** وَلَوْ أَنّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مّا فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لاَتَيْنَاهُمْ مّن لّدُنّـآ أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مّسْتَقِيماً * وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُوْلَـَئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مّنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَآءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَىَ بِاللّهِ عَلِيماً
يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه, لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر, وهذا من علمه تبارك وتعالى بما لم يكن أو كان, فكيف كان يكون, ولهذا قال تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} الاَية, قال ابن جرير: حدثني المثنى, حدثني إسحاق, حدثنا أبو زهير عن إسماعيل, عن أبي إسحاق السبيعي, قال: لما نزلت {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} الاَية, قال رجل: لو أمرنا لفعلنا, والحمد لله الذي عافانا, فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: «إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي», ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن منير, حدثنا روح, حدثنا هشام عن الحسن بإسناده عن الأعمش, قال: لما نزلت {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} الاَية, قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لو فعل ربنا لفعلنا, فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: «للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي». وقال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود, فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا, فقال ثابت: والله لو كتب علينا {أن اقتلوا أنفسكم} لفعلنا¹ فأنزل الله هذه الاَية. ورواه ابن أبي حاتم حدثنا أبي, حدثنا محمود بن غيلان, حدثنا بشر بن السري, حدثنا مصعب بن ثابت عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لما نزلت {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم» وحدثنا أبي, حدثنا أبو اليمان, حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو, عن شريح بن عبيد, قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاَية {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} الاَية, أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه بيده إلى عبد الله بن رواحة, فقال: «لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل» يعني ابن رواحة, ولهذا قال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} أي ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما ينهون عنه {لكان خيراً لهم} أي من مخالفة الأمر وارتكاب النهي {وأشد تثبيتاً}, قال السدي: أي وأشد تصديقاً {وإذاً لاَتيناهم من لدنا} أي من عندنا {أجراً عظيماً} يعني الجنة {ولهديناهم صراطاً مستقيماً} أي في الدنيا والاَخرة, ثم قال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً}. أي من عمل بما أمره الله به وترك ما نهاه الله عنه ورسوله فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته ويجعله مرافقاً للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصديقون, ثم الشهداء والصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم ثم أثنى عليهم تعالى فقال: {وحسن أولئك رفيقاً} وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب, حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه, عن عروة, عن عائشة, قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبي يمرض إِلا خير بين الدنيا والاَخرة» وكان في شكواه التي قبض فيها أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: «مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين» فعلمت أنه خُيّر, وكذا رواه مسلم من حديث شعبة عن سعد بن إِبراهيم به. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الاَخر «اللهم الرفيق الأعلى» ثلاثاً ثم قضى, عليه أفضل الصلاة والتسليم.
(ذكر سبب نزول هذه الاَية الكريمة)
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, قال: جاء رجل من الأنصار إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا فلان ما لي أراك محزوناً ؟» فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه, فقال: ما هو ؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إِلى وجهك ونجالسك وغداً ترفع مع النبيين فلا نصل إِليك, فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً, فأتاه جبريل بهذه الاَية {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين} الاَية, فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره. وقد روي هذا الأثر مرسلاً عن مسروق, وعن عكرمة, وعامر الشعبي وقتادة, وعن الربيع بن أنس وهو من أحسنها سنداً, قال ابن جرير: حدثنا المثنى, حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قوله: {ومن يطع الله والرسول} الاَية, وقال: إِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدقه, وكيف لهم إِذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضاً. فأنزل الله في ذلك, يعني هذه الاَية, فقال: يعني رسول الله «إِن الأعلين ينحدرون إِلى من هو أسفل منهم, فيجتمعون في رياض فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه, وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به, فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه», وقد روي مرفوعاً من وجه آخر, فقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم, حدثنا إِسماعيل بن أحمد بن أسيد, حدثنا عبد الله بن عمران, حدثنا فضيل بن عياض عن منصور, عن إِبراهيم, عن الأسود, عن عائشة, قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, إِنك لأحب إِليّ من نفسي, وأحب إليّ من أهلي, وأحب إِلي من ولدي, وإِني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إِليك, وإِذا ذكرت موتي وموتك, عرفت أنك إِذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين, وإِن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك, فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً}. وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه في صفة الجنة من طريق الطبراني عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال, عن عبد الله بن عمران العابدي به, ثم قال: لا أرى بإسناده بأساً, والله أعلم. وقال ابن مردويه أيضاً: حدثنا سليمان بن أحمد, حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي, حدثنا أبو بكر بن ثابت ابن عباس المصري, حدثنا خالد بن عبد الله عن عطاء بن السائب, عن عامر الشعبي, عن ابن عباس: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لأحبك حتى إني لأذكرك في المنزل فيشق ذلك علي, وأحب أن أكون معك في الدرجة, فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً, فأنزل الله عز وجل هذه الاَية. وقد رواه ابن جرير عن ابن حميد عن جرير عن عطاء, عن الشعبي مرسلاً, وثبت في صحيح مسلم من حديث هقل بن زياد عن الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته, فقال لي «سل», فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة, فقال: «أو غير ذلك ؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود».
وقال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن إِسحاق, أخبرنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر, عن عيسى بن طلحة, عن عمرو بن مرة الجهني, قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, شهدت أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله, وصليت الخمس, وأديت زكاة مالي. وصمت شهر رمضان, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة وهكذا ـ ونصب أصبعيه ـ ما لم يعق والديه» تفرد به أحمد. قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو سعيد مولى أبي هاشم, حدثنا ابن لهيعة عن زبان بن فائد, عن سهل بن معاذ بن أنس, عن أبيه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء الصالحين, وحسن أولئك رفيقاً إِن شاء الله» وروى الترمذي من طريق سفيان الثوري, عن أبي حمزة, عن الحسن البصري, عن أبي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» ثم قال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه, وأبو حمزة اسمه عبد الله بن جابر شيخ بصري, وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم, فقال: «المرء مع من أحب», قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث. وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما, وأرجو أن الله يبعثني معهم وإن لم أعمل كعملهم, قال الإِمام مالك بن أنس, عن صفوان بن سليم, عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم, كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق المشرق أوالمغرب, لتفاضل ما بينهم» قالوا: يا رسول الله, تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم, قال «بلى, والذي نفسي بيده رجال آمنوا با لله وصدقوا المرسلين», أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك واللفظ لمسلم, ورواه الإِمام أحمد, حدثنا فزارة, أخبرني فليح عن هلال يعني ابن علي, عن عطاء, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون ـ أو ترون ـ الكوكب الدري الغابر في الأفق الطالع في تفاضل الدرجات». قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون ؟ قال: «بلى, والذي نفسي بيده, رجال آمنوا با لله وصدقوا المرسلين» قال الحافظ الضياء المقدسي: هذا الحديث على شرط البخاري, والله أعلم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثناعلي بن عبد العزيز, حدثنا محمد بن عمار الموصلي, حدثنا عفيف بن سالم عن أيوب, عن عتبة, عن عطاء عن ابن عمر, قال: أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سل واستفهم» فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة, ثم قال: أفرأيت إن آمنت بماآمنت به وعملت بما عملت به, إني لكائن معك في الجنة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم, والذي نفسي بيده, إنه ليضيء بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله, كان له بها عهد عند الله, ومن قال: سبحان الله وبحمده, كتب له بها مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة» فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة من نعم الله, فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتغمده الله برحمته» ونزلت هذه الاَيات {هل أتى على الإِنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ـ إلى قوله ـ نعيماً وملكاً كبيراً} فقال الحبشي: وإن عينيّ لتريان ما ترى عيناك في الجنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» فاستبكى حتى فاضت نفسه, قال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيديه, فيه غرابة ونكارة وسنده ضعيف, ولهذا قال تعالى: { ذلك الفضل من الله} أي من عند الله برحمته وهو الذي أهلهم لذلك لا بأعمالهم {وكفى بالله عليماً} أي هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.
** يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُواْ جَمِيعاً * وَإِنّ مِنْكُمْ لَمَن لّيُبَطّئَنّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مّعَهُمْ شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنّ كَأَن لّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدّةٌ يَلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً * فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالاَخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم, وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد, وتكثير العدد بالنفير في سبيل الله {ثبات} أي جماعة بعد جماعة وفرقة بعد فرقة وسرية بعد سرية, والثباب جمع ثبة, وقد تجمع الثبة على ثبين, قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: {فانفروا ثبات} أي عصباً يعني, سرايا متفرقين {أو انفروا جميعاً} يعني كلكم, وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وخصيف الجزري.
وقوله تعالى: {وإن منكم لمن ليبطئن} قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين, وقال مقاتل بن حيان: {ليبطئن} أي ليتخلفن عن الجهاد, ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه, ويبطىء غيره عن الجهاد كما كان عبد الله بن أبي بن سلول ـ قبحه الله ـ يفعل, يتأخر عن الجهاد ويثبط الناس عن الخروج فيه. وهذا قول ابن جريج وابن جرير, ولهذ قال تعالى إخباراً عن المنافق أنه يقول: إذا تأخر عن الجهاد {فإِن أصابتكم مصيبة} أي قتل وشهادة وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة { قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً} أي إذ لم أحضر معهم وقعة القتال يعد ذلك من نعم الله عليه, ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل.
{ولئن أصابكم فضل من الله} أي نصر وظفر وغنيمة {ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة} أي كأنه ليس من أهل دينكم {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً} أي بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده.
ثم قال تعالى: {فليقاتل} أي المؤمن النافر {في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالاَخرة} أي يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا, وما ذلك إِلا لكفرهم وعدم إيمانهم, ثم قال تعالى: {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} أي كل من قاتل في سبيل الله سواء قتل أو غلب عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل, كما ثبت في الصحيحين: وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة. ============وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـَذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لّنَا مِن لّدُنْكَ نَصِيراً * الّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقَاتِلُوَاْ أَوْلِيَاءَ الشّيْطَانِ إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً
يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله, وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها, ولهذا قال تعالى: {الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية} يعني مكة, كقوله تعالى: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك}, ثم وصفها بقوله: {الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً} أي سخر لنا من عندك ولياً وناصراً, قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد, حدثنا سفيان عن عبيد الله, قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا حماد بن زيد عن أيوب, عن ابن مليكة أن ابن عباس تلا {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل.
ثم قال تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} أي المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه, والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان, ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً}
** أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوَاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلآ أَخّرْتَنَا إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدّنْيَا قَلِيلٌ وَالاَخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ اتّقَىَ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مّشَيّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هَـَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلّ مّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـَؤُلآءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً * مّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفَىَ بِاللّهِ شَهِيداً
كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة, وإن لم تكن ذات النصب, وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين, وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسباً لأسباب كثيرة منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم, ومنها: كونهم كانوا في بلدهم, وهو بلد حرام, أشرف بقاع الأرض, فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال, فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار, ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه, جزع بعضهم منه, وخافوا مواجهة الناس خوفاً شديداً {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} أي لولا أخرت فرضه إلى مدة أخرى, فإن فيه سفك الدماء, ويتم الأولاد, وتأيم النساء, وهذه الاَية كقوله تعالى: {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال} الاَيات, قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي بن زنجة, قالا: حدثنا علي بن الحسن عن الحسين بن واقد, عن عمرو بن دينار, وعن عكرمة, عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة, فقالوا: يا نبي الله, كنا في عزة ونحن مشركون, فلما آمنا صرنا أذلة, قال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم», فلما حوله الله إلى المدينة, أمره بالقتال فكفوا فأنزل الله {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} الاَية, ورواه النسائي والحاكم وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به, وقال أسباط, عن السدي: لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة, فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال, فلما فرض عليهم القتال {إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} وهو الموت. قال الله تعالى: {قل متاع الدنيا قليل والاَخرة خير لمن اتقى}. وقال مجاهد: إن هذه الاَية نزلت في اليهود, رواه ابن جرير, وقوله: {قل متاع الدنيا قليل والاَخرة خير لمن اتقى} أي آخرة المتقي خير من دنياه. {ولا تظلمون فتيلاً} أي من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء, وهذه تسلية لهم عن الدنيا وترغيب لهم في الاَخرة وتحريض لهم على الجهاد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي, حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا حماد بن زيد عن هشام, قال: قرأ الحسن {قل متاع الدنيا قليل} قال: رحم الله عبداً صحبها على حسب ذلك, وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه. وقال ابن معين كان أبو مصهر ينشد:
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن لهمن الله في دار المقام نصيبفإن تعجب الدنيا رجالاً فإنهامتاع قليل والزوال قريب
وقوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} أي أنتم صائرون إلى الموت لا محالة ولا ينجو منه أحد منكم, كما قال تعالى: {كل من عليها فان} الاَية, وقال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت}, وقال تعالى: {وماجلعنا لبشر من قبلك الخلد} والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة, ولا ينجيه من ذلك شيء سواء جاهد أو لم يجاهد, فإن له أجلاً محتوماً, ومقاماً مقسوماً, كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفاً, وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية, وها أنا أموت على فراشي, فلا نامت أعين الجبناء, وقوله: {ولو كنتم في بروج مشيدة} أي حصينة منيعة عالية رفيعة, وقيل, هي بروج في السماء قال السدي, وهو ضعيف, والصحيح أنها المنيعة, أي لا يغني حذر وتحصن من الموت, كما قال زهير بن أبي سلمى:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنهولو رام أسباب السماء بسلم
ثم قيل: المشيدة هي المشيدة كما قال: وقصر مشيد وقيل: بل بينهما فرق, وهو أن المشيدة بالتشديد هي المطولة, وبالتخفيف هي المزينة بالشيد وهو الجص وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم ـ ههنا ـ حكاية مطولة عن مجاهد, أنه ذكر أن امرأة فيمن كان قبلنا أخذها الطلق, فأمرت أجيرها أن يأتيها بنار, فخرج فإذا هو برجل واقف على الباب, فقال: ما ولدت المرأة ؟ فقال: جارية, فقال: أما إنها ستزني بمائة رجل ثم يتزوجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فكر راجعاً, فبعج بطن الجارية بسكين فشقه ثم ذهب هارباً, وظن أنها قد ماتت, فخاطت أمها بطنها فبرئت وشبت وترعرعت ونشأت أحسن امرأة ببلدتها, فذهب ذاك الأجير ما ذهب ودخل البحور فاقتنى أموالاً جزيلة, ثم رجع إلى بلده وأراد التزوج, فقال لعجوز: أريد أن أتزوج بأحسن امرأة بهذه البلدة, فقالت ليس ههنا أحسن من فلانة, فقال: اخطبيها علي, فذهبت إليها فأجابت, فدخل بها فأعجبته إعجاباً شديداً, فسألته عن أمره ومن أين مقدمه, فأخبرها خبره وما كان من أمره في الجارية, فقالت: أنا هي وأرته مكان السكين, فتحقق ذلك, فقال: لئن كنت إياها فلقد أخبرني باثنتين لا بد منهما (إحداهما) أنك قد زنيت بمائة رجل, فقالت: لقد كان شيء من ذلك ولكن لا أدري ما عددهم فقال: هم مائة: (والثاني) أنك تموتين بالعنكبوت فاتخذ لها قصراً منيعاً شاهقاً ليحرزها من ذلك, فبينما هم يوماً فإذا بالعنكبوت في السقف فأراها, فقالت: أهذه هي التي تحذرها علي, والله لا يقتلها إلا أنا, فأنزلوها من السقف, فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها, فطار من سمها شيء فوقع بين ظفرها ولحمها واسودت رجلها, فكان في ذلك أجلها, فماتت, ونذكر ههنا قصة صاحب الحضر وهو الساطرون لما احتال عليه سابور حتى حصره فيه وقتل من فيه بعد محاصرة سنتين, وقالت العرب في ذلك أشعاراً منها:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجــلة تجبى إليه والخابورشاده مرمراً وجلله كلـساً فللطير في ذراه وكورلم تهبه أيدي المنون فباد الــملك عنه فبابه مهجور
ولما دخل على عثمان جعل يقول: اللهم اجمع أمة محمد ثم تمثل بقول الشاعر:
أرى الموت لا يبقي عزيزاً ولم يدعلعاد ملاذاً في البلاد ومربعايبيت أهل الحصن والحصن مغلقويأتي الجبال في شماريخها معا
قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الأكتاف قتل الساطرون ملك الحضر, وقال ابن هشام: إن الذي قتل صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان, وأذل ملوك الطوائف, ورد الملك إلى الأكاسرة, فأما سابور ذو الأكتاف فهو من بعد ذلك بزمن طويل, والله أعلم, ذكره السهيلي, قال ابن هشام: فحصره سنتين وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته وهو في العراق, وأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة, فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج, وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ, فدست إليه أن تتزوجني إن فتحت لك باب الحصن, فقال: نعم, فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر وكان لا يبيت إلا سكران, فأخذت مفاتيح باب الحصن من تحت رأسه فبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب, ويقال: دلتهم على طلسم كان في الحصن لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء فتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء, ثم ترسل, فإذا وقعت على سور الحصن سقط ذلك ففتح الباب, ففعل ذلك, فدخل سابور, فقتل ساطرون واستباح الحصن وخربه, وسار بها معه وتزوجها, فبينما هي نائمة على فراشها ليلاً إذ جعلت تتململ لا تنام, فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد فيه ورقة آس, فقال لها سابور: هذا الذي أسهرك فما كان أبوك يصنع بك ؟ قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير, ويطعمني المخ, ويسقيني الخمر, قال الطبري: كان يطعمني المخ والزبد, وشهد أبكار النحل, وصفو الخمر! وذكر أنه كان يرى مخ ساقها, قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به ؟! أنت إلي بذاك أسرع, ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس, فركض الفرس حتى قتلها, وفيه يقول عدي بن زيد العبادي أبياته المشهورة.
أيها الشامت المعير بالدهــر أأنت المبرأ الموفورأم لديك العهد الوثيق من الأيــام بل أنت جاهل مغرورمن رأيت المنون خلد أم منذا عليه من أن يضام خفيرأين كسرى كسرى الملوك أنوشروان أم أين قبله سابوروبنو الأصفر الكرام ملوك الــروم لم يبق منهم مذكوروأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلةتجبى إليه والخابورشاده مرمراً وجلله كلـساً فللطير في ذراه وكورلم يهبه ريب المنون فبادالملك عنه فبابه مهجوروتذكر رب الخورنق إذ شرفيوماً وللهدى تفكيرسره ماله وكثرة ما يملكوالبحر معرضاً والسديرفارعوى قلبه وقال فما غبــطة حي إلى الممات يصيرثم أضحوا كأنهم ورق جففألوت به الصبا والدبورثم بعد الفلاح والملك والأمــة وارتهم هناك القبور وقوله: {وإن تصبهم حسنة} أي خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك, هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي {يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة} أي قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو إنتاج أو غير ذلك كما يقوله أبو العالية والسدي {يقولوا هذه من عندك} أي من قبلك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك, كما قال تعالى عن قوم فرعون {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه, وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} وكما قال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} الاَية, وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهراً وهم كارهون له في نفس الأمر, ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى اتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال السدي: وإن تصبهم حسنة, قال: والحسنة الخصب, تنتج مواشيهم وخيولهم, ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان, قالوا {هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة} والسيئة الجدب والضرر في أموالهم, تشاءموا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا {هذه من عندك} يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمداً أصابنا هذا البلاء, فأنزل الله عز وجل {قل كل من عند الله} فقوله: قل كل من عند الله, أي الجميع بقضاء الله وقدره, وهو نافذ في البر والفاجر والمؤمن والكافر. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس, قل كل من عند الله, أي الحسنة والسيئة. وكذا قال الحسن البصري. ثم قال تعالى منكراً على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب, وقلة فهم وعلم وكثرة جهل وظلم {فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً} ذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى: {قل كل من عند الله} قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا السكن بن سعيد, حدثنا عمر بن يونس, حدثنا إسماعيل بن حماد عن مقاتل بن حيان, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر وعمر في قبيلتين من الناس وقد ارتفعت أصواتهما, فجلس أبو بكر قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم, وجلس عمر قريباً من أبي بكر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم ارتفعت أصواتكما ؟» فقال رجل: يا رسول الله, قال أبو بكر: يا رسول الله الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا¹ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فما قلت يا عمر ؟» فقال: قلت الحسنات والسيئات من الله¹ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول من تكلم فيه جبريل وميكائيل¹ فقال ميكائيل مقالتك يا أبا بكر¹ وقال جبريل مقالتك يا عمر» فقال: «نختلف فيختلف أهل السماء وإن يختلف أهل السماء يختلف أهل الأرض, فتحاكما إلى إسرافيل فقضى بينهم أن الحسنات والسيئات من الله». ثم أقبل على أبي بكر وعمر فقال: «احفظا قضائي بينكما, لو أراد الله أن لا يعصى لما خلق إبليس» قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية: هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة. ثم قال تعالى مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وسلم والمراد جنس الإنسان ليحصل الجواب {ما أصابك من حسنة فمن الله} أي من فضل الله ومنه ولطفه ورحمته{وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي فمن قبلك, ومن عملك أنت, كما قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} قال السدي والحسن البصري وابن جريج وابن زيد {فمن نفسك} أي بذنبك. وقال قتادة في الاَية {فمن نفسك} عقوبة لك يا ابن آدم بذنبك. قال وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يصيب رجلاً خدش عود ولا عثرة قدم, ولا اختلاج عرق إلا بذنب, وما يعفو الله أكثر» وهذا الذي أرسله قتادة قد روي متصلاً في الصحيح «والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا حزن, ولا نصب, حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه بها من خطاياه» وقال أبو صالح {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي بذنبك وأنا الذي قدرتها عليك, رواه ابن جرير, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمار, حدثنا سهل يعني بن بكار, حدثنا الأسود بن شيبان, حدثني عقبة بن واصل ابن أخي مطرف عن مطرف بن عبد الله, قال: ما تريدون من القدر أما تكفيكم الاَية التي في سورة النساء {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله, وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} ؟ أي من نفسك والله ما وكلوا إلى القدر وقد أمروا وإليه يصيرون, وهذا كلام متين قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضاً. ولبسطه موضع آخر. وقوله تعالى: {وأرسلناك للناس رسولاً} أي تبلغهم شرائع الله وما يحبه الله ويرضاه, وما يكرهه ويأباه {وكفى بالله شهيداً} أي على أنه أرسلك وهو شهيد أيضاً بينك وبينهم, وعالم بما تبلغهم إياه وبما يردون عليك من الحق كفراً وعناداً. ========================================= مّنْ يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلّىَ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً * وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيّتَ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَىَ بِاللّهِ وَكِيلاً
يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأن من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله, وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله, ومن عصاني فقد عصى الله, ومن أطاع الأمير فقد أطاعني, ومن عصى الأمير فقد عصاني» وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن الأعمش به. وقوله: {ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} أي ما عليك منه إن عليك إلا البلاغ فمن اتبعك سعد ونجا, وكان لك من الأجر نظير ما حصل له, ومن تولى عنك خاب وخسر وليس عليك من أمره شيء, كما جاء في الحديث «من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه».
وقوله: {ويقولون طاعة} يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة {فإذا برزوا من عندك} أي خرجوا وتواروا عنك {بيت طائفة منهم غير الذي تقول} أي استسروا ليلاً فيما بينهم بغير ما أظهروه لك, فقال تعالى: {والله يكتب ما يبيتون} أي يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الذين هم موكلون بالعباد, والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم, وما يتفقون عليه ليلاً من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وعصيانه وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة, وسيجزيهم على ذلك, كما قال تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا} الاَية, وقوله: {فأعرض عنهم} أي اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم, ولا تكشف أمورهم للناس, ولا تخف منهم أيضاً {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً} أي كفى به ولياً وناصراً ومعيناً لمن توكل عليه وأناب إليه.
** أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً * وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَىَ أُوْلِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتّبَعْتُمُ الشّيْطَانَ إِلاّ قَلِيلاً
يقول تعالى آمراً لهم بتدبر القرآن وناهياً لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة, ومخبراً لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب, ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق, ولهذا قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}, ثم قال: {ولو كان من عند غير الله} أي لو كان مفتعلاً مختلقاً, كما يقوله من يقول من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافاً, أي اضطراباً وتضاداً كثيراً, أي وهذا سالم من الاختلاف, فهو من عند الله, كما قال تعالى مخبراً عن الراسخين في العلم حيث قالوا {آمنا به كل من عند ربنا} أي محكمه ومتشابهه حق, فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا, والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا, ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين, قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض, حدثنا أبو حازم, حدثنا عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم, أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب من أبوابه, فكرهنا أن نفرق بينهم, فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً حتى احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: «مهلاً يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم, باختلافهم على أنبيائهم, وضربهم الكتب بعضها ببعض, إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً, إنما نزل يصدق بعضه بعضاً, فما عرفتم منه فاعملوا به, وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» وهكذا رواه أيضاً عن أبي معاوية, عن داود بن أبي هند, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر, فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب, فقال لهم: «مالكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض, بهذا هلك من كان قبلكم» قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده, ورواه ابن ماجه من حديث داود بن أبي هند به نحوه.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني, قال: كتب إلى عبد الله بن رباح يحدث عن عبد الله بن عمرو, قال: هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً, فإنا لجلوس إذ اختلف اثنان في آية, فارتفعت أصواتهما, فقال: «إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب». ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن زيد به.
وقوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها, وقد لا يكون لها صحة. وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا علي بن حفص, حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن, عن حفص بن عاصم, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» وكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن محمد بن الحسين بن أشكاب, عن علي بن حفص عن شعبة مسنداً, ورواه مسلم أيضاً من حديث معاذ بن هشام العنبري وعبد الرحمن بن مهدي, وأخرجه أبو داود أيضاً من حديث حفص بن عمرو النمري, ثلاثتهم عن شعبة, عن خبيب, عن حفص بن عاصم به مرسلاً, وفي الصحيحين, عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, نهى عن قيل وقال, أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت, ولا تدبر, ولا تبين. وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بئس مطية الرجل زعموا». وفي الصحيح «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» ولنذكر ههنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, طلق نساءه, فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك, فلم يصبر حتى استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم, فاستفهمه أطلقت نساءك فقال «لا» فقلت: الله أكبر وذكر الحديث بطوله. وعند مسلم فقلت: أطلقتهن ؟ فقال «لا» فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي, لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه, ونزلت هذه الاَية {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر, ومعنى يستنبطونه أي يستخرجونه من معادنه, يقال: استنبط الرجل العين إذا حفرها واستخرجها من قعورها. وقوله: {لا تبعتم الشيطان إلا قليللاً}, قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني المؤمنين. وقال عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة: {لا تبعتم الشيطان إلا قليلاً} يعني كلكم, واستشهد من نصر هذا القول بقول الطرماح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب:)
أشم نديّ كثير النواديقليل المثالب والقادحة
يعني لا مثالب له ولا قادحة فيه.
** فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفّ بَأْسَ الّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدّ بَأْساً وَأَشَدّ تَنكِيلاً * مّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيّئَةً يَكُنْ لّهُ كِفْلٌ مّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ مّقِيتاً * وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدّوهَآ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً * اللّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنّكُمْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً
يأمر تعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يباشر القتال بنفسه, ومن نكل عنه فلا عليه منه, ولهذا قال {لا تكلف إلا نفسك} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمد بن عمرو بن نبيح, حدثنا حكام, حدثنا الجراح الكندي عن أبي إسحاق, قال: سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى المائة من العدو فيقاتل فيكون ممن قال الله فيه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين}. ورواه الإمام أحمد عن سليمان بن داود, عن أبي بكر بن عياش, عن أبي إسحاق, قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين, أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال: لا, إن الله بعث رسوله صلى الله عليه وسلم وقال: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} إنما ذلك في النفقة وكذا رواه ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش وعلي بن صالح, عن أبي إسحاق, عن البراء به. ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد, حدثنا أحمد بن النضر العسكري, حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي, حدثنا محمد بن حمير, حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق, عن البراء, قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} الاَية, قال لأصحابه: «وقد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا» حديث غريب.
وقوله: {وحرض المؤمنين} أي على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عليه, كما قال لهم صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهو يسوي الصفوف: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك, فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آمن بالله ورسوله, وأقام الصلاة وآتى الزكاة, وصام رمضان, كان حقاً على الله أن يدخله الجنة, هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها». قالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس بذلك ؟ فقال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبييل الله, بين كل درجتين كما بين السماء والأرض, فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة, وأعلى الجنة, وفوقه عرش الرحمن, ومنه تفجر أنهار الجنة» وري من حديث عبادة ومعاذ وأبي الدرداء, نحو ذلك. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا سعيد, من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً, وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً, وجبت له الجنة», قال: فعجب لها أبو سعيد, فقال: أعدها عليّ يا رسول الله, ففعل, ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأخرى يرفع الله العبد بها مائة درجة في الجنة, ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض». قال: وما هي يا رسول الله ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله», رواه مسلم. وقوله: {عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا} أي بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء. ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله, ومقاومتهم ومصابرتهم. وقوله تعالى: {والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً} أي هو قادر عليهم في الدنيا والاَخرة كما قال تعالى: {ذلك ولو يشاء الله لا نتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} الاَية.
وقوله: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} أي من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك, {ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} اي يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته, كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم, أنه قال: «اشفعوا تؤجروا, ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء», وقال مجاهد بن جبر: نزلت هذه الاَية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. وقال الحسن البصري: قال الله تعالى: {من يشفع} ولم يقل من يشفّع, وقوله: {وكان الله على كل شيء مقيتاً}. قال ابن عباس وعطاء وعطية وقتادة ومطر الوارق {مقيتاً} أي حفيظاً. وقال مجاهد: شهيداً, وفي رواية عنه: حسيباً. وقال سعيد بن جبير والسدي وابن زيد: قديراً. وقال عبد الله بن كثير: المقيت الواصب, وقال الضحاك المقيت الرزاق, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبد الرحيم بن مطرف, حدثنا عيسى بن يونس عن إسماعيل عن رجل. عن عبد الله بن رواحة, وسأله رجل عن قول الله تعالى: {وكان الله على كل شيء مقيتا} قال: مقيت لكل إنسان بقدر عمله.
وقوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم, أو ردوا عليه بمثل ما سلم, فالزيادة مندوبة, والمماثلة مفروضة, قال ابن جرير: حدثنا موسى بن سهل الرملي, حدثنا عبد الله بن السري الأنطاكي, حدثنا هشام بن لاحق عن عاصم الأحول, عن أبي عثمان النهدي, عن سلمان الفارسي, قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله, فقال: «وعليك السلام ورحمة الله», ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله¹ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته»¹ ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته, فقال له: «وعليك», فقال له الرجل: يا نبي الله, بأبي أنت وأمي, أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ فقال: «إنك لم تدع لنا شيئاً, قال الله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} فرددناها عليك», وهكذا رواه ابن أبي حاتم معلقاً, فقال: ذكر عن أحمد بن الحسن الترمذي حدثنا عبد الله بن السري أبو محمد الأنطاكي, قال أبو الحسن, وكان رجلاً صالحاً: حدثنا هشام بن لاحق فذكره بإسناده مثله, ورواه أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع, حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدثنا أبي, حدثنا هشام بن لاحق أبو عثمان فذكره مثله, ولم أره في المسند, والله أعلم.
وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير أخو سليمان عن كثير, حدثنا جعفر بن سليمان بن عوف, عن أبي رجاء العطاردي, عن عمران بن حصين أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: السلام عليكم يا رسول الله فرد عليه ثم جلس فقال: «عشر», ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله, فرد عليه ثم جلس, فقال: «عشرون», ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, فرد عليه, ثم جلس فقال: «ثلاثون», وكذا رواه أبو داود عن محمد بن كثير وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه, ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف, وقال البزار: قد روي هذا عن البني صلى الله عليه وسلم من وجوه هذا أحسنها إسناداً وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي, حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن الحسن بن صالح, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسياً, ذلك بأن الله يقول: فحيوا بأحسن منها أو ردوها, وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها, يعني للمسلمين, أو ردوها يعني لأهل الذمة, وهذا التنزيل فيه نظر كما تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به, فإن بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام, رد عليه مثل ما قال, فأما أهل الذمة فلا يبدؤون بالسلام ولا يزادون, بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم, فقل: وعليك» في صحيح مسلم عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه». وقال سفيان الثوري, عن رجل, عن الحسن البصري, قال: السلام تطوع والرد فريضة, وهذا الذي قال هو قول العلماء قاطبة, أن الرد واجب على من سلم عليه, فيأثم إن لم يفعل, لأنه خالف أمر الله في قوله: فحيوا بأحسن منها أو ردوها وقد جاء في الحديث الذي رواه (أبو داود بسنده إلى أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده, لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنواو ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم»).
وقوله: { الله لا إله إلا هو} إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات وتضمن قسماً لقوله: {ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} وهذه اللام موطئة للقسم, فقوله الله لا إله إلا هو خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والاَخرين في صعيد واحد, فيجازي كل عامل بعمله, وقوله تعالى: {ومن أصدق من الله حديثاً} أي لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده, فلا إله إلا هو ولا رب سواه. ===================== فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوَاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً * وَدّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَلاَ تَتّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * إِلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَسَلّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلّ مَا رُدّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوَاْ إِلَيْكُمُ السّلَمَ وَيَكُفّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مّبِيناً
يقول تعالى منكراً على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين: واختلف في سبب ذلك فقال الإمام أحمد: حدثنا بهز, حدثنا شعبة, قال عدي بن ثابت, أخبرني عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه, فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم, وفرقة تقول: لا, هم المؤمنون, فأنزل الله {فما لكم في المنافقين فئتين} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد» أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة, وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في وقعة أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش, رجع بثلثمائة وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة, وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام, وكانوا يظاهرون المشركين, فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس, وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة, قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم, فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم, وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله, أو كما قالوا: أتقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم, نستحل دماءهم وأموالهم ؟ فكانوا كذلك فئتين, والرسول عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء, فنزلت {فما لكم في المنافقين فئتين} رواه ابن أبي حاتم, وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا, وقال زيد بن أسلم عن ابن لسعد بن معاذ: أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي, حين استعذر من رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر في قضية الإفك, وهذا غريب, وقيل غير ذلك.
وقوله تعالى: {والله أركسهم بما كسبوا} أي ردهم وأوقعهم في الخطأ, قال ابن عباس {أركسهم} أي أوقعهم, وقال قتادة: أهلكم وقال السدي: أضلهم, وقوله: {بما كسبوا} أي بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل {أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} أي لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه, وقوله: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} أي هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها وما ذاك إلا لشدة عدواتهم وبغضهم لكم ولهذا قال: {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا} أي تركوا الهجرة, قاله العوفي عن ابن عباس, وقال السدي: أظهروا كفرهم {فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً} أي لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك, ثم استثنى الله من هؤلاء, فقال: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي إلا الذين لجأوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة, أو عقد ذمة فاجعلوا حكمهم كحكمهم, وهذا قول السدي وابن زيد وابن جرير, وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو سلمة, حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان, عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد وأسلم من حولهم, قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج, فأتيته فقلت: أنشدك النعمة, فقالوا: صه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه, ما تريد ؟» قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي وأنا أريد أن توادعهم, فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام, وإن لم يسلموا لم تخشن قلوب قومك عليهم, فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد بن الوليد فقال: «اذهب معه فافعل ما يريد» فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أسلمت قريش أسملوا معهم, فأنزل الله {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء}.
ورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة, وقال: فأنزل الله {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم, وهذا أنسب لسياق الكلام, وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية: فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم, ومن أحب أن يدخل في صلح محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعهدهم, وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} الاَية.
وقوله: {أو جاؤوكم حصرت صدروهم} الاَية, هؤلاء قوم آخرون من المستثنين من الأمر بقتالهم وهم الذين يجئيون إلى المصاف وهم حصرة صدروهم أي ضيقة صدروهم مبغضين أن يقاتلوكم, ولا يهون عليهم أيضاً أن يقاتلوا قومهم معكم بل هم لا لكم ولا عليكم {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم} أي من لطفه بكم أن كفهم عنكم {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم} أي المسالمة {فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً} أي فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك , وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره, وقوله: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم} الاَية, هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم, ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك, فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهمم وذراريهم, ويصانعون الكفار في الباطن تعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم وهم في الباطن مع أولئك, كما قال تعالى: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} الاَية, وقال ههنا {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} أي انهمكوا فيها, وقال السدي: الفتنة ـ ههنا ـ الشرك, وحكى ابن جرير عن مجاهد أنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان, يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا, فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا ولهذا قال تعالى: {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم} المهادنة والصلح, {ويكفوا أيديهم} أي عن القتال, {فخذوهم} أسراء, {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي أين لقيتموهم, {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً} أي بيناً واضحاً. ====================وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مّسَلّمَةٌ إِلَىَ أَهْلِهِ إِلاّ أَن يَصّدّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مّسَلّمَةٌ إِلَىَ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّؤْمِنَةً فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مّتَعَمّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً
يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه, وكما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله, وأني رسول الله, إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس, والثيب الزاني, والتارك لدينه المفارق للجماعة» ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث, فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله, وإنما ذلك إلى الإمام أونائبه, وقوله: {إلا خطأ} قالوا: هو استثناء منقطع, كقول الشاعر:
البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ
على الأرض إلا ربط برد مرحل ولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه, فقال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وهي أسماء بنت مخرمة, وذلك أنه قتل رجلاً يعذبه مع أخيه على الإسلام وهو الحارث بن يزيد الغامدي, فأضمر له عياش السوء, فأسلم ذلك الرجل وهاجر وعياش لا يشعر, فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه فحمل عليه فقتله, فأنزل الله هذه الاَية, قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أبي الدرداء لأنه قتل رجلاً وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف, فأهوى به إليه فقال كلمته, فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, قال: إنما قالها متعوذاً فقال له: هل شققت عن قلبه ؟ وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء.
وقوله: {ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} هذان واجبان في قتل الخطأ, أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ, ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزىء الكافرة, وحكى ابن جرير عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزىء الصغير حتى يكون قاصداً للإيمان, وروي من طريق عبد الرزاق عن معمر,عن قتادة, قال: في حرف, فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي, واختار ابن جرير أنه إن كان مولوداً بين أبوين مسلمين أجزأ وإلا فلا, والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلماً صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيراً أو كبيراً قال الإمام أحمد: أنبأنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله, عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوادء, فقال: يا رسول الله: إن علي عتق رقبة مؤمنة, فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها, فقال لها رسول الله: «أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟» قالت: نعم. قال: «أتشهدين أني رسول الله ؟» قالت: نعم. قال: «أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟» قالت: نعم. قال: «أعتقها». وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره, وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي من طريق هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار, عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية السوادء, قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين الله ؟ قالت: في السماء. قال: «من أنا» قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «أعتقها, فإنها مؤمنة» وقوله: {ودية مسلمة إلى أهله} هو الواجب الثاني فيما بين القاتل و أهل القتيل عوضاً لهم عما فاتهم من قتليهم, وهذه الدية إنما تجب أخماساً, كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الحجاج بن أرطاة عن زيد بن جبير, عن خشف بن مالك, عن ابن مسعود, قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض, وعشرين بني مخاض ذكوراً, وعشرين بنت لبون, وعشرين جذعة, وعشرين حقة, لفظ النسائي قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه, وقد روي عن عبد الله موقوفاً, كما روي عن علي وطائفة, وقيل: يجب أرباعاً وهذه الدية على العاقلة لا في ماله, قال الشافعي رحمه الله: لم أعلم مخالفاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة وهو أكثر من حديث الخاصة, وهذا الذي أشار إليه رحمه الله قد ثبت في غير ما حديث, فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة, وقضى بدية المرأة على عاقلتها وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ المحض في وجوب الدية, لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثاً لشبهة العمد, وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا, فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتهلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فرفع يديه وقال «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» وبعث علياً فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم حتى ميلغة الكلب, وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال.
وقوله: {إلا أن يصدقوا} أي فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب, وقوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} أي إذا كان القتيل مؤمناً ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب, فلا دية لهم, وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير, وقوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} الاَية, أي فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم, فإن كان مؤمنا فدية كاملة, وكذا إن كان كافراً أيضاً عند طائفة من العلماء, وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم وقيل: ثلثها كما هو مفصل في كتاب الأحكام ويجب أيضاً على القاتل تحرير رقبة مؤمنة {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} أي لا إفطار بينهما بل يسرد صومهما إلى آخرهما, فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس استأنف, واختلفوا في السفر هل يقطع أم لا, على قولين, وقوله: {توبة من الله وكان الله عليماً حكيما} أي هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين , واختلفوا فيمن لا يستطع الصيام, هل يجب عليه إطعام ستين مسكيناً كما في كفارة الظهار, على قولين أحدهما: نعم كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار, وإنما لم يذكر ههنا, لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص, والقول الثاني لا يعدل إلى الطعام, لأنه لو كان واجباً لما أخر بيانه عن وقت الحاجة {وكان الله عليما حيكماً} قد تقدم تفسيره غير مرة,
ثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ شرع في بيان حكم القتل العمد, فقال: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً} الاَية, وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله, حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق} الاَية, وقال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً} الأية, والاَيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً, فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء», وفي الحديث الاَخر الذي رواه أبو داود من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري عن عبادة بن الصامت,قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً, فإذا أصاب دماً حراماً بلح» وفي حديث آخر «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم», وفي الحديث الاَخر «ومن أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمداً, وقال البخاري: حدثنا آدم, حدثنا شعبة, حدثنا المغيرة بن النعمان, قال: سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة, فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها, فقال: نزلت هذه الاَية {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم} هي آخر ما نزل, وما نسخها شيء, وكذا رواه هو أيضاً ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة به. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي, عن سفيان الثوري, عن مغيرة بن النعمان, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس في قوله {من يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم} فقال: ما نسخها شيء. وقال ابن جرير: حدثنا بن بشار, حدثنا ابن عون, حدثنا شعبة عن سعيد بن جبير, قال: قال عبد الرحمن بن أبزا سئل ابن عباس عن قوله: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً} الاَية, قال: لم ينسخها شيء, وقال في هذه الاَية {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} إلى آخرها, قال: نزلت في أهل الشرك. وقال ابن جرير أيضاً حدثنا ابن حميد, حدثنا جرير عن منصور, حدثني سعيد بن جبير أو حدثني الحكم عن سعيد بن جبير , قال: سألت ابن عباس عن قوله: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم} قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام, ثم قتل مؤمناً متعمداً, فجزاؤه جهنم ولا توبة له, فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم. حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا: حدثنا جرير عن يحيى الجابر عن سالم بن أبي الجعد, قال: كنا عند ابن عباس بعدما كف بصره, فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس, ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً ؟ فقال: جزاؤه جهنم خالداً فيها, وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً. قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحاً ثم اهتدى ؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى ؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمداً جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن, يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه, يقول: يا رب, سل هذا فيمَ قتلني» وايم الذي نفس عبد الله بيده, لقد أنزلت هذه الاَية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم, وما نزل بعدها من برهان, وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة, سمعت يحيى بن المجبر يحدث عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس أن رجلاً أتى إليه فقال: أرأيت رجلاً قتل رجلاً عمداً ؟ فقال: جزاؤه جهنم خالداً فيها, الاَية, قال: لقد نزلت من آخر ما نزل, ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ؟ قال: وأنى له بالتوبة, وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثكلته أمه رجل قتل رجلاً متعمداً يجىء يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره ـ أو آخذاً رأسه بيمينه أو بشماله ـ تشخب أوداجه دماً من قبل العرش, يقول : يا رب, سل عبدك فيمَ قتلني» وقد رواه النسائي عن قتيبة وابن ماجه, عن محمد بن الصباح عن سفيان بن عيينة, عن عمار الدهني ويحيى الجابر وثابت الثمالي عن سالم بن أبي الجعد, عن ابن عباس فذكره, وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم نقله ابن أبي حاتم, وفي الباب أحاديث كثيرة , فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره: حدثنا دعلج بن أحمد, حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي(ح), وحدثنا عبد الله بن جعفر, وحدثنا إبراهيم بن فهد, قالا: حدثنا عبيد بن عبيدة حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه, عن الأعمش, عن أبي عمرو بن شرحبيل بإسناده عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجىء المقتول متعلقاً بقاتله يوم القيامة آخذا رأسه بيده الأخرى فيقول يا رب سل هذا فيمَ قتلني ؟ قال, فيقول: قتلته لتكون العزة لك, فيقول: فإنها لي, قال ويجىء آخر متعلقاً بقاتله فيقول: رب سل هذا فيمَ قتلني . قال فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان, قال: فإنها ليست له بؤ بإثمه, قال: فيهوي في النار سبعين خريفاً» وقد رواه النسائي عن إبراهيم بن المستمر العوفي, عن عمرو بن عاصم, عن معتمر بن سليمان به.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى, حدثنا ثور بن يزيد عن أبي عون, عن أبي إدريس, قال: سمعت معاوية رضي الله عنه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً, أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً» وكذا رواه النسائي عن محمد بن المثنى, عن صفوان بن عيسى به, وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر, حدثنا سمويه, حدثنا عبد الأعلى بن مسهر, حدثنا صدقة بن خالد, حدثنا خالد بن دهقان, حدثنا ابن أبي زكريا, قال سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً, أو من قتل مؤمناً متعمداً» وهذا غريب جداً من هذا الوجه, والمحفوظ حديث معاوية المتقدم, فالله أعلم, ثم روى ابن مردويه من طريق بقية بن الوليد عن نافع بن يزيد: حدثني ابن جبير الأنصاري عن داود بن الحصين, عن نافع, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل مؤمناً متعمداً فقد كفر بالله عز وجل» وهذا حديث منكر أيضاً, فإسناده تكلم فيه جداً, قال الإمام أحمد: حدثنا النضر, حدثنا سليمان بن المغيرة, حدثنا حميد, قال: أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي, فقال لنا: هلما فأنتما أشب سناً مني, وأوعى للحديث مني, فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم, فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء بحديثك, فقال: حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم, فشد مع القوم رجل فاتبعه رجل من السرية شاهراً سيفه, فقال الشاد من القوم: إني مسلم فلم ينظر فيما قال, قال: فضربه فقتله, فنمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال فيه قولاً شديداً, فبلغ القاتل, فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال إلا تعوذاً من القتل, قال: فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته, ثم قال أيضاً: يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذاً من القتل, فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته ثم لم يصبر حتى قال الثالثة: والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذاً من القتل, فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف المساءة في وجهه, فقال: «إن الله أبى على من قتل مؤمناً ثلاثاً» ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة, والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله عز وجل, فإن تاب وأناب, وخشع وخضع وعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات, وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته, قال الله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ـ إلى قوله ـ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً} الاَية, وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين وحمل هذه الاَية على المؤمنين خلاف الظاهر, ويحتاج حمله إلى دليل, والله أعلم.
وقال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} الاَية, وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك, كل من تاب أي من أي ذلك تاب الله عليه, قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فهذه الاَية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك, وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الاَية وقبلها لتقوية الرجاء, والله أعلم, وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس ثم سأل عالماً هل لي من توبة ؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه, فهاجر إليه فمات في الطريق, فقبضته ملائكة الرحمة كما ذكرناه غير مرة, وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى, لأن الله وضع عنا الاَصار والأغلال التي كانت عليهم وبعث نبينا بالحنيفية السمحة.
فأما الاَية الكريمة وهي قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً} الاَية, فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه, وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعاً من طريق محمد بن جامع العطار عن العلاء بن ميمون العنبري, عن حجاج الأسود, عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة مرفوعاً ولكن لا يصح, ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه, وكذا كل وعيد على ذنب, لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قولي أصحاب الموازنة والإحباط, وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد, والله أعلم بالصواب, وبتقدير دخول القاتل في النار, أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له, أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحاً ينجو به فليس بمخلد فيها أبداً, بل الخلود هو المكث الطويل, وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان», وأما حديث معاوية «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً, أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً» فعسى للترجي, فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا تنفي وقوع ذلك في أحدهما وهو القتل لما ذكرنا من الأدلة, وأما من مات كافراً فالنص أن الله لا يغفر له البتة, وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الاَدميين, وهي لا تسقط بالتوبة, ولكن لا بد من ردها إليهم ولا فرق بين المقتول والمسروق منه, والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الاَدميين, فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة, ولكنه لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة, فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة, لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة, إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها, ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها, ورفع درجته فيها ونحو ذلك والله أعلم, ثم لقاتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الاَخرة, فأما في الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه, قال الله تعالى: {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً} الاَية, ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا, أو يعفوا, أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثاً, ثلاثون حقة, وثلاثون جذعة, وأربعون خلفة, كما هو مقرر في كتاب الأحكام, واختلف الأئمة هل تجب عليه كفارة عتق رقبة, أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام, على أحد القولين كما تقدم في كفارة الخطأ, على قولين فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون نعم, يجب عليه, لأنه إذا وجبت عليه الكفارة في الخطأ فلأن تجب عليه في العمد أولى, فطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس واعتذروا بقضاء الصلاة المتروكة عمداً كما أجمعوا على ذلك في الخطأ, وقال أصحابه,الإمام أحمد وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر فلا كفارة فيه, وكذا اليمين الغموس ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمداً, فإنهم يقولون بوجوب قضائها إذا تركت عمداً, وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا عارم بن الفضل, حدثنا عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن أبي عبلة, عن الغريف بن عياش عن واثلة بن الأسقع, قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحباً لنا قد أوجب, قال: «فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضواً منه من النار» وقال أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق, حدثنا ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الغريف الديلمي, قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي فقلنا له حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب, فقال: «أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار» وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة به, ولفظ أبي داود عن الغريف الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدثنا حديثاً ليس فيه زيادة ولا نقصان فغضب فقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص, قلنا: إنما أردنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب, يعني النار بالقتل, فقال: «أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار».
** يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيّنُواْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أبي بكير وخلف بن الوليد وحسين بن محمد قالوا: حدثناإسرائيل عن سماك, عن عكرمة,عن ابن عباس, قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرعى غنماً له فسلم عليهم, فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا, فعمدوا إليه فقتلوه, وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم, فنزلت هذه الاَية {يا أيها الذين آمنوا} إلى آخرها, ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد, عن عبد العزيز بن أبي رزمة, عن إسرائيل به, ثم قال: هذا حديث حسن صحيح, وفي الباب عن أسامة بن زيد, ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به, ثم قال: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه, ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان, كلاهما عن إسرائيل به, وقال في بعض كتبه غير التفسير, وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط, وهذا خبر عندنا صحيح سنده, وقد يجب أن يكون على مذهب الاَخرين سقيماً لعلل منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا من هذا الوجه, ومنها أن عكرمة في روايته عندهم نظر, ومنها أن الذي نزلت فيه هذه الاَية عندهم مختلف فيه فقال بعضهم: نزلت في محلم بن جثامة, وقال بعضهم: أسامة بن زيد, وقيل غير ذلك, قلت: وهذا كلام غريب وهو مردود من وجوه: أحدها أنه ثابت عن سماك حدث به عنه غير واحد من الأئمة الكبار, الثاني أن عكرمة محتج به في الصحيح, الثالث أنه مروي من غير هذاالوجه عن ابن عباس, كما قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار,عن عطاء, عن ابن عباس {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً} قال: قال ابن عباس كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون, فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته, فأنزل الله في ذلك {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً} قال ابن عباس: عرض الدنيا تلك الغنيمة, وقرأ ابن عباس {السلام}, وقال سعيد بن منصور: حدثنا منصور عن عمرو بن دينار, عن عطاء بن يسار, عن ابن عباس, قال: لحق المسلمون رجلاً في غنيمة له, فقال: السلام عليكم, فقتلوه وأخذوا غنيمته, فنزلت {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً}. وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن عيينة به, وقد في ترجمة: أن أخاه فزاراً, هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن أمر أبيه بإسلامهم وإسلام قومهم, فلقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم, في عماية الليل, وكان قد قال لهم إنه مسلم, فلم يقبلوا منه فقتلوه فقال أبوه: فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأعطاني ألف دينار ودية أخرى وسيرني, فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله} الاَية.
وأما قصة محلم بن جثامة, فقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يعقوب: حدثني أبي عن محمد بن إسحاق, حدثنا يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنه, قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي, ومحلم بن جثامة بن قيس, فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم, مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له, معه متيع له ووطب من لبن, فلما مر بنا سلم علينا, فأمسكنا عنه, وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله, لشيء كان بينه وبينه, وأخذ بعيره ومتيعه, فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ـ إلى قوله تعالى ـ خبيراً} تفرد به أحمد. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا جرير عن ابن إسحاق, عن نافع, عن ابن عمر, قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثاً, فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام, وكانت بينهم إحنة في الجاهلية, فرماه محلم بسهم فقتله, فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتكلم فيه عيينة والأقرع: فقال الأقرع يا رسول الله, سر اليوم وغر غداً, فقال عيينة: لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ماذاق نسائي, فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا غفر الله لك», فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه, فما مضت له سابعة حتى مات ودفنوه, فلفظته الأرض, فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له, فقال: «إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم, ولكن الله أراد أن يعظكم» ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} الاَية.
وقال البخاري: قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: «إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فقتلته, فكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل» هكذا ذكره البخاري معلقاً مختصراً, وقد روي مطولاً موصولاً, فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حماد بن علي البغدادي, حدثنا جعفر بن سلمة, حدثنا أبو بكر بن علي بن مقدم, حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود, فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا, وبقي رجل له مال كثير لم يبرح, فقال: أشهد أن لا إله إلا الله, وأهوى عليه المقداد فقتله, فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله ؟ والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله, إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله, فقتله المقداد, فقال: «ادعوا لي المقداد, يا مقداد: أقتلت رجلاً يقول لا إله إلا الله, فكيف لك بلا إله إلا الله غداً ؟» قال: فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا}, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته, وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل» وقوله: {فعند الله مغانم كثيرة} أي خير مما رغبتم فيه عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام, وأظهر لكم الإيمان فتغافلتم عنه واتهمتموه بالمصانعة والتقية لتبتغوا عرض الحياة الدنيا, فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم من مال هذا.
وقوله: {كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم} أي قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه, كما تقدم في الحديث المرفوع آنفاً, وكما قال تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} الاَية, وهذا مذهب سعيد بن جبير لما رواه الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير في قوله: {كذلك كنتم من قبل} تخفون إيمانكم في المشركين, ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير عن سعيد بن جبير في قوله: {كذلك كنتم من قبل} تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه, وهذا اختيار ابن جرير, وقال ابن أبي حاتم, وذكر عن قيس, عن سالم, عن سعيد بن جبير: قوله {كذلك كنتم من قبل} لم تكونوا مؤمنين {فمن الله عليكم} أي تاب عليكم فحلف أسامة لا يقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل, وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه, وقوله: {فتبينوا} تأكيد لما تقدم, وقوله: {إن الله كان بما تعلمون خبيراً} قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد. ===============================================لاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىَ وَفَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً
قال البخاري: حدثنا حفص بن عمر, حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء, قال لما نزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً فكتبها, فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته, فأنزل الله {غير أولي الضرر}, حدثنا محمد بن يوسف عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء, قال: لما نزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} قال النبي صلى الله عليه وسلم ادع فلاناً, فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف, فقال اكتب {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل} وخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم, فقال يا رسول الله, أنا ضرير, فنزلت مكانها {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله} قال البخاري أيضاً: حدثنا إسماعيل بن عبد الله, حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان, عن ابن شهاب, حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد, قال: فأقبلت حتى جلست إلى جنبه, فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى علي {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي, قال: يا رسول الله, والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت, وكان أعمى, فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم, وكان فخذه على فخذي فثقلت علي خفت أن ترض فخدي, ثم سري عنه, فأنزل الله {غير أولي الضرر} تفرد به البخاري دون مسلم, وقد روي من وجه آخر عند الإمام أحمد عن زيد فقال: حدثنا سليمان بن داود, أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد, عن خارجة بن زيد, قال: قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم إذ أوحي إليه وغشيته السكينة, قال: فرفع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة, قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئاً قط أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سري عنه, فقال: اكتب يا زيد, فأخذت كتفاً, فقال: اكتب {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون} إلى قوله: {أجراً عظيما} فكتبت ذلك في كتف, فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان رجلاً أعمى, فقام حين سمع فضيلة المجاهدين, وقال: يا رسول الله, وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ومن هو أعمى وأشباه ذلك ؟ قال زيد: فوالله ما قضى كلامه ـ أو ماهو إلا أن قضى كلامه ـ غشيت النبي صلى الله عليه وسلم السكينة,فوقعت فخذه على فخذي, فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى, ثم سري عنه, فقال: اقرأ فقرأت عليه {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون} فقال النبي صلى الله عليه وسلم {غير أولي الضرر}, قال زيد: فألحقتها,فوالله كأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف, ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور, عن عبد الرحمن بن أبي الزناد, عن أبيه, عن خارجة بن زيد بن ثابت, عن أبيه, به نحوه.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر, أنبأنا الزهري, عن قبيصة بن ذؤيب, عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اكتب {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} فجاء عبد الله بن أم مكتوم, فقال: يا رسول الله, إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزمانة ما قد ترى, قد ذهب بصري, قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم سري عنه, ثم قال: «اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله», ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج, أخبرني عبد الكريم هو ابن مالك الجزري, أن مقسماً مولى عبد الله بن الحارث أخبره أن ابن عباس أخبره {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} عن بدر والخارجون إلى بدر, انفرد به البخاري دون مسلم, وقد رواه الترمذي من طريق حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الكريم, عن مقسم, عن ابن عباس, قال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} عن بدر والخارجون إلى بدر, ولما نزلت غزوة بدر, قال عبد الله بن حجش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله, فهل لنا رخصة ؟ فنزلت {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر, {وفضل اللهالمجاهدين على القاعدين أجراً عظيما درجات منه} على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر, هذا لفظ الترمذي. ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا ا لوجه, فقوله: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} كان مطلقاً, فلما نزل بوحي سريع {غير أولي الضرر}, صار ذلك مخرجاً لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد)من العمى والعرج والمرض, عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين, قال ابن عباس: {غير أولي الضرر}, وكذا ينبغي أن يكون, كما ثبت في صحيح البخاري من طريق زهير بن معاوية, عن حميد, عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه, قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله ؟ قال: نعم حبسهم العذر», وهكذا رواه أحمد عن محمد بن أبي عدي, عن حميد, عن أنس به, وعلقه البخاري مجزوماً, ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة عن حميد, عن موسى بن أنس بن مالك, عن أبيه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه», قالوا: وكيف يكونون معنا فيه يا رسول الله ؟ قال: «نعم حبسهم العذر» لفظ أبي داود, وفي هذا المعنى قال الشاعر:
يا راحلين إلى البيت العتيق لقدسرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحاإنا أقمنا على عذر وعن قدرومن أقام على عذر فقد راحا
وقوله: {وكلاً وعد الله الحسنى} أي الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين, بل هو فرض على الكفاية. قال تعالى: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات, في غرف الجنان العاليات, ومغفرة الذنوب والزلات, وحلول الرحمة والبركات, إحساناً منه وتكريماً, ولهذا قال: {درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً}.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله, ما بين كل درجتين كما بين السماء الأرض». وقال الأعمش عن عمرو بن مرة, عن أبي عبيدة, عن عبد الله بن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رمى بسهم فله أجره درجة» فقال رجل: يا رسول الله, وما الدرجة ؟ فقال: «أما إنها ليست بعتبة أمك. ما بين الدرجتين مائة عام}.
** إِنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِيَ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً * إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَـَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً * وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرىء, حدثنا حيوة وغيره, قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود, قال: قطع على أهل المدينة بعث, فاكتتبت فيه, فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته, فنهاني عن ذلك أشد النهي, قال: أخبرني ابن عباس أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم, فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل, فأنزل الله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}, وراه الليث عن أبي الأسود. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي, حدثنا أبو أحمد يعني الزبيري, حدثنا محمد بن شريك المكي, حدثنا عمرو بن دينار عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام, فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم, فأصيب بعضهم بفعل بعض. قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم, فنزلت {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الاَية. قال عكرمة: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الاَية لا عذر لهم. قال: فخرجوا, فلحقهم المشركون, فأعطوهم التقية, فنزلت هذه الاَية {ومن الناس من يقول آمنا بالله} الاَية. قال عكرمة: نزلت هذه الاَية في شباب من قريش كانوا تكلموا بالإسلام بمكة منهم علي بن أمية بن خلف وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو العاص بن منبّه بن الحجاج والحارث بن زمعة, قال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وخرجوا مع المشركين يوم بدر فأصيبوا فيمن أصيب, فنزلت هذه الاَية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين, وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع, وبنص هذه الاَية, حيث يقول تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} أي بترك الهجرة {قالوا فيم كنتم} أي لم مكثتم ها هنا وتركتم الهجرة {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} أي لا نقدر على الخروج من البلد, ولا الذهاب في الأرض {قالوا ألم تكن أرض الله واسعة} الاَية, وقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان, حدثني يحيى بن حسان, أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود, حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب, حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة, عن سمرة بن جندب, أما بعد, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله», وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: «افد نفسك وابن أخيك» فقال: يا رسول الله, ألم نصل إلى قبلتك, ونشهد شهادتك, قال «يا عباس, إنكم خاصمتم فخصمتم», ثم تلا عليه هذه الاية {ألم تكن أرض الله واسعة} الاَية, وراه ابن أبي حاتم.
وقوله: {إلا المستضعفين} إلى آخر الاَية, هذه عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة, وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين, ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق, ولهذا قال: {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً}, قال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني طريقاً.
وقوله تعالى: {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} أي يتجاوز من الله عنهم بترك الهجرة, عسى من الله موجبة, {وكان الله عفواً غفوراً}, قال البخاري: حدثنا أبو نعيم, حدثنا شيبان عن يحيى, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده, ثم قال قبل أن يسجد «اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة, اللهم أنج سلمة بن هشام, اللهم أنج الوليد بن الوليد, اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين, اللهم اشدد وطأتك على مضر, اللهم اجعلها سنين كسني يوسف».
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا أبو معمر المقري, حدثني عبد الوارث, حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده بعد ما سلم وهو مستقبل القبلة, فقال: «اللهم خلص الوليد بن الوليد, وعياش بن أبي ربيعة, وسلمة بن هشام, وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً من أيدي الكفار». وقال ابن جرير: حدثنا المثنى, حدثنا حجاج, حدثنا حماد عن علي بن زيد عن عبد الله أو إبراهيم بن عبد الله القرشي, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دبر صلاة الظهر «اللهم خلص الوليد, وسلمة بن هشام, وعياش بن أبي ربيعة وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا», ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم. وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد, قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان. وقال البخاري: أنبأنا أبو النعمان, حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي مليكة, عن ابن عباس {إلا المستضعفين} قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل.
وقوله: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة}, هذا تحريض على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه, والمراغم مصدر تقول العرب: راغم فلان قومه مراغماً ومراغمة, قال النابغة بن جعدة:
كطود يلاذ بأركانهعزيز المراغم والمهرب
وقال ابن عباس: المراغم التحول من أرض إلى أرض. وكذا روي عن الضحاك والربيع بن أنس والثوري. وقال مجاهد: {مراغماً كثيراً} يعني متزحزحاً عما يكره. وقال سفيان بن عيينة: مراغماً كثيراً يعني بروجاً, والظاهر ـ والله أعلم ـ أنه المنع الذي يُتحصّن به ويراغم به الأعداء. قوله {وسعة} يعني الرزق, قاله غير واحد منهم قتادة حيث قال: في قوله: {يجد في الأرض مراغماً كثيرة وسعة} أي من الضلالة إلى الهدى, ومن القلة إلى الغنى, وقوله: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} أي ومن يخرج من منزله بنية الهجرة فمات في أثناء الطريق فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر, كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي, عن علقمة بن وقاص الليثي, عن عمر بن الخطاب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها, أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً, ثم أكمل بذلك العابد المائة ثم سأل عالماً: هل له من توبة ؟ فقال له, ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه. فلما ارتحل من بلده مهاجراً إلى البلد الاَخر أدركه الموت في أثناء الطريق, فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب, فقال هؤلاء: إنه جاء تائباً, وقال هؤلاء إنه لم يصل بعد, فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها, فأمر الله هذه أن تقترب من هذه, وهذه أن تبعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر, فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية أنه لما جاءه الموت ناء بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم, عن محمد بن عبد الله بن عتيك, عن أبيه عبد الله بن عتيك, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله, ثم قال: ـ وأين المجاهدون في سبيل الله ـ فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله, أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله, أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله ـ يعني بحتف أنفه على فراشه, والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ومن قتل قعصاً فقد استوجب الجنة». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي, حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الخزامي, عن المنذر بن عبدالله عن هشام بن عروة عن أبيه, أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات فنزلت فيه {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً}, قال الزبير, فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة, فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغتني, لأنه قل أحد ممن هاجر من قريش إلا ومعه بعض أهله, أو ذوي رحمه, ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى, ولا أرجو غيره, وهذا الأثر غريب جداً, فإن هذه القصة مكية, ونزول هذه الاَية مدنية, فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره وإن لم يكن ذلك سبب النزول, والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر, حدثنا سهل بن عثمان, حدثنا عبد الرحمن بن سليمان, حدثنا أشعث هو ابن سوار, عن عكرمة, عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما, قال: خرج ضمرة بن جندب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فنزلت {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله} الاَية, وحدثنا أبي, حدثنا عبدالله بن رجاء, أنبأنا إسرائيل عن سالم, عن سعيد بن جبير, عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة, فلما نزلت {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة} فقلت: إني لغني, وإني لذو حيلة, فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأدركه الموت بالتنعيم, فنزلت هذه الاَية {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت} الاَية.
وقال الطبراني: حدثنا الحسن بن عروبة البصري, حدثنا حيوة بن شريح الحمصي حدثنا بقية بن الوليد, حدثنا ابن ثوبان عن أبيه, حدثنا مكحول عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري, أنبأنا أبو مالك, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قال: من انتدب خارجاً في سبيلي غازياً ابتغاء وجهي, وتصديق وعدي, وإيماناً برسلي فهو في ضمان على الله, إما أن يتوفاه بالجيش فيدخله الجنة, وإما أن يرجع في ضمان الله, وإن طالب عبداً فنغصه حتى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر, أو غنيمة, ونال من فضل الله فمات, أو قتل, أو رفصته فرسه, أو بعيره, أو لدغته هامة, أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله, فهو شهيد». وروى أبو داود من حديث بقية من فضل الله إلى آخره, وزاد بعد قوله: فهو شهيد, وإن له الجنة. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن زياد سبَلان, حدثنا أبو معاوية, حدثنا محمد بن إسحاق عن حميد بن أبي حميد, عن عطاء بن يزيد الليثي, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج حاجاً فمات, كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة, ومن خرج معتمراً فمات, كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة, ومن خرج غازياً في سبيل الله فمات, كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة». وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
** وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مّبِيناً
يقول تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض} أي سافرتم في البلاد, كما قال تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} الاَية. وقوله: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} أي تخففوا فيها إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية كما فهمه الجمهور من هذه الاَية, واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك, فمن قائل: لا بد أن يكون سفر طاعة من جهاد, أو حج, أو عمرة, أو طلب علم, أو زيارة, وغير ذلك, كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه, لظاهر قوله: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}, ومن قائل: لا يشترط سفر القربة, بل لا بد أن يكون مباحاً, لقوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم} الاَية, كما أباح له تناول الميتة مع الاضطرار بشرط أن لا يكون عاصياً بسفره, وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة, وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا وكيع, عن الأعمش, عن إبراهيم, قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله, إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين, فأمره أن يصلي ركعتين, وهذا مرسل, ومن قائل: يكفي مطلق السفر سواء كان مباحاً أو محظوراً حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل ترخص لوجود مطلق السفر, وهذا قول أبي حنيفة والثوري وداود لعموم الاَية وخالفهم الجمهور.
وأما قوله تعالى: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الاَية, فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة, بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام, أو في سرية خاصة. وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله, والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له, كقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً}, وكقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم} الاَية, وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس, حدثنا ابن جريج عن ابن أبي عمار, عن عبد الله بن بابيه, عن يعلى بن أمية, قالت: سألت عمر بن الخطاب قلت له: قوله: {وليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} وقد أمن الناس ؟ فقال لي عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه, فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك, فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته». وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث ابن جريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن صحيح من حديث عمر, ولا يحفظ إلا من هذا الوجه ورجاله معروفون. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو نعيم, حدثنا مالك بن مغول عن أبي حنظلة الحذاء, قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر, فقال: ركعتان, فقلت: أين قوله: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ونحن آمنون ؟ فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى, حدثنا علي بن محمد بن سعيد: حدثنا منجاب, حدثنا شريك عن قيس بن وهب, عن أبي الوداك, قال: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر فقال: هي رخصة نزلت من السماء, فإن شئتم فردوها. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا ابن عون عن ابن سيرين, عن ابن عباس, قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف بينهما ركعتين ركعتين. وهكذا رواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى, عن خالد الحذاء, عن عبد الله بن عون به. قال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب وهشام ويزيد بن إبراهيم التستري عن محمد بن سيرين, عن ابن عباس رضي الله عنهما, عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله قلت وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن قتيبة, عن هشيم, عن منصور, عن زاذان, عن محمد بن سيرين, عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين, فصلى ركعتين, ثم قال الترمذي: صحيح, وقال البخاري: حدثنا أبو معمر, حدثنا عبد الوارث, حدثنا يحيى بن أبي إسحاق, قال: سمعت أنساً يقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة, قلت أقمتم بمكة شيئاً ؟ قال: أقمنا بها عشراً.
وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا سفيان عن أبي إسحاق, عن حارثة بن وهب الخزاعي, قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس, وآمنه ركعيتن. ورواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عنه به, ولفظ البخاري: حدثنا أبو الوليد, حدثنا شعبة, أنبأنا أبو إسحاق, سمعت حارثة بن وهب, قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين, وقال البخاري: حدثنا مسدد, حدثنا يحيى, حدثنا عبيد الله, أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر, قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين, وأبي بكر وعمر وعثمان صدراً من إمارته, ثم أتمها, وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به. وقال البخاري: حدثنا قتيبة, حدثنا عبد الواحد عن الأعمش, حدثنا إبراهيم سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات, فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فاسترجع, ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين, وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين, فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان. ورواه البخاري أيضاً من حديث الثوري عن الأعمش به وأخرجه مسلم من طرق عنه منها عن قتيبة كما تقدم.
فهذه الأحاديث دالة صريحاً على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف, ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر ههنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية, وهو قول مجاهد والضحاك والسدي كما سيأتي بيانه, واعتضدوا أيضاً بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان, عن عروة بن الزبير, عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر, فأقرت صلاة السفر, وزيدت في صلاة الحضر, وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي, ومسلم عن يحيى بن يحيى, وأبو داود عن القعنبي, والنسائي عن قتيبة, أربعتهم عن مالك به, قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين, فكيف يكون المراد بالقصر ههنا قصر الكمية, لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} وأصرح من ذلك دلالة على هذا ما رواه الإمام أحمد: حدثنا وكيع وسفيان وعبد الرحمن عن زبيد اليامي, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن عمر رضي الله عنه, قال: صلاة السفر ركعتان, وصلاة الأضحى ركعتان, وصلاة الفطر ركعتان, وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر, على لسان محمد صلى الله عليه وسلم, وهكذا رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق عن زبيد اليامي به, وهذا إسناد على شرط مسلم.
وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى عن عمر, وقد جاء مصرحاً به في هذا الحديث وفي غيره, وهو الصواب إن شاء الله, وإن كان يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي قد قالوا, إنه لم يسمع منه, وعلى هذا أيضاً: فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي من طريق الثوري عن زبيد, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن الثقة, عن عمر, فذكره, وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد عن زبيد, عن عبد الرحمن, عن كعب بن عجرة, عن عمر, فالله أعلم. وقد روى مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري, زاد مسلم والنسائي: وأيوب بن عائد, كلاهما عن بكير بن الأخنس, عن مجاهد, عن عبد الله بن عباس, قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً, وفي السفر ركعتين, وفي الخوف ركعة, فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها فكذلك يصلى في السفر. ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد عن طاوس نفسه, فهذا ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما, ولا ينافي ما تقدم عن عائشة رضي الله عنها, لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان, ولكن زيد في صلاة الحضر, فلما استقر ذلك, صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع, كما قاله ابن عباس ـ والله أعلم ـ لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان, وأنها تامة غير مقصورة, كما هو مصرح به في حديث عمر رضي الله عنه, وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} قصر الكيفية كما في صلاة الخوف, ولهذا قال: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} الاَية, ولهذا قال بعدها: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} الاَية, فبين المقصود من القصر ههنا, وذكر صفته وكيفيته, ولهذا لما عقد البخاري كتاب صلاة الخوف صدره بقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} إلى قوله: {إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً}, وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه.
وقال أسباط عن السدي في قوله: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} الاَية, إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر, فهي تمام التقصير لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة فالتقصير ركعة. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان, والمشركون بضجنان, فتوافقوا, فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم, وسجودهم, وقيامهم معاً جميعاً فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم, روى ذلك ابن أبي حاتم, ورواه ابن جرير عن مجاهد والسدي وعن جابر وابن عمر, واختار ذلك أيضاً فإنه قال بعدما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, حدثنا ابن أبي فديك, حدثنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب, عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف, ولا نجد قصر صلاة المسافر, فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملاً عملنا به, فقد سمى صلاة الخوف مقصورة وحمل الاَية عليها لا على قصر صلاة المسافر, وأقره ابن عمر على ذلك, واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا بنص القرآن, وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضاً: حدثنا أحمد بن الوليد القرشي, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر, فقال: ركعتان تمام غير قصر, إنما القصر في صلاة المخافة, فقلت: وما صلاة المخافة ؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة, ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء, ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء, فيصلي بهم ركعة, فيكون للإمام ركعتان, ولكل طائفة ركعة ركعة. =======================================وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ مّعَكَ وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىَ لَمْ يُصَلّواْ فَلْيُصَلّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مّرْضَىَ أَن تَضَعُوَاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنّ اللّهَ أَعَدّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً
صلاة الخوف أنواع كثيرة, فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة, وتارة يكون في غير صوبها, والصلاة تارة تكون رباعية, وتارة تكون ثلاثية كالمغرب, وتارة تكون ثنائية كالصبح وصلاة السفر, ثم تارة يصلون جماعة, وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة, بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ورجالاً وركباناً, ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم, وبه قال أحمد بن حنبل. قال المنذري في الحواشي: وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد وإليه ذهب طاوس والضحاك, وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي: أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف, وإليه ذهب ابن حزم أيضاً. وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومىء بها إيماء, فإن لم تقدر فسجدة واحدة لأنها ذكر الله, وقال آخرون: تكفي تكبيرة واحدة, فلعله أراد ركعة واحدة. كما قاله الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه, وبه قال جابر بن عبدالله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدي, ورواه ابن جرير, ولكن الذي حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة, كما هو مذهب إسحاق ابن راهويه وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي حتى قال: فإن لم يقدر على التكبيرة فلا يتركها في نفسه يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عياش, عن شعيب بن دينار عنه, فالله أعلم.
ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة, كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب, ثم صلى بعدهما المغرب, ثم العشاء, وكما قال بعدها يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة, فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق, فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيل المسير, ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها, فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق, وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها في بني قريظة بعد الغروب, ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من الفريقين, وقد تكلمنا على هذا في كتاب السيرة وبينا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر, وإن كان الاَخرون معذروين أيضاً, والحجة ههنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة اليهود.
وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف, فإنها لم تكن نزلت بعد, فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك, وهذا بينٌ في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي رحمه الله وأهل السنن, ولكن يشكل عليه ما حكاه البخاري في صحيحه حيث قال:
(باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو) قال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة, صلوا إيماء كل امرىء لنفسه, فإن لم يقدروا على الإيماء, أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال, أو يأمنوا فيصلوا ركعتين, فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين, فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا, وبه قال مكحول. وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر, واشتد اشتعال القتال, فلم يقدروا على الصلاة, فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى, ففتح لنا, قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها انتهى ما ذكره, ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب, ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة, وكأنه كالمختار لذلك, والله أعلم.
ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنه يشتهر غالباً, ولكن كان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب, ولم ينقل أنه أنكر عليهم ولا أحد من الصحابة, والله أعلم, قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق لأن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول الجمهور علماء السير والمغازي, وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن الخياط وغيرهم. وقال البخاري وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق لحديث أبي موسى وما قدم إلا في خيبر, والله أعلم.
والعجب كل العجب أن المزني وأبا يوسف القاضي وإبراهيم بن إسماعيل بن علية, ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره عليه الصلاة والسلام, الصلاة يوم الخندق وهذا غريب جداً, وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف, وحمل تأخير الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب, والله أعلم. فقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} أي إذا صليت بهم إماماً في صلاة الخوف, وهذه حالة غير الأولى, فإن تلك قصرها إلى ركعة كما دل عليه الحديث ـ فرادى ورجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها, ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد, وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الاَية الكريمة حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة, فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك, وأما من استدل بهذه الاَية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: {وإذا كنت فيهم} فبعده تفوت هذه الصفة, فإنه استدلال ضعيف, ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده صلى الله عليه وسلم إلى أحد, بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه, وندفعها إلا إلى من صلاته أي دعاؤه سكن لنا, ومع هذا رد عليهم الصحابة, وأبوا عليهم هذا الاستدلال, وأجبروهم على أداء الزكاة وقتلوا من منعها منهم.
ولنذكر سبب نزول هذه الاَية الكريمة أولاً قبل ذكر صفتها. قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى, حدثني إسحاق, حدثنا عبدالله بن هاشم, أنبأنا سيف عن أبي روق, عن أبي أيوب, عن علي رضي الله عنه, قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله, إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي ؟ فأنزل الله عز وجل {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ثم انقطع الوحي, فلما كان بعد ذلك بحول, غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر, فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم ؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها, قال: فأنزل الله عز وجل بين الصلاتين {إن خفتم أن يفتنكم الذي كفروا} الاَيتين, فنزلت صلاة الخوف, وهذا سياق غريب جداً, ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت رضي الله عنه عند الإمام أحمد وأهل السنن, فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا الثوري عن منصور, عن مجاهد, عن أبي عياش الزرقي, قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان, فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد, وهم بيننا وبين القبلة, فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر, فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم, ثم قالوا: تأتي عليهم الاَن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم, قال: فنزل جبريل بهذه الاَيات بين الظهر والعصر {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} قال: فحضرت, فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح, قال: فصفنا خلفه صفين, قال: ثم ركع فركعنا جميعاً, ثم رفع فرفعنا جميعاً, ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والاَخرون قيام يحرسونهم, فلما سجدوا وقاموا, جلس الاَخرون فسجدوا في مكانهم, ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء, وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ثم ركع فركعوا جميعاً, ثم رفع فرفعوا جميعاً, ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه والاَخرون قيام يحرسونهم, فلما جلسوا جلس الاَخرون فسجدوا, ثم سلم عليهم, ثم انصرف, قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: مرة بعسفان, ومرة بأرض بني سليم.
ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن منصور به نحوه, وهكذا رواه أبو داود عن سعيد بن منصور, عن جرير بن عبد الحميد, والنسائي من حديث شعبة, وعبد العزيز بن عبد الصمد, كلهم عن منصور به, وهذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة, فمن ذلك ما رواه البخاري حيث قال: حدثنا حيوة بن شريح, حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي, عن الزهري, عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة, عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم وقام الناس معه, فكبر وكبروا معه, وركع وركع ناس منهم, ثم سجد وسجدوا معه, ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم, وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة, ولكن يحرس بعضهم بعضاً. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا معاذ بن هشام, حدثني أبي عن قتادة, عن سليمان بن قيس اليشكري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل أو أي يوم هو, فقال جابر: انطلقنا نتلقى عيراً لقريش آتية من الشام حتى إذا كنا بنخلة, جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد هل تخافني ؟ قال: «لا» قال فمن يمنعك مني ؟ قال: «الله يمنعني منك» قال: فسل السيف, ثم تهدده وأوعده, ثم نادى بالترحل وأخذ السلاح, ثم نودي بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم, فصلى بالذين يلونه ركعتين, ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم, فقاموا في مصاف أصحابهم, ثم جاء الاَخرون فصلى بهم ركعتين, والاَخرون يحرسونهم, ثم سلم فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات, وللقوم ركعتين ركعتين, فيومئذ أنزل الله في إقصار الصلاة وأمر المؤمنين بأخذ السلاح.
ورواه الإمام أحمد فقال: حدثنا سريج, حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر, عن سليمان بن قيس اليشكري, عن جابر بن عبد الله, قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة, فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف, فقال: من يمنعك مني ؟ قال: «الله», فسقط السيف من يده, فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «ومن يمنعك مني ؟» قال: كن خير آخذ. قال: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» ؟ قال: لا, ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك, فخلى سبيله, فأتى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس, فلما حضرت الصلاة, صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف, فكان الناس طائفتين: طائفة بإزاء العدو, وطائفة صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا, فكانوا مكان الطائفة الذين كانوا بإزاء العدو, ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين, فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات, وللقوم ركعتين ركعتين, تفرد به من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم, حدثنا المسعودي عن يزيد الفقير, قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما ؟ فقال: الركعتان في السفر تمام, إنما القصر واحدة عند القتال, بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال, إذ أقيمت الصلاة, فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصف طائفة, وطائفة وجهها قبل العدو, فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين, ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم ومكانهم نحو ذا, وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين, ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس وسلم, وسلم الذين خلفه, وسلم أولئك, فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين, وللقوم ركعة ركعة, ثم قرأ {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} الاَية.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن الحكم, عن يزيد الفقير, عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, صلى بهم صلاة الخوف, فقام صف بين يديه وصف خلفه, فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين, ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم, وجاء أولئك حتى قاموا في مقام هؤلاء, فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجدتين ثم سلم, فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتين, ولهم ركعة, ورواه النسائي من حديث شعبة, ولهذا الحديث طرق عن جابر, وهو في صحيح مسلم من وجه آخر بلفظ آخر, وقد رواه عن جابر جماعة كثيرون في الصحيح والسنن والمسانيد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا نعيم بن حماد, حدثنا عبدالله بن المبارك, أنبأنا معمر عن الزهري, عن سالم, عن أبيه, قال: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} قال: هي صلاة الخوف, صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة, والطائفة الأخرى مقبلة على العدو, وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى ثم سلم بهم, ثم قامت كل طائفة منهم فصلت ركعة ركعة, وهذا الحديث رواه الجماعة في كتبهم من طريق معمر به, ولهذا الحديث طرق كثيرة عن الجماعة من الصحابة, وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه, وكذا ابن جرير, ولنحرره في كتاب الأحكام الكبير, إن شاء الله وبه الثقة. وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الاَية, وهو أحد قولي الشافعي, ويدل عليه قول الله تعالى: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم} أي بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة {إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً}.
** فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مّوْقُوتاً * وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً
يأمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف وإن كان مشروعاً مرغباً فيه أيضاً بعد غيرها, ولكن ههنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها, ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب, وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها, كما قال تعالى في الأشهر الحرم: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} وإن كان هذا منهياً عنه في غيرها, ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمتها, ولهذا قال تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم} أي في سائر أحوالكم, ثم قال تعالى: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} أي فإذا أمنتم وذهب الخوف, وحصلت الطمأنينة {فأقيموا الصلاة} أي فأتموها وأقيموها كما أمرتم بحدودها, وخشوعها, وركوعها, وسجودها, وجميع شؤونها.
وقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} قال ابن عباس: أي مفروضاً, وقال أيضاً: إن للصلاة وقتاً كوقت الحج, وكذا روي عن مجاهد وسالم بن عبد الله وعلي بن الحسين ومحمد بن علي والحسن ومقاتل والسدي وعطية العوفي. قال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} قال: ابن مسعود: إن للصلاة وقتاً كوقت الحج وقال زيد بن أسلم {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} قال: منجماً كلما مضى نجم جاء نجم, يعني كلما مضى وقت جاء وقت.
وقوله تعالى: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم} أي لا تضعفوا في طلب عدوكم, بل جدوا فيهم وقاتلوهم, واقعدوا لهم كل مرصد {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون} أي كما يصيبكم الجراح والقتل كذلك يحصل لهم, كما قال تعالى: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله}, ثم قال تعالى: {وترجون من الله مالا يرجون} أي أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم, وإياهم من الجراح والاَلام, ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهو وعد حق, وخبر صدق, وهم لا يرجون شيئاً من ذلك, فأنتم أولى بالجهاد منهم وأشد رغبة فيه, وفي إقامة كلمة الله وإعلائها, {وكان الله عليماً حكيماً} أي هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه من أحكامه الكونية والشرعية وهو المحمود على كل حال. ====================إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ خَوّاناً أَثِيماً * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىَ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً * هَا أَنْتُمْ هَـَؤُلآءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً
يقول تعالى: مخاطباً لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي هو حق من الله, وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه, وقوله: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى الله عليه وسلم له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الاَية, وبما ثبت في الصحيحين من رواة هشام بن عروة, عن أبيه, عن زينب بنت أم سلمة, عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, سمع جلبة خصم بباب حجرته, فخرج إليهم فقال: «ألا إنما أنا بشر وإنما أقضي بنحو مما أسمع, ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها» وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع, عن أم سلمة, قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست, ليس عندهما بينة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر, ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض, وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع, فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه, فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاماً في عنقه يوم القيامة» فبكى الرجلان, وقال كل منهما: حقي لأخي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما, ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما, ثم ليحلل كل منكما صاحبه» وقد رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد به, وزاد «إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه».
وقد روى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس: أن نفراً من الأنصار غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته, فسرقت درع لأحدهم, فأظن بها رجل من الأنصار, فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي, فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء, وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده, فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلاً فقالوا: يا نبي الله إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان, وقد أحطنا بذلك علماً, فأعذر صاحبنا على رؤوس الناس, وجادل عنه, فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك, فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبرأه وعذره على رؤوس الناس, فأنزل الله {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً * واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} الاَية.
ثم قال تعالى: للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} الاَيتين, يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين, ثم قال عز وجل: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} الاَية, يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب ثم قال: {ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً} يعني السارق والذين جادلوا عن السارق, وهذا سياق غريب, وكذا ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الاَية: إنها نزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة.
وقد روى هذه القصة محمد بن إسحاق مطولة, فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الاَية من جامعه, وابن جرير في تفسيره: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني, حدثنا محمد بن سلمة الحراني, حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة, عن أبيه, عن جده قتادة بن النعمان رضي الله عنه, قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر, وكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ينحله لبعض العرب, ثم يقول: قال فلان كذا وكذاو وقال فلان كذا وكذا, فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث أو كما قال الرجل, وقالوا ابن الأبيرق: قالها, قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام, وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير, وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه, وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير, فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في مشربة له, وفي المشربة سلاح ودرع وسيف, فعدي عليه من تحت البيت, فنقبت المشربة, وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي, إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه, فنقبت مشربتنا, فذهب بطعامنا وسلاحنا, قال: فتحسسنا في الدار وسألنا, فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم, قال: وكان بنو أبيرق قالوا ـ ونحن نسأل في الدار ـ: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً منا له صلاح وإسلام, فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق ؟! والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة, قالوا: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها, فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها, فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له, قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له, وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا, فأما الطعام, فلا حاجة لنا فيه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سآمر في ذلك», فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عمرو فكلموه في ذلك, فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يارسول الله, إن قتادة بن النعمان وعمه, عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت, قال قتادة: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكلمته, فقال: «عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح, ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت, قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك, فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: الله المستعان, فلم نلبث أن نزل القرآن {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً} يعني بني أبيرق, {واستغفر الله} أي مما قلت لقتادة {إن الله كان غفوراً رحيماً, ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} ـ إلى قوله ـ {رحيماً} أي لو استغفروا الله لغفر لهم {ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه ـ إلى قوله ـ إثماً مبيناً} قولهم للبيد {ولولا فضل الله عليك ورحمته ـ إلى قوله ـ فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة, فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عسى أو عشي ـ الشك من أبي عيسى ـ في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولاً لما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله, فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً, فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين, فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية, فأنزل الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً, إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً} فلما نزل على سلافة بنت سعد, هجاها حسان بن ثابت بأبيات من شعر فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به, فرمته في الأبطح, ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير, لفظ الترمذي ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب, لا نعلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة الحراني.
ورواه يونس بن بكير وغير واحد عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلاً لم يذكروا فيه عن أبيه عن جده, ورواه ابن أبي حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني عن محمد بن سلمة به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن إسماعيل يعني الصائغ, حدثنا الحسن بن أحمد بن شعيب الحراني, حدثنا محمد بن سلمة, فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن عياش بن أيوب والحسن بن يعقوب, كلاهما عن الحسن بن أحمد
ابن أبي شعيب الحراني عن محمد بن سلمة به, ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إسرائيل, وقد روى هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه المستدرك عن ابن عباس الأصم, عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي, عن يونس بن بكير, عن محمد بن إسحاق بمعناه أتم منه وفيه الشعر, ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه.
وقوله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} الاَية, هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم, ويجاهرون الله بها, لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم, ولهذا قال: {وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً} تهديد لهم ووعيد. ثم قال تعالى: {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا} الاَية, أي هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدي لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر وهم متعبدون بذلك, فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى ؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ يوم القيامة في ترويج دعواهم ؟ أي لا أحد يومئذ يكون لهم وكيلاً, ولهذا قال: {أم من يكون عليهم وكيلاً}.
** وَمَن يَعْمَلْ سُوَءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رّحِيماً * وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىَ نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَئَةً أَوْ إِثْماً ثُمّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمّتْ طّآئِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلّوكَ وَمَا يُضِلّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
يخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه, تاب عليه من أي ذنب كان. فقال تعالى: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس أنه قال في هذه الاَية: أخبر الله عباده بعفوه وحلمه وكرمه, وسعة رحمته, ومغفرته فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً {ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال, رواه ابن جرير, وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن مثنى, حدثنا محمد بن أبي عدي, حدثنا شعبة عن عاصم عن أبي وائل, قال: قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه, وإذا أصاب البول منه شيئاً قرضه بالمقراض فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيراً, فقال عبد الله رضي الله عنه: ما آتاكم الله خير مما آتاهم, جعل الماء لكم طهوراً, وقال تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}, وقال: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً}, وقال أيضاً: حدثني يعقوب, حدثنا هشيم عن ابن عون, عن حبيب بن أبي ثابت, قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل فسألته عن امرأة فجرت فحبلت, فلما ولدت قتلت ولدها, قال عبد الله بن مغفل: لها النار, فانصرفت وهي تبكي فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} قال: فمسحت عينها ثم مضت.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا شعبة عن عثمان بن المغيرة, قال: سمعت علي بن ربيعة من بني أسد يحدث عن أسماء أو ابن أسماء من بني فزارة, قال: قال علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني أبو بكر ـ وصدق أبو بكر ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يذنب ذنباً, ثم يتوضأ ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذلك الذنب, إلا غفر له» وقرأ هاتين الاَيتين {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} الاَية, {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم}, الاَية. وقد تكلمنا على هذا الحديث وعزيناه إلى من رواه من أصحاب السنن, وذكرنا ما في سنده من مقال في مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه, وقد تقدم بعض ذلك في سورة آل عمران أيضاً.
وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من وجه آخر عن علي فقال: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد, حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحراني, حدثنا دواد بن مهران الدباغ حدثنا عمر بن يزيد عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي, قال: سمعت أبا بكر ـ هو الصديق ـ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد أذنب فقام فتوضأ فأحسن الوضوء, ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه, إلا كان حقاً على الله أن يغفر له» لأن الله يقول: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} الاَية, ثم رواه من طريق أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق السبيعي, عن الحارث, عن علي, عن الصديق, بنحوه, وهذا إسناد لا يصح. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم, حدثنا أحمد بن حازم, حدثنا موسى بن مروان الرقي حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن تمام بن نجيح حدثني كعب بن ذهل الأزدي قال: سمعت أبا الدرداء يحدث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلسنا حوله, وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع, ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما عليه, وأنه قام فترك نعليه, قال أبو الدرداء: فأخذ ركوة من ماء فاتبعته فمضى ساعة ثم رجع ولم يقض حاجته, فقال: «إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه {من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} فأردت أن أبشر أصحابي».
قال أبو الدرداء: وكانت قد شقت على الناس الاَية التي قبلها {ومن يعمل سوءاً يجز به} فقلت: يا رسول الله, وإن زنى وإن سرق, ثم استغفر ربه غفز له ؟ قال «نعم». ثم قلت الثانية, قال «نعم». قلت الثالثة, قال «نعم» وإن زنى وإن سرق ثم استغفر الله, غفر الله له على رغم أنف أبي الدرداء». قال: فرأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه بأصبعه, هذا حديث غريب جداً من هذا الوجه بهذا السياق, وفي إسناده ضعف.
وقوله: {ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه} الاَية, كقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} الاَية, يعني أنه لا يغني أحد عن أحد, وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها, ولهذا قال تعالى: {وكان الله عليماً حكيماً} أي من علمه وحكمته, وعدله ورحمته كان ذلك, ثم قال: {ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً} الاَية, يعني كما اتهم بنو أبيرق بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح وهو لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث أو زيد بن السمين اليهودي على ما قاله الاَخرون, وقد كان بريئاً وهم الظلمة الخونة, كما أطلع الله على ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم, ثم هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم فارتكب مثل خطيئتهم, فعليه مثل عقوبتهم.
وقوله: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء} وقال الإمام ابن أبي حاتم: أنبأنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إلي, حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق, عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري, عن أبيه, عن جده قتادة بن النعمان, وذكر قصة بني أبيرق, فأنزل الله {لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء} يعني أسيد بن عروة وأصحابه, يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء, ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال, وعصمته له, وما أنزل عليه من الكتاب وهو القرآن والحكمة, وهي السنة {وعلمك مالم تكن تعلم} أي قبل نزول ذلك عليك, كقوله: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ماكنت تدري ما الكتاب} إلى آخر السورة, وقال تعالى: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} ولهذا قال: {وكان فضل الله عليك عظيماً}. ==================================== لاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً * وَمَن يُشَاقِقِ الرّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ الْهُدَىَ وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلّىَ وَنُصْلِهِ جَهَنّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً
يقول تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم} يعني كلام الناس {إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} أي إلا نجوى من قال ذلك, كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم, حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث, حدثنا محمد بن يزيد بن حنيس, قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده, فدخل علينا سعيد بن حسان المخزومي , فقال له سفيان الثوري: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح, ردّده علي, فقال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ذكر الله عز وجل, أو أمر بمعروف, أو نهي عن منكر» فقال سفيان: أو ما سمعت الله في كتابه يقول: {لاخير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} ؟ فهو هذا بعينه, أو ما سمعت الله يقول: {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} فهو هذا بعينه, أو ما سمعت الله يقول في كتابه: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} الخ ؟ فهو هذا بعينه, وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خُنَيس عن سعيد بن حسان به, ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخرها, ثم قال الترمذي: حديث غريب, لا يعرف إلا من حديث ابن خُنَيس.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب, حدثنا أبي, حدثنا صالح بن كيسان, حدثنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً, أو يقول خيراً», وقالت لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب والإصلاح بين الناس, وحديث الرجل امرأته, وحديث المرأة زوجها, قال: وكانت أم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد رواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن الزهري به نحوه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن عمرو بن مُرة, عن سالم بن أبي الجعد, عن أم الدرداء, عن أبي الدرداء, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام, والصلاة, والصدقة ؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين», قال: «وفساد ذات البين هي الحالقة». ورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي معاوية, وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم, حدثنا سريج بن يونس, حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر حدثنا أبي عن حميد, عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب «ألا أدلك على تجارة ؟» قال: بلى يا رسول الله. قال «تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا, وتقارب بينهم إذا تباعدوا» ثم قال البزار وعبد الرحمن بن عبد الله العمري: لين, وقد حدث بأحاديث لم يتابع عليها, ولهذا قال: {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله} أي مخلصاً في ذلك محتسباً ثواب ذلك عند الله عز وجل, {فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} أي ثواباً جزيلاً كثيراً واسعاً.) وقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} أي ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم, فصار في شق, والشرع في شق, وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له.
وقوله: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} هذا ملازم للصفة الأولى, ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع, وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقاً, فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفاً لهم وتعظيماً لنبيهم, وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك, قد ذكرنا منها طرفاً صالحاً في كتاب أحاديث الأصول, ومن العلماء من ادعى تواتر معناها, والذي عول عليه الشافعي رحمه الله في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الاَية الكريمة بعد التروي والفكر الطويل, وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها, وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك, ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: {نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} أي إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجاً له, كما قال تعالى: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}, وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}, وقوله: {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وجعل النار مصيره في الاَخرة, لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة, كما قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} الاَية, وقال تعالى: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً}.
** إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً * إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطَاناً مّرِيداً * لّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لأتّخِذَنّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مّفْرُوضاً * وَلاُضِلّنّهُمْ وَلاُمَنّيَنّهُمْ وَلأمُرَنّهُمْ فَلَيُبَتّكُنّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلأَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتّخِذِ الشّيْطَانَ وَلِيّاً مّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مّبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشّيْطَانُ إِلاّ غُرُوراً * أُوْلَـَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً * وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً
قد تقدم الكلام على هذه الاَية الكريمة, وهي قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك} الاَية, وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة, وقد روى الترمذي: حديث ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة عن أبيه, عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الاَية {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الاَية, ثم قال: هذا حسن غريب. وقوله: {ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً} أي فقد سلك غير الطريق الحق, وضل عن الهدى وبعد عن الصواب, وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والاَخرة, وفاتته سعادة الدنيا والاَخرة.
وقوله: {إن يدعون من دونه إلا إناثاً} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا محمود بن غيلان, أنبأنا الفضل بن موسى, أخبرنا الحسن بن واقد عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, عن أبي بن كعب قال: مع كل صنم جنية, وحدثنا أبي, حدثنا محمد بن سلمة الباهلي عن عبد العزيز بن محمد, عن هشام يعني ابن عروة, عن أبيه, عن عائشة {إن يدعون من دونه إلا إناثاً} قالت: أوثاناً. وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومجاهد وأبي مالك والسدي ومقاتل بن حيان, نحو ذلك. وقال جويبر عن الضحاك في الاَية, قال المشركون إن الملائكة بنات الله, وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى, قال: فاتخذوهن أرباباً, وصوروهن جواري فحكموا وقلدوا, وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده, يعنون الملائكة, وهذا التفسير شبيه بقول الله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى} الاَيات, وقال تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً} الاَية, وقال: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} الاَيتين وقال علي بن أبي طلحة والضحاك عن ابن عباس {إن يدعون من دونه إلا إناثاً} قال: يعني موتى. وقال مبارك, يعني ابن فضالة, عن الحسن: إن يدعون من دونه إلا إناثاً. قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح, إما خشبة يابسة وإما حجر يابس. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير, وهو غريب.
وقوله: {وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً} أي هو الذي أمرهم بذلك وحسنه وزينه لهم, وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر, كما قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان} الاَية. وقال تعالى إخباراً عن الملائكة أنهم يقولون يوم القيامة عن المشركين الذين ادعوا عبادتهم في الدنيا {بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون}.
وقوله: {لعنه الله} أي طرده وأبعده من رحمته, وأخرجه من جواره, وقال: {لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً} أي معيناً مقدراً معلوماً. قال مقاتل بن حيان: من كل ألف, تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار, وواحد إلى الجنة, {ولأضلنهم} أي عن الحق, {ولأمنينهم} أي أزين لهم ترك التوبة, وأعدهم الأماني, وآمرهم بالتسويف والتأخير, وأغرهم من أنفسهم, وقوله: {ولاَمرنهم فليبتكن آذان الأنعام}. قال قتادة والسدي وغيرهما: يعني تشقيقها وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة, {ولاَمرنهم فليغيرن خلق الله}, قال ابن عباس: يعني بذلك خصي الدواب, وقد روي عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض وقتادة وأبي صالح والثوري, وقد ورد في حديث النهي عن ذلك, وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: يعني بذلك الوشم, وفي صحيح مسلم, النهي عن الوشم في الوجه, وفي لفظ: لعن الله من فعل ذلك, وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات, والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز وجل, ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله عز وجل, يعني قوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}. وقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الخراساني في قوله: {ولاَمرنهم فليغيرن خلق الله} يعني دين الله عز وجل, هذا كقوله: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} على قول من جعل ذلك أمراً, أي لا تبدلوا فطرة الله ودعوا الناس على فطرتهم, كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه, أو ينصرانه, أو يمجسانه, كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تجدون بها من جدعاء» وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء, فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم, وحرمت عليهم ما أحللت لهم».
ثم قال تعالى: {ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً} أي فقد خسر الدنيا والاَخرة, وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها. وقوله تعالى: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً} وهذا إخبار عن الواقع, فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدينا والاَخرة, وقد كذب وافترى في ذلك, ولهذا قال الله تعالى: {وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}, كما قال تعالى مخبراً عن إبليس يوم المعاد {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان ـ إلى قوله ـ وإن الظالمين لهم عذاب أليم}.
وقوله: {أولئك} أي المستحسنون له فيما وعدهم ومناهم {مأواهم جهنم} أي مصيرهم ومآلهم يوم القيامة {ولا يجدون عنها محيصاً} أي ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف, ولا خلاص, ولا مناص, ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء ومالهم في مآلهم من الكرامة التامة, فقال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصاحات} أي صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات, وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات {سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي يصرفونها حيث شاؤوا وأين شاؤوا {خالدين فيها أبداً} أي بلا زوال ولا انتقال {وعد الله حقاً} أي هذا وعد من الله, ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة, ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر, وهو قوله حقاً, ثم قال تعالى: {ومن أصدق من الله قيلاً} أي لا أحد أصدق منه قولاً, أي خبراً لا إله هو ولا رب سواه, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: «إن أصدق الحديث كلام الله, وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار======================= لّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً * وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتّبَعَ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً * وَللّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ مّحِيطاً
قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا, فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم, وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين, وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله, فأنزل الله {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به} {ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن} الاَية, ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الاَديان, وكذا روي عن السدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم, وكذا روى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في هذه الاَية: تخاصم أهل الأديان, فقال أهل التوارة: كتابنا خير الكتب, ونبينا خير الأنبياء, وقال أهل الإنجيل مثل ذلك, وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام, وكتابنا نسخ كل كتاب, ونبينا خاتم النبيين, وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا فقضى الله بينهم, وقال: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به} الاَية.
وخير بين الأديان فقال: {ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه الله وهو محسن} إلى قوله: {واتخذ الله إبراهيم خليلاً}. وقال مجاهد: قالت العرب: لن نبعث ولن نعذب, وقالت اليهود والنصارى {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}, وقالوا: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات} والمعنى في هذه الاَية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني, ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال, وليس كل من ادعى شيئاً حصل له بمجرد دعواه, ولا كل من قال إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك, حتى يكون له من الله برهان, ولهذا قال تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به} أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني ؟ بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام, ولهذا قال بعده {من يعمل سوءاً بجز به}, كقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره, ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} وقد روي أن هذه الاَية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير, حدثنا إسماعيل عن أبي بكر بن أبي زهير, قال: أخبرت أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله كيف الفلاح بعد هذه الاَية {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به} فكل سوء عملناه جزينا به ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك يا أبا بكر, ألست تمرض, ألست تنصب, ألست تحزن, ألست تصيبك اللأواء ؟» قال: بلى. قال: «فهو مما تجزون به». ورواه سعيد بن منصور عن خلف بن خليفة, عن إسماعيل بن أبي خالد به, ورواه الحاكم من طريق سفيان الثوري عن إسماعيل به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن زياد الجصاص, عن علي بن زيد, عن مجاهد, عن ابن عمر, قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا» وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن هشيم بن جهيمة, حدثنا يحيى بن أبي طالب, حدثنا عبد الوهاب بن عطاء, حدثنا زياد الجصاص عن علي بن زيد, عن مجاهد, قال: قال عبد الله بن عمر: انظروا المكان الذي فيه عبد الله بن الزبير مصلوباً فلا تمرن عليه, قال: فسها الغلام فإذا عبد الله بن عمر ينظر إلى ابن الزبير فقال: يغفر الله لك ثلاثاً, أما والله ما علمتك إلا صوّاماً قواماً وصالاً للرحم, أما والله إني لأرجو مع مساوي ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها, قال: ثم التفت إلي فقال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يعمل سوءاً في الدنيا يجز به» ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن الفضل بن سهل, عن عبد الوهاب بن عطاء به مختصراً, وقال في مسنده ابن الزبير: حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي, حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان, حدثني أبي عن جدي حيان بن بسطام, قال: كنت مع ابن عمر فمر بعبد الله بن الزبير وهو مصلوب, فقال: رحمة الله عليك أبا خُبيب, سمعت أباك يعني الزبير, يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا والاَخرة» ثم قال: لا نعلمه يروى عن الزبير إلا من هذا الوجه.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل, حدثنا محمد بن سعد العوفي, حدثنا روح بن عبادة, حدثنا موسى بن عبيدة, حدثني مولى بن سباع, قال: سمعت ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاَية {ومن يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي ؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: فاقرأنيها فلا أعلم إلا أني قد وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مالك يا أبا بكر ؟» قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله, وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون, فإنكم تجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب, وأما الاَخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة», وكذا رواه الترمذي عن يحيى بن موسى وعبد بن حميد عن روح بن عبادة به. ثم قال: وموسى بن عبيدة يضعف, ومولى بن سباع مجهول. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: لما نزلت هذه الاية قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هي المصيبات في الدنيا».
(طريق أخرى عن الصديق) قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري, حدثنا محمد بن عامر السعدي, حدثنا يحيى بن يحيى, حدثنا فضيل بن عياض عن سلمان بن مهران, عن مسلم بن صبيح, عن مسروق, قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله, ما أشد هذه الاَية {من يعمل سوءاً يجز به ؟} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المصائب والأمراض والأحزان في الدينا جزاء».
(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني عبد الله بن أبي زياد وأحمد بن منصور, قالا: أنبأنا زيد بن الحباب, حدثنا عبد الملك بن الحسن المحاربي, حدثنا محمد بن زيد بن قنفذ عن عائشة, عن أبي بكر قال: لما نزلت {من يعمل سوءاً يجز به} قال أبو بكر: يا رسول الله, كل ما نعمل نؤاخذ به ؟ فقال: «يا أبا بكر أليس يصيبك كذا وكذا, فهو كفارة».
(حديث آخر) قال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الله بن وهب, أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه أن يزيد بن أبي يزيد حدثه عن عبيد بن عمير, عن عائشة أن رجلاً تلا هذه الاَية {من يعمل سوءاً يجز به} فقال: إنا لنجزى بكل ما علمناه, هلكنا إذاً, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «نعم يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه في جسده فيما يؤذيه».
(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا سلمة بن بشير, حدثنا هشيم عن أبي عامر, عن ابن أبي مليكة, عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله, إني لأعلم أشد آية في القرآن, فقال: «ما هي يا عائشة ؟» قلت: من يعمل سوءاً يجز به, فقال: «هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النكبة ينكبها» ورواه ابن جرير من حديث هشيم به. ورواه أبو داود من حديث أبي عامر صالح بن رستم الخزاز به.
(طريق أخرى) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد, عن أمية أنها سألت عائشة عن هذه الاَية {من يعمل سوءاً يجز به}, فقالت: ما سألني أحد عن هذه الاَية منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «يا عائشة هذه مبايعة الله للعبد مما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتى البضاعة يضعها في كمه, فيفزع لها, فيجدها في جيبه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه, كما أن الذهب يخرج من الكير».
(طريق أخرى) قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا أبو القاسم, حدثنا سريج بن يونس, حدثنا أبو معاوية عن محمد بن إسماعيل, عن محمد بن زيد بن المهاجر, عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الاَية {من يعمل سوءاً يجز به}, قال: «إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى في القبض عند الموت» وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين عن زائدة, عن ليث, عن مجاهد, عن عائشة قالت: قال: رسول الله: إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها, ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه.
(حديث آخر) قال سعيد بن منصور, عن سفيان بن عيينة, عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن, سمع محمد بن قيس بن مخرمة يخبر أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت {من يعمل سوءاً يجز به} شق ذلك على المسلمين, فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا, فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها», هكذا رواه أحمد عن سفيان بن عيينة, ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به, ورواه ابن مردويه من حديث روح ومعتمر, كلاهما عن إبراهيم بن يزيد, عن عبد الله بن إبراهيم, سمعت أبا هريرة يقول: لما نزلت هذه الاَية {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به} بكينا وحزنا, وقلنا: يارسول الله ما أبقت هذه الاَية من شيء, قال: «أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت, ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا, فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلا كفر الله بها من خطيئته حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه» وقال عطاء بن يسار, عن أبي سعيد وأبي هريرة: أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله من سيئاته» أخرجاه.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن سعد بن إسحاق, حدثتني زينب بنت كعب بن عجرة عن أبي سعيد الخدري, قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا, ما لنا بها ؟ قال: كفارات. قال أبي: وإن قلت قال: حتى الشوكة فما فوقها, قال: فدعا أبي على نفسه أنه لا يفارقه الوعك حتى يموت في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة, فما مسه إنسان إلا وجد حره حتى مات رضي الله عنه, تفرد به أحمد.
(حديث أخر) روى ابن مردويه من طريق حسين بن واقد عن الكلبي, عن أبي صالح, عن ابن عباس, قال: قيل: يا رسول الله {من يعمل سوءاً يجز به}, قال: «نعم ومن يعمل حسنة يجز بها عشراً» فهلك من غلب واحدته عشراته. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع, حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن {من يعمل سوءاً يجز به} قال: الكافر, ثم قرأ {وهل نجازي إلا الكفور}, وهكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما فسرا السوء ههنا بالشرك أيضاً. وقوله: {ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: إلا أن يتوب فيتوب الله عليه, رواه ابن أبي حاتم, والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث, وهذا اختيار ابن جرير, والله أعلم.
وقوله: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} الاَية, لما ذكر الجزاء على السيئات وأنه لا بد أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا وهو الأجود له, وإما في الاَخرة والعياذ با لله من ذلك, ونسأله العافية في الدنيا والاَخرة, والصفح والعفو والمسامحة, شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده, ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان, وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير, وهو النقرة التي في ظهر نواة التمرة وقد تقدم الكلام على الفتيل وهو الخيط في شق النواة, وهذا النقير وهما في نواة التمرة, وكذا القطمير وهواللفافة التي على نواة التمرة, والثلاثة في القرآن,
ثم قال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله} أخلص العمل لربه عز وجل فعمل إيماناً واحتساباً, {وهو محسن} أي اتبع في عمله ما شرعه الله له, وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق,, وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما, أي يكون خالصاً صواباً والخالص أن يكون لله, والصواب أن يكون متابعاً للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة, وباطنه بالإخلاص, فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد, فمتى فقد الإخلاص كان منافقاً وهم الذين يراءون الناس, ومن فقد المتابعة كان ضالاً جاهلاً, ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم, الاَية, ولهذا قال تعالى: {واتبع ملة إبراهيم حنيفاً} وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي} الاَية, وقال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} والحنيف هو المائل عن الشرك قصداً, أي تاركاً له عن بصيرة, ومقبل على الحق بكليته لا يصده عنه صاد, ولا يرده عنه راد.
وقوله: {واتخذ الله إبراهيم خليلاً} وهذا من باب الترغيب في اتباعه, لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له, فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة, وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه, كما وصفه به في قوله: {وإبراهيم الذي وفى}, قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أمر به في كل مقام من مقامات العبادة, فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير, ولا كبير عن صغير وقال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} الاَية. وقال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين} الاَية, والاَية بعدها, وقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت, عن سعيد بن جبير, عن عمرو بن ميمون, قال: إن معاذاً لما قدم اليمن صلى بهم الصبح, فقرأ {واتخذ الله إبراهيم خليلا} فقال رجل: من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم, وقد ذكر ابن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما سماه الله خليلاً من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب, فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل, وقال بعضهم من أهل مصر: ليمتار طعاماً لأهله من قبله فلم يصب عنده حاجته, فلما قرب من أهله قرّ بمفازة ذات رمل, فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة, وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون, ففعل ذلك فتحول ما في الغرائر من الرمل دقيقاً, فلما صار إلى منزله نام, و قام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقاً فعجنوا منه وخبزوا, فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي خبزوا, فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك, فقال: نعم هو من عند خليلي الله, فسماه الله خليلاً, وفي صحة هذا ووقوعه نظر, وغايته أن يكون خبراً إسرائيلياً لا يصدق ولا يكذب, وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه عز وجل, له لما قام به من الطاعة التي يحبها ويرضاها, ولهذا ثبت في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطبهم في آخر خطبة خطبها, قال: «أما بعد, أيها الناس فلو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً, لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلاً, ولكن صاحبكم خليل الله» وجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود عن النبي قال: «إن الله اتخذني خليلاً, كما اتخذ إبراهيم خليلاً» وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم, حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد, حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة, حدثنا عبد الله الحنفي, حدثنا زمعة أبو صالح عن سلمة بن وهران, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله ينتظرونه, فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم, وإذا بعضهم يقول: عجب, إن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله, وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليماً, وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته, وقال آخر: آدم اصطفاه الله فخرج عليهم فسلم, وقال: «قد سمعت كلامكم وتعجبكم إن إبراهيم خليل الله, وهو كذلك, وموسى كليمه, وعيسى روحه وكلمته, وآدم اصطفاه الله وهو كذلك, وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم قال: ألا وإني حبيب الله, ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع, ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح الله ويدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين, ولا فخر, وأنا أكرم الأولين والاَخرين يوم القيامة ولا فخر» وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها,
وقال قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون من أن تكون الخلة لإبراهيم, والكلام لموسى, والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, رواه الحاكم في المستدرك, وقال: صحيح على شرط البخاري, ولم يخرجاه, وكذا روي عن أنس بن مالك وغير واحد من الصحابة والتابعين والأئمة من السلف والخلف وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني, حدثنا محمد يعني سعيد بن سابق, حدثنا عمرو يعني ابن أبي قيس عن عاصم عن أبي راشد, عن عبيد بن عمير, قال: كان إبراهيم عليه السلام يضيف الناس, فخرج يوماً يلتمس أحداً يضيفه فلم يجد أحداً يضيفه, فرجع إلى داره فوجد فيها رجلاً قائماً, فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني ؟ قال: دخلتها بإذن ربها, قال: ومن أنت ؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده, أبشره بأن الله قد اتخذه خليلاً, قال: من هو ؟ فوالله إن أخبرتني به, ثم كان بأقصى البلاد لاَتينه, ثم لا أبرح له جاراً حتى يفرق بيننا الموت, قال: ذلك العبد أنت. قال: أنا ؟ قال: نعم, قال فيم اتخذني ربي خليلاً ؟ قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم وحدثنا أبي, حدثنا محمود بن خالد السلمي, حدثنا الوليد عن إسحاق بن يسار, قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً ألقى في قلبه الوجل حتى أن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء وهكذا جاء في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل إذا اشتد غليانها من البكاء.
وقوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض} أي الجميع ملكه وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك, لا راد لما قضى, ولا مقعب لما حكم, ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته. وقوله: {وكان الله بكل شيء محيطاً} أي علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية من عباده, ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر, ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين وما توارى.
** وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّسَآءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَمَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النّسَآءِ الّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنّ مَا كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىَ بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً
قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل, حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ـ إلى قوله ـ وترغبون أن تنكحوهن} قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها, فأشركته في ماله حتى في العذق, فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته, فيعضلها, فنزلت هذه الاَية, وكذلك رواه مسلم عن أبي كريب, وعن أبي بكر بن أبي شيبة, كلاهما عن أسامة, وقال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, أخبرنا ابن وهب, أخبرني يونس عن ابن شهاب, أخبرني عروة بن الزبير, قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الاَية فيهن, فأنزل الله {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} الاَية, قال: والذي ذكر الله أنه يتلى عليه في الكتاب, الاَية الأولى التي قال الله {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وبهذا الإسناد عن عائشة قالت: وقول الله عز وجل: {وترغبون أن تنكحوهن} رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال, فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن, وأصله ثابت في الصحيحين من طريق يونس بن يزيد الأيلي به والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها, فتارة يرغب في أن يتزوجها, فأمره الله أن يمهرها أسوة بأمثالها من النساء, فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء, فقد وسع الله عز وجل, وهذا المعنى في الاَية الأولى التي في أول السورة, وتارة لا يكون له فيها رغبة لدمامتها عنده أو في نفس الأمر, فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها, كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الاَية, وهي قوله: {في يتامى النساء} الاَية, كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه, فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً فإن كانت جميلة وهويها, تزوجها وأكل مالها, وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت, فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه.) وقال في قوله: {والمستضعفين من الولدان} كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات, وذلك قوله: {لا تؤتوهن ما كتب لهن} فنهى الله عن ذلك وبين لكل ذي سهم سهمه, فقال: {للذكر مثل حظ الأنثيين} صغيراً أو كبيراً, وكذا قال سعيد بن جبير وغيره وقال سعيد بن جبير في قوله: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها, كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فانكحها واستأثر بها. وقوله: {وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليماً} تهييجاً على فعل الخيرات وامتثالاً للأوامر, وإن الله عز وجل عالم بجميع ذلك, وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه.============== وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتّقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * وَلَن تَسْتَطِيعُوَاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتّقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً * وَإِن يَتَفَرّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاّ مّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً
يقول تعالى مخبراً ومشرعاً من حال الزوجين تارة في حال نفور الرجل عن المرأة, وتارة في حال اتفاقه معها, وتارة في حال فراقه لها, فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها, فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقها عليه, وله أن يقبل ذلك منها فلا حرج عليها في بذلها ذلك له, ولا عليه في قبوله منها, ولهذا قال تعالى: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً}, ثم قال: {والصلح خير} أي من الفراق, وقوله: {وأحضرت الأنفس الشح} أي الصلح عند المشاحة خير من الفراق, ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فراقها فصالحته على أن يمسكها وتترك يومها لعائشة, فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك.
(ذكر الرواية بذلك) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله, لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل, ونزلت هذه الاَية {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضا فلا جناح عليهما} الاَية. قال ابن عباس فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى, عن أبي داود الطيالسي به, وقال: حسن غريب. قال الشافعي: أخبرنا مسلم عن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي عن تسع نسوة وكان يقسم لثمان. وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة, فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة. وفي صحيح البخاري من حديث الزهري عن عروة عن عائشة نحوه.
وقال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام, عن أبيه عروة, قال: أنزل الله في سودة وأشباهها {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت, ففزعت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وضنت بمكانها منه, وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة ومنزلتها منه, فوهبت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة, فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي وقد رواه أحمد بن يونس عن الحسن بن أبي الزناد موصولاً, وهذه الطريقة رواها الحاكم في مستدركة فقال: حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه, أخبرنا الحسن بن على بن زياد, حدثنا أحمد بن يونس, حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة أنها قالت له: يا ابن أختي, كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا, وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها, ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفزعت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم يارسول الله, يومي هذا لعائشة, فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, قالت عائشة: ففي ذلك أنزل الله {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} وكذلك رواه أبو داود عن أحمد بن يونس به, والحاكم في مستدركه, ثم قال: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه. وقد رواه ابن مردويه من طريق أبي بلال الأشعري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به نحوه ومن رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن هشام بن عروة بنحو مختصراً, والله أعلم.
وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول معجمه: حدثنا محمد بن يحيى, حدثنا مسلم بن إبراهيم. حدثنا هشام الدستوائي, حدثنا القاسم بن أبي بزة, قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى سودة بنت زمعة بطلاقها, فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة, فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كلامه واصطفاك على خلقه لما راجعتني, فإني قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال, لكن أريد أن أبعث مع نسائك يوم القيام, فراجعها فقالت: فإني جعلت يومي وليلتي لحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا غريب مرسل. وقال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل, أنبأنا عبد الله, أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه, عن عائشة {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} قال: الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حل, فنزلت هذه الاَية.
وقال ابن جرير: حدثنا وكيع, حدثنا أبي عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة{وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير} قالت: هذا في المرأة تكون عند الرجل, فلعله لا يكون بمستكثر منها, ولا يكون لها ولد ويكون لها صحبة فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني. حدثني المثنى, حدثنا حجاج بن منهال, حدثنا حماد بن سلمة عن هشام, عن عروة, عن عائشة, في قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} قالت: هو الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد كبرت, أو هي دميمة, وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني, وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير وجه عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة, بنحو ما تقدم, ولله الحمد والمنة.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد وابن وكيع, قالا: حدثنا جرير عن أشعث عن ابن سيرين قال: جاء رجل الى عمر بن الخطاب فسأله عن آية, فكرهه فضربه بالدرة, فسأله آخر عن هذه الاَية {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} ثم قال عن مثل هذا فاسألوا, ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها, فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها, فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني, حدثنا مسدد, حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب, عن خالد بن عرعرة, قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب, فسأله عن قول الله عز وجل {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما}, قال علي: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها, أو سوء خلقها, أو قذذها فتكره فراقه, فإن وضعت له من مهرها شيئاً حل له, وإن جعلت له من أيامها فلا حرج.
وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن حماد بن سلمة وأبي الأحوص, ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل, أربعتهم عن سماك به. وكذا فسرها ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد بن جبير والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتيبة وقتادة وغير واحد من السلف والأئمة, ولا أعلم في ذلك خلافاً أن المراد بهذه الاَية هذا, والله أعلم, وقال الشافعي: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري, عن ابن المسيب أن بنت محمد بن مسلم كانت عند رافع بن خديج, فكره منها أمراً إما كبراً أو غيره, فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك, فأنزل الله عز وجل {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} الاَية, وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الرزاق عن معمر, عن الزهري, عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار بأطول من هذا السياق.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حدثنا سعيد بن أبي عمرو, حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني, أنبأنا علي بن محمد بن عيسى, أنبأنا أبو اليمان, أخبرني شعيب بن أبي حمزة عن الزهري, أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن السنة في هاتين الاَيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز الرجل وإعراضه عن امرأته في قوله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} إلى تمام الاَيتين, أن المرء إذا نشز عن امرأته وآثر عليها, فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه صلح له ذلك وكان صلحها عليه كذلك, ذكر سعيد بن المسيب وسليمان الصلح الذي قال الله عز وجل {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير} وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت عنده امرأة حتى إذا كبرت تزوج عليها فتاة شابة, وآثر عليها الشابة, فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة, ثم أمهلها حتى إذا كادت تحل راجعها, ثم عاد فآثر عليها الشابة فناشدته الطلاق, فقال لها: ماشئت, إنما بقيت لك تطليقة واحدة, فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة, وإن شئت فارقتك, فقالت: لا بل أستقر على الأثرة فأمسكها على ذلك, فكان ذلك صلحهما ولم ير رافع عليه إثماً حين رضيت أن تستقر عنده على الأثرة فيما آثر به عليها, وهكذا رواه بتمامة عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه عن أبي اليمان, عن شعيب, عن الزهري, عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار فذكره بطوله, والله أعلم.
وقوله: {والصلح خير} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني التخيير أن يخير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها, والظاهر من الاَية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية, كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة رضي الله عنها ولم يفارقها, بل تركها من جملة نسائه وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه, فهو أفضل في حقه عليه الصلاة والسلام, ولما كان الوفاق أحب الى الله من الفراق. قال: {والصلح خير} بل الطلاق بغيض إليه سبحانه وتعالى, ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه, جميعاً عن كثير بن عبيد, عن محمد بن خالد, عن معروف بن واصل, عن محارب بن دثار, عن عبد الله بن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الحلال إالى الله الطلاق». ثم رواه أبو داود عن أحمد بن يونس, عن معروف عن محارب, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر معناه مرسلاً.
وقوله: {وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن, فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء. وقوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} أي لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه, فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة, فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع كما قاله ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا ابن أبي شيبة, حدثنا حسين الجعفي عن زائدة, عن عبد العزيز بن رفيع, عن ابن أبي مليكة, قال: نزلت هذه الاَية {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} في عائشة, يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها, كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة عن أيوب, عن أبي قلابة, عن عبد الله بن يزيد, عن عائشة قالت: كان رسول الله يقسم بين نسائه فيعدل, ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك, فلا تلمني فيماتملك ولا أملك» يعني القلب, هذا لفظ أبي داود, وهذا إسناد صحيح, لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلاً, قال: وهذا أصح.
وقوله: {فلا تميلوا كل الميل} أي فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية {فتذروها كالمعلقة} أي فتبقى هذه الأخرى معلقة. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان: معناها لا ذات زوج ولا مطلقة. وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا همام عن قتادة, عن النضر بن أنس ؟ عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما, جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط», وهكذا رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث همام بن يحيى عن قتادة به. وقال الترمذي: إنما أسنده همام ورواه هشام الدستوائي عن قتادة, قال: كان يقال: ولا يعرف هذا الحديث مرفوعاً إلا من حديث همام. وقول: {وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً} أي وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون واتقيتم الله في جيمع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض, ثم قال تعالى: {وإن يتفرقا يغن لله كلاً من سعته وكان الله واسعاً حكيماً} وهذه هي الحالة الثالثة, وهي حالة الفراق وقد أخبر الله تعالى أنهما إذا تفرقا فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه بأن يعوضه الله من هو خير له منها, ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه, {وكان الله واسعاً حكيماً} أي واسع الفضل عظيم المن حكيماً في جيمع أفعاله وأقداره وشرعه.
** وَللّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَقَدْ وَصّيْنَا الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اتّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنّ للّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً * وَللّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَىَ بِاللّهِ وَكِيلاً * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَىَ ذَلِكَ قَدِيراً * مّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً بَصِيراً
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الحاكم فيهما, ولهذا قال: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم} أي وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله عز وجل بعبادته وحده لا شريك له. ثم قال: {وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض} الاَية كما قال تعالى إخباراً عن موسى أنه قال لقومه {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جيمعاً فإن الله لغني حميد}. وقال: {فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد} أي غني عن عباده, (حميد) أي محمود في جميع ما يقدره ويشرعه, قوله: { ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً} أي هو القائم على كل نفس بما كسبت, الرقيب الشهيد على كل شيء. وقوله: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديراً} أي هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه, وكما قال: {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره. وقال تعالى: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد* وما ذلك على الله بعزيز} أي وما هو عليه بممتنع, وقوله: {من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والاَخرة} أي يامن ليس له همة إلا الدنيا, اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والاَخرة, وإذا سألته من هذه أغناك وأعطاك وأقناك, كما قال تعالى: {فمن الناس من يقول ربناآتنا في الدنيا وما له في الاَخرة من خلاق * ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاَخرة حسنة وقنا عذاب النار * أولئك لهم نصيب مما كسبوا} الاَية, وقال تعالى: {من كان يريد حرث الاَخرة نزد له في حرثه} الاَية, وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ـ إلى قوله ـ انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} الاَية, وقد زعم ابن جرير أن المعنى في هذه الاَية {من كان يريد ثواب الدنيا} أي من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك {فعند الله ثواب الدنيا} وهو ما حصل من المغانم وغيرها مع المسلمين, وقوله: {والاَخرة} أي وعند الله ثواب الاَخرة وهو ما ادخره لهم من العقوبة في نار جهنم وجعلها كقوله: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ـ إلى قوله ـ وباطل ما كانوا يعملون} ولاشك أن هذه الاَية معناها ظاهر, وأما تفسيره الاَية الأولى بهذا ففيه نظر, فإن قوله: {فعند الله ثواب الدنيا والاَخرة} ظاهر في حصول الخير في الدنيا والاَخرة أي بيده هذا وهذا, فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط, بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والاَخرة, فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع, وهو الله الذي لا إله إلا هو الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والاَخرة, وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا وممن يستحق هذا. ولهذا قال: {وكان الله سميعاً بصيراً} ================= يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىَ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل, فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً, ولا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عنه صارف, وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه, وقوله: {شهداء لله} كما قال: {وأقيموا الشهادة لله} أي ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله, فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقاً خالية من التحريف والتبديل والكتمان, ولهذا قال {ولو على أنفسكم} أي اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك, وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه ولو عادت مضرته عليك, فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه. وقوله: {أو الوالدين والأقربين} أي وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم, فإن الحق حاكم على كل أحد.
وقوله: {إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما} أي لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره, الله يتولاهما بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} أي فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم, بل الزموا العدل على أي حال كان, كما قال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}, ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم, فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم, فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي, ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير وما يحملني حبي إياه, وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم, فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض, وسيأتي الحديث مسنداً في سورة المائدة إن شاء الله تعالى. وقوله: {وإن تلووا أو تعرضوا} قال مجاهد وغير واحد من السلف: تلووا, أي تحرفوا الشهادة وتغيروها, واللي هو التحريف وتعمد الكذب, قال تعالى: {وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب} الاَية, والإعراض هو كتمان الشهادة وتركها, قال تعالى: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وقال النبي صلى الله عليه وسلم «خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» ولهذا توعدهم الله بقوله: {فإن الله كان بما تعملون خبيراً} أي وسيجازيكم بذلك.
** يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِي نَزّلَ عَلَىَ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِيَ أَنَزلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه وليس هذا من باب تحصيل الحاصل, بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه, كما يقول المؤمن في كل صلاة {اهدنا الصراط المستقيم} أي بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه, فأمرهم بالإيمان به وبرسوله, كما قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله}. وقوله: {والكتاب الذي نزل على رسوله} يعني القرآن, {والكتاب الذي أنزل من قبل} وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة, وقال في القرآن: نزل لأنه نزل مفرقاً منجماً على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم, وأما الكتب المتقدمة, فكانت تنزل جملة واحدة, لهذا قال تعالى: {والكتاب الذي أنزل من قبل}, ثم قال تعالى: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاَخر فقد ضل ضلالاً بعيداً} أي فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد. )
** إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ آمَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ ازْدَادُواْ كُفْراً لّمْ يَكُنْ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً * بَشّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الّذِينَ يَتّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزّةَ فَإِنّ العِزّةَ للّهِ جَمِيعاً * وَقَدْ نَزّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتّىَ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ إِنّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنّمَ جَمِيعاً
يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان, ثم رجع عنه, ثم عاد فيه, ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتى مات, فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجاً ولا مخرجاً ولا طريقاً إلى الهدى, ولهذا قال: {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبدة, حدثنا حفص بن جميع عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثم ازدادوا كفراً} قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا, وكذا قال مجاهد. وروى ابن أبي حاتم من طريق جابر المعلى عن عامر الشعبي, عن علي رضي الله عنه, أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثاً, ثم تلا هذه الاَية {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً}, ثم قال: {بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً} يعني أن المنافقين من هذه الصفة, فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم, ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين, بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة, ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم, إنما نحن مستهزئون, أي بالمؤمنين, في إظهارنا لهم الموافقة, قال الله تعالى منكراً عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين {أيبتغون عندهم العزة}, ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها له, كما قال تعالى في الاَية الأخرى {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً}. وقال تعالى: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون}, والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله والإقبال على عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا, ويوم يقوم الأشهاد, ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد, حدثنا أبو بكر بن عياش بن حميد الكندي, عن عبادة بن نسيء, عن أبي ريحانه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وفخراً, فهو عاشرهم في النار» تفرد به أحمد, وأبو ريحانة هذا هو أزدي, ويقال أنصاري, واسمه شمعون, بالمعجمة, فيما قاله البخاري, وقال غيره: بالمهملة, والله أعلم.
وقوله: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم}, أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك, فقد شاركتموهم في الذي هم فيه, فلهذا قال تعالى: {إنكم إذاً مثلهم} في المأثم, كما جاء في الحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الاَخر, فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» والذي أحيل عليه في هذه الاَية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام, وهي مكية {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} الاَية, قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الاَية التي في سورة الأنعام, يعني نسخ قوله: {إنكم إذا مثلهم ـ لقوله ـ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون}. وقوله: {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} أي كما أشركوهم في الكفر كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبداً ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين لا الزلال. ================= يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىَ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل, فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً, ولا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عنه صارف, وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه, وقوله: {شهداء لله} كما قال: {وأقيموا الشهادة لله} أي ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله, فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقاً خالية من التحريف والتبديل والكتمان, ولهذا قال {ولو على أنفسكم} أي اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك, وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه ولو عادت مضرته عليك, فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه. وقوله: {أو الوالدين والأقربين} أي وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم, فإن الحق حاكم على كل أحد.
وقوله: {إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما} أي لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره, الله يتولاهما بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} أي فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم, بل الزموا العدل على أي حال كان, كما قال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}, ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم, فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم, فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي, ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير وما يحملني حبي إياه, وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم, فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض, وسيأتي الحديث مسنداً في سورة المائدة إن شاء الله تعالى. وقوله: {وإن تلووا أو تعرضوا} قال مجاهد وغير واحد من السلف: تلووا, أي تحرفوا الشهادة وتغيروها, واللي هو التحريف وتعمد الكذب, قال تعالى: {وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب} الاَية, والإعراض هو كتمان الشهادة وتركها, قال تعالى: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وقال النبي صلى الله عليه وسلم «خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» ولهذا توعدهم الله بقوله: {فإن الله كان بما تعملون خبيراً} أي وسيجازيكم بذلك.
** يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِي نَزّلَ عَلَىَ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِيَ أَنَزلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه وليس هذا من باب تحصيل الحاصل, بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه, كما يقول المؤمن في كل صلاة {اهدنا الصراط المستقيم} أي بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه, فأمرهم بالإيمان به وبرسوله, كما قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله}. وقوله: {والكتاب الذي نزل على رسوله} يعني القرآن, {والكتاب الذي أنزل من قبل} وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة, وقال في القرآن: نزل لأنه نزل مفرقاً منجماً على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم, وأما الكتب المتقدمة, فكانت تنزل جملة واحدة, لهذا قال تعالى: {والكتاب الذي أنزل من قبل}, ثم قال تعالى: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاَخر فقد ضل ضلالاً بعيداً} أي فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد. )
** إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ آمَنُواْ ثُمّ كَفَرُواْ ثُمّ ازْدَادُواْ كُفْراً لّمْ يَكُنْ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً * بَشّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الّذِينَ يَتّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزّةَ فَإِنّ العِزّةَ للّهِ جَمِيعاً * وَقَدْ نَزّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتّىَ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ إِنّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنّمَ جَمِيعاً
يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان, ثم رجع عنه, ثم عاد فيه, ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتى مات, فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجاً ولا مخرجاً ولا طريقاً إلى الهدى, ولهذا قال: {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبدة, حدثنا حفص بن جميع عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثم ازدادوا كفراً} قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا, وكذا قال مجاهد. وروى ابن أبي حاتم من طريق جابر المعلى عن عامر الشعبي, عن علي رضي الله عنه, أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثاً, ثم تلا هذه الاَية {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً}, ثم قال: {بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً} يعني أن المنافقين من هذه الصفة, فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم, ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين, بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة, ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم, إنما نحن مستهزئون, أي بالمؤمنين, في إظهارنا لهم الموافقة, قال الله تعالى منكراً عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين {أيبتغون عندهم العزة}, ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها له, كما قال تعالى في الاَية الأخرى {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً}. وقال تعالى: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون}, والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله والإقبال على عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا, ويوم يقوم الأشهاد, ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد, حدثنا أبو بكر بن عياش بن حميد الكندي, عن عبادة بن نسيء, عن أبي ريحانه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وفخراً, فهو عاشرهم في النار» تفرد به أحمد, وأبو ريحانة هذا هو أزدي, ويقال أنصاري, واسمه شمعون, بالمعجمة, فيما قاله البخاري, وقال غيره: بالمهملة, والله أعلم.
وقوله: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم}, أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك, فقد شاركتموهم في الذي هم فيه, فلهذا قال تعالى: {إنكم إذاً مثلهم} في المأثم, كما جاء في الحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الاَخر, فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» والذي أحيل عليه في هذه الاَية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام, وهي مكية {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} الاَية, قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الاَية التي في سورة الأنعام, يعني نسخ قوله: {إنكم إذا مثلهم ـ لقوله ـ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون}. وقوله: {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} أي كما أشركوهم في الكفر كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبداً ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين لا الزلال.============ الّذِينَ يَتَرَبّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ اللّهِ قَالُوَاْ أَلَمْ نَكُنْ مّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوَاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً
يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء بمعنى ينتظرون زوال دولتهم وظهور الكفر عليهم وذهاب ملتهم, {فإن كان لكم فتح من الله} أي نصر وتأييد وظفر وغنيمة {قالوا ألم نكن معكم} أي يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة, {وإن كان للكافرين نصيب} أي إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان كما وقع يوم أحد, فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة {قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين} أي ساعدناكم في الباطن, وما ألوناهم خبالاً وتخذيلاً حتى انتصرتم عليهم, وقال السدي: نستحوذ عليكم نغلب عليكم, كقوله: {استحوذ عليهم الشيطان} وهذا أيضاً تودد منهم إليهم, فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم, وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وقلة إيقانهم, قال تعالى: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} أي بما يعلمه منكم أيها المنافقون من البواطن الرديئة فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهراً في الحياة الدنيا, لما له في ذلك من الحكمة, فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويحصل ما في الصدور.
وقوله: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن الأعمش, عن ذر, عن سبيع الكندي, قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: كيف هذه الاَية {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} فقال علي رضي الله عنه: أدنه أدنه, فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً, وكذا روى ابن جريج عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً, قال: ذاك يوم القيامة, وكذا روى السدي عن أبي مالك الأشجعي, يعني يوم القيامة. وقال السدي: سبيلاً أي حجة, ويحتمل أن يكون المعنى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً, أي في الدنيا بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية, وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس, فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والاَخرة, كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} الاَية, وعلى هذا يكون رداً على المنافقين فيما أملوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين, وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين خوفاً على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم, كما قال تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ـ إلى قوله ـ نادمين} وقد استدل كثير من العلماء بهذا الاَية الكريمة على أصح قولي العلماء, وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر, لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال, ومن قال منهم بالصحة, يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال لقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}.
** إِنّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوَاْ إِلَى الصّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىَ يُرَآءُونَ النّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاّ قَلِيلاً * مّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَىَ هَـَؤُلآءِ وَلاَ إِلَى هَـَؤُلآءِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً
قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا}, وقال ههنا: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} ولاشك أن الله لا يخادع, فإنه العالم بالسرائر والضمائر, ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم يعتقدون أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهراً, فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة وأن أمرهم يروج عنده كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد, ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده, كما قال تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم} الاَية, وقوله: {هو خادعهم} أي هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم, ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا, وكذلك يوم القيامة, كما قال تعالى: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم ـ إلى قوله ـ وبئس المصير} وقد ورد في الحديث «من سمع سمع الله به, ومن راءى راءى الله به». وفي حديث آخر«إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس ويعدل به إلى النار» عياذاً بالله من ذلك.
وقوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} الاَية, هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها, وهي الصلاة إذا قاموا إليها, قاموا وهم كسالى عنها, لأنهم لا نية لهم فيها ولا إيمان لهم بها ولا خشية, ولا يعقلون معناها كما روى ابن مردويه من طريق عبيد الله بن زحر عن خالد بن أبي عمران عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس, قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان, ولكن يقوم إليها طلق الوجه عظيم الرغبة شديد الفرح, فإنه يناجي الله وإن الله تجاهه يغفر له ويجيبه إذا دعاه, ثم يتلو هذه الاَية {وإذا قاموا إالى الصلاة قاموا كسالى} وروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس نحوه, فقوله تعالى: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} هذه صفة ظواهرهم كما قال: {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة, فقال: {يراءون الناس} أي لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة, ولهذا يتخلفون كثيراً عن الصلاة التي لا يرون فيها غالباً كصلاة)العشاء في وقت العتمة, وصلاة الصبح في وقت الغلس, كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر, ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً, ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». وفي رواية «والذي نفسي بيده, لو علم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين, لشهد الصلاة, ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم».
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي, حدثنا محمد بن دينار عن إبراهيم الهجري, عن أبي الأحوص, عن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو, فتلك استهانة استهان بها ربه عز وجل». وقوله: {و لا يذكرون الله إلا قليلاً} أي في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون بل هم في صلاتهم ساهون لاهون, وعما يراد بهم من الخير معرضون, وقد روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أنس بن مالك, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك صلاة المنافق, تلك صلاة المنافق, تلك صلاة المنافق, يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان, قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً», وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر المدني عن العلاء بن عبد الرحمن به, وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء} يعني المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر, فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً ولا مع الكافرين ظاهراً وباطناً, بل ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين, ومنهم من يعتريه الشك, فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى أولئك {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} الاَية, وقال مجاهد {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء} يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {ولا إلى هؤلاء} يعني اليهود. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا عبد الوهاب, حدثنا عبيد الله عن نافع, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين, تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ولا تدري أيتهما تتبع», تفرد به مسلم, وقد رواه عن محمد بن المثنى مرة أخرى, عن عبد الوهاب فوقف به على ابن عمر ولم يرفعه, قال: حدثنا به عبد الوهاب مرتين, كذلك قلت, وقد رواه الإمام أحمد عن إسحاق بن يوسف عن عبيد الله, وكذا رواه إسماعيل بن عياش وعلي بن عاصم عن عبيد الله, عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً, وكذا رواه عثمان بن محمد بن أبي شيبة عن عبدة, عن عبد الله به مرفوعاً, ورواه حماد بن سلمة عن عبيد الله أو عبد الله بن عمر, عن نافع, عن ابن عمر مرفوعاً. وراه أيضاً صخر بن جويرية عن نافع, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد, حدثنا الهذيل بن بلال عن ابن عبيد أنه جلس ذات يوم بمكة وعبد الله بن عمر معه, فقال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربيضين من الغنم, إن أتت هؤلاء نطحتها, وإن أتت هؤلاء نطحتها» فقال له ابن عمر: كذبت, فأثنى القوم على أبي خيراً أو معروفاً, فقال ابن عمر: ما أظن صاحبكم إلا كما تقولون, ولكني شاهدي الله إذ قال: كالشاة بين الغنمين, فقال: هو سواء, فقال: هكذا سمعته.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا المسعودي عن أبي جعفر محمد بن علي, قال: بينما عبيد بن عمير يقص وعنده عبد الله بن عمر, فقال عبيد بن عمير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المنافق كالشاة بين ربيضين, إذا أتت هؤلاء نطحتها, وإذا أتت هؤلاء نطحتها», فقال ابن عمير: ليس كذلك, إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كشاة بين غنمين», قال: فاحتفظ الشيخ وغضب, فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردد ذلك عليك.
(طريقة أخرى عن ابن عمر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن عثمان بن بودويه, عن يعفر بن زوذي, قال: سمعت عبيد بن عمير وهو يقص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين», فقال ابن عمر: ويلكم لا تكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم, إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين», ورواه أحمد أيضاً من طرق عن عبيد بن عمير, عن ابن عمر, ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبيد الله بن موسى, أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله هو ابن مسعود, قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد, فوقع أحدهم فعبر, ثم وقع الاَخر حتى إذا أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك أين تذهب إلى الهلكة, ارجع عودك على بدئك, وناداه الذي عبر: هلم إلى النجاة, فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة, قال: فجاءه سيل فأغرقه, فالذي عبر هو المؤمن, والذي غرق المنافق {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} والذي مكث الكافر.
وقال ابن جرير: حدثنا بشر, حدثنا يزيد, حدثنا شعبة عن قتادة {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين, ولا مشركين مصرحين بالشرك, قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمن وللمنافق وللكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع, ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن, ناداه الكافر, أن هلم إلي فإني أخشى عليك, وناداه المؤمن: أن هلم إلي فإن عندي وعندي يحظى له ما عنده, فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى أذى فغرقه, وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك, قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين, رأت غنماً على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف, ثم رأت غنماً على نشز فأتتها فشامتها فلم تعرف», ولهذا قال تعالى: {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً} أي ومن صرفه عن طريق الهدى {فلن تجد له ولياً مرشداً} , ولا منقذ لهم مما هم فيه, فإنه تعالى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
** يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مّبِيناً * إِنّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للّهِ فَأُوْلَـَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً * مّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين يعني مصاحبتهم ومصادقتهم, ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم, وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم, كما قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه} أي يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه, ولهذا قال ههنا: {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً} أي حجة عليكم في عقوبته إياكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا مالك بن إسماعيل, حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عباس قوله: {سلطاناً مبيناً} قال كل سلطان في القرآن حجة, وهذا إسناد صحيح, وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي والنضر بن عربي.
ثم أخبرنا تعالى { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} أي يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ. قال الوالبي عن ابن عباس {في الدرك الأسفل من النار} أي في أسفل النار, وقال غيره: النار دركات كما أن الجنة درجات, وقال سفيان الثوري عن عاصم, عن ذكوان أبي صالح, عن أبي هريرة {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قال في توابيت ترتج عليهم: كذا رواه ابن جرير عن ابن وكيع, عن يحيى بن يمان, عن سفيان الثوري به. ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان, عن عبيد الله بن موسى, عن إسرائيل, عن عاصم, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم, فتوقد من تحتهم ومن فوقهم. قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الرحمن, حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل, عن خيثمة, عن عبد الله يعني ابن مسعود {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قال: في توابيت من نار تطبق عليهم أي مغلقة مقفلة, ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج, عن وكيع, عن سفيان, عن سلمة, عن خيثمة, عن ابن مسعود {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم, ومعنى قوله: مبهمة, أي مغلقة مقفلة لا يهتدى لمكان فتحها.
وروى ابن أبي حاتم, حدثنا أبي, حدثنا أبو سلمة, حدثنا حماد بن سلمة, أخبرنا علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن أن ابن مسعود سئل عن المنافقين, فقال: يجعلون في توابيت من نار تطبق عليهم في أسفل درك من النار {ولن تجد لهم نصيراً} أي ينقذهم مما هم فيه ويخرجهم من أليم العذاب, ثم أخبر تعالى أن من تاب منهم في الدنيا, تاب عليه وقبل ندمه إذا أخلص في توبته وأصلح عمله, واعتصم بربه في جميع أمره, فقال تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله} أي بدلوا الرياء بالإخلاص فينفعهم العمل الصالح وإن قل, قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة, أنبأنا ابن وهب, أخبرني يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر, عن خالد بن أبي عمران, عن عمران عن عمرو بن مرة, عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أخلص دينك يكفك القليل من العمل». {فأولئك مع المؤمنين} أي في زمرتهم يوم القيامة {وسوف يؤت الله المؤمنين أجراًعظيماً} ثم قال تعالى مخبراًعن غناه عما سواه, وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم فقال تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} أي أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله {وكان الله شاكراً عليماً} أي من شكر شكر له, ومن آمن قلبه به علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء. ================== لاّ يُحِبّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً * إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً
قال ابن أبي طلحة, عن ابن عباس في الاَية يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه وذلك قوله: {إلا من ظلم} وإن صبر فهو خير له وقال أبو داود حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي, حدثنا سفيان, عن حبيب, عن عطاء, عن عائشة, قالت: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تسبخي عنه» وقال الحسن البصري: لا يدع عليه, وليقل: اللهم أعني عليه, واستخرج حقي منه, وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه.
وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الاَية: هو الرجل يشتمك فتشتمه, ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه, لقوله: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل}. وقال أبو داود: حدثنا القعنبي, حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء, عن أبيه, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المستبّان ما قالا, فعلى البادىء منهما ما لم يعتد المظلوم» وقال عبد الرزاق: أنبأنا المثنى بن الصباح عن مجاهد في قوله {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال: ضاف رجل رجلاًفلم يؤد إليه حق ضيافته, فلما خرج أخبر الناس فقال: ضفت فلاناً فلم يؤد إلي حق ضيافتي, قال: فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم حتى يؤدي الاَخر إليه حق ضيافته. وقال ابن إسحاق, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال: قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته, فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن, وفي رواية: هو الضيف المحول رحله, فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول, وكذا روي عن غير واحد عن مجاهد نحو هذا, وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي من طريق الليث بن سعد, والترمذي من حديث ابن لهيعة, كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر, قال: قلنا: يارسول الله, إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا, فما ترى في ذلك ؟ فقال: «إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف, فاقبلوا منهم, وإن لم تفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم».
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت أبا الجودي يحدث عن سعيد بن مهاجر عن المقدام بن أبي كريمة, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما مسلم ضاف قوماً فأصبح الضيف محروماً, فإن حقاً على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله» تفرد به أحمد من هذا الوجه, وقال أحمد أيضاً: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة, عن منصور, عن الشعبي, عن المقدام بن أبي كريمة, سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليلة الضيف واجبة على كل مسلم, فإن أصبح بفنائه محروماً كان ديناً له عليه, فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه». ثم رواه أيضاًعن غندر عن شعبة. وعن زياد بن عبد الله البكائي عن وكيع وأبي نعيم, عن سفيان الثوري, ثلاثتهم عن منصور به, وكذا رواه أبو داود من حديث أبي عوانة عن منصور به.
ومن هذه الأحاديث وأمثالها, ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة, ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي حدثنا صفوان بن عيسى, حدثنا محمد بن عجلان عن أبيه, عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: إن لي جاراً يؤذيني, فقال له «أخرج متاعك فضعه على الطريق», فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق, فكل من مر به قال: مالك ؟ قال: جاري يؤذيني, فيقول: اللهم العنه, اللهم أخزه, قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك, والله لا أوذيك أبداً, وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب عن أبي توبة الربيع بن نافع, عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر عن محمد بن عجلان به, ثم قال البزار: لا نعلمه يروي عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد, ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم, ويوسف بن عبد الله بن سلام عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً} أي إن تظهروا أيها الناس خيراً أو أخفيتموه أو عفوتم عمن أساء إليكم, فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه, فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم, ولهذا قال: {فإن الله كان عفواً قديراً}, ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله, فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك, ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك, وفي الحديث الصحيح «ما نقص مال من صدقة, ولا زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً, ومن تواضع لله رفعه».
** إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً * وَالّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ أُوْلَـَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً
يتوعد تبارك وتعالى الكافرين به وبرسله, من اليهود والنصارى حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة, وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك, فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك, بل بمجرد الهوى والعصبية, فاليهود ـ عليهم لعائن الله ـ آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام, والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم, والسامرة لا يؤمنون بنبيّ بعد يوشع خليفة موسى بن عمران, والمجوس يقال إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له زرادشت, ثم كفروا بشرعه فرفع من بين أظهرهم, والله أعلم, والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض, فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي, تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيماناً شرعياً, إنما هو عن غرض وهوى وعصبية, ولهذا قال تعالى: {إن الذين يكفرون} با لله ورسله فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله, ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله أي في الإيمان, {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً} أي طريقاً ومسلكاً, ثم أخبر تعالى عنهم فقال: {أولئك هم الكافرون حقاً} أي كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به, لأنه ليس شرعياً إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله, لاَمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلاً وأقوى برهاناً منه, أو نظروا حق النظر في نبوته.
وقوله: {وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً} أي كما استهانوا بمن كفروا به, إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه, وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته, كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه, فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله} في الدنيا والاَخرة. وقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم} يعني بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم, فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله, كما قال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن با لله} الاَية, ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل, فقال: {أولئك سوف يؤتيهم أجورهم} على ما آمنوا بالله ورسله {وكان الله غفوراً رحيماً} أي لذنوبهم, أي إن كان لبعضهم ذنوب.
** يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مّنَ السّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوَاْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمّ اتّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىَ سُلْطَاناً مّبِيناً * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقاً غَلِيظاً
قال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة, قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفاً من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به, وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد, كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك كما هو مذكور في سورة سبحان {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} الاَيات, ولهذا قال تعالى: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} أي بطغيانهم وبغيهم, وعتوهم وعنادهم, وهذا مفسر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}.
وقوله تعالى: {ثم اتخذوا العجل من بعدما جاءتهم البينات} أي من بعدما رأوا من الاَيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى عليه السلام في بلاد مصر, وما كان من إهلاك عدوهم فرعون وجميع جنوده في اليم, فما جاوزوه إلا يسيراً, حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لموسى {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} الاَيتين, ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف, وفي سورة طه, بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله عز وجل, ثم لما رجع وكان ما كان, جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه, أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده, فجعل يقتل بعضهم بعضاً, ثم أحياهم الله عز وجل, وقال الله تعالى: {فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبيناً} ثم قال: {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة, وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى عليه السلام, ورفع الله على رؤوسهم جبلاً, ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا, وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم, خشية أن يسقط عليهم, كما قال تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة} الاَية, {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً} أي فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل, فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت القدس سجداً وهم يقولون حطة, أي اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه, حتى تهنا في التيه أربعين سنة, فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} أي وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم, ما دام مشروعاً لهم {وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} أي شديداً, فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم الله عز وجل, كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} الاَيات, وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند قوله: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} وفيه: وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت. ========== فَبِمَا نَقْضِهِمْ مّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىَ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـَكِن شُبّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتّبَاعَ الظّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَإِن مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً
وهذه من الذنوب التي ارتكبوها, مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى, وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم, وكفرهم بآيات الله, أي حججه وبراهينه, والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء عليهم السلام, قوله: {وقتلهم الأنبياء بغير حق} وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله, فإنهم قتلوا جمعاً غفيراً من الأنبياء عليهم السلام. وقولهم: {قلوبنا غلف} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي في غطاء, وهذا كقول المشركين {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} الاَية, وقيل معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم, أي أوعية للعلم قد حوته وحصلته, رواه الكلبي عن أبي صالح, عن ابن عباس, وقد تقدم نظيره في سورة البقرة, قال الله تعالى: {بل طبع الله عليها بكفرهم} فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول, لأنها في غلف وفي أكنة, قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم وعلى القول الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه, وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة {فلا يؤمنون إلا قليلاً} أي تمرنت قلوبهم على الكفر والطغيان, وقلة الإيمان {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني أنهم رموها بالزنا, وكذلك قال السدي وجويبر ومحمد بن إسحاق وغير واحد, وهو ظاهر من الاَية, أنهم رموها وابنها بالعظائم, فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك, زاد بعضهم: وهي حائض فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة, وقولهم: {إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله} أي هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب قتلناه, وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء, كقول المشركين {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} وكان من خبر اليهود, عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه, أنه لما بعث الله عيسى بن مريم بالبينات والهدى حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات الباهرات التي كان يبريء بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله, ويصور من الطين طائراً, ثم ينفخ فيه, فيكون طائراً يشاهد طيرانه بإذن الله عز وجل, إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه, ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم حتى جعل نبي الله عيسى عليه السلام, لا يساكنهم في بلدة, بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما السلام, ثم لم يقنعهم ذلك, حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان, وكان رجلاً مشركاً من عبدة الكواكب, وكان يقال لأهل ملته اليونان, وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلاً يفتن الناس ويضلهم, ويفسد على الملك رعاياه, فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالمقدس أن يحتاط على هذا المذكور, وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه, ويكف أذاه عن الناس, فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك, وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام, وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر, وقيل سبعة عشر نفراً, وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت, فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم, قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة ؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك, فأعادها ثانية وثالثة, وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب, فقال: أنت هو, وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو, وفتحت روزنة من سقف البيت, وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم, فرفع إلى السماء وهو كذلك, كما قال الله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} الاَية, فلما رفع خرج أولئك النفر, فلما رأى أولئك ذلك الشاب, ظنوا أنه عيسى, فأخذوه في الليل وصلبوه, ووضعوا الشوك على رأسه, وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه, وتبجحوا بذلك وسلم لهم طوائف من النصارى, ذلك لجهلهم وقلة عقلهم, ما عدا من كان في البيت مع المسيح, فإنهم شاهدوا رفعه. وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود, أن المصلوب هو المسيح بن مريم, حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت, ويقال إنه خاطبها, والله أعلم, وهذا كله من امتحان الله عباده, لما له في ذلك من الحكمة البالغة.
وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه, وأظهره في القرآن العظيم, الذي أنزله على رسوله الكريم, المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات, فقال تعالى: وهو أصدق القائلين ورب العالمين, المطلع على السرائر والضمائر, الذي يعلم السر في السموات والأرض, العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} أي رأوا شبهه فظنوه إياه, ولهذا قال: {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} يعني بذلك من ادعى أنه قتله من اليهود, ومن سلمه إليهم من جهال النصارى, كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر, ولهذا قال: {وما قتلوه يقيناً} أي وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكين متوهمين {بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً} أي منيع الجناب, لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ ببابه, {حكيماً} أي في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها, وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء, خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً من الحواريين, يعني فخرج عليهم من عين في البيت, ورأسه يقطر ماء, فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة, بعد أن آمن بي, قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ؟ فقام شاب من أحدثهم سناً, فقال له: اجلس, ثم أعاد عليهم, فقام ذلك الشاب, فقال: اجلس, ثم أعاد عليهم, فقام الشاب, فقال: أنا, فقال: هو أنت ذاك, فألقي عليه شبه عيسى, ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء, قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه, فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به, وافترقوا ثلاث فرق, فقالت فرقة, كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية, وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء, ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية, وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله, ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها, فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم, وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس, ورواه النسائي عن أبي كريب, عن أبي معاوية بنحوه, وكذا ذكره غير واحد من السلف, أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني, وهو رفيقي في الجنة.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا يعقوب القمي عن هارون بن عنترة, عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم, فلما دخلوا عليه, صورهم الله عز وجل كلهم على صورة عيسى, فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى, أو لنقتلنكم جميعاً, فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة ؟ فقال رجل منهم: أنا, فخرج إليهم وقال: أنا عيسى وقد صوره الله على صورة عيسى, فأخذوه فقتلوه وصلبوه, فمن ثم شبه لهم, فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى, وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى, ورفع الله عيسى من يومه ذلك, وهذا سياق غريب جداً.
قال ابن جرير: وقد روي عن وهب نحو هذا القول, وهو ما حدثني المثنى, حدثنا إسحاق, حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم, حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهباً يقول: إن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا, جزع من الموت وشق عليه, فدعا الحواريين وصنع لهم طعاماً, فقال: احضروني الليلة, فإن لي إليكم حاجة, فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم, وقام يخدمهم, فلما فرغوا من الطعام, أخذ يغسل أيديهم, ويوضئهم بيده, ويمسح أيديهم بثيابه, فتعاظموا ذلك, وتكارهوه فقال: ألا من رد عليّ الليلة شيئاً مما أصنع, فليس مني, ولا أنا منه, فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك, قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام, وغسلت أيديكم بيدي, فليكن لكم بي أسوة, فإنكم ترون أنيخيركم, فلا يتعاظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم, وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها, فتدعون الله لي, وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي, فلما نصبوا أنفسهم للدعاء, وأرادوا أن يجتهدوا, أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء, فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله, أما تصبرون لي ليلة واحدة, تعينوني فيها ؟ فقالوا: والله ما ندري مالنا, لقد كنا نسمر فنكثر السمر, وما نطيق الليلة سمراً, وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه, فقال: يذهب الراعي وتفرق الغنم, وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه. ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات, وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني. فخرجوا وتفرقوا, وكانت اليهود تطلبه, وأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه, فجحد وقال: ما أنا بصاحبه, فتركوه, ثم أخذه آخرون, فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه, فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجدون لي إن دللتكم على المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً, فأخذها ودلهم عليه, وكان شبه عليهم قبل ذلك, فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل, وجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى, وتنهر الشيطان, وتبرىء المجنون, أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل ؟ ويبصقون عليه, ويلقون عليه الشوك, حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها, فرفعه الله إليه, وصلبوا ما شبه لهم, فمكث سبعاً, ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى عليه السلام, فأبرأها الله من الجنون, جاءتا تبكيان حيث المصلوب, فجاءهما عيسى فقال: ما تبكيان ؟ فقالتا: عليك, فقال: إني قد رفعني الله إليه, ولم يصبي إلا خير, وإن هذا شبه لهم, فأمري الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا, فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر, وفقدوا الذي باعه ودل عليه اليهود, فسأله عن أصحابه, فقال: إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه, فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام تبعهم يقال له يحيى, فقال: هو معكم, فانطلقوا, فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه فلينذرهم وليدعهم, سياق غريب جداً.
ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا سلمة عن ابن إسحاق, قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلاً منهم يقال له داود, فلما أجمعوا لذلك منه, لم يفظع عبد من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظعه, ولم يجزع منه جزعه, ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءه, حتى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفاً هذه الكأس عن أحد من خلقك, فاصرفها عني. وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دماً, فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه, وهم ثلاثة عشر بعيسى عليه السلام. فلما أيقن أنهم داخلون عليه, قال لأصحابه من الحواريين, وكانوا اثني عشر رجلاً, فرطوس, ويعقوب بن زبدي ويحنس أخو يعقوب, واندراييس, وفيلبس, وابن يلما, ومنتا, وطوماس, ويعقوب بن حلقايا, وتداوسيس, وقثانيا, ويودس زكريا يوطا, قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان فيما ذكر لي رجل اسمه سرجس, وكانوا ثلاثة عشر رجلاً سوى عيسى عليه السلام, جحدته النصارى, وذلك أنه هو الذي شبه لليهود مكان عيسى, قال: فلا أدري هو من هؤلاء الاثني عشر, فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى وكفروا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الخبر عنه, فإن كانوا ثلاثة عشر, فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا, وهم بعيسى أربعة عشر, وإن كانوا اثني عشر, فإنهم دخلوا المدخل وهم ثلاثة عشر.
قال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانياً فأسلم, أن عيسى حين جاءه من الله إني رافعك إلي, قال: يامعشر الحواريين, أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة حتى يشبّه للقوم في صورتي فيقتلوه في مكاني ؟ فقال سرجس: أنا ياروح الله. قال: فاجلس في مجلسي, فجلس فيه, ورفع عيسى عليه السلام, فدخلوا عليه, فأخذوه فصلبوه, فكان هو الذي صلبوه, وشبه لهم به, وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة, وقد رأوهم فأحصوا عدتهم, فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى وأصحابه فيما يرون, وفقدوا رجلاً من العدة, فهو الذي اختلفوا فيه, وكانوا لا يعرفون عيسى, حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهماً على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه, فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإني سأقبله, وهو الذي أقبل فخذوه, فلما دخلوا, وقد رفع عيسى ورأى سرجس في صورة عيسى, فلم يشك أنه هو, فأكب عليه يقبله, فأخذوه فصلبوه. ثم إن يودس زكريا يوحنا ندم على ما صنع فاختنق بحبل حتى قتل نفسه, وهو ملعون في النصارى, وقد كان أحد المعدودين من أصحابه, وبعض النصارى يزعم أنه يودس زكريا يوحنا, وهو الذي شبه لهم, فصلبوه وهو يقول: إني لست بصاحبكم, أنا الذي دللتكم عليه, والله أعلم أي ذلك كان. وقال ابن جرير عن مجاهد: صلبوا رجلاً شبه بعيسى ورفع الله عز وجل عيسى إلى السماء حياً, واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه.
وقوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} يعني قبل موت عيسى يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال, فتصير الملل كلها واحدة, وهي ملة الإسلام الحنيفية, دين إبراهيم عليه السلام. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, حدثنا عبد الرحمن عن سفيان, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته}, قال: قبل موت عيسى بن مريم عليه السلام. وقال العوفي عن ابن عباس مثل ذلك, وقال أبو مالك في قوله: {إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: ذلك عند نزول عيسى, وقبل موت عيسى بن مريم عليه السلام, لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به وقال الضحاك عن ابن عباس {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته}: يعني اليهود خاصة. وقال الحسن البصري: يعني النجاشي وأصحابه, رواهما ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب, حدثنا أبو رجاء عن الحسن {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: قبل موت عيسى والله إنه لحي عند الله, ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا علي بن عثمان اللاحقي, حدثنا جويرية بن بشير, قال: سمعت رجلاً قال للحسن: ياأبا سعيد, قول الله عز وجل: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته}, قال: قبل موت عيسى, إن الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاماً يؤمن به البر والفاجر. وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم, وغير واحد, وهذا القول هو الحق, كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. قال ابن جرير: وقال آخرون: يعني بذلك {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به} بعيسى قبل موت صاحب الكتاب, ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه علم الحق من الباطل لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس, في الاَية, قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى. حدثني المثنى, حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: {إلا ليؤمنن به قبل موته} كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته قبل موت صاحب الكتاب. وقال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى. حدثنا ابن حميد, حدثنا أبو نميلة يحيى بن واضح, حدثنا حسين بن واقد عن يزيد النحوي, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله, ولو عجل عليه بالسلاح, حدثني إسحاق بن إبراهيم وحبيب بن الشهيد, حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: هي في قراءة أبي قبل موتهم, ليس يهودي يموت أبداً حتى يؤمن بعيسى, قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت ؟ قال: يتكلم به في الهويّ, قيل: أرأيت إن ضربت عنق أحدهم ؟ قال: يلجلج بها لسانه, وكذا روى سفيان الثوري عن خصيف, عن عكرمة, عن ابن عباس {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى عليه السلام وإن ضرب بالسيف تكلم به, قال: وإن هوى تكلم به وهو يهوي, وكذا روى أبو داود الطيالسي عن شعبة, عن أبي هارون الغنوي, عن عكرمة, عن ابن عباس, فهذه كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس, وكذا صح عن مجاهد وعكرمة ومحمد بن سيرين, وبه يقول الضحاك وجويبر. وقال السدي وحكاه عن ابن عباس, ونقل قراءة أبي بن كعب: قبل موتهم, وقال عبد الرزاق, عن إسرائيل, عن فرات القزاز, عن الحسن في قوله: {إلا ليؤمنن به قبل موته} قال: لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت, وهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه, ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء, قال ابن جرير, وقال آخرون: معنى ذلك وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت صاحب الكتاب.
(ذكر من قال ذلك) حدثني ابن المثنى, حدثنا الحجاج بن المنهال, حدثنا حماد عن حميد, قال: قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم قوله: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول, وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى عليه السلام إلا آمن به قبل موت عيسى عليه السلام, ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح, لأنه المقصود من سياق الاَي في تقرير بطلان ماادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه, وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك, فأخبر الله أنه لم يكن كذلك, وإنما شبّه لهم, فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك, ثم إنه رفعه إليه, وإنه باق حي, وإنه سينزل قبل يوم القيامة, كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريباً, فيقتل مسيح الضلالة, ويكسر الصليب, ويقتل الخنزير, ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان, بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف, فأخبرت هذه الاَية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم, ولهذا قال: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} أي قبل موت عيسى عليه السلام الذي زعم اليهود ومن وافقههم من النصارى أنه قتل وصلب {ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} أي بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض. فأما من فسر هذه الاَية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام, فهذا هو الواقع, وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلاً به, فيؤمن به, ولكن لا يكون ذلك إيماناً نافعاً له, إذا كان قد شاهد الملك, كما قال تعالى في أول هذه السورة {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الاَن} الاَية.
وقال تعالى {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا باللة وحده} الاَيتين, وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول حيث قال: ولو كان المراد بهذه الاَية هذا, لكان كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بالمسيح ممن كفر بهما يكون على دينهما, وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه, لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته, فهذا ليس بجيد إذ لا يلزم من إيمانه أنه يصير بذلك مسلماً, ألا ترى قول ابن عباس: ولو تردى من شاهق أو ضرب بالسيف أو افترسه سبع, فإنه لابد أن يؤمن بعيسى, فالإِيمان في هذه الحال ليس بنافع ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه, والله أعلم, ومن تأمل جيداً وأمعن النظر, اتضح له أنه هو الواقع, لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الاَية هذا, بل المراد بها الذي ذكرناه من تقرير وجود عيسى عليه السلام وبقاء حياته في السماء وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه, وتصادمت وتعاكست وتناقضت وخلت عن الحق, ففرط هؤلاء اليهود, وأفرط هؤلاء النصارى تنقصة اليهود بما رموه به وأمه من العظائم, وأطراه النصارى بحيث ادعوا فيه ما ليس فيه, فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية, تعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علواً كبيراً, وتنزه وتقدس لا إله إلا هو.
ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان
(قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له)
قال البخاري رحمه الله في كتاب ذكر الأنبياء من صحيحه المتلقى بالقبول: نزول عيسى ابن مريم عليه السلام, حدثنا إسحاق بن إبراهيم, حدثنا يعقوب بن إبراهيم, عن أبي صالح عن ابن شهاب, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده, ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً, فيكسر الصليب, ويقتل الخنزير, ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد, وحتى تكون السجدة خيراً لهم من الدنيا وما فيها», ثم يقول أبو هريرة اقرؤا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً}, وكذا رواه مسلم عن الحسن الحلواني وعبد بن حميد كلاهما عن يعقوب به, وأخرجه البخاري ومسلم أيضاً من حديث سفيان بن عيينة, عن الزهري به. وأخرجاه من طريق الليث عن الزهري به, ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً, يقتل الدجال, ويقتل الخنزير, ويكسر الصليب, ويضع الجزية ويفيض المال, وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين» قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} موت عيسى بن مريم, ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.
(طريق أخرى) عن أبي هريرة, قال الإمام أحمد: حدثنا روح بن أبي حفصة عن الزهري, عن حنظلة بن علي الأسلمي, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليهلنّ عيسى بفج الروحاء بالحج أو العمرة, أو ليثنينهما جميعاً», وكذا رواه مسلم منفرداً به من حديث ابن عيينة, والليث بن سعد ويونس بن يزيد, ثلاثتهم عن الزهري به. وقال أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا سفيان هو ابن حسين عن الزهري, عن حنظلة, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل عيسى بن مريم فيقتل الخنزير, ويمحو الصليب, وتجمع له الصلاة, ويعطى المال حتى لا يقبل, ويضع الخراج, وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما» قال: وتلا أبو هريرة {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} الاَية, فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى, فلا أدري هذا كله حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء قاله أبو هريرة, وكذا رواه ابن أبي حاتم, عن أبيه عن أبي موسى محمد بن المثنى, عن يزيد بن هارون, عن سفيان بن حسين عن الزهري به.
(طريق أخرى) قال البخاري: حدثنا ابن بكير, حدثنا الليث عن يونس, عن ابن شهاب عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح بن مريم وإمامكم منكم» تابعه عقيل والأوزاعي, وهكذا رواه الأمام أحمد عن عبد الرزاق, عن معمر, عن عثمان بن عمر, عن ابن أبي ذئب, كلاهما عن الزهري به. وأخرجه مسلم من رواية يونس والأوزاعي وابن ذئب به.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان, حدثنا همام, أنبأنا قتادة عن عبد الرحمن, عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأنبياء إخوة لعلات, أمهاتهم شتى, ودينهم واحد, وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم, لأنه لم يكن نبي بيني وبينه, وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض, عليه ثوبان ممصران, كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل, فيدق الصليب, ويقتل الخنزير, ويضع الجزية, ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإِسلام, ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال,ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل, والنمار مع البقر, والذئاب مع الغنم, ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم, فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى, ويصلي عليه المسلمون» وكذا رواه أبو داود عن هدية بن خالد, عن همام بن يحيى ورواه ابن جرير ولم يورد عند هذه الاَية سواه, عن بشر بن معاذ, عن يزيد بن هارون, عن سعيد بن أبي عروبة, كلاهما عن قتادة, عن عبد الرحمن بن آدم وهو مولى أم برثن صاحب السقاية, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه, وقال: يقاتل الناس على الإسلام, وقد روى البخاري عن أبي اليمان, عن شعيب, عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم, والأنبياء أولاد علات, ليس بيني وبينه نبي», ثم رواه محمد بن سنان عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي, عن عبد الرحمن بن أبي عمرة, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والاَخرة, الأنبياء إخوة لعلات, أمهاتهم شتى, ودينهم واحد». وقال إبراهيم بن طهمان, عن موسى بن عقبة, عن صفوان بن سليم, عن عطاء بن بشار, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(حديث آخر) قال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب, حدثنا يعلى بن منصور, حدثنا سليمان بن بلال, حدثنا سهيل عن أبيه, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق, فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ, فإذا تصافوا, قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتله, فيقول المسلمون: لا والله, لا نخلي بينكم وبين إخواننا, فيقاتلونهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً, ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله, ويفتح الثلث لا يفتنون أبداً, فيفتحون قسطنطينية, فبينما هم يقسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون, إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم, فيخرجون وذلك باطل, فإذا جاؤوا الشام خرج, فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف, إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم, فيؤمهم, فإذا رآه عدو الله, ذاب كما يذوب الملح في الماء, فلو تركه لذاب حتى يهلك, ولكن يقتله الله بيده, فيريهم دمه في حربته».
(حديث آخر) قال أحمد: حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب, عن جبلة بن سحيم, عن مؤثر بن غفارة, عن ابن مسعود, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقيت ليلة أسري بي, إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام, فتذاكروا أمر الساعة, فردوا أمرهم إلى إبراهيم, فقال: لا علم لي بها, فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها, فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله, وفيما عهد إليّ ربي عز وجل أن الدجال خارج ومعي قضيبان, فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص, قال: فيهلكه الله إذا رآني, حتى إن الحجر والشجر يقول: يامسلم إن تحتي كافراً فتعال فاقتله, قال: فيهلكهم الله, ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم, فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون, فيطئون بلادهم, فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه, ولا يمرون على ماء إلا شربوه, قال: ثم يرجع الناس يشكونهم, فدعوا الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم, وينزل المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر, ففيما عهد إليّ ربي عز وجل أن ذلك إذا كان كذلك, أن الساعة كالحامل المتم, لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادهاليلاً أو نهاراً», رواه ابن ماجه عن محمد بن بشار, عن يزيد بن هارون, عن العوام بن حوشب, به نحوه.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة, عن علي بن زيد, عن أبي نضرة, قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة لنعرض عليه مصحفاً لنا على مصحفه, فلما حضرت الجمعة, أمرنا فاغتسلنا, ثم أتينا بطيب فتطيبنا, ثم جئنا المسجد فجلسنا إلى رجل فحدثنا عن الدجال, ثم جاء عثمان بن أبي العاص, فقمنا إليه فجلسنا, فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين, ومصر بالحيرة, ومصر بالشام, فيفزع الناس ثلاث فزعات, فيخرج الدجال في أعراض الناس, فيهزم من قبل المشرق, فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين, فيصير أهلها ثلاث فرق: فرقة تقول نقيم نشامة ننظر ما هو, وفرقة تلحق بالأعراب, وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم, ومع الدجال سبعون ألفاً عليهم السيجان, وأكثر من معه اليهود والنساء, وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق, فيبعثون سرحاً لهم, فيصاب سرحهم فيشتد ذلك عليهم, ويصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله, فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من السحر: ياأيها الناس أتاكم الغوث «ثلاثاً» فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان, وينزل عيسى بن مريم عليه السلام عند صلاة الفجر, فيقول له أميرهم: ياروح الله, تقدم صل, فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض, فيتقدم أميرهم فيصلي, حتى إذا قضى صلاته أخذ عيسى حربته, فيذهب نحو الدجال, فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص, فيضع حربته بين ثندوته فيقتله, ويهزم أصحابه, فليس يومئذ شيء يواري منهم أحداً, حتى إن الشجرة تقول: يامؤمن هذا كافر, ويقول الحجر: يامؤمن هذا كافر» تفرد به أحمد من هذا الوجه.
(حديث آخر) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه: حدثنا علي بن محمد, حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل بن رافع أبي رافع, عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو, عن أبي أمامة الباهلي, قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه, فكان من قوله أن قال: «لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم عليه السلام أعظم من فتنة الدجال, وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدجال, وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم, وهو خارج فيكم لا محالة, فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم, فأنا حجيج كل مسلم, وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه, وإن الله خليفتي في كل مسلم, وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق فيعيث يميناً ويعيث شمالاً, ألا ياعباد الله: أيها الناس فاثبتوا, وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي: إنه يبدأ فيقول:أنا نبي فلا نبي بعدي, ثم يثني فيقول: أنا ربكم, ولا ترون ربكم حتى تموتوا, وإنه أعور وإن ربكم عز وجل ليس بأعور, وإنه مكتوب بين عينيه: كافر, يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب, وإن من فتنته أن معه جنة وناراً, فناره جنة وجنته نار, فمن ابتلي بناره فليستغث بالله, وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه برداً وسلاماً, كما كانت النار برداً وسلاماً على إبراهيم, وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت أمك وأباك, أتشهد أني ربك ؟ فيقول: نعم, فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه, فيقولان: يابني اتبعه فإنه ربك, وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فينشرها بالمنشار حتى تلقى شقين, ثم يقول: انظر إلى عبدي هذا فإني أبعثه الاَن, ثم يزعم أن له رباً غيري, فيبعثه الله فيقول له الخبيث: من ربك ؟ فيقول: ربي الله, وأنت عدو الله الدجال, والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم» قال أبو حسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي, حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية, عن أبي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة» قال أبو سعيد: والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب, حتى مضى لسبيله.
ثم قال المحاربي: رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر, فيأمر الأرض أن تنبت فتنبت, وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه, فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت, وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر, ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت, وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعاً, وأنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه, إلا مكة والمدينة, فإنه لا يأتيهما من نقب من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة, فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات, فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه, فينفى الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد, ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص. فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يارسول الله, فأين العرب يومئذ ؟ قال: «هم قليل وجلهم يومئذ ببيت المقدس, وإمامهم رجل صالح, فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عيسى بن مريم عليه السلام, فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى عليه السلام, فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول: تقدم فصل, فإنها لك أقيمت, فيصلي بهم إمامهم, فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب, فيفتح, ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج, فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هارباً, فيقول عيسى: إن لي فيك ضربة لم تسبقني بها, فيدركه عند باب لد الشرقي فيقتله, ويهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله تعالى يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة ـ إلا الغرقدة, فإنها من شجرهم لا تنطق ـ إلا قال: ياعبد الله المسلم, هذا يهودي فتعال اقتله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن أيامه أربعون سنة السنة كنصف السنة, والسنة كالشهر, والشهر كالجمعة, وآخر أيامه كالشررة, يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الاَخر حتى يمسي» فقيل له: كيف نصلي يانبي الله في تلك الأيام القصار ؟ قال: «تقدرون الصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال, ثم صلوا» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيكون عيسى بن مريم في أمتي حكماً عدلاً, وإماماً مقسطاً, يدق الصليب ويذبح الخنزير, ويضع الجزية, ويترك الصدقة, فلا يسعى على شاة ولا بعير, وترتفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره, وتفر الوليدة الأسد فلا يضلها, ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها, وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الماء, وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله, وتضع الحرب أوزارها وتسلب قريش ملكها, وتكون الأرض لها نور الفضة وتنبت نباتها كعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم, ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم, ويكون الثور بكذا وكذا من المال, ويكون الفرس بالدريهمات» قيل: يا رسول الله, وما يرخص الفرس ؟ قال: «لاتركب لحرب أبداً» قيل له: فما يغلي الثور ؟ قال: يحرث الأرض كلها, وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد, يصيب الناس فيها جوع شديد, ويأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها, ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها, ثم يأمر الله السماء في السنة الثانية, فتحبس ثلثي مطرها, ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها, ثم يأمر الله عز وجل السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله, فلا تقطر قطرة, ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء, فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله» قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان ؟ قال: «التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد, ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام».
قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب, هذا حديث غريب جداً من هذا الوجه, ولبعضه شواهد من أحاديث أخر, من ذلك ما رواه مسلم, وحديث نافع وسالم عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر: يامسلم هذا يهودي فتعال فاقتله» وله من طر يق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود, فيقتلهم المسلمون حتى يختبىء اليهودي من وراء الحجر والشجر, فيقول الحجر والشجر: يامسلم ياعبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ـ إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود».
ولنذكر حديث النواس بن سمعان ههنا لشبهه بهذا الحديث. قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا أبو خيثمه زهير بن حرب, حدثنا الوليد بن مسلم, حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر, حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص, حدثني عبد الرحمن بن جبير عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي (ح) وحدثنا محمد بن مهران الرازي, حدثنا الوليد بن مسلم, حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي, عن عبد الرحمن بن جبير, عن أبيه جبير بن نفير عن النواس بن سمعان, قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة, فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل, فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا, فقال: «ما شأنكم ؟» قلنا: يارسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه, ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل, قال: «غير الدجال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم, فأنا حجيجه دونكم, وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه, والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط, عينه طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن, من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف, إنه خارج من خلة بين الشام والعراق, فعاث يميناً وعاث شمالاً, ياعباد الله فاثبتوا» قلنا: يارسول الله فما لبثه في الأرض ؟ قال: «أربعون يوماً, يوم كسنة, ويوم كشهر, ويوم كجمعة, وسائر أيامه كأيامكم» قلنا: يارسول الله, وما إسراعه في الأرض ؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح فيأتي على قوم فيدعوهم فيؤمنون به, ويستجيبون له, فيأمر السماء فتمطر, والأرض فتنبت, فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى, وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر, ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله, فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم, ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل, ثم يدعوا رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض, ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك, فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم عليه السلام, فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين, واضعاً كفيه على أجنحة ملكين, إذا طأطأ رأسه قطر, وإذا رفعه تحدر منه جمان اللؤلؤ, ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات, ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه, فيطلبه حتى يدركه بباب لد, فيقتله, ثم يأتي عيسى عليه السلام قوماً قد عصمهم الله منه, فيمسح على وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة, فبينما هو كذلك إذ أوحى الله عز وجل إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم, فحرز عبادي إلى الطور, ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون, فيمر أولهم على بحيرة طبريا فيشربون ما فيها, ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء, ويحضر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم اليوم, فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه, فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض, فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأ زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله, فيرسل الله, طيراً كأعناق البخت, فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله, ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر, ولا وبر, فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض: أخرجي ثمرك وردي بركتك, فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها, ويبارك الله في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام, فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة, فتأخذهم تحت آباطهم, فيقبض الله روح كل مؤمن وكل مسلم, ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر, فعليهم تقوم الساعة» ورواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به. وسنذكره أيضاً من طريق أحمد عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} الاَية.
(حديث آخر) قال مسلم في صحيحه أيضاً: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري, حدثنا أبي, حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم, قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو, وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به, تقول إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا ؟ فقال: سبحان الله, أو لا إله إلا الله, أو كلمة نحوهما, لقد هممت أن لا أحدث أحداً شيئاً أبداً, إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمراً عظيماً: يحرق البيت ويكون ويكون, ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين, لا أدري يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً, فيبعث الله تعالى عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه, ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة, ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام, فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير ـ أو إيمان ـ إلا قبضته, حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه» قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم «فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع, لا يعرفون معروفاً, ولا ينكرون منكراً, فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون ؟ فيقولون: فما تأمرنا ؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان, وهم في ذلك دار رزقهم, حسن عيشهم, ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً, قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله, قال: فيصعق ويصعق الناس, ثم يرسل الله ـ أو قال ـ ينزل الله مطراً كأنه الطل ـ أو قال الظل ـ نعمان الشاك ـ فتنبت منه أجساد الناس, ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم {وقفوهم إنم مسؤولون} ثم يقال: أخرجوا بعث النار, فيقال: من كم ؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين, قال: فذلك يوماً يجعل الولدان شيباً, وذلك يوم يكشف عن ساق» ثم رواه مسلم والنسائي في تفسيره جميعاً عن محمد بن بشار, عن غندر, عن شعبة, عن نعمان بن سالم به.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن الزهري, عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة الأنصاري, عن عبد الله بن زيد الأنصاري, عن مجمع بن جارية, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول «يقتل ابن مريم المسيح الدجال بباب لد ـ أو إلى جانب لد ـ» ورواه أحمد أيضاً عن سفيان بن عيينة من حديث الليث والأوزاعي, ثلاثتهم عن الزهري, عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة, عن عبد الرحمن بن يزيد, عن عمه مجمع بن جارية, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقتل ابن مريم الدجال بباب لد» وكذا رواه الترمذي عن قتيبة عن الليث به, وقال: هذا حديث صحيح, وقال: وفي الباب عن عمران بن حصين ونافع بن عتبة, وأبي برزة وحذيفة بن أسيد, وأبي هريرة وكيسان وعثمان بن أبي العاص وجابر, وأبي أمامة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب والنواس بن سمعان وعمرو بن عوف وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم, ومراده برواية هؤلاء ما فيه ذكر الدجال وقتل عيسى بن مريم عليه السلام له, فأما أحاديث ذكر الدجال فقط فكثيرة جداً, وهي أكثر من أن تحصى لانتشارها وكثرة روايتها في الصحاح والحسان والمسانيد وغير ذلك.
(حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن فرات, عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري, قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة ونحن نتذاكر الساعة, فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها, والدخان, والدابة, وخروج يأجوج ومأجوج, ونزول عيسى بن مريم والدجال, وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب, وخسف بجزيرة العرب, ونار تخرج من قعر عدن تسوق ـ أو تحشر ـ الناس تبيت معهم حيث باتوا, وتقيل معهم حيث قالوا» وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث فرات القزاز به. ورواه مسلم أيضاً من رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل, عن أبي سريحة, عن حذيفة بن أسيد الغفاري موقوفاً, والله أعلم, فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص, وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومجمع بن جارية وأبي سريحة وحذيفة بن أسيد رضي الله عنهم, وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه من أنه بالشام بل بدمشق عند المنارة الشرقية, وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح, وقد بنيت في هذه الأعصار في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة منارة للجامع الأموي بيضاء من حجارة منحوتة عوضاً عن المنارة التي هدمت بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى ـ عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ـ وكان أكثر عمارتها من أموالهم, وقويت الظنون أنها هي التي ينزل عليها المسيح عيسى بن مريم عليه السلام, فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية, فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين, وهذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان, حيث تنزاح عللهم وترتفع شبههم من أنفسهم, ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى عليه السلام وعلى يديه, ولهذا قال تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} الاَية, وهذه الاَية كقوله: {وإنه لعلم للساعة} وقرىء (لعلم) بالتحريك أي أمارة ودليل على اقتراب الساعة, وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه, كما ثبت في الصحيح أن الله لم يخلق داء إلا أنزل له شفاء, ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله تعالى ببركة دعائه, وقد قال تعالى: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق} الاَية.
(صفة عيسى عليه السلام)
قد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة «فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض, عليه ثوبان ممصران, كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل», وفي حديث النواس بن سمعان «فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين, إذا طأطأ رأسه قطر, وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ, لا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه إلا مات, ونفسه ينتهي حيث انتهى طرفه», وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي لقيت موسى» قال: فنعته فإذا رجل أحسبه, قال: «مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة» قال «ولقيت عيسى» فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ربعة أحمر كأنه خرج من ديماس» يعني الحمام, «ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به» الحديث, وروى البخاري من حديث مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت موسى وعيسى وإبراهيم, فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر, وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط», وله ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن نافع, عن ابن عمر, ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً بين ظهراني الناس المسيح الدجال, فقال: «إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى, كأن عينه عنبة طافية, ولمسلم عنه مرفوعاً «وأراني اللهعند الكعبة في المنام, وإذا رجل آدم كأحسن ما ترى من أدم الرجال, تضرب لمته بين منكبيه, رجل الشعر, يقطر رأسه ماء, واضعاً يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت, فقلت: من هذا ؟ قالوا: هو المسيح بن مريم, ثم رأيت وراءه رجلاً جعداً قططاً, أعور العين اليمنى, كأشبه من رأيت بابن قطن, واضعاً يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت, فقلت: من هذا ؟ قالوا: المسيح الدجال» تابعه عبيد الله عن نافع.
ثم رواه البخاري عن أحمد بن محمد المكي, عن إبراهيم بن سعد, عن الزهري, عن سالم, عن أبيه, قال: لا والله ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعيسى أحمر, ولكن قال: «بينما أنا نائم أطوف بالكعبة, فإذا رجل آدم سبط الشعر, يتهادى بين رجلين ينطف رأسه ماء ـ أو يهراق رأسه ماء ـ فقلت: من هذا ؟ فقالوا ابن مريم, فذهبت ألتفت, فإذا رجل أحمر جسيم, جعد الراس, أعور عينه اليمنى, كأن عينه عنبة طافية, قلت: من هذا ؟ قالو: الدجال, وأقرب الناس به شبهاً ابن قطن» قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية, هذه كلها ألفاظ البخاري رحمه الله , وقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة أن عيسى عليه السلام يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة, ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون وفي حديث عبد الله بن عمر عند مسلم أنه يمكث سبع سنين فيحتمل ـ والله أعلم ـ أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة مجموع إقامته فيها قبل رفعه, وبعد نزوله, فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة, في الصحيح, وقد ورد ذلك في حديث في صفة أهل الجنة أنهم على صورة آدم وميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة, وأما ما حكاه ابن عساكر عن بعضهم أنه رفع وله مائة وخمسون سنة فشاذ غريب بعيد. وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى بن مريم من تاريخه عن بعض السلف أنه يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته, فالله أعلم. وقوله تعالى: {ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً} قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله وأقر بعبودية الله عز وجل, وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس ـ إلى قوله ـ العزيز الحكيم}.
** فَبِظُلْمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * لّـَكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ أُوْلَـَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً
يخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة, حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم, كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري, حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو, قال: قرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم, وهذا التحريم قد يكون قدرياً بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم, وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالاً لهم فحرموها على أنفسهم تشديداً منهم على أنفسهم وتضييقاً وتنطعاً, ويحتمل أن يكون شرعياً بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالاً لهم قبل ذلك, كما قال تعالى: {كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} وقد قدمنا الكلام على الاَية, وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالاً لهم من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها, ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال في سورة الأنعام: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} أي إنما حرمنا عليهم ذلك, لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه, ولهذا قال: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً} أي صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه, ولهذا كانوا أعداء الرسل وقتلوا خلقاً من الأنبياء, وكذبوا عيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهما.
وقوله: {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} أي أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه, وأكلوا أموال الناس بالباطل, قال تعالى: {وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً}, ثم قال تعالى: {لكن الراسخون في العلم منهم} أي الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران {والمؤمنون} عطف على الراسخين وخبره {يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} قال ابن عباس: أنزلت في عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسد وزيد بن سعية وأسد بن عبيد, الذين دخلوا في الإسلام, وصدقوا بما أرسل الله به محمداً صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {والمقيمين الصلاة} هكذا هو في جميع مصاحف الأئمة, وكذا هو في مصحف أبي بن كعب, وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود والمقيمون الصلاة, قال: والصحيح قراءة الجميع ثم رد على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب, ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم: هو منصوب على المدح, كما جاء في قوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} قال: وهذا سائغ في كلام العرب, كما قال الشاعر:
لا يبعدنّ قومي الذين هموسُمّ العداة وآفة الجزرالنازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر
وقال آخرون: هو مخفوض عطفاً على قوله: {بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} يعني وبالمقيمين الصلاة, وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة أي يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم, أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة وهذا اختيار ابن جرير, يعني يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة, وفي هذا نظر, والله أعلم. وقوله: {والمؤتون الزكاة} يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال, ويحتمل زكاة النفوس, ويحتمل الأمرين, والله أعلم, {والمؤمنون بالله واليوم الاَخر} أي يصدقون بأنه لا إله إلا الله, ويؤمنون بالبعث بعد الموت, والجزاء على الأعمال خيرها وشرها. وقوله: {أولئك} هو الخبر عما تقدم {سنؤتيهم أجراً عظيماً} يعني الجنة. ===== إِنّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىَ نُوحٍ وَالنّبِيّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَىَ وَأَيّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلّمَ اللّهُ مُوسَىَ تَكْلِيماً * رّسُلاً مّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
قال محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة أو سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: قال سكين وعدي بن زيد: يامحمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى, فأنزل الله في ذلك من قولهما: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} إلى آخر الاَيات. وقال ابن جرير: حدثنا الحارث, حدثنا عبد العزيز, حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي, قال: أنزل الله {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء} إلى قوله: {وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} قال: فلما تلاها عليهم يعني على اليهود, وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة, جحدوا كل ما أنزل الله وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء, ولا موسى ولا عيسى ولا على نبي من شيء, قال: فحل حبوته, وقال: ولا على أحد, فأنزل الله عز وجل {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر, فإن هذه الاَية التي في سورة الأنعام مكية, وهذه الاَية التي في سورة النساء مدنية, وهي رد عليهم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء, قال الله تعالى: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه الاَن من الكذب والافتراء, ثم ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم, كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين, فقال: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} إلى قوله: {وآتينا داود زبوراً} والزبور اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود عليه السلام وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام, عند قصصهم من سورة الأنبياء إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
وقوله: {ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك} أي من قبل هذه الاَية, يعني في السور المكية وغيرها وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله على أسمائهم في القرآن وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب وموسى وهارون ويونس وداود وسليمان وإلياس واليسع وزكريا ويحيى وعيسى, وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {ورسلاً لم نقصصهم عليك} أي خلقاً آخرين لم يذكروا في القرآن, وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين, والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل, وذلك فيما رواه ابن مردويه رحمه الله في تفسيره حيث قال: حدثنا إبراهيم بن محمد حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن والحسين بن عبد الله بن يزيد, قالا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني, حدثني أبي عن جدي, عن أبي إدريس الخولاني, عن أبي ذر, قال: يارسول الله, كم الأنبياء ؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً». قلت: يارسول الله, كم الرسل منهم ؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير». قلت يارسول الله, من كان أولهم ؟ قال: «آدم» قلت: يارسول الله, نبي مرسل ؟ قال: «نعم خلقه الله بيده, ثم نفخ فيه من روحه, ثم سواه قبيلاً» ثم قال: «يا أبا ذر, أربعة سريانيون: آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس, وهو أول من خط بالقلم, وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر, وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى, وأول النبيين آدم, وآخرهم نبيك» وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه الأنواع والتقاسيم, وقد وسمه بالصحة, وخالفه أبو الفرج بن الجوزي فذكر هذا الحديث في كتابه الموضوعات واتهم به إبراهيم بن هشام هذا, ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث والله أعلم.
وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن صحابي آخر فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف, حدثنا أبو المغيرة, حدثنا معان بن رفاعة عن علي بن يزيد, عن القاسم, عن أبي أمامة, قال: قلت: يانبي الله, كم الأنبياء ؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً والرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً» معان بن رفاعه السلامي ضعيف, وعلي بن يزيد ضعيف, والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضاً. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصري, حدثنا مكي بن إبراهيم, حدثنا موسى بن عبيدة الربذي عن يزيد الرقاشي, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف إلى بني إسرائيل, وأربعة آلاف إلى سائر الناس» وهذا أيضاً إسناد ضعيف, فيه الربذي ضعيف وشيخه الرقاشي أضعف منه والله أعلم.
قال أبو يعلى: حدثنا أبو الربيع, حدثنا محمد بن ثابت العبدي, حدثنا محمد بن خالد الأنصاري عن يزيد الرقاشي, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي, ثم كان عيسى بن مريم, ثم كنت أنا» وقد رويناه عن أنس من وجه آخر, فأخبرنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي, أخبرنا أبو الفضل بن عساكر, أنبأنا الإمام بكر القاسم بن أبي سعيد الصفار, أخبرتنا عمة أبي عائشة بنت أحمد بن منصور بن الصفار, أخبرنا الشريف أبو السنانك هبة الله بن أبي الصهباء محمد بن حيدر القرشي, حدثنا الإمام الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني, قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي, حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة, حدثنا أحمد بن طارق, حدثنا مسلم بن خالد, حدثنا زياد بن سعد عن محمد بن المنكدر, عن صفوان بن سليم, عن أنس بن مالك, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي, منهم أربعة آلاف نبي من بني إسرائيل» وهذا غريب من هذا الوجه, وإسناده لا بأس به, رجاله كلهم معرفون إلا أحمد بن طارق هذا, فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح, والله أعلم. وحديث أبي ذر الغفاري الطويل في عدد الأنبياء عليهم السلام. قال محمد بن حسين الاَجري: حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الفريابي إملاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين, حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني, حدثنا أبي عن جده, عن أبي إدريس الخولاني, عن أبي ذر, قال: دخلت المسجد, فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده, فجلست إليه, فقلت: يارسول الله, إنك أمرتني بالصلاة. قال: «الصلاة خير موضوع, فاستكثر أو استقل» قال: قلت: يارسول الله, فأي الأعمال أفضل ؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله». قلت: يارسول الله, فأي المؤمنين أفضل ؟ قال: «أحسنهم خلقاً». قلت: يارسول الله, فأي المسلمين أسلم ؟ قال: «من سلم الناس من لسانه ويده». قلت: يارسول الله, فأي الهجرة أفضل ؟ قال: «من هجر السيئات» قلت: يارسول الله أي الصلاة أفضل ؟ قال: «طول القنوت» فقلت: يارسول الله , فأي الصيام أفضل ؟ قال: «فرض مجزىء وعند الله أضعاف كثيرة» قلت: يارسول الله فأي الجهاد أفضل ؟ قال: «من عقر جواده وأهريق دمه». قلت: يارسول الله, فأي الرقاب أفضل ؟ قال: «أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها». قلت: يارسول الله, فأي الصدقة أفضل ؟ قال: «جهد من مقل وسر إلى فقير». قلت: يارسول الله, فأي آية ما أنزل عليك أعظم ؟ قال «آية الكرسي», ثم قال يا أبا ذر, وما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة» قال: قلت: يارسول الله, كم الاَنبياء ؟ قال «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً». قال: قلت: يارسول الله, كم الرسل من ذلك ؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير كثير طيب». قلت: فمن كان أولهم ؟ قال: «آدم» قلت: أنبي مرسل ؟ قال: «نعم, خلقه الله» بيده, ونفخ فيه من روحه, سواه قبيلا», ثم قال: «يا أبا ذر, أربعة سريانيون: آدم وشيث وخنوخ وهو إدريس, وهو أول من خط بقلم, ونوح, وأربعة من العرب: هود وشعيب وصالح ونبيك با أبا ذر, وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى, وأول الرسل آدم وآخرهم محمد» قال: قلت: يارسول الله, كم كتاب أنزله الله ؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب, أنزل الله على شيث خمسين صحيفة, وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة, وعلى إبراهيم عشر صحائف, وأنزل على موسى من قبل التوراة عشرة صحائف, وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان» قال: قلت: يارسول الله, ما كانت صحف إبراهيم ؟ قال «كانت كلها يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض, ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم, فإني لا أردها ولو كانت من كافر, وكان فيها أمثال, وعلى العاقل أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه, وساعة يحاسب فيها نفسه, وساعة يفكر في صنع الله, وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب, وعلى العاقل أن لا يكون ضاغناً إلا لثلاث: تزود لمعاد, أو مرمة لمعاش, أو لذة في غير محرم, وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه, مقبلاً على شأنه: حافظاً للسانه, ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه». قال: قلت: يارسول الله, فما كانت صحف موسى ؟ قال «كانت عبراً كلها, عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح, عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب, وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها, وعجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم هو لا يعمل». قال: قلت: يارسول الله, فهل في أيدينا شيء مما كان في أيدي إبراهيم وموسى, وما أنزل الله عليك ؟ قال «نعم اقرأ يا أبا ذر {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والاَخرة خير وأبقى * إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى}». قال: قلت: يارسول الله, أوصني قال: أوصيك بتقوى الله فإنه رأس أمرك قال: قلت يا رسول الله زدني قال «عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض» قال: قلت: يارسول الله زدني. قال «إياك وكثرة الضحك, فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه», قال: قلت: يارسول الله زدني, قال: «عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي». قلت: زدني. قال «عليك بالصمت إلا من خير فإنه مطردة للشيطان, وعون لك على أمر دينك». قلت: زدني قال: «انظر إلى من هو تحتك, ولا تنظر إلى من هو فوقك, فإنه أجدر لك أن لا تزدري نعمة الله عليك». قلت: زدني. قال: «أحبب المساكين وجالسهم, فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك». قلت: زدني قال: «صل قرابتك وإن قطعوك». قلت: زدني. قال: «قل الحق وإن كان مراً» قلت: زدني. قال «لا تخف في الله لومة لائم». قلت: زدني. قال «يردك عن الناس ما تعرف من نفسك, ولا تجد عليهم فيما تحب, وكفى بك عيباً أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك, أو تجد عليهم فيما تحب», ثم ضرب بيده صدري فقال: «يا أبا ذر, لا عقل كالتدبير, ولا ورع كالكف, ولا حسب كحسن الخلق».
وروى الإمام أحمد عن أبي المغيرة, عن معان بن رفاعة, عن علي بن يزيد, عن القاسم, عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم, فذكر أمر الصلاة والصيام والصدقة, وفضل آية الكرسي, ولا حول ولا قوة إلا بالله, وأفضل الشهداء, وأفضل الرقاب, ونبوة آدم وأنه مكلم, وعدد الأنبياء, والمرسلين كنحو ما تقدم.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي يخطه: حدثني عبد المتعالي بن عبد الوهاب, حدثنا يحيى بن سعيد الأموي, حدثنا مجالد عن أبي الوداك, قال: قال أبو سعيد: هل تقول الخوارج بالدجال ؟ قال: قلت:لا , فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني خاتم ألف نبي أو أكثر, وما بعث نبي يتبع إلا وقد حذر أمته منه, وإني قد بين لي فيه ما لم يبين لأحد, وإنه أعور, وإن ربكم ليس بأعور, وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص, وعينه اليسرى كأنها كوكب دري, معه من كل لسان, ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء, وصورة النار سوداء تدخن», وقد رويناه في الجزء الذي فيه رواية أبي يعلى الموصلي عن يحيى بن معين: حدثنا مروان بن معاوية, حدثنا مجالد عن أبي الوداك, عن أبي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أختم ألف ألف نبي أو أكثر, ما بعث الله من نبي إلى قومه إلا حذرهم الدجال», وذكر تمام الحديث, هذا لفظه بزيادة ألف وقد تكون مقحمة, والله أعلم.
وسياق رواية الإمام أحمد أثبت وأولى بالصحة, ورجال إسناد هذا الحديث لا بأس بهم, وقد روي هذا الحديث من طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه, قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي, حدثنا يحيى بن سعيد, حدثنا مجالد عن الشعبي, عن جابر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لخاتم ألف نبي أو أكثر, وإنه ليس منهم نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال, وإني قد بين لي ما لم يبين لأحد منهم, وإنه أعور, وإن ربكم ليس بأعور»
قوله: {وكلم الله موسى تكليماً} وهذا تشريف لموسى عليه السلام بهذه الصفة, ولهذا يقال له: الكليم, وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردوية: حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي, حدثنا مسيح بن حاتم, حدثنا عبد الجبار بن عبد الله, قال: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال: سمعت رجلاً يقرأ {وكلم الله موسى تكليماً}, فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر, قرأت على الأعمش, وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب, وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي, وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على علي بن أبي طالب, وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكلم الله موسى تكليماً} وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش رحمه الله على من قرأ كذلك, لأنه حرف لفظ القرآن ومعناه, وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله كلم موسى عليه السلام أو يكلم أحداً من خلقه, كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ {وكلم الله موسى تكليماً} فقال له: يا ابن اللخناء, كيف تصنع بقوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} ؟ يعني أن هذا لا يحتمل التحريف, ولا التأويل, وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا أحمد بن الحسين بن بهرام, حدثنا محمد بن مرزوق, حدثنا هانىء بن يحيى عن الحسن بن أبي جعفر, عن قتادة, عن يحيى بن وثاب, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما كلم الله موسى كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء» وهذا حديث غريب, وإسناده لا يصح, وإذا صح موقوفاً كان جيداً, وقد روى الحاكم في مستدركه وابن مردويه من حديث حميد بن قيس الأعرج, عن عبد الله بن الحارث, عن ابن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان على موسى يوم كلمه ربه جبة صوف, وكساء صوف, وسراويل صوف, ونعلان من جلد حمار غير ذكي».
وقال ابن مردويه بإسناده, عن جويبر, عن الضحاك, عن ابن عباس, قال: إن الله ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام, وصايا كلها, فلما سمع موسى كلام الاَدميين مقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الرب عز وجل, وهذا أيضاً إسناد ضعيف, فإن جويبر أضعف, والضحاك لم يدرك ابن عباس رضي الله عنهما. فأما الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهما من طريق الفضل بن عيسى الرقاشي, عن محمد بن المنكدر, عن جابر بن عبد الله أنه قال: لما كلم الله موسى يوم الطور, كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه, فقال له موسى: يارب هذا كلامك الذي كلمتني به, قال: لا ياموسى, إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان, ولي قوة الألسنة كلها, وأنا أقوى من ذلك, فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل, قالوا: ياموسى, صف لنا كلام الرحمن. قال: لا أستطيعه. قالوا: فشبه لنا. قال: ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق فإنه قريب منه وليس به. وهذا إسناد ضعيف, فإن الفضل الرقاشي هذا ضعيف بمرة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري, عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث, عن جزء بن جابر الجثعمي, عن كعب, قال: إن الله لما كلم موسى بالألسنة كلها, فقال له موسى: يارب, هذا كلامك ؟ قال: لا, ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له. قال: يارب, فهل من خلقك شيء يشبه كلامك ؟ قال: لا, وأشد خلقي شبهاً بكلامي أشد ما تسمعون من الصواعق, فهذا موقوف على كعب الأحبار, وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين.
وقوله: {رسلاً مبشرين ومنذرين} أي يبشرون من أطاع ا لله واتبع رضوانه بالخيرات, وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب, وقوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً} أي أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة, وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه, لئلا يبقى لمعتذر عذر, كما قال تعالى: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى}, وكذا قوله: {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم} الاَية. وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أغير من الله, من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن, ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل, من أجل ذلك مدح نفسه, ولا أحد أحب إليه العذر من الله, من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين», وفي لفظ آخر «من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه». )
** لّـَكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىَ بِاللّهِ شَهِيداً * إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلّواْ ضَلاَلاَ بَعِيداً * إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاّ طَرِيقَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً * يَأَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الرّسُولُ بِالْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنّ للّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً
لما تضمن قوله تعالى: {إنّا أوحينا إليك} إلى آخر السياق, إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب, قال الله تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} أي وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك, فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}, ولهذا قال: {أنزله بعلمه} أي في علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان, وما يحبه الله ويرضاه, وما يكرهه ويأباه, وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل, وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لايعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به, كما قال تعالى: {ولايحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء} وقال: {ولا يحيطون به علماً}.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين, حدثنا الحسن بن سهل الجعفري وخزز بن المبارك, قالا: حدثنا عمران بن عيينة, حدثنا عطاء بن السائب, قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن, وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله, فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل, ثم يقرأ قوله: {أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً}, قوله: {والملائكة يشهدون} أي بصدق ما جاءك وأوحى اليك وأنزل عليك مع شهادة الله تعالى بذلك {وكفى بالله شهيداً} قال محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة أو سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود, فقال لهم: «إني لأعلم والله إنكم لتعلمون أني رسول الله» فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله عز وجل {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} الاَية.
وقوله: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيداً} أي كفروا في أنفسهم, فلم يتبعوا الحق, وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به, قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه, وبعدوا منه بعداً عظيماً شاسعاً, ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله, الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه بأنه لا يغفر لهم {ولا يهديهم طريقاً} أي سبيلاً إلى الخير {إلا طريق جهنم} وهذا استثناء منقطع {خالدين فيها أبداً} الاَيه, ثم قال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيراً لكم} أي قد جاءكم محمد صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله عز وجل, فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه, يكن خيراً لكم. ثم قال: {وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض} أي فهو غني عنكم وعن إيمانكم, ولا يتضرر بكفرانكم, كما قال تعالى: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد} وقال ههنا: {وكان الله عليماً} أي بمن يستحق منكم الهداية فيهدية, وبمن يستحق الغواية فيغويه, {حكيماً} أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ====== يَأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاّ الْحَقّ إِنّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىَ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لّكُمْ إِنّمَا اللّهُ إِلَـَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لّهُ وما فِي السّمَاوَات وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَىَ بِاللّهِ وَكِيلاً
ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء, وهذا كثير في النصارى, فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها, فنقلوه من حيز النبوة, إلى أن اتخذوه إلهاً من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه, فادعوا فيهم العصمة, واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقاً أو باطلاً, أو ضلالاً أو رشاداً, أو صحيحاً أو كذباً, ولهذا قال الله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} الاَية. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم قال: زعم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود, عن ابن عباس, عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم. فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله». ثم رواه هو وعلي بن المديني عن سفيان بن عيينة, عن الزهري كذلك, ولفظه «إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده وهكذا رواه البخاري عن الحميدي, عن سفيان بن عيينة, عن الزهري به, ولفظه «فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله».
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى, حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رجلاً قال يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا, وخيرنا وابن خيرنا¹ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهويكم الشيطان, أنا محمد بن عبد الله, عبد الله ورسوله, والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» تفرد به من هذا الوجه. وقوله تعالى: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} أي لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولداً, تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً, وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته, فلا إله إلا هو, ولا رب سواه, ولهذا قال: {إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} أي إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه, قال له: كن فكان, ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم, أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه عز وجل, فكان عيسى بإذنه عز وجل, وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها, فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم, والجميع مخلوق الله عز وجل, ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه, لأنه لم يكن له أب تولد منه, وإنما هو ناشىء عن الكلمة التي قال له بها كن فكان, والروح التي أرسل بها جبريل قال الله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام}. وقال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقال تعالى: {والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين} وقال تعالى: {ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها} إلى آخر السورة, وقال تعالى إخباراً عن المسيح: {إن هو الا عبد أنعمنا عليه} الاَية.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} هو قوله: كن فيكون}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت شاذ بن يحيى يقول في قول الله {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} قال: ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى, وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: {ألقاها إلى مريم} أي أعلمها بها, كما زعمه في قوله: {إذ قالت الملائكة يامريم إنّ الله يبشرك بكلمة منه} أي يعلمك بكلمة منه ويجعل ذلك كقوله تعالى: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم, فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى عليه السلام. وقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل, حدثنا الوليد, حدثنا الأوزاعي, حدثني عمير بن هانىء, حدثنا جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, وأن محمداً عبده ورسوله, وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه, وأن الجنة حق والنار حق, أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
وقال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عمير بن هانىء, عن جنادة زاد«من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء», وكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد, عن الوليد, عن ابن جابر به, ومن وجه آخر عن الأوزاعي به, فقوله في الاَية والحديث «وروح منه» كقوله: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه} أي من خلقه ومن عنده وليست من للتبعيض كما تقوله النصارى عليهم لعائن الله المتتابعه ـ بل هي لابتداء الغاية كما في الاَية الأخرى, وقد قال مجاهد في قوله: {وروح منه} أي ورسول منه, وقال غيره: ومحبة منه, والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف, كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: {هذه ناقة الله} وفي قوله: {وطهر بيتي للطائفين} وكما روي في الحديث الصحيح: «فأدخل على ربي في داره» أضافها إليه إضافة تشريف, وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد.
وقوله: {فآمنوا بالله ورسوله} أي فصدقوا بأن الله واحد أحد, لا ولد له ولا صاحبة, واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله, ولهذا قال تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة} أي لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً, وهذه الاَية كالتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد} وكما قال في آخر السورة المذكورة: {وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني} الاَية, وقال في أولها {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} الاَية, ـ فالنصارى عليهم لعائن الله ـ من جهلهم ليس لهم ضابط, ولا لكفرهم حد, بل أقوالهم وضلالهم منتشر, فمنهم من يعتقده إلهاً, ومنهم من يعتقده شريكاً, ومنهم من يعتقده ولداً, وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة, وأقوال غير مؤتلفة. ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولاً.
ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم وهو سعيد بن بطريق بترك الإسكندرية في حدود سنة أربعمائة من الهجرة النبوية, أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم, وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة, وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة, وأنهم اختلفوا عليه اختلافاً لا ينضبط ولا ينحصر, فكانوا أزيد من ألفين أسقفاً, فكانوا أحزاباً كثيرة, كل خمسين منهم على مقالة, وعشرون على مقالة, ومائة على مقالة, وسبعون على مقالة, وأزيد من ذلك وأنقص. فلما رأى منهم عصابة قد زادوا على الثلثمائة بثمانية عشر نفر, وقد توافقوا على مقالة, فأخذها الملك ونصرها وأيدها, وكان فيلسوفاً داهية, ومحق ما عداها من الأقوال, وانتظم دست أولئك الثلثمائة والثمانية عشر, وبنيت لهم الكنائس, ووضعوا لهم كتباً وقوانين, وأحدثوا فيها الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار ليعتقدوها ويعمدونهم عليها وأتباع هؤلاء هم الملكانية. ثم إنهم اجتمعوا مجمعاً ثانياً, فحدث فيهم اليعقوبية, ثم مجمعاً ثالثاً فحدث فيهم النسطورية, وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح ويختلفون في كيفية ذلك, وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم هل اتحدا, أو ما اتحدا, أو امتزجا, أو حل فيه على ثلاث مقالات وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى, ونحن نكفر الثلاثة, ولهذا قال تعالى: {انتهوا خيراً لكم} أي يكن خيراً لكم {إنما الله إلهٌ واحد سبحانه أن يكون له ولد} أي تعالى وتقدس عن ذلك علواً كبيراً {له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً} أي الجميع ملكه وخلقه, وجميع ما فيها عبيده وهم تحت تدبيره وتصريفه, وهو وكيل على كل شيء, فكيف يكون له منهم صاحبة وولد, كما قال في الاَية الأخرى: {بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد} الاَية, وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إداً ـ إلى قوله ـ فرداً}.
** لّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً * فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ وَأَمّا الّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا إبراهيم بن موسى, حدثنا هشام عن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس: قوله: {لن يستنكف} لن يستكبر. وقال قتادة: لن يحتشم {المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون} وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الاَية حيث قال: {ولا الملائكة المقربون} وليس له في ذلك دلالة, لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح, لأن الاستنكاف هو الامتناع, والملائكة أقدر على ذلك من المسيح, فلهذا قال: {ولا الملائكة المقربون} ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل: إنما ذكروا لأنهم اتخذوا آلهة مع الله كما اتخذ المسيح, فأخبر تعالى أنهم عبيد من عباده وخلق من خلقه, كما قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون} الاَيات, ولهذا قال: {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً} أي فيجمعهم إليه يوم القيامة, ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور فيه, ولا يحيف, ولهذا قال: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} أي فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة, ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه, وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي, عن الأعمش, عن سفيان, عن عبد الله مرفوعاً, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} قال: أجورهم «أدخلهم الجنة» {ويزيدهم من فضله} قال «الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم} وهذا إسناد لا يثبت.. وإذا روي عن ابن مسعود موقوفاً, فهو جيد {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} أي امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك {فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً} كقوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} أي صاغرين حقيرين ذليلين كما كانوا ممتنعين مستكبرين.
** يَا أَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مّن رّبّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مّبِيناً * فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مّسْتَقِيماً
يقول تعالى مخاطباً جميع الناس ومخبراً بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم, وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة, ولهذا قال: {وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} أي ضياء واضحاً على الحق, قال ابن جريج وغيره: وهو القرآن {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به} أي جمعوا بين مقامي العبادة, والتوكل على الله في جميع أمورهم, وقال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرأن. رواه ابن جرير {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} أي يرحمهم فيدخلهم الجنة, ويزيدهم ثواباً ومضاعفة ورفعاً في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم, {ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً} أي طريقاً واضحاً قصداً قواماً لااعوجاج فيه ولا انحراف وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والاَخرة, فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات, وفي الاَخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور, عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القرآن صراط الله المستقيم, وحبل الله المتين» وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير, ولله الحمد والمنة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق