباية بن رفاعة, عن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يشبع الرجل دون جاره», تفرد به أحمد.
(الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان, حدثنا محمد بن سعد الأنصاري, سمعت أبا ظبية الكلاعي, سمعت المقداد بن الأسود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «ما تقولون في الزنا ؟» قالوا حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره», قال «ما تقولون في السرقة ؟» قالوا: حرمها الله ورسوله, فهي حرام, قال «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره» تفرد به أحمد, وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود: قلت : يا رسول الله, أي الذنب أعظم ؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك» قلت: ثم أي ؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت ثم أي ؟ قال «أن تزاني حليلة جارك».
(الحديث السادس) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا هشام عن حفصة, عن أبي العالية, عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم , فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه, فظننت أن لهما حاجة, قال الأنصاري: لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام, فلما انصرف قلت: يا رسول ا لله, لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: «ولقد رأيته ؟» قلت: نعم. قال «أتدري من هو ؟». قلت: لا, قال «ذاك جبريل, ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ثم قال «أما إنك لو سلمت عليه لرد عليك السلام».
(الحديث السابع) قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يعلى بن عبيد, حدثنا أبو بكر يعني المدني, عن جابر بن عبد الله, قال: جاء رجل من العوالي ورسول الله صلى الله عليه وسلم, وجبريل عليه السلام, يصليان حيث يصلى على الجنائز, فلما انصرف قال الرجل: يا رسول الله, من هذا الرجل الذي رأيت معك ؟ قال «وقد رأيته ؟» قال: نعم. قال «لقد رأيت خيرا كثيراً, هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت أنه سيورثه», تفرد به من هذا الوجه وهو شاهد للذي قبله.
(الحديث الثامن) قال أبو بكر البزار: حدثنا عبيد الله بن محمد أبو الربيع الحارثي, حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك, أخبرني عبد الرحمن بن الفضل عن عطاء الخراساني, عن الحسن, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد, وهو أدنى الجيران حقاً, وجار له حقان, وجار له ثلاثة حقوق, وهو أفضل الجيران حقاً, فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له, له حق الجوار, وأما الذي له حقان فجار مسلم, له حق الإسلام وحق الجوار, وأماالذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم» قال البزار: لا نعلم أحداً روى عن عبد الرحمن بن الفضل إلا ابن أبي فديك.
(الحديث التاسع) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي عمران, عن طلحة بن عبد الله, عن عائشة, أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال «إلى أقربهما منك بابا», ورواه البخاري من حديث شعبة به,
(الحديث العاشر) روى الطبراني وأبو نعيم عن عبد الرحمن, فزاد: قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه, فقال «ما يحملكم على ذلك» ؟ قالوا: حب الله ورسوله. قال «من سره أن يحب الله ورسوله فليصدق الحديث إذا حدث, وليؤد الأمانة إذا ائتمن».
(الحديث الحادي عشر) قال أحمد: حدثنا قتيبة, حدثنا ابن لهيعة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أول خصمين يوم القيامة جاران» وقوله تعالى: {والصاحب بالجنب} قال الثوري, عن جابر الجعفي, عن الشعبي, عن علي وابن مسعود, قالا: هي المرأة, وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير في إحدى الروايات, نحو ذلك, وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو الرفيق في السفر, وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح, وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر, وأما ابن السبيل, فعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف, وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر والحسن والضحاك ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازاً في السفر, وهذا أظهر, وإن كان مراد القائل بالضيف المار في الطريق, فهما سواء, وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة, وبالله الثقة وعليه التكلان. وقوله تعالى: {وما ملكت أيمانكم} وصية بالأرقاء, لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس, فلهذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوصي أمته في مرض الموت, يقول «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه, وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس, حدثنا بقية, حدثنا بَحير بن سعد عن خالد بن معدان, عن المقدام بن معد يكرب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة, وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة, وما أطعمت زوجتك فهولك صدقة, وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة» ورواه النسائي من حديث بقية, وإسناده صحيح, ولله الحمد.
وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم ؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتهم» رواه مسلم. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «للمملوك طعامه وكسوته, ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» رواه مسلم أيضاً وعن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين, أو أكلة أو أكلتين, فإنه ولي حره وعلاجه» أخرجاه, ولفظه للبخاري ولمسلم «فليقعده معه فليأكل, فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً, فليضع في يده أكلة أو أكلتين». وعن أبي ذر رضي الله عنه,. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم, فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل, وليلبسه مما يلبس, ولا تكلفوهم ما يغلبهم, فإن كلفتموهم فأعينوهم» أخرجاه, وقوله تعالى: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخوراً}, أي مختالا في نفسه, معجبا متكبراً فخورا على الناس, يرى أنه خير منهم فهو في نفسه كبير, وهو عند الله حقير, وعند الناس بغيض, قال مجاهد في قوله {إن الله لا يحب من كان مختالا} يعني متكبراً {فخوراً} يعني يَعُدّ ما أعطى, وهو لا يشكر الله تعالى يعني يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه, وهو قليل الشكر لله على ذلك, وقال ابن جرير: حدثني القاسم, حدثنا الحسين, حدثنا محمد بن كثير, عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهروي, قال: لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالا فخوراً, وتلا {وما ملكت أيمانكم} الاَية, ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً, وتلا {وبراً بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقياً}, وروى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب مثله في المختال الفخور, وقال: حدثنا أبي, حدثنا أبو نعيم عن الأسود بن شيبان, حدثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير, قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه, فلقيته, فقلت: يا أبا ذر, بلغني أنك تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثكم «إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة» ؟ فقال: أجل, فلا إخالني, أكذب على خليلي ثلاثا ؟ قلت: من الثلاثة الذين يبغض الله ؟ قال: المختال الفخور. أوليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل, ثم قرأ الاَية {إن الله لا يحب من كان مختالا فخوراً}, وحدثنا أبي, حدثنا موسى بن إسماعيل, حدثنا وهيب بن خالد, عن أبي تميمة عن رجل من بَلْهُجَم, قال: قلت: يا رسول الله, أوصني, قال «إياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة, وإن الله لا يحب المخيلة». ======================================الّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً * وَالّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَن يَكُنِ الشّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً * وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً
يقول تعالى ذاماً الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به من بر الوالدين والإحسان إلى الأقارب, واليتامى, والمساكين, والجار ذي القربى, والجار الجنب, والصاحب بالجنب, وابن السبيل, وما ملكت أيمانكم من الأرقاء, ولا يدفعون حق الله فيها, ويأمرون الناس بالبخل أيضاً, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وأي داء أدوأ من البخل». وقال: «إياكم والشح, فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا, وأمرهم بالفجور ففجروا».
وقوله تعالى: {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} فالبخيل جحود لنعمة الله لا تظهر عليه ولا تبين, لا في مأكله ولا في ملبسه ولا في إعطائه وبذله, كما قال تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد} أي بحاله وشمائله {وإنه لحب الخير لشديد} وقال ههنا {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} ولهذا توعدهم بقوله: {وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً} والكفر هو الستر والتغطية, فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها فهو كافر لنعم الله عليه, وفي الحديث «إن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه», وفي الدعاء النبوي «واجعلنا شاكرين لنعمتك, مثنين بها عليك قابليها, وأتممها علينا» وقد حمل بعض السلف هذه الاَية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك, ولهذا قال تعالى: {وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً}, رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة أو سعيد بن جبير, عن ابن عباس, وقاله مجاهد و غير واحد, ولا شك أن الاَية محتملة لذلك, والظاهر أن السياق في البخل بالمال, وإن كان البخل بالعلم داخلاً في ذلك بطريق الأولى, فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء, وكذلك الاَية التي بعدها وهي قوله {الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} فإنه ذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء, ثم ذكر الباذلين المرائين الذين يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم, ولا يريدون بذلك وجه الله, وفي حديث الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار وهم: العالم, والغازي, والمنفق المراؤون بأعمالهم, «يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك, فيقول الله: كذبت إنما أردت أن يقال: جواد فقد قيل» أي فقد أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك, وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال لعدي بن حاتم «إن أباك رام أمراً فبلغه». وفي حديث آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن عبد الله بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه ؟ فقال: «لا, إنه لم يقل يوماً من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين», ولهذا قال تعالى: {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر} الاَية, أي إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان, فإنه سول لهم وأملى لهم, وقارنهم فحسن لهم القبائح, ولهذا قال تعالى: {ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً}, ولهذا قال الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينهفكل قرين بالمقارن يقتدي
ثم قال تعالى: {وماذا عليهم لوآمنوا بالله وباليوم الاَخر وأنفقوا مما رزقهم الله} الاَية, أي وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطريق الحميدة, وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله ورجاء موعوده في الدار الاَخرة لمن أحسن عملاً, وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها, وقوله {وكان الله بهم عليماً} أي وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة, وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه, ويلهمه رشده, ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه, وبمن يستحق الخذلان والطرد عن الجناب الأعظم الإلهي الذي من طرد عن بابه, فقد خاب وخسر في الدنيا والاَخرة, عياذاً بالله من ذلك.
** إِنّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً * فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىَ هَـَؤُلآءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرّسُولَ لَوْ تُسَوّىَ بِهِمُ الأرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً
يقول تعالى مخبراً: إنه لا يظلم أحداً من خلقه يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة,بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة, كما قال تعالى: {ونضع الموازين القسط} الاَية, وقال تعالى مخبراً عن لقمان أنه قال: {يا بنيّ إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله} الاَية, وقال تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم, فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} وفي الصحيحين من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد الخدري, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل, وفيه «فيقول الله عز وجل ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان, فأخرجوه من النار» وفي لفظ: «أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان, فأخرجوه من النار فيخرجون خلقاً كثيراً» ثم يقول أبو سعيد: اقرؤوا إن شئتم {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} الاَية, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا عيسى بن يونس عن هارون بن عنترة, عن عبد الله بن السائب, عن زاذان, قال: قال عبد الله بن مسعود: يؤتى بالعبد والأمة يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأولين والاَخرين: هذا فلان بن فلان, من كان له حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها, ثم قرأ {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} فيغفر الله من حقه ما يشاء ولا يغفر من حقوق الناس شيئاً, فينصب للناس فينادى: هذا فلان بن فلان, من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: رب فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم ؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر طُلبته, فإن كان ولياً لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة ثم قرأ علينا {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} قال: ادخل الجنة وإن كان عبداً شقياً قال الملك: رب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير, فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضعفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكاً إلى النار, ورواه ابن جرير من وجه آخر عن زاذان به نحوه ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو نعيم, حدثنا فضيل يعني ابن مرزوق عن عطية العوفي حدثني عبد الله بن عمر, قال: نزلت هذه الاَية في الأعراب {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} قال رجل: فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: ما هو أفضل من ذلك {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما}, وحدثنا أبو زرعة, حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير, حدثني عبد الله بن لهيعة, حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله: {وإن تك حسنة يضاعفها} فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبداً, وقد استدل له بالحديث الصحيح أن العباس قال: يا رسول الله, إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك, فهل نفعته بشيء ؟ قال «نعم هو في ضحضاح من نار, ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» وقد يكون هذا خاصاً بأبي طالب من دون الكفار بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا عمران, حدثنا قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويُجزى بها في الاَخرة, وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة» وقال أبو هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك في قوله: {ويؤت من لدنه أجراً عظيماً}: يعني الجنة, نسأل الله رضاه والجنة, وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة, عن علي بن زيد, عن أبي عثمان, قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة, قال: فقُضي أني انطلقت حاجاً أو معتمراً, فلقيته فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يجزى العبد بالحسنة ألف ألف حسنة» فقلت: ويحكم ما أحد أكثر مني مجالسة لأبي هريرة, وما سمعت هذا الحديث منه فتحملت أريد أن الحقه فوجدته قد انطلق حاجاً, فانطلقت إلى الحج في طلب هذا الحديث فلقيته فقلت: يا أبا هريرة: إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة قال: يا أبا عثمان, وما تعجب من ذا والله يقول {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} ويقول {وما متاع الحياة الدنيا في الاَخرة إلا قليل} والذي نفسي بيده لقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة» قال: وهذا حديث غريب, وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير, ورواه أحمد أيضاً فقال: حدثنا مبارك بن فضالة عن علي بن زيد, عن أبي عثمان النهدي, قال أتيت أبا هريرة, فقلت له: بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة ! قال: وما أعجبك من ذلك ؟ فوالله لقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة», ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا أبو خلاد وسليمان بن خلاد المؤدب, حدثنا محمد الرفاعي عن زياد بن الجصاص, عن أبي عثمان النهدي, قال: لم يكن أحد أكثر مجالسة مني لأبي هريرة, فقدم قبلي حاجاً وقدمت بعده, فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة» فقلت: ويحكم ما كان أحد أكثر مجالسة مني لأبي هريرة, وما سمعت منه هذا الحديث, فهممت أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجاً, فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث, ورواه ابن أبي حاتم من طريق أخرى فقال: حدثنا بشر بن مسلم, حدثنا الربيع بن روح, حدثنا محمد بن خالد الذهبي, عن زياد الجصاص, عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة» فقال أبو هريرة: والله بل سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة» ثم تلا هذه الاَية {وما متاع الحياة الدنيا في الاَخرة إلا قليل} وقوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} يقول تعالى مخبراً عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه, فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد, يعني الأنبياء عليهم السلام, كما قال تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء} الاَية¹ وقال تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم} الاَية, وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف, حدثنا سفيان عن الأعمش, عن إبراهيم عن عبيدة, عن عبد الله بن مسعود, قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقرأ علي» فقلت: يا رسول الله آقرأ عليك, وعليك أنزل ؟ «قال نعم إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الاَية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} فقال «حسبك الاَن» فإذا عيناه تذرفان, ورواه هو ومسلم أيضاً من حديث الأعمش به, وقد روي من طرق متعددة عن ابن مسعود فهو مقطوع به عنه ورواه أحمد من طريق أبي حيان وأبي رزين عنه, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا, حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري, حدثنا فضيل بن سليمان, حدثنا يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري عن أبيه, قال: وكان أبي ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظفر, فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم, ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم قارئاً فقرأ حتى أتى على هذه الاَية {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اضطرب لحياه وجنباه, فقال: «يا رب, هذا شهدت على من أنا بين ظهريه, فكيف بمن لم أره», وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد الزهري حدثنا سفيان, عن المسعودي, عن جعفر بن عمرو بن حريث, عن أبيه, عن عبد الله هو ابن مسعود في هذه الاَية, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «شهيد عليهم ما دمت فيهم, فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم». وأما ما ذكره أبو عبد الله القرطبي في التذكرة حيث قال: باب ما جاء في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته, قال: أخبرنا ابن المبارك, أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض فيه على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية, فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم, فلذلك يشهد عليهم, يقول الله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} فإنه أثر وفيه انقطاع, فإن فيه رجلاً مبهماً لم يسم, وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه, وقد قبله القرطبي فقال بعد إيراده: قد تقدم أن الأعمال تعرض على الله كل يوم اثنين وخميس, وعلى الأنبياء والاَباء والأمهات يوم الجمعة, قال: ولا تعارض, فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم, ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام. وقوله تعالى: {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً} أي لو انشقت وبلعتهم مما يرون من أهوال الموقف وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ, كقوله: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} الاَية, وقوله: {ولا يكتمون الله حديثاً} إخبار عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ولا يكتمون منه شيئاً. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا حكام, حدثنا عمرو عن مطرف, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: سمعت الله عز وجل يقول ـ يعني إخباراً عن المشركين يوم القيامة أنهم قالوا ـ {والله ربنا ما كنا مشركين} وقال في الاَية الأخرى: {ولا يكتمون الله حديثاً} فقال ابن عباس: أما قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام, قالوا: تعالوا فلنجحد, فقالوا {والله ربنا ما كنا مشركين} فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم {ولا يكتمون الله حديثاً}¹ وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن, قال: ما هو ؟ أشك في القرآن ؟ قال: ليس هو بالشك, ولكن اختلاف قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك, قال أسمع الله يقول {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} وقال {ولا يكتمون الله حديثاً} فقد كتموا. فقال ابن عباس: أما قوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره ولا يغفر شركاً جحد المشركون, فقالوا {والله ربنا ما كنا مشركين} رجاء أن يغفر لهم, فختم الله على أفواههم, وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون, فعند ذلك {يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً}وقال جويبر عن الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس, قول الله تعالى: {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً} وقوله: {والله ربنا ما كنا مشركين}, فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك, فقلت: ألقى على ابن عباس متشابه القرآن, فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله تعالى جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد, فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحده, فيقولون: تعالوا نجحد: فيسألهم فيقولون {والله ربنا ما كنا مشركين} قال: فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت بهم {ولا يكتمون الله حديثاً} رواه ابن جرير.
** يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ حَتّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنْتُمْ مّرْضَىَ أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً
ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول, وعن قربان محالها التي هي المساجد للجنب, إلا أن يكون مجتازاً من باب إلى باب من غير مكث, وقد كان هذا قبل تحريم الخمر, كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر} الاَية. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها على عمر, فقال «اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً», فلما نزلت هذه الاَية تلاها عليه فقال «اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً» فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات فلما نزل قوله: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} إلى قوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} فقال عمر: انتهينا انتهينا. وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر, فذكر الحديث وفيه: فنزلت الاَية التي في النساء {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامت الصلاة ينادي: أن لا يقربن الصلاة سكران, لفظ أبي داود. ذكروافي سبب نزول هذه الاَية ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب, حدثنا أبو داود, حدثا شعبة, أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات, صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعا أناساً من المهاجرين وأناساً من الأنصار, فأكلنا وشربنا حتى سكرنا, ثم افتخرنا, فرفع رجل لَحْىَ بعير ففزر به أنف سعد, فكان سعد مفزور الأنف, وذلك قبل تحريم الخمر, فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الاَية, والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة, ورواه أهل السنن إلا ابن ماجه من طرق عن سماك به.
(سبب آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار, حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي, حدثنا أبو جعفر عن عطاء بن السائب, عن أبي عبد الرحمن السلمي, عن علي بن أبي طالب, قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر, فأخذت الخمر منا, وحضرت الصلاة فقدموا فلاناً, قال فقرأ: قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون, فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} هكذا رواه ابن أبي حاتم, وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد, عن عبد الرحمن الدشتكي به, وقال: حسن صحيح. وقد رواه ابن جرير عن محمد بن بشار, عن عبد الرحمن بن مهدي, عن سفيان الثوري, عن عطاء بن السائب, عن أبي عبد الرحمن, عن علي: أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر, شربوا الخمر فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ {قل يا أيها الكافرون} فخلط فيها, فنزلت {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري به, ورواه ابن جرير أيضاً عن ابن حميد, عن جرير, عن عطاء, عن أبي عبد الرحمن السلمي, قال: كان علي في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عبد الرحمن بن عوف, فطعموا فأتاهم بخمر فشربوا منها, وذلك قبل أن يحرم الخمر, فحضرت الصلاة فقدموا علياً فقرأ بهم {قل يا أيها الكافرون} فلم يقرأها كما ينبغي, فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ثم قال: حدثني المثنى, حدثنا الحجاج بن المنهال, حدثنا حماد عن عطاء بن السائب, عن عبد الرحمن بن حبيب وهو أبو عبد الرحمن السلمي: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً, فدعا نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم المغرب, فقرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون, وأنتم عابدون ما أعبد, وأنا عابد ما عبدتم, لكم دينكم ولي دين, فأنزل الله عز وجل هذه الاَية {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} وقال العوفي عن ابن عباس في الاَية: إن رجالاً كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن يحرم الخمر, فقال الله {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الاَية, رواه ابن جرير, وكذا قال أبو رزين ومجاهد. وقال عبد الرزاق عن معمر, عن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات ثم نسخ بتحريم الخمر. وقال الضحاك في الاَية: لم يعن بها سكر الخمر وإنما عنى بها سكر النوم, رواه ابن جرير وابن أبي حاتم, ثم قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب, قال: ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب, لأن ذاك في حكم المجنون, وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف, وهذا حاصل ما قاله, وقد ذكره غير واحد من الأصوليين, وهو أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري ما يقال له فإن الفهم شرط التكليف, وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار, فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائماً, والله أعلم, وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك. وقوله {حتى تعلموا ما تقولون} هذا أحسن ما يقال في حد السكران أنه الذي لا يدري ما يقول, فإن المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا أبي, حدثنا أيوب عن أبي قلابة, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول» انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم, ورواه هو والنسائي من حديث أيوب به. وفي بعض ألفاظ الحديث «فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» وقوله: {ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار, حدثنا عبد الرحمن الدشتكي, أخبرنا أبو جعفر الرازي عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن ابن عباس في قوله: {ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} قال لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب, إلا عابري سبيل, قال: تمر به مراً, ولا تجلس, ثم قال: وروي عن عبد الله بن مسعود, وأنس, وأبي عبيدة, وسعيد بن المسيب, وأبي الضحى, وعطاء, ومجاهد, ومسروق, وإبراهيم النخعي, وزيد بن أسلم, وأبي مالك, وعمرو بن دينار, والحكم بن عتيبة, وعكرمة, والحسن البصري, ويحيى بن سعيد الأنصاري, وابن شهاب, وقتادة نحو ذلك, وقال ابن جرير: حدثنا المثنى, حدثنا أبو صالح, حدثني الليث, حدثنا يزيد بن أبي حبيب, عن قول الله عز وجل {ولا جنباً إلا عابري سبيل} أن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد, فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم, فيردون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد, فأنزل الله {ولا جنباً إلا عابري سبيل} ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب رحمه الله, ما ثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر» وهذا قاله في آخر حياته صلى الله عليه وسلم, علماً منه أن أبا بكر رضي الله عنه سيلي الأمر بعده, ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيراً للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين, فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد, إلا بابه رضي الله عنه, ومن روى إلا باب علي, كما وقع في بعض السنن فهو خطأ, والصواب ما ثبت في الصحيح. ومن هذه الاَية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد, ويجوز له المرور, وكذا الحائض والنفساء أيضاً, في معناه, إلا أن بعضهم قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث, ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور, جاز لهما المرور, وإلا فلا. وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «ناوليني الخمرة من المسجد» فقلت: إني حائض, فقال «إن حيضتك ليست في يدك» وله عن أبي هريرة مثله, ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد, والنفساء في معناها, والله أعلم, وروى أبو داود من حديث أفلت بن خليفة العامري, عن جسرة بنت دجاجة, عن عائشة, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب», قال أبو مسلم الخطابي: ضعف هذا الحديث جماعة وقالوا: أفلت مجهول, لكن رواه ابن ماجه, من حديث أبي الخطاب الهجري, عن محدوج الذهلي, عن جسرة, عن أم سلمة, عن النبي صلى الله عليه وسلم به, قال أبو زرعة الرازي: يقولون: جسرة, عن أم سلمة, والصحيح جسرة عن عائشة, فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي: من حديث سالم بن أبي حفصة عن عطية, عن أبي سعيد الخدري, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا علي لا يحل لأحد أن يجنب, في هذا المسجد غيري وغيرك» فإنه حديث ضعيف لا يثبت, فإن سالماً هذا متروك, وشيخه عطية ضعيف, والله أعلم.
(حديث آخر) في معنى الاَية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان, حدثنا عبيد الله بن موسى, أخبرني ابن أبي ليلى عن المنهال, عن زر بن حبيش, عن علي {ولا جنباً إلا عابري سبيل} قال: لا يقرب الصلاة, إلا أن يكون مسافراً تصيبه الجنابة, فلا يجد الماء فيصلي, حتى يجد الماء, ثم رواه من وجه آخر عن المنهال بن عمرو, عن زر, عن علي بن أبي طالب, فذكره. قال: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات, وسعيد بن جبير والضحاك, نحو ذلك. وقد روى ابن جرير, من حديث وكيع, عن ابن أبي ليلى عن المنهال, عن عباد بن عبد الله, أو عن زر بن حبيش عن علي, فذكره. ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز: عن ابن عباس, فذكره. ورواه عن سعيد بن جبير, وعن مجاهد, والحسن بن مسلم, والحكم بن عتيبة, وزيد بن أسلم, وابنه عبد الرحمن مثل ذلك. وروى من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير, قال: كنا نسمع أنه في السفر. ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي قلابة عن عمر بن بُجْدان, عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصعيد الطيب طهور المسلم, وإن لم تجد الماء عشر حجج, فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك, فإن ذلك خير» ثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين: والأولى قول من قال {ولا جنباً إلا عابري سبيل} أي إلا مجتازي طريق فيه, وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب, في قوله {وإن كنتم مرضى أو على سفر} إلى آخره, فكان معلوماً بذلك أن قوله {ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} لو كان معنياً به المسافر, لم يكن لإعادة ذكره في قوله {وإن كنتم مرضى أو على سفر} معنى مفهوم, وقد مضى حكم ذكره قبل ذلك, فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الاَية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها, وأنتم سكارى, حتى تعلموا ما تقولون, ولا تقربوها أيضاً جنباً, حتى تغتسلوا, إلا عابري سبيل, قال: والعابر السبيل: المجتاز مراً وقطعاً, يقال منه: عبرت هذا الطريق, فأنا أعبره عبرا وعبوراً, ومنه يقال عبر فلان النهر, إذا قطعه وجاوزه, ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار, هي عبر الأسفار لقوتها على قطع الأسفار, وهذا الذي نصره, هو قول الجمهور, وهو الظاهر من الاَية, وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها, وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة, وهي الجنابة المباعدة للصلاة, ولمحلها أيضاً, والله أعلم. وقوله {حتى تغتسلوا} دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة, أبو حنيفة ومالك والشافعي, أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم, إن عدم الماء, أو لم يقدر على استعماله بطريقه, وذهب الإمام أحمد: إلى أنه متى توضأ الجنب, جاز له المكث في المسجد, لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد, هو الدراوردي, عن هشام بن سعد, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, قال: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, يجلسون في المسجد وهم مجنبون, إذا توضؤوا وضوء الصلاة. وهذا إسناد على شرط مسلم, والله أعلم.
وقوله {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} أما المرض المبيح للتيمم, فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء, فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء, ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض, لعموم الاَية, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل, حدثنا قيس, عن خُصَيْف عن مجاهد في قوله {وإن كنتم مرضى} قال: نزلت في رجل من الأنصار, كان مريضاً فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ, ولم يكن له خادم فيناوله, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له, فأنزل الله هذه الاَية, هذا مرسل والسفر معروف, ولا فرق فيه بين الطويل والقصير, وقوله {أو جاء أحد منكم من الغائط} الغائط هو المكان المطمئن من الأرض, كنى بذلك عن التغوط, وهو الحدث الأصغر, وأما قوله {أو لامستم النساء} فقرىء لمستم ولامستم, واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين: (أحدهما): أن ذلك كناية عن الجماع, لقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا وكيع, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله {أو لامستم النساء} قال: الجماع. وروي عن علي وأبي بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان, نحو ذلك, وقال ابن جرير: حدثني حميد بن مسعدة,حدثنا يزيد بن زريع, حدثنا شعبة عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير, قال: ذكروا اللمس, فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع, وقال ناس من العرب: اللمس الجماع, قال: فأتيت ابن عباس فقلت له: إن ناساً من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس, فقالت الموالي: ليس بالجماع, وقالت العرب: الجماع, قال: فمن أي الفريقين كنت ؟ قلت: كنت من الموالي, قال: غُلب فريق الموالي. إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع, ولكن الله يكني ما شاء بما شاء, ثم رواه عن ابن بشار, عن غندر, عن شعبه به نحوه, ثم رواه من غير وجه, عن سعيد بن جبير نحوه. ومثله قال: حدثني يعقوب, حدثنا هشيم, قال حدثنا أبو بشر: أخبرنا سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: اللمس والمس والمباشرة: الجماع ولكن الله يكني بما يشاء, حدثنا عبد الحميد بن بيان, أنبأنا إسحاق الأزرق, عن سفيان, عن عاصم الأحول, عن بكر بن عبد الله, عن ابن عباس, قال: الملامسة: الجماع, ولكن الله كريم يكني بما يشاء, وقد صح من غير وجه, عن عبد الله بن عباس, أنه قال ذلك, ثم رواه ابن جرير: عن بعض من حكاه ابن أبي حاتم عنهم, ثم قال ابن جرير وقال آخرون: عنى الله تعالى بذلك كل لمس بيد أو بغيرها من أعضاء الإنسان, وأوجبوا الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئاً من جسدها مفضياً إليه, ثم قال: حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الرحمن, حدثنا سفيان, عن مخارق, عن طارق, عن عبد الله بن مسعود, قال: اللمس ما دون الجماع, وقد رواه من طرق متعددة, عن ابن مسعود بمثله, وروى من حديث الأعمش, عن إبراهيم, عن أبي عبيدة, عن عبد الله بن مسعود, قال: القبلة من المس وفيها الوضوء. وروى الطبراني بإسناده, عن عبد الله بن مسعود, قال: يتوضأ الرجل من المباشرة ومن اللمس بيده, ومن القبلة, وكان يقول في هذه الاَية {أو لامستم النساء} هو الغمز, وقال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني عبيد الله بن عمر, عن نافع: أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة, ويرى فيها الوضوء, ويقول: هي من اللماس. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير أيضاً: من طريق شعبة عن مخارق, عن طارق, عن عبد الله, قال: اللمس ما دون الجماع, ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر, وعبيدة, وأبي عثمان النهدي, وأبي عبيدة يعني ابن عبد الله بن مسعود, وعامر الشعبي, وثابت بن الحجاج, وإبراهيم النخعي, وزيد بن أسلم, نحو ذلك, (قلت) وروى مالك, عن الزهري, عن سالم بن عبد الله بن عمر, عن أبيه, أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة, فمن قبل امرأته أوجسها بيده, فعليه الوضوء, وروى الحافظ أبوالحسن الدار قطني في سننه: عن عمر بن الخطاب نحو ذلك, ولكن روينا عنه من وجه آخر: أنه كان يقبل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ, فالرواية عنه مختلفة, فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه, على الاستحباب, والله أعلم. والقول بوجوب الوضوء من المس, هو قول الشافعي وأصحابه, ومالك, والمشهور عن أحمد بن حنبل رحمهم الله, قال ناصر هذه المقالة: قد قرىء في هذه الاَية لامستم ولمستم, واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد, قال تعالى: {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم} أي جسوه, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماعز حين أقر بالزنا, يعرّض له بالرجوع عن الإقرار: «لعلك قبلت أو لمست», وفي الحديث الصحيح «واليد زناها اللمس», وقالت عائشة رضي الله عنها: قلّ يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا, فيقبل ويلمس, ومنه ما ثبت في الصحيحين, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملامسة, وهو يرجع إلى الجس باليد, على كلا التفسيرين, قالوا: ويطلق في اللغة على الجس باليد, كما يطلق على الجماع, قال الشاعر:
وألمست كفي كفه أطلب الغنى
واستأنسوا أيضاً بالحديث الذي رواه أحمد, حدثنا عبد الله بن مهدي, وأبو سعيد, قالا: حدثنا زائدة, عن عبد الملك بن عمير, وقال أبو سعيد: حدثنا عبد الملك بن عمير, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن معاذ, قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: يا رسول الله, ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها, فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا أتاه منها, غير أنه لم يجامعها, قال: فأنزل الله عز وجل هذه الاَية {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين}, قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «توضأ ثم صلّ» قال معاذ: فقلت: يا رسول الله, أله خاصة أم للمؤمنين عامة ؟ فقال «بل للمؤمنين عامة», ورواه الترمذي من حديث زائدة به, وقال: ليس بمتصل, ورواه النسائي: من حديث شعبة, عن عبد الملك بن عمير, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, مرسلاً, قالوا: فأمره بالوضوء, لأنه لمس المرأة ولم يجامعها, وأجيب بأنه منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ, فإنه لم يلقه, ثم يحتمل أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة, كما تقدم في حديث الصديق: «ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له» الحديث, وهو مذكور في سورة آل عمران, عند قوله {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} الاَية, ثم قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: {أو لامستم النساء} الجماع, دون غيره من معاني اللمس, لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبّل بعض نسائه, ثم صلى ولم يتوضأ, ثم قال: حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي, قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش, عن الأعمش, عن حبيب بن أبي ثابت, عن عروة, عن عائشة, قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ, ثم يقبل ثم يصلي, ولا يتوضأ, ثم قال: حدثنا أبو كريب, حدثنا وكيع, عن الأعمش, عن حبيب, عن عروة, عن عائشة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قبّل بعض نسائه, ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ, قلت: من هي إلا أنت ؟ فضحكت, وهكذا رواه أبو داود والترمذي, وابن ماجه, عن جماعة من مشايخهم, عن وكيع به, ثم قال أبو داود: روي عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني, وقال يحيى القطان لرجل: احك عني أن هذا الحديث شبه لا شيء, وقال الترمذي: سمعت البخاري يضعف هذا الحديث, وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة, وقد وقع في رواية ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة, وعلي بن محمد الطنافسي, عن وكيع, عن الأعمش, عن حبيب بن أبي ثابت, عن عروة بن الزبير, عن عائشة, وأبلغ من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده: من حديث هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة, وهذا نص في كونه عروة بن الزبير, ويشهد له قوله: من هي إلا أنت فضحكت, لكن روى أبو داود عن إبراهيم بن مخلد الطالقاني, عن عبد الرحمن بن مغراء, عن الأعمش, قال: حدثنا أصحاب لنا, عن عروة المزني, عن عائشة, فذكره, والله أعلم. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا أبو زيد, عمر بن شَبّةَ عن شهاب بن عباد, حدثنا مندل بن علي, عن ليث, عن عطاء, عن عائشة وعن أبي روق, عن إبراهيم التيمي, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينال مني القبلة بعد الوضوء, ثم لا يعيد الوضوء, وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا سفيان عن أبي روق الهمداني, عن إبراهيم التيمي, عن عائشة رضي الله عنها, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّل ثم صلى ولم يتوضأ, رواه أبو داود والنسائي, من حديث يحيى القطان, زاد أبو داود: وابن مهدي, كلاهما عن سفيان الثوري به. ثم قال أبو داود والنسائي: لم يسمع إبراهيم التيمي من عائشة, ثم قال ابن جرير أيضاً: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي, حدثنا أبي, حدثنا يزيد بن سنان, عن عبد الرحمن الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي سلمة, عن أم سلمة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم, ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءاً. وقال أيضاً: حدثنا أبو كريب, حدثنا حفص بن غياث, عن حجاج, عن عمرو بن شعيب, عن زينب السهمية, عن عائشة, عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ. وقد رواه الإمام أحمد, عن محمد بن فضيل, عن حجاج بن أرطأة, عن عمرو بن شعيب, عن زينب السهمية, عن عائشة, عن النبي صلى الله عليه وسلم به, وقوله تعالى: {فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} استنبط كثير من الفقهاء من هذه الاَية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء, فمتى طلبه فلم يجده, جاز له حينئذ التيمم, وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع, كما هو مقرر في موضعه, كما هو في الصحيحين من حديث عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم, فقال «يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم, ألست برجل مسلم» قال: بلى يا رسول الله, ولكن أصابتني جنابة ولا ماء, قال «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» ولهذا قال تعالى: {فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} فالتيمم في اللغة, هو القصد, تقول العرب: تيممك الله بحفظه, أي قصدك, ومنه قول امرىء القيس شعراً:
ولما رأت أن المنية وردهاوأن الحصى من تحت أقدامها داميتيممت العين التي عند ضارجيفيء عليها الفيء عرمضها طامي
والصعيد قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض, فيدخل فيه التراب والرمل والشجر والحجر والنبات, وهو قول مالك, وقيل: ما كان من جنس التراب, كالرمل والزرنيخ والنورة, وهذا مذهب أبي حنيفة, وقيل: هو التراب فقط, وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما, واحتجوا بقوله تعالى: {فتصبح صعيداً زلقاً} أي تراباً أملس طيباً, وبما ثبت في صحيح مسلم, عن حذيفة بن اليمان, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة, وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً, وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» وفي لفظ «وجعل ترابها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» قالوا: فخصص الطهورية بالتراب, في مقام الامتنان, فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه, والطيب ههنا قيل: الحلال, وقيل: الذي ليس بنجس, كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن, إلا ابن ماجه من حديث أبي قلابة, عن عمرو بن بُجْدان, عن أبي ذر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصعيد الطيب طهور المسلم, وإن لم يجد الماء عشر حجج, فإذا وجده فليمسه بشرته فإن ذلك خير» وقال الترمذي: حسن صحيح, وصححه ابن حبان أيضاً, ورواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده, عن أبي هريرة وصححه الحافظ أبو الحسن القطان, وقال ابن عباس: أطيب الصعيد تراب الحرث, رواه ابن أبي حاتم, ورفعه ابن مردويه في تفسيره, وقوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به, لا أنه بدل منه في جميع أعضائه, بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع, ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال: أحدها وهو مذهب الشافعي في الجديد: أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين, لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين, وعلى ما يبلغ المرفقين, كما في آية الوضوء, ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين, كما في آية السرقة {فاقطعوا أيديهما} قالوا: وحمل ما أطلق ههنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية, وذكر بعضهم: ما رواه الدارقطني عن ابن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «التيمم ضربتان: ضربة للوجه, وضربة لليدين إلى المرفقين» ولكن لا يصح, لأن في أسانيده ضعفاء, لا يثبت الحديث بهم, وروى أبو داود عن ابن عمر, في حديث, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه, ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه, ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبدي, وقد ضعفه بعض الحفاظ, ورواه غيره من الثقات, فوقفوه على فعل ابن عمر, قال البخاري وأبو زرعة وابن عدي: وهو الصواب, وقال البيهقي: رفع هذا الحديث منكر, واحتج الشافعي بما رواه عن إبراهيم بن محمد, عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية, عن الأعرج, عن ابن الصمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح وجهه وذراعيه. وقال ابن جرير: حدثني موسى بن سهل الرملي, حدثنا نعيم بن حماد, حدثنا خارجة بن مصعب, عن عبد الله بن عطاء, عن موسى بن عقبة, عن الأعرج, عن أبي جهيم, قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول, فسلمت عليه, فلم يرد عليّ حتى فرغ, ثم قام إلى الحائط فضرب بيديه عليه, فمسح بهما وجهه, ثم ضرب بيديه على الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين, ثم رد علي السلام. والقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين, وهو قول الشافعي في القديم. والثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن الحكم, عن ذر, عن ابن عبد الرحمن بن أبزى, عن أبيه, أن رجلاً أتى عمر, فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء, فقال عمر لا تصل, فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء, فأما أنت فلم تصل, وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت, فلما أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له, فقال «إنما كان يكفيك, وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده الأرض, ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه» وقال أحمد أيضاً: حدثنا عفان, حدثنا أبان, حدثنا قتادة, عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى, عن أبيه, عن عمار, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التيمم «ضربة للوجه والكفين».
(طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا عفان, حدثنا عبد الواحد, عن سليمان الأعمش, حدثنا شقيق, قال: كنت قاعداً مع عبد الله وأبي موسى, فقال أبو موسى لعبد الله: لو أن رجلاً لم يجد الماء لم يصل ؟ فقال عبد الله: لا, فقال أبو موسى: أما تذكر إذ قال عمار لعمر: ألا تذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإياك في إبل, فأصابتني جنابة فتمرغت في التراب, فلما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته, فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا, وضرب بكفيه إلى الأرض, ثم مسح كفيه جميعاً, ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة» ؟ فقال عبد الله: لا جرم, ما رأيت عمر قنع بذاك, قال: فقال له أبو موسى: فكيف بهذه الاَية في سورة النساء {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} ؟ قال: فما درى عبد الله ما يقول, وقال: لو رخصنا لهم في التيمم لأوشك أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم: وقال تعالى في آية المائدة {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} استدل بذلك الشافعي, على أنه لا بد في التيمم, أن يكون بتراب طاهر, له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء, كما روى الشافعي بإسناده المتقدم عن ابن الصمة: أنه مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول, فسلم عليه فلم يرد عليه, حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه, فضرب بيده عليه, ثم مسح وجهه وذراعيه, وقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} أي في الدين الذي شرعه لكم {ولكن يريد ليطهركم} فلهذا أباح لكم, إذا لم تجدوا الماء, أن تعدلوا إلى التيمم بالصعيد, {وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} ولهذا كانت هذه الأمة مخصوصة بمشروعية التيمم, دون سائر الأمم, كما ثبت في الصحيحين, عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي, نصرت بالرعب مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً, فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» وفي لفظ «فعنده طهوره ومسجده, وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي, وأعطيت الشفاعة, وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة» وتقدم في حديث حذيفة عند مسلم «فضلنا على الناس بثلاث, جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة, وجعلت لنا الأرض مسجداً وتربتها طهوراً إذا لم نجد الماء» وقال تعالى في هذه الاَية الكريمة: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواً غفوراً} أي ومن عفوه عنكم وغفرانه لكم أن شرع التيمم, وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء, توسعة عليكم ورخصة لكم, وذلك أن هذه الاَية الكريمة فيها تنزيه الصلاة, أن تفعل على هيئة ناقصة, من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول, أو جنابة حتى يغتسل, أو حدث حتى يتوضأ, إلا أن يكون مريضاً أو عادماً للماء, فإن الله عز وجل قد أرخص في التيمم, والحالة هذه رحمة بعباده ورأفة بهم , وتوسعة عليهم, ولله الحمد والمنة.
(ذكر سبب نزول مشروعية التيمم) وإنما ذكرنا ذلك ههنا لأن هذه الاَية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة, وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتّم تحريم الخمر, والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير يقال: في محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير, وأما المائدة فإنها من أواخر ما نزل ولا سيما صدرها, فناسب أن يذكر السبب ههنا, وبالله الثقة. قال أحمد: حدثنا ابن نمير عن هشام, عن أبيه, عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت, فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً في طلبها فوجدوها, فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء, فشكوا ذلك إلى رسول الله, فأنزل الله آية التيمم, فقال أسيد بن الحضير لعائشة: جزاك الله خيراً, فو الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً.
(طريق أخرى) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف, أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه, عن عائشة, قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش, انقطع عقد لي, قأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه, وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء, فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة, أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ؟ فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام, فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ؟ قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر, وقال ما شاء الله أن يقول, وجعل يطعن بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على)فخذي فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم, فتيمموا, فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر, قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته, وقد رواه البخاري أيضاً عن قتيبة وإسماعيل, ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب, حدثنا أبي عن صالح قال, قال ابن شهاب: حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس, عن عمار بن ياسر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه زوجته عائشة, فانقطع عقد لها من جزع ظفار, فحبس الناس ابتغاء عقدها, وذلك حتى أضاء الفجر, وليس مع الناس ماء, فأنزل الله على رسوله رخصة التطهير بالصعيد الطيب, فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم إلى الأرض, ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً, فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب, ومن بطون أيديهم إلى الاَباط. وقد رواه ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا صيفي, عن ابن أبي ذئب, عن الزهري, عن عبيد الله, عن أبي اليقظان, قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلك عقد لعائشة, فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الفجر, فتغيظ أبو بكر على عائشة, فنزلت عليه رخصة المسح بالصعيد الطيب, فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة نزلت فيك رخصة, فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا, وضربة لأيدينا إلى المناكب والاَباط.
(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث, حدثنا محمد بن مرزوق, حدثنا العباس بن أبي سَويّة, حدثني الهيثم بن رُزيق المالكي من بني مالك بن كعب بن سعد وعاش مائة وسبع عشرة سنة, عن أبيه, عن الأسلع بن شريك, قال: كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتني جنابة في ليلة باردة, وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة, فكرهت أن أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب, وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض, فأمرت رجلاً من الأنصار فرحلها, ثم رضفت أحجاراً فأسخنت بها ماء فاغتسلت, ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فقال: «يا أسلع ما لي أرى رحلتك تغيرت» قلت: يا رسول الله لم أرحلها, رحلها رجل من الأنصار, قال «ولم» ؟ قلت: إني أصابتني جنابة فخشيت القر على نفسي, فأمرته أن يرحلها, ورضفت أحجاراً فأسخنت بها ماء فاغتلست به, فأنزل الله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} إلى قوله {إن الله كان عفواً غفوراً} وقد روي من وجه آخر عنه. ======================================أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلّواْ السّبِيلَ * وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَىَ بِاللّهِ وَلِيّاً وَكَفَىَ بِاللّهِ نَصِيراً * مّنَ الّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدّينِ وَلَوْ أَنّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً
يخبر تعالى عن اليهود ـ عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ـ أنهم يشترون الضلالة بالهدى, ويعرضون عما أنزل الله على رسوله, ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد صلى الله عليه وسلم, ليشتروا به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا, {ويريدون أن تضلوا السبيل} أي يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع, {والله أعلم بأعدائكم} أي هو أعلم بهم ويحذركم منهم, {وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} أي كفى به ولياً لمن لجأ إليه ونصيراً لمن استنصره. ثم قال تعالى: {من الذين هادوا} «من» في هذا لبيان الجنس كقوله {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}, وقوله {يحرفون الكلم عن مواضعه} أي يتأولون الكلام على غير تأويله, ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل قصداً منهم وافتراء {ويقولون سمعنا وعصينا} أي يقولون سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه, هكذا فسره مجاهد وابن زيد, وهو المراد, وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم وأنهم يتولون عن كتاب الله بعدما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة, وقوله {واسمع غير مسمع} أي اسمع ما نقول, لا سمعت, رواه الضحاك عن ابن عباس, وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك, قال ابن جرير: والأول أصح, وهو كما قال: وهذا استهزاء منهم واستهتار, عليهم لعنة الله, {وراعنا لياً بألسنتهم وطعنا في الدين} أي يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم راعنا, وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي, وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه {ليّاً بألسنتهم وطعناً في الدين}, يعني بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم, ثم قال تعالى: {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً} أي قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه, فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم, وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: {فقليلاً ما يؤمنون} والمقصود أنهم لا يؤمنون إيماناً نافعاً.
** يَا أَيّهَآ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدّهَا عَلَىَ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنّآ أَصْحَابَ السّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً * إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْماً عَظِيماً
يقول تعالى آمراً أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات, ومتهدداً لهم إن لم يفعلوا بقوله: {من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها} قال بعضهم: معناه من قبل أن نطمس وجوهاً, فطمسها هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم, ويحمتل أن يكون المراد: من قبل أن نطمس وجوهاً فلا نبقي لها سمعاً ولا بصراً ولا أثراً, ومع ذلك نردها إلى ناحية الأدبار. قال العوفي عن ابن عباس في الاَية وهي {من قبل أن نطمس وجوهاً} وطمسها أن تعمى {فنردها على أدبارها} يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم, فيمشون القهقرى, ونجعل لأحدهم عينين من قفاه, وكذا قال قتادة وعطية العوفي, وهذا أبلغ في العقوبة والنكال, وهو مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل, ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سُبُل الضلالة, يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم, وهذا كما قال بعضهم في قوله {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سداً} الاَية: إن هذا مثل ضربه الله لهم في ضلالهم, ومنعهم عن الهدى. قال مجاهد: من قبل أن نطمس وجوهاً, يقول: عن صراط الحق فنردها على أدبارها, أي في الضلال. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا. قال السدي: فنردها على أدبارها, فنمنعها عن الحق, قال: نرجعها كفاراً ونردهم قردة, وقال ابن زيد: نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز. وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الاَية. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا جابر بن نوح عن عيسى بن المغيرة, قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب, فقال: أسلم كعب زمان عمر, أقبل وهو يريد بيت المقدس, فمر على المدينة, فخرج إليه عمر فقال: يا كعب, أسلم. فقال: ألستم تقرأون في كتابكم {مثل الذين حملوا التوراة ـ إلى ـ أسفاراً} وأنا قد حملت التوراة, قال: فتركه عمر ثم خرج حتى انتهى إلى حمص, فسمع رجلاً من أهلها حزيناً وهو يقول: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها} الاَية, قال كعب: يا رب أسلمت مخافة أن تصيبه هذه الاَية, ثم رجع فأتى أهله في اليمن, ثم جاء بهم مسلمين. وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر من وجه آخر فقال: حدثنا أبي , حدثنا ابن نفيل, حدثنا عمرو بن واقد عن يونس بن حَلْبَس, عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني, قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب, وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: فبعثه إليه لينظر أهو هو ؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة, فإذا تال يقرأ القرآن يقول {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها} فبادرت الماء فاغتسلت, وإني لأمس وجهي مخافة أن أطمس ثم أسلمت. وقوله {أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} يعني الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد وقد مسخوا قردة وخنازير, وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف. وقوله {وكان أمر الله مفعولاً} أي إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع. ثم أخبر تعالى أنه {لا يغفر أن يشرك به}. أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به, {ويغفر ما دون ذلك}, أي من الذنوب {لمن يشاء}, أي من عباده, وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الاَية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر:
(الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا صدقة بن موسى, حدثنا أبو عمران الجوني عن يزيد بن بابَنوس عن عائشة, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً, وديوان لا يترك الله منه شيئاً, وديوان لا يغفره الله, فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله, قال الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الاَية, وقال {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة}, وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً, فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها, فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء, وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً, القصاص لا محالة» تفرد به أحمد.
(الحديث الثاني) قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن مالك, حدثنا زائدة بن أبي الرّقاد, عن زياد النميري, عن أنس بن مالك, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله, وظلم يغفره الله, وظلم لا يتركه الله, فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك, وقال {إن الشرك لظلم عظيم}, وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم, وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضاً حتى يدين لبعضهم من بعض».
(الحديث الثالث) قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى, حدثنا ثور بن يزيد عن أبي عون, عن أبي إدريس, قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً, أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً» ورواه النسائي عن محمد بن مثنى عن صفوان بن عيسى به.
(الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم, حدثنا عبد الحميد, حدثنا شهر, حدثنا ابن غنم أن أبا ذر حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ,قال «إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني, فإني غافر لك على ما كان منك, يا عبدي إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي, لقيتك بقرابها مغفرة» تفرد به أحمد من هذا الوجه.
(الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد, حدثنا أبي, حدثنا حسين عن ابن بريدة أن يحيى بن يعمر حدثه أن أبا الأسود الديلي حدثه أن أبا ذر حدثه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك, إلا دخل الجنة, قلت: وإن زنى وإن سرق ؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ثلاثاً, ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر», قال: فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر, وكان أبو ذر يحدث بهذا ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر. أخرجاه من حديث حسين به.
(طريق أخرى) لحديث أبي ذر. قال أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب, عن أبي ذر, قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء, ونحن ننظر إلى أحد, فقال «يا أبا ذر» قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «ما أحب أن لي أحداً ذاك عندي ذهباً أمسي ثالثة وعندي منه دينار إلا ديناراً أرصده يعني لدين, إلا أن أقول به في عباد الله هكذا», وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره, قال: ثم مشينا, فقال «يا أبا ذر, إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة, إلا من قال هكذا وهكذا», فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره, قال: ثم مشينا, فقال «يا أبا ذر كما أنت حتى آتيك» قال: فانطلق حتى توارى عني, قال: فسمعت لغطاً, فقلت: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض له, قال: فهممت أن أتبعه, ثم ذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك, فانتظرته حتى جاء, فذكرت له الذي سمعت, فقال «ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق ؟ قال: «وإن زنى وإن سرق», أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به, وقد رواه البخاري ومسلم أيضاً, كلاهما عن قتيبة, عن جرير بن عبد الحميد, عن عبد العزيز بن رفيع, عن زيد بن وهب, عن أبي ذر, قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده ليس معه إنسان, قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد, قال: فجعلت أمشي في ظل القمر, فالتفت فرآني, فقال «من هذا ؟» فقلت: أبو ذر, جعلني الله فداك. قال «يا أبا ذر تعال». قال: فمشيت معه ساعة, فقال «إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة, إلا من أعطاه الله خيراً فنفخ فيه عن يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيراً» قال فمشيت معه ساعة, فقال لي «إجلس ههنا», فأجلسني في قاع حوله حجارة, فقال لي «إجلس ههنا حتى أرجع إليك». قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه, فلبث عني فأطال اللبث, ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول «وإن زنى وإن سرق» قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي الله, جعلني الله فداك من تكلم في جانب الحرة, ما سمعت أحداً يرجع إليك شيئاً, قال «ذاك جبريل عرض لي من جانب الحرة, فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة: قلت: يا جبريل, وإن سرق وإن زنى, قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى, قال: نعم: قلت: وإن سرق وإن زنى ؟ قال: نعم, وإن شرب الخمر».
(الحديث السادس) قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى عن ابن أبي ليلى عن أبي الزبير, عن جابر, قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, ما الموجبتان, قال: «من مات لا يشرك بالله شيئاً وجبت له الجنة, ومن مات يشرك بالله شيئاً وجبت له النار», وذكر تمام الحديث تفرد به من هذا الوجه.
(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا الحسن بن عمرو بن خلاد الحراني, حدثنا منصور بن إسماعيل القرشي, حدثنا موسى بن عبيدة الرّبِذِي, أخبرني عبد الله بن عبيدة عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئاً إلا حلت لها المغفرة, إن شاء الله عذبها وإن شاء غفر لها {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}, ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة, عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب» قيل: يا نبي الله وما الحجاب ؟ قال «الإشراك بالله ـ قال ـ ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئاً إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى, إن يشاء أن يعذبها وإن يشاء أن يغفر لها» ثم قرأ نبي الله {إن الله لا يغفر أن يشرك به, ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.
(الحديث السابع) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم, حدثنا زكريا عن عطية, عن أبي سعيد الخدري, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة» تفرد به من هذا الوجه.
(الحديث الثامن) قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا أبو قبيل عن عبد الله بن ناشر من بني سريع, قال: سمعت أبارَهْم قاصّ أهل الشام يقول: سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم, خرج ذات يوم إليهم, فقال لهم: إن ربكم عز وجل خيرني بين سبعين ألفاً يدخلون الجنة عفواً بغير حساب وبين الخبيئة عنده لأمتي, فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله, أيخبأ ذلك ربك ؟ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وهو يكبر فقال «إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفاً والخبيئة عنده» قال أبو رهم: يا أبا أيوب: وما تظن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأكله الناس بأفواههم, فقالوا: وما أنت وخبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو أيوب: دعوا الرجل عنكم أخبركم عن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أظن, بل كالمستيقن إن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمداً عبده ورسوله مصدقاً لسانه قلبه أدخله الجنة».
(الحديث التاسع) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني, حدثنا عيسى بن يونس (ح) وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إليّ, قال: حدثنا عيسى بن يونس نفسه عن واصل بن السائب الرقاشي, عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب الأنصاري, عن أبي أيوب, قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال «وما دينه ؟» قال: يصلي ويوحد الله تعالى. قال «استوهب منه دينه, فإن أبى فابتعه منه» فطلب الرجل ذاك منه فأبى عليه, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره, فقال «وجدته شحيحاً في دينه» قال: فنزلت {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.
(الحديث العاشر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك حدثنا أبي, حدثنا مستور أبو همام الهنائي, حدثنا ثابت عن أنس, قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, ما تركت حاجة ولا ذا حاجة إلا قد أتيت, قال «أليس تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله ؟» ثلاث مرات ؟ قال: نعم, قال «فإن ذلك يأتي على ذلك كله».
(الحديث الحادي عشر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر, حدثنا عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوش اليمامي, قال: قال لي أبو هريرة: يا يمامي لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك, أو لا يدخلك الجنة أبداً. قلت: يا أبا هريرة, إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب قال: لا تقلها, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «كان في بني إسرائيل رجلان: كان أحدهما مجتهداً في العبادة, وكان الاَخر مسرفاً على نفسه, وكانا متآخيين, وكان المجتهد لا يزال يرى الاَخر على ذنب فيقول: يا هذا أقصر, فيقول: خلني وربي أبعثت عليّ رقيباً قال: إلى أن رآه يوماً على ذنب استعظمه, فقال له: ويحك, أقصر ! قال: خلني وربي, أبعثت عليّ رقيباً ؟ فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة أبداً, قال: فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما, واجتمعا عنده, فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي, وقال للاَخر: أكنت عالماً, أكنت على ما في يدي قادراً ؟ اذهبوا به إلى النار: قال: «فوالذي نفس أبي القاسم بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته», ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار, حدثني ضمضم بن جوش به.
(الحديث الثاني عشر) قال الطبراني: حدثنا أبو شيخ عن محمد بن الحسن بن عجلان الأصبهاني, حدثنا سلمة بن شبيب, حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان, عن أبيه, عن عكرمة, عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: «من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي, ما لم يشرك بي شيئاً».
(الحديث الثالث عشر) قال الحافظ أبو بكر البزار والحافظ أبو يعلى: حدثنا هدبة بن خالد, حدثنا سهل بن أبي حازم عن ثابت, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من وعده الله على عمل ثواباً, فهو منجزه له, ومن توعده على عمل عقاباً, فهو فيه بالخيار» تفردا به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا بحر بن نصر الخولاني, حدثنا خالد يعني ابن عبد الرحمن الخراساني, حدثنا الهيثم بن حماد عن سلام بن أبي مطيع عن بكر بن عبد الله المزني, عن ابن عمر, قال: كنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس, وآكل مال اليتيم, وقاذف المحصنات, وشاهد الزور, حتى نزلت هذه الاَية {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فأمسك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة, ورواه ابن جرير من حديث الهيثم بن حماد به وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري, حدثنا عبد الله بن عاصم, حدثنا صالح يعني المري, حدثنا أبو بشر عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر, قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب, حتى نزلت علينا هذه الاَية {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} قال: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله عز وجل. وقال البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم, حدثنا شيبان بن أبي شيبة, حدثنا حرب بن سُريج عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر: قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقال: «أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة», وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع, أخبرني مُجَبّر عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} إلى آخر الاَية, قام رجل فقال: والشرك بالله يا نبي الله ؟ فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء, ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} رواه ابن جرير, وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر, وهذه الاَية التي في سورة تنزيل مشروطة بالتوبة, فمن تاب من أي ذنب وإن تكرر منه, تاب الله عليه, ولهذا قال {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} أي بشرط التوبة, ولو لم يكن كذلك لدخل الشرك فيه, ولا يصح ذلك لأنه تعالى قد حكم ههنا بأنه لا يغفر الشرك, وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء, أي: وإن لم يتب صاحبه فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه, والله أعلم. وقوله {ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً} كقوله {إن الشرك لظلم عظيم} وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله, أي الذنب أعظم ؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك» وذكر تمام الحديث, وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد, حدثنا أحمد بن عمرو, حدثنا إبراهيم بن المنذر, حدثنا معن, حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة, عن الحسن, عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أخبركم بأكبر الكبائر الشرك بالله» ثم قرأ {ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً}, وعقوق الوالدين. ثم قرأ {أن اشكر لي ولو الديك إلي المصير}.
** أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يُزَكّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَىَ بِهِ إِثْماً مّبِيناً * أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أَهْدَىَ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً * أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً
قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الاَية وهي قوله {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} في اليهود والنصارى حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه}, وفي قولهم {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}, وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم ويزعمون أنهم لا ذنب لهم, وكذا قال عكرمة وأبو مالك, وروى ذلك ابن جرير, وقال العوفي عن ابن عباس في قوله {ألم ترَ إلى الذين يزكون أنفسهم} وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة وسيشفعون لنا ويزكوننا, فأنزل الله على محمد {ألم ترَ إلى الذين يزكون أنفسهم} الاَية, رواه ابن جرير, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن مصفى, حدثنا ابن حمير عن ابن لهيعة, عن بشير بن أبي عمرو, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان اليهود يقومون صبيانهم يصلون بهم, ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب, وكذبوا, قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له, وأنزل الله {ألم ترَ إلى الذين يزكون أنفسهم} ثم قال: وروي عن مجاهد وأبي مالك والسدي وعكرمة والضحاك, نحو ذلك, وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب كما ليس لأبنائنا ذنوب, فأنزل الله {ألم ترَ إلى الذين يزكون أنفسهم} فيهم, وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية, وقد جاء في الحديث الصحيح عند مسلم عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب, وفي الحديث الاَخر المخرج في الصحيحين من طريق خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة, عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, سمع رجلاً يثني على رجل, فقال «ويحك قطعت عنق صاحبك», ثم قال: «إن كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة, فليقل أحسبه كذا, ولا يزكي على الله أحداً». وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر بن الخطاب: من قال: أنا مؤمن فهو كافر ومن قال هو عالم فهو جاهل ومن قال هو في الجنة فهو في النار, ورواه ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه فمن قال إنه مؤمن فهو كافر, ومن قال: هو عالم فهو جاهل, ومن قال: إنه في الجنة فهو في النار, وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة وحجاج, أنبأنا شعبة عن سعد بن إبراهيم, عن معبد الجهني, قال: كان معاوية قلما يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين, وإن هذا المال حلو خضر, فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه, وإياكم والتمادح فإنه الذبح» وروى ابن ماجه منه «إياكم والتمادح فإنه الذبح» عن أبي بكر بن أبي شيبة عن غندر عن شعبة به, ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عويم البصري القدري. وقال ابن جرير: حدثنا يحيى بن إبراهيم المسعودي, حدثنا أبي عن أبيه, عن جده, عن الأعمش, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب, قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء, يلقى الرجل ليس يملك له نفعاً ولا ضراً, فيقول له: إنك والله كيت وكيت, فلعله أن يرجع ولم يَحْلَ من حاجته بشيء, وقد أسخط الله, ثم قرأ {ألم ترَ إلى الذين يزكون أنفسهم} الاَية, وسيأتي الكلام على ذلك مطولاً عند قوله تعالى {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} ولهذا قال تعالى: {بل الله يزكي من يشاء} أي المرجع في ذلك إلى الله عز وجل لأنه أعلم بحقائق الأمور وغوامضها, ثم قال تعالى: {ولا يظلمون فتيلاً} أي ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل, قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: هو ما يكون في شق النواة. وعن ابن عباس أيضاً: هو ما فتلت بين أصابعك, وكلا القولين متقارب. وقوله {انظر كيف يفترون على الله الكذب} أي في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه, وقولهم {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}, وقولهم {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة, وقد حكم الله أن أعمال الاَباء لا تجزي عن الأبناء شيئاً في قوله {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} الاَية, ثم قال {وكفى به إثماً مبيناً} أي وكفى بصنيعهم هذا كذباً وافتراء ظاهراً. وقوله {ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} أما الجبت, فقال محمد بن إسحاق, عن حسان بن فائد, عن عمر بن الخطاب أنه قال: الجبت السحر, والطاغوت الشيطان. وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي, وعن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن وعطية: الجبت الشيطان, وزاد ابن عباس: بالحبشية وعن ابن عباس أيضاً: الجبت الشرك. وعنه: الجبت الأصنام. وعن الشعبي: الجبت الكاهن, وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب, وعن مجاهد: الجبت كعب بن الأشرف, وقال العلامة أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث «الطيرة والعيافة والطّرْق من الجبت». قال: وليس هذا من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذَوْ لَقِيّ. وهذا الحديث الذي ذكره وراه الإمام أحمد في مسنده, فقال: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا عوف عن حيان أبي العلاء, حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه وهو قبيصة بن مخارق أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت» وقال عوف: العيافة زجر الطير, والطرق الخط يخط في الأرض, والجبت, قال الحسن: إنه الشيطان. وهكذا رواه أبو داود في سننه, والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث عوف الأعرابي به. وقد تقدم الكلام على الطاغوت في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا إسحاق بن الضيف, حدثنا حجاج عن ابن جريج, أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله أنه سئل عن الطواغيت, فقال: هم كهان تنزل عليهم الشياطين. وقال مجاهد: الطاغوت الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه, وهو صاحب أمرهم. وقال الإمام مالك: الطاغوت هو كل ما يعبد من دون الله عز وجل. وقوله {ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} أي يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم, وقلة دينهم, وكفرهم بكتاب الله يأيديهم. وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري, حدثنا سفيان عن عمرو, عن عكرمة, قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم, فأخبرونا عنا وعن محمد, فقالوا: ما أنتم وما محمد, فقالوا: نحن نصل الأرحام, وننحر الكوماء, ونسقي الماء على اللبن, ونفك العُناة, ونسقي الحجيج, ومحمد صنبور قطع أرحامنا, واتبعه سراق الحجيج بنو غفار, فنحن خير أم هو ؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلاً, فأنزل الله {ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً} الاَية, وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة, وأهل السقاية ؟ قال: أنتم خير, قال فنزلت {إن شانئك هو الأبتر} ونزل {ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ـ إلى ـ نصيراً} وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, قال: كان الذين حَزّبوا الأحراب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق وأبو عمار وحوح بن عامر وهوذة بن قيس, فأما وحوح وأبو عمار وهوذة فمن بني وائل, وكان سائرهم من بني النضير, فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد ؟ فسألوهم فقالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه, فأنزل الله عزو وجل {ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب} إلى قوله عز وجل {وآتيناهم ملكاً عظيماً} وهذا لعن لهم وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الاَخرة لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين, وإنما قالوا لهم ذلك, ليستميلوهم إلى نصرتهم, وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب حتى حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة الخندق, فكفى الله شرهم {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً}. ====================================== أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاّ يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَىَ مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مّلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مّن صَدّ عَنْهُ وَكَفَىَ بِجَهَنّمَ سَعِيراً
يقول تعالى: أم لهم نصيب من الملك, وهذا استفهام إنكاري, أي ليس لهم نصيب من الملك ثم وصفهم بالبخل, فقال: {فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً}, أي لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحداً من الناس ولا سيما محمداً صلى الله عليه وسلم شيئاً, ولا ما يملأ النقير وهو النقطة التي في النواة في قول ابن عباس والأكثرين. وهذه الاَية كقوله تعالى: {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق} أي خوف أن يذهب ما بأيديكم مع أنه لا يتصور نفاده وإنما هو من بخلكم وشحكم, ولهذا قال تعالى: {وكان الإنسان قتوراً} أي بخيلاً, ثم قال {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} يعني بذلك حسدهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما رزقه الله من النبوة العظيمة, ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له, لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي, حدثنا يحيى الحماني, حدثنا قيس بن الربيع عن السدي, عن عطاء, عن ابن عباس في قوله {أم يحسدون الناس} الاَية, قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس, قال الله تعالى: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً} أي فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل, الذين هم من ذرية إبراهيم النبوة وأنزلنا عليهم الكتب وحكموا فيهم بالسنن, وهي الحكمة, وجعلنا منهم الملوك ومع هذا {فمنهم من آمن به}, أي بهذا الإيتاء وهذا الإنعام, {ومنهم من صد عنه} أي كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه, وهو منهم ومن جنسهم أي من بني إسرائيل. فقد اختلفوا عليهم, فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل ؟ وقال مجاهد: {فمنهم من آمن به}, أي بمحمد صلى الله عليه وسلم, {ومنهم من صد عنه}, فالكفرة منهم أشد تكذيباً لك, وأبعد عما جئتهم به من الهدى, والحق المبين, ولهذا قال متوعداً لهم {وكفى بجهنم سعيراً} أي وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.
** إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً * وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مّطَهّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاّ ظَلِيلاً
يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله, فقال {إن الذين كفروا بآياتنا} الاَية, أي ندخلهم ناراً دخولاً يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم, ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم, فقال {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب} قال الأعمش عن ابن عمر: إذا احترقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها بيضاء أمثال القراطيس, رواه ابن أبي حاتم, وقال يحيى بن يزيد الحضرمي أنه بلغه في الاَية, قال: يجعل للكافر مائة جلد, بين كل جلدين لون من العذاب, ورواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا علي بن محمد الطنافسي, حدثنا حسين الجعفي عن زائدة, عن هشام, عن الحسن قوله: {كلما نضجت جلودهم} الاَية, قال: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة. قال حسين: وزاد فيه فضيل عن هشام عن الحسن {كلما نضجت جلودهم} كلما أنضجتهم فأكلت لحومهم قيل لهم عودوا فعادوا. وقال أيضاً: ذكر عن هشام بن عمار, حدثنا سعيد بن يحيى ـ يعني سعدان ـ حدثنا نافع مولى يوسف السلمي البصري, عن نافع, عن ابن عمر, قال: قرأ رجل عند عمر هذه الاَية {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها} فقال عمر: أعدها علي, فأعادها, فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد رواه ابن مردويه عن محمد بن أحمد بن إبراهيم, عن عبدان بن محمد المروزي, عن هشام بن عمار به. ورواه من وجه آخر بلفظ آخر, فقال: حدثنا محمد بن إسحاق عن عمران, حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث, حدثنا شيبان بن فروخ, حدثنا نافع أبو هرمز, حدثنا نافع عن ابن عمر, قال: تلا رجل عند عمر هذه الاَية: {كلما نضجت جلودهم} الاَية, قال: فقال عمر: أعدها علي, وثم كعب, فقال أنا عندي تفسير هذه الاَية قرأتها قبل الإسلام قال: فقال هاتها يا كعب فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك, وإلا لم ننظر إليها, فقال: إني قرأتها قبل الإسلام: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأول: أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً, وسنه تسعون ذراعاً, وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه, فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها. وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا, قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا أبو يحيى الطويل عن أبي يحيى القتات, عن مجاهد, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام, وإن غلظ جلده سبعون ذرعاً, وإن ضرسه مثل أحد» تفرد به أحمد من هذا الوجه وقيل المراد بقوله: {كلما نضجت جلودهم} أي سرابيلهم, حكاه ابن جرير, وهو ضعيف لأنه خلاف الظاهر. وقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً} هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها, ومحالها وأرجائها حيث شاءوا وأين أرادوا وهم خالدون فيها أبداً لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولاً. وقوله: {لهم فيها أزواج مطهرة} أي من الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة, والصفات الناقصة, كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى. وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي. وقال مجاهد: مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد. وقال قتادة: مطهرة من الأذى والمآثم, ولا حيض ولا كلف. وقوله {وندخلهم ظلاً ظليلاً} أي ظلاً عميقاً كثيراً غزيراً طيباً أنيقاً. قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الرحمن, وحدثنا ابن المثنى, حدثنا ابن جعفر, قالا: حدثنا شعبة, قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها: شجرة الخلد».
** إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَىَ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً
يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها. وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أد الأمانة إلى من ائتمنك, ولا تخن من خانك» رواه الإمام أحمد وأهل السنن, وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلوات والزكوات والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد, ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك, فأمر الله عز وجل بأدائها, فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة, كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي, حدثنا وكيع عن سفيان, عن عبد الله بن السائب, عن زاذان, عن عبد الله بن مسعود, قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة, يؤتى بالرجل يوم القيامة, وإن كان قتل في سبيل الله, فيقال: أد أمانتك, فيقول فأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا ؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقه, قال: فتنزل عن عاتقه فيهوي على أثرها أبد الاَبدين. قال زاذان: فأتيت البراء فحدثته, فقال: صدق أخي: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}. وقال سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى, عن رجل عن ابن عباس في الاَية, قال: هي مبهمة للبر والفاحر, وقال محمد بن الحنفية: هي مُسْجَلة للبر والفاجر وقال أبو العالية الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه. وقال ابن أبي حاتم. حدثنا أبو سعيد, حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق, قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها. وقال الربيع بن أنس: هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}, قال: قال يدخل فيه وعظ السلطان النساء يعني يوم العيد, وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الاَية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة, وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم, أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية, وفتح مكة, هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص, وأما عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة, فكان معه لواء المشركين يوم أحد, وقتل يومئذ كافراً, وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيراً من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا, وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه. وقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور, عن صفية بنت شيبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت, فطاف به سبعاً على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده, فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له, فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان, فكسرها بيده ثم طرحها, ثم وقف على باب الكعبة وقد استكنّ له الناس في المسجد, قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة, فقال «لا إله إلا الله وحده لا شريك له, صدق وعده, ونصر عبده, وهزم الأحزاب وحده, ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين, إلا سدانة البيت وسقاية الحاج» وذكر بقية الحديث في خطبه النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ إلى أن قال: ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد, فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده, فقال: يا رسول الله, اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أين عثمان بن طلحة ؟» فدعي له, فقال له «هاك مفتاحك يا عثمان, اليوم يوم وفاء وبر» قال ابن جرير: حدثني القاسم, حدثنا الحسين عن حجاج, عن ابن جريج في الاَية, قال: نزلت في عثمان بن طلحة, قبض منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة فدخل في البيت يوم الفتح, فخرج وهو يتلو هذه الاَية {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} الاَية, فدعا عثمان إليه فدفع إليه المفتاح, قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الاَية {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك. حدثنا القاسم, حدثنا الحسين, حدثنا الزنجي بن خالد عن الزهري قال: دفعه إليه وقال: أعينوه. وروى ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله عز وجل {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة, فلما أتاه قال «أرني المفتاح» فأتاه به, فلما بسط يده إليه قام إليه العباس, فقال: يا رسول الله, بأبي أنت وأمي, اجمعه لي مع السقاية, فكف عثمان يده, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أرني المفتاح يا عثمان» فبسط يده يعطيه, فقال العباس مثل كلمته الأولى, فكف عثمان يده. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الاَخر فهاتني المفتاح» فقال: هاك بأمانة الله, قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح باب الكعبة, فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم عليه الصلاة والسلام معه قداح يستقسم بها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما للمشركين قاتلهم الله, وما شأن إبراهيم وشأن القداح» ثم دعا بجفنة فيها ماء, فأخذ ماء فغمسه فيه, ثم غمس به تلك التماثيل, وأخرج مقام إبراهيم وكان في الكعبة, فألزقه في حائط الكعبة, ثم قال: «يا أيها الناس هذه القبلة», قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف في البيت شوطاً أو شوطين ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} حتى فرغ من الاَية, وهذا من المشهورات أن هذه الاَية نزلت في ذلك, وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا, فحكمها عام, ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر, أي هي أمر لكل أحد, وقوله: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس, ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب: إن هذه الاَية إنما نزلت في الأمراء, يعني الحكام بين الناس, وفي الحديث «إن الله مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار وكله الله إلى نفسه», وفي الأثر «عدل يوم كعبادة أربعين سنة», وقوله: {إن الله نعما يعظكم به} أي يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة. وقوله تعالى: {إن الله كان سميعاً بصيراً} أي سميعاً لأقوالكم, بصيراً بأفعالكم, كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير, حدثنا عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب, عن أبي الخير, عن عقبة بن عامر, قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُقْري هذه الاَية {سميعاً بصيراً} يقول: بكل شيء بصير, وقد قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يحيى بن عبدك القزويني, أنبأنا المقري يعني أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد, حدثنا حرملة يعني ابن عمران التجيبي المصري, حدثني أبو يونس, سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الاَية {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} إلى قوله: {إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً} ويضع إبهامه على أذنه, والتي تليها على عينه ويقول: هكذا سمعت رسول الله يقرؤها ويضع إصبعيه. قال أبو زكريا: وصفه لنا المقري, ووضع أبو زكريا إبهامه اليمنى على عينه اليمنى, والتي تليها على الأذن اليمنى, وأرانا فقال: هكذا وهكذا. رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه, وابن مردويه في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن المقري بإسناده نحوه. وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة واسمه سليم بن جبير.
** يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً
قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل, حدثنا حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج, عن يعلى بن مسلم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية, وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من حديث حجاج بن محمد الأعور به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب, ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن سعد بن عبيدة, عن أبي عبد الرحمن السلمي, عن علي, قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار, فلما خرجوا وجد عليهم في شيء, قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني ؟ قالوا: بلى. قال: اجمعوا لي حطباً, ثم دعا بنار فأضرمها فيه, ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها, قال: فهمّ القوم أن يدخلوها قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله من النار, فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها, قال: فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه, فقال لهم «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً, إنما الطاعة في المعروف», أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به. وقال أبو داود: حدثنا مسدّد, حدثنا يحيى عن عبيد الله, حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره, ما لم يؤمر بمعصية, فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» وأخرجاه من حديث يحيى القطان. وعن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة, في منشطنا ومكرهنا, وعسرنا ويسرنا, وأثرة علينا. وأن لا ننازع الأمر أهله, قال: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان», أخرجاه, وفي الحديث الاَخر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اسمعوا وأطيعوا, وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة», رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع, وإن كان عبداً حبشياً مُجَدّع الأطراف, رواه مسلم. وعن أم الحصين أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله, اسمعوا له وأطيعوا» رواه مسلم, وفي لفظ له «عبداً حبشياً مجدوعاً» وقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي, حدثنا ابن أبي فديك, حدثني عبد الله بن محمد بن عروة عن هشام بن عروة عن أبي صالح السمان, عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيليكم بعدي ولاة, فيليكم البرّ ببره والفاجر بفجوره, فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساؤوا فلكم وعليهم». وعن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي, وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون» قالوا: يا رسول الله, فما تأمرنا ؟ قال «أوفوا ببيعة الأول فالأول, وأعطوهم حقهم, فإن الله سائلهم عما استرعاهم», أخرجاه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر, فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية», أخرجاه. وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول « من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له, ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم. وروى مسلم أيضاً عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة, قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس حوله مجتمعون عليه, فأتيتهم فجلست إليه, فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلاً فمنا من يصلح خباءه, ومنا من ينتضل, ومنا من هو في جشره, إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة, فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه لم يكن نبي من قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم, وينذرهم شر ما يعلمه لهم, وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها, وسيصيب آخرها بلاء, وأمور تنكرونها, وتجيء فتن يرفق بعضها بعضاً, وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي, ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه, فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة, فلتأته منيته وهو يؤمن با لله واليوم الاَخر, وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه, ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه, فليطعه إن استطاع, فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الاَخر», قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك بالله, آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه, وقال: سمعته أذناي, ووعاه قلبي, فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل, ونقتل أنفسنا, والله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفكسم إن الله كان بكم رحيماً} قال: فسكت ساعة, ثم قال: أطعه في طاعة الله, واعصه في معصية الله, والأحاديث في هذا كثيرة. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن الحسين, حدثنا أحمد بن الفضل, حدثنا أسباط عن السدي في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها خالد بن الوليد وفيها عمار بن ياسر, فساروا قبل القوم الذين يريدون, فلما بلغوا قريباً منهم عّرسوا وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم, فأصبحوا قد هربوا غير رجل فأمر أهله فجمعوا متاعهم, ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد, فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان, إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله, وأن محمداً عبده ورسوله, وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا, وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غداً, وإلا هربت ؟ قال عمار: بل هو ينفع فأقم, فأقام, فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحداً غير الرجل, فأخذه وأخذ ماله, فبلغ عماراً الخبر, فأتى خالداً فقال: خل عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني, فقال خالد: وفيم أنت تجير ؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير, فاستبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خالد: أتترك هذا العبد الأجدع يسبني, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا خالد لا تسب عماراً فإنه من يسب عماراً يسبه الله, ومن يبغضه يبغضه الله, ومن يلعن عماراً يلعنه الله» فغضب عمار فقام فتبعه خالد فأخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي عنه فأنزل الله عز وجل قوله {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدي مرسلاً, ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس فذكره بنحوه والله أعلم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وأولي الأمر منكم} يعني أهل الفقه والدين, وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية {وأولي الأمر منكم} يعني العلماء والظاهر والله أعلم أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم. وقد قال تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} وقال تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله, ومن أطاع أميري فقد أطاعني, ومن عصى أميري فقد عصاني», فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء, ولهذا قال تعالى {أطيعوا الله} أي اتبعوا كتابه {وأطيعوا الرسول} أي خذوا بسنته {وأولي الأمر منكم} أي فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله, فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله كما تقدم في الحديث الصحيح «إنما الطاعة في المعروف», وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن حدثنا همام حدثنا قتادة عن أبي مراية عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا طاعة في معصية الله». وقوله {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} قال مجاهد وغير واحد من السلف أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق, وماذا بعد الحق إلا الضلال, ولهذا قال تعالى {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاَخر} أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاَخر} فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الاَخر, وقوله {ذلك خير} أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله, والرجوع إليهما في فصل النزاع خير {وأحسن تأويلاً} أي وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاء وهو قريب. ======================================** أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوَاْ إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوَاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُضِلّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدّونَ عَنكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مّصِيبَةٌ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً * أُولَـَئِكَ الّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لّهُمْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً
هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين, وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله, كما ذكر في سبب نزول هذه الاَية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخصاما, فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد, وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف, وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام, أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية, وقيل غير ذلك, والاَية أعم من ذلك كله, فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة. وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل, وهو المراد بالطاغوت ههنا, ولهذا قال {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} إلى آخرها. وقوله {ويصدون عنك صدوداً} أي يعرضون عنك إعراضاً كالمستكبرين عن ذلك, كما قال تعالى عن المشركين: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} الاَية.
ثم قال تعالى في ذم المنافقين: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم} أي فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم, واحتاجوا إليك في ذلك {ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً} أي يعتذرون إليك ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك, وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق, أي المداراة والمصانعة لا اعتقاداً منا صحة تلك الحكومة, كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى ـ إلى قوله ـ فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}. وقد قال الطبراني: حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحوطي, حدثنا أبو اليمان, حدثنا صفوان بن عمر عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه, فتنافر إليه ناس من المسلمين, فأنزل الله عز وجل {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ـ إلى قوله ـ إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً}.
ثم قال تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} هذا الضرب من الناس هم المنافقون, والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك, فإنه لا تخفى عليه خافية, فاكتف به يا محمد فيهم, فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم. ولهذا قال له {فأعرض عنهم} أي لا تعنفهم على ما في قلوبهم {وعظهم} أي وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر, {وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً} أي وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.
** وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ أِلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنّهُمْ إِذ ظّلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوّاباً رّحِيماً * فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً
يقول تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع} أي فرضت طاعته على من أرسله إليهم. وقوله {بإذن الله} قال مجاهد: أي لا يطيع أحد إلا بإذني, يعني لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك, كقوله {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} أي عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم. وقوله {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} الاَية, يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم, فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم, فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم, ولهذا قال {لوجدوا الله تواباً رحيماً} وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي, قال: كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم, فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله, سمعت الله يقول {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً} وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمهفطاب من طيبهن القاع وا لأكمنفسي الفداء لقبر أنت ساكنهفيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي, فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم, فقال يا عتبي, الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له».
وقوله {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور, فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً, ولهذا قال {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به, وينقادون له في الظاهر والباطن, فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة, كما ورد في الحديث «والذي نفسي بيده, لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لم جئت به». وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا معمر عن الزهري, عن عروة, قال: خاصم الزبير رجلاً في سْريج من الحرة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك, فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: «اسق يا زبير, ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر, ثم أرسل الماء إلى جارك». واستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري, وكان أشار عليهما صلى الله عليه وسلم بأمر لهما فيه سعة, قال الزبير: فما أحسب هذه الاَية إلا نزلت في ذلك {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} الاَية. هكذا رواه البخاري ههنا, أعني في كتاب التفسير من صحيحه من حديث معمر, وفي كتاب الشرب من حديث ابن جريج ومعمر أيضاً, وفي كتاب الصلح من حديث شعيب بن أبي حمزة, ثلاثتهم عن الزهري, عن عروة, فذكره, وصورته صورة الإرسال, وهو متصل في المعنى, وقد رواه الإمام أحمد من هذا الوجه فصرح بالإرسال, فقال: حدثنا أبو اليمان, حدثنا شعيب عن الزهري, أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه كان)يخاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة, كانا يسقيان بها كلاهما, فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير «اسق ثم أرسل إلى جارك» فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» فاستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: حقه, وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري, فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم, قال عروة: فقال الزبير: والله ما أحسب هذه الاَية نزلت إلا في ذلك {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم, ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}, هكذا رواه الإمام أحمد, وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير, فإنه لم يسمع منه, والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله, فإن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم, رواه كذلك في تفسيره, فقال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, حدثنا ابن وهب, أخبرني الليث ويونس عن ابن شهاب, أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام, أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, في شراج الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل, فقال الأنصاري: سرح الماء يمر, فأبى عليه الزبير, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك» فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله, أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: «اسقِ يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصار, فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم, استوعى للزبير حقه في صريح الحكم, فقال الزبير: ما أحسب هذه الاَية إلا في ذلك {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} وهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب به. ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث به. وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير. وكذا ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير. والله أعلم. والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري فإنه روى هذا الحديث من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن عروة, عن عبد الله بن الزبير, عن الزبير, فذكره, ثم قال: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه. فإني لا أعلم أحداً قام بهذا الإسناد عن الزهري بذكر عبد الله بن الزبير غير ابن أخيه وهو عنه ضعيف, وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي أبو دحيم, حدثنا أحمد بن حازم, حدثنا الفضل بن دكين, حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار, عن سلمة رجل من آل أبي سلمة, قال: خاصم الزبير رجلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للزبير, فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته, فنزلت: {فلا وربك لا يؤمنون} الاَية, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عمرو بن عثمان, حدثنا أبو حيوة, حدثنا سعيد بن عبد العزيز, عن الزهري, عن سعيد بن المسيب في قوله {فلا وربك لا يؤمنون} قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة, اختصما في ماء, فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الأعلى ثم الأسفل, هذا مرسل ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري.
(ذكر سبب آخر غريب جداً) ـ قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة, أخبرنا ابن وهب, وأخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود, قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما, فقال المقضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نعم», انطلقا إليه, فلما أتيا إليه, فقال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا. فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب, فردنا إليك: فقال: أكذاك ؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فخرج إليها مشتملاً على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله, وأدبر الاَخر فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, قتل عمر والله صاحبي, ولولا أني أعجزته لقتلني, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كنت أظن أن يجترىء عمر على قتل مؤمن» فأنزل الله {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك} الاَية, فهدر دم ذلك الرجل وبرىء عمر من قتله, فكره الله أن يسن ذلك بعد, فأنزل {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} الاَية, وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به, وهو أثر غريب مرسل, وابن لهيعة ضعيف والله أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق